قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

حراك دبلوماسي مكثف بين البلدين لتسليم متهمين بـ«الفساد»

صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)
صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)
TT

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)
صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم»، الاثنين في فرنسا، تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة»، وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»، وفق ما أفادت به مصادر صحافية جزائرية.

وأكد الموقع الإلكتروني «قصبة تريبيون» أن زيارة الوفد «تناولت تعزيز التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا»، مبرزاً أن الفريق ضم مسؤولين بارزين، من بينهم النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر (محكمة الاستئناف)، بالإضافة إلى عدد من الكوادر بوزارة العدل».

وزير الداخلية الجزائري مع نظيره الفرنسي بباريس يونيو الحالي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وأوضح الموقع نفسه أن الزيارة جاءت في سياق زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، إلى الجزائر في 18 مايو (أيار) الماضي، مؤكدا أنها شكلت مناسبة «أبدى فيها الطرفان رغبتهما في طي صفحة الانسداد في مجال التبادلات القضائية بين البلدين».

وكانت أشكال التعاون والتنسيق بين البلدين قد توقفت في صيف 2024 بسبب استياء الجزائر من انحياز باريس إلى المغرب بخصوص نزاع الصحراء.

ملفات ثقيلة

يقع ملف «الأموال المنهوبة والممتلكات غير المشروعة» في قلب المحادثات الجارية حالياً بين الجزائر وفرنسا بباريس، وهو موضوع يتسم بحساسية بالغة بالنسبة للجزائر، إذ تسعى السلطات الجزائرية منذ عدة سنوات إلى استرجاع الأصول والعقارات المحجوزة في فرنسا، التي يملكها مسؤولون ورجال أعمال سابقون أدينوا في قضايا فساد. ووفقاً للسلطات الفرنسية، فقد تم تسجيل ما يقارب مائة طلب جزائري للإنابة القضائية الدولية في هذا الإطار.

ويشمل الملف نفسه إجراءات تسليم الأشخاص المطلوبين لدى القضاء الجزائري بتهم «فساد»، أهمهم وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، الذي رفضت محكمة فرنسية العام الماضي تسليمه للجزائر، بدعوى عدم توفر محاكمة عادلة. وإضافة إلى هذا الملف، يجري الجانبان تنسيقاً حول مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، لا سيما شبكات التهريب، والاتجار التي تنشط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وكانت هذه القضايا قد أُثيرت بالفعل خلال زيارة جيرالد دارمانان إلى الجزائر، التي رافقه فيها قضاة فرنسيون رفيعو المستوى، متخصصون في القضايا المالية والجريمة المنظمة. وتم خلال هذه الزيارة رفع طلب رسمي للسلطات الجزائرية، يخص تسليم أعضاء من «شبكة مافيا دي زاد»، يعتقد الأمن الفرنسي أنهم يختبئون في الجزائر، وهم محل ملاحقة قضائية في فرنسا لتورطهم في جرائم اغتيال، والاتجار بالمخدرات في الجنوب الفرنسي.

ملصق لوثائقي تلفزيوني فرنسي حول شبكة مافيا دي زاد بمرسيليا

وحسب المصادر الإعلامية نفسها، فقد تضمن جدول أعمال الوفد القضائي الجزائري في فرنسا، «ملفاً حساساً يتعلق بالرعايا الجزائريين الموجودين في وضعية غير نظامية بفرنسا وإجراءات ترحيلهم»، ويعرف هذا الملف بـ«أزمة تجميد التراخيص من طرف القنصليات الجزائرية في فرنسا»، وهذا الأمر شرط لترحيل المهاجر غير النظامي للجزائر.

دفعة جديدة لتطبيع العلاقات

وترغب باريس في إضفاء مرونة أكبر على آليات التعاون الإداري والقضائي، المرتبطة بتحديد هوية الأشخاص المعنيين بقرارات الإبعاد وترحيلهم، وهو موضوع يشكل بانتظام محور النقاشات الثنائية.

تنسيق براغماتي

وقد هيمنت ملفات ملاحقة مسؤولي الحقبة السابقة، واسترجاع الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج، لا سيما نحو فرنسا، على جدول أعمال المباحثات التي أجراها في باريس مطلع الشهر الحالي، وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، مع نظيره الفرنسي، لوران نونيز.

وضمن هذا التوجه، سلمت الجزائر عبر القنوات القضائية والدبلوماسية نظيرتها الفرنسية قائمةً باسم وزراء ومسؤولين نافذين سابقين يقيمون على أراضيها؛ وذلك تمهيداً لتسليمهم، والحجز على ودائعهم ومصادرة أملاكهم في مرحلة أولى تسبق استردادها نهائياً.

قائد سلاح الدرك سابقاً الجنرال غالي بلقصير (حسابات ناشطين سياسيين)

ويأتي على رأس هذه القائمة وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، الذي كانت محكمة باريس قد رفضت العام الماضي تسليمه تحت مبرر «غياب شروط المحاكمة العادلة»، إلى جانب القائد الأسبق لجهاز الدرك الوطني، الجنرال غالي بلقصير، الذي تشير تقارير صحافية دولية إلى إقامته منذ أربع سنوات في جزيرة فانواتو بالمحيط الهادئ، بينما تتركز حساباته المصرفية في فرنسا.

وتعكس زيارة الوفد القضائي إلى باريس، حسب مراقبين، دفعة جديدة لمسار تطبيع العلاقات بين الجزائر وفرنسا، حيث تبدو العاصمتان عازمتين، بعد فترة التشنج الدبلوماسي، على تجاوز الخلافات وتبني قواسم مشتركة تقوم على الشراكة الأمنية والقضائية ومحاربة الفساد المالي.

ويعد ملف الهجرة أحد المحركات الرئيسية لاستئناف الحوار بين البلدين، لا سيما من الجانب الفرنسي؛ إذ تسعى باريس منذ عدة سنوات إلى تعزيز آليات إعادة استقبال الرعايا الموجودين في وضعية غير نظامية، في المقابل، ترفض الجزائر بانتظام تناول هذا الملف من زاوية أمنية بحتة، وتشدد على ضرورة تبني مقاربة أكثر شمولية تدمج التنقل القانوني، والتأشيرات، وحركية الطلبة. ومع ذلك، فإن هذا التباين في الرؤى لم يختفِ.

وزير الصناعة سابقاً عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

ورغم هذه الخلافات، يبقى التعاون الميداني بين مصالح البلدين أمراً لا غنى عنه، حسب المراقبين أنفسهم، نظراً لمواجهتهما تحديات ورهانات مشتركة؛ تتمثل أساساً في تفكيك شبكات التهريب، ومحاربة الجريمة العابرة للحدود، والتصدي لتزوير الوثائق، فضلاً عن مجابهة التحديات المرتبطة بتدفقات الهجرة في حوض البحر الأبيض المتوسط.


مقالات ذات صلة

عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

شمال افريقيا فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

تتسابق فرق الإنقاذ مع الزمن للوصول إلى الطفل أيوب بعد سقوطه داخل بئر ضيقة وعميقة في ولاية البيض، غرب الجزائر، منذ الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قرار إرسال مروجي المخدرات إلى تنزروفت جاء خلال اجتماع للمجلس الأعلى للأمن برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون (الرئاسة)

الجزائر تشدد العقوبات ضد بارونات المخدرات

قررت الجزائر تحويل ثكنة تابعة للجيش الوطني الشعبي في منطقة تنزروفت، التي تعد واحدة من أكثر مناطق العالم قسوة للعيش، إلى سجن شديد الحراسة مخصص لمهربي المخدرات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

تعيينات جديدة في الحكومة الجزائرية

عيّن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فريد كورتل وزيراً للصناعة، وفوزية نعامة وزيرة منتدبة مكلفة لجماعات المحلية لدى وزير الداخلية والجماعات المحلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حريق مهول عاشته مدينة سرايدي الغابية بشرق الجزائر «الحماية المدنية»

الجزائر تعلن السيطرة على جميع الحرائق

أعلنت المديرية العامة للحماية المدنية عن إخماد جميع الحرائق التي نشبت في عدة ولايات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

الرئيس الجزائري يجري تعديلاً وزارياً جزئياً

أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، تعديلاً وزارياً جزئياً شمل أربع حقائب، وذلك بعد استشارة الوزير الأول، بحسب بيان لرئاسة الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
TT

قلق أوروبي إزاء تثبيت الأحكام في قضية «التآمر على أمن الدولة» في تونس

أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)
أحمد نجيب الشابي من بين المسجونين في قضية التآمر (رويترز)

أعرب الاتحاد الأوروبي، الجمعة، عن قلقه بعد أن أيدت محكمة النقض التونسية الأحكام المشددة الصادرة بحق نحو 40 شخصاً، بينهم معارضون بارزون، في قضية «التآمر على أمن الدولة».

ومن بين المسجونين في القضية المعارض المخضرم أحمد نجيب الشابي، والمحامي العياشي الهمامي، والقيادي البارز السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، والوزير السابق الوسطي غازي الشواشي، والناشطة شيماء عيسى.

وقال المتحدث باسم الشؤون الخارجية في المفوضية الأوروبية كريستيان فيغاند في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «تابع الاتحاد الأوروبي بقلق الأحكام التي أيدتها محكمة التعقيب التونسية في 3 سبتمبر (أيلول) فيما يُعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، والتي أسفرت عن أحكام بالسجن لفترات طويلة بحق العشرات من الشخصيات السياسية، والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين»، مضيفاً أن «بعض الأسئلة لا تزال قائمة بشأن الامتثال الكامل لضمانات المحاكمة العادلة».

وتابع المتحدث موضحاً: «يستنكر الاتحاد الأوروبي استخدام الاتصالات مع الدبلوماسيين المعتمدين في تونس، بمن فيهم الأوروبيون، أساساً لتوجيه اتهام أو دليلاً يدين المتهمين».

واختتم فيغاند قائلاً: «ندعو السلطات التونسية إلى إعادة تهيئة الظروف اللازمة حتى تسهم التعددية والأصوات المستقلة في تنمية البلاد». ورفضت محكمة النقض التي تسمى في تونس محكمة التعقيب، الخميس، الطعون المقدمة في هذه القضية، ما جعل الأحكام القاسية التي تصل إلى السجن لمدة 45 عاماً نهائية. وأثار تحديد موعد الجلسة انتقادات حادة؛ إذ ندّد عدد من المحامين بالإعلان عنها قبل أيام قليلة من انعقادها، ما حال دون إعدادهم لدفاعهم بالشكل الملائم في قضية تنطوي على رهانات سياسية كبيرة.

وقبل الجلسة، حضّت «منظمة العفو الدولية» السلطات التونسية على إلغاء أحكام الإدانة، التي عدّتها «ظالمة»، والإفراج عن المسجونين في هذه القضية. ومنذ استئثار الرئيس قيس سعيّد بالسلطة في 25 يوليو (تموز) 2021، تندد المعارضة والمجتمع المدني بتراجع الحقوق والحريات في تونس.


الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
TT

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)

انتقد الإعلام المغربي بشدّة، الجمعة، تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى «تهاون تام» للقوّات المغربية في مواجهة تدفّق عشرات آلاف المهاجرين إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب في أواخر يوليو (تموز).

وكان أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة يومَي 30 و31 يوليو الماضي، في موجة غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة حول حاجز بحري.

وأشار تقرير للشرطة الإسبانية -اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأربعاء- إلى «تهاون تام» في استجابة الشرطة المغربية، ما سهّل تدفق المهاجرين، مع قيام بعض العناصر بتوجيههم نحو المياه.

وذكر التقرير، الذي استند إلى صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو متاحة للعموم وشهادات المهاجرين، أن أعداد الشرطة حول المعبر الحدودي كانت «أقل بكثير من المعتاد»، وأن الشرطيين «لم يبذلوا أي محاولة جدية» للحدّ من الحشود.

ولطالما تجنّبت الحكومة اليسارية في إسبانيا تحميل المغرب المسؤولية، فيما أمضت سنوات تحاول تحسين علاقاتها المعقّدة تاريخياً معه، لا سيما بشأن وضع سبتة ومليلة.

وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الخميس، عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطّط أو دبّر تدفق المهاجرين. ولم يصدر بعد أي تعليق رسمي عن المغرب على هذا التقرير، غير أن وسائل إعلام مغربية عدّة انتقدت مضمونه. واعتبر موقع «هسبريس» أن النصّ «يكشف عن بناء سردي هشّ، يفتقر إلى الأدلة المادية، ويعج بتناقضات صارخة تدحض فرضيات التقرير نفسه». ورأى فيه الموقع «محاولة يائسة لتحويل المغرب من شريك استراتيجي موثوق في إدارة الحدود إلى كبش فداء لتصفية حسابات سياسية وقضائية بحتة في مدريد». أما «لوديسك»، فندّد من جهته بـ«مستند أُنجز على عجالة»، مشيراً إلى عدّة وقائع خاطئة مثل ذكر تاريخ 30 يونيو (حزيران) بدلاً من 30 يوليو. كما لفت إلى أن مصطلحي «الدولة» و«الحكومة المغربية» غير واردين في التقرير عند بيان المسؤوليات.

واعتمدت أسبوعية «تيل كيل» الموقف عينه، مشيرة إلى أنه خلافاً لما تمّ تداوله على نطاق واسع في الإعلام، لا ينسب التقرير مسؤولية «التخطيط والتنفيذ» إلى المغرب، ولا يحدّد أي مسؤول مغربي بالاسم.

وأكّد الموقع الإخباري الاقتصادي «ميديا 24» من جهته «ضرورة إلقاء نظرة مغربية» على هذا التقرير، الذي حظي بمتابعة واسعة في إسبانيا، لا سيّما من وسائل إعلام مواقفها «معادية للمغرب»، حسب الموقع الذي ندّد باستخدام مصطلح «تهاون» باعتبار أن التقرير قائم على «صور أقمار اصطناعية تجسّد لحظة آنية لا غير».

وفي مطلع أغسطس (آب)، أكّد مسؤول مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه، أنه لم يسجَّل أيّ تقصير في التدابير الأمنية المغربية.


تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
TT

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة» يُضاف إلى دعم صيني لحقِّ مصر في نهر النيل، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي»، ما عدَّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، خطوةً تعزِّز الرهان على إمكانية تعظيم الضغوط على أديس أبابا، والدفع نحو حلول عادلة تنصف الحقوق المصرية.

وشدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، في ختام محادثاتهما في القاهرة، الخميس، على «أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر، ومبدأ رفض أي إجراءات أحادية، والتعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي المصري» وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين، مؤكداً استعداد بلاده «للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة، وتيسير هذا الحوار خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغبت مصر وإثيوبيا في ذلك»، بحسب وسائل إعلام مصرية.

ويُضاف هذا المسعى الإيطالي، إلى تأكيد صيني لحقِّ مصر في أمنها المائي، وتأييدها الالتزام بالقانون الدولي من جانب دول حوض النيل، وذلك في ختام زيارة الرئيس شي جينبينغ القاهرة، الثلاثاء الماضي.

وسبقت ذلك، مساعٍ أميركية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتَّوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية.

النيل لم يعد قضية ثنائية

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن التطورات الأخيرة، «تعكس حقيقة مهمة، وهي أن أزمة النيل لم تعد قضية ثنائية يمكن تركها رهينة للجمود أو لإدارة الأمر الواقع، وإنما أصبحت قضية استقرار إقليمي تستوجب تحركاً مسؤولاً من القوى الصديقة، والشركاء الدوليين».

ويؤكد حجازي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان للأصدقاء دور مطلوب في هذه المرحلة، فهو ليس الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما مساعدة الجميع على إدراك حقيقة بسيطة أن الاتفاق العادل هو انتصار للجميع، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على سياسة الأمر الواقع»، مؤكداً أن «الرهان الأهم اليوم هو أن تتحول علاقات مصر الاستراتيجية مع أصدقائها وحلفائها إلى قوة دفع حقيقية نحو استئناف مفاوضات جادة، تستند إلى ما تم إنجازه سابقاً، ولا تبدأ من الصفر، وتستهدف التَّوصُّل إلى اتفاق شامل وملزم يحقِّق مصالح الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)».

وزيرا خارجية مصر وإيطاليا خلال المشاركة في أعمال «منتدى الأعمال المصري - الإيطالي» بالقاهرة (الخارجية المصرية)

من جانبه، يرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن ذلك الحراك المطروح من وروما وبكين وقبل ذلك واشنطن، «يشير بوضوح إلى وجود توجه نحو دعم الموقف المصري، وضرورة التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة».

وعن الدور المتوقع من «أصدقاء مصر» أشار حليمة، إلى أنه «من الممكن تدشين وساطة من خلال تحركات فردية أو جماعية أو تنسيق مشترك؛ بهدف التواصل مع الأطراف كافة» لافتاً إلى «أن الحديث عن إمكانية تقديم حوافز أو استثمارات لإثيوبيا من قبل الصين أو إيطاليا أو غيرهما لتغيير موقفها، أمر يعود لرؤية كل طرف، لكن مصر تريد الالتزام بالقوانين، وتغليب لغة التعاون بدلاً من التصادم».

تلويح مصري بالتصعيد

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

وبعد نحو أقل من عقد من الزمن، تمَّ تجميد المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا التي تُعدُّ دولة منبع، إبرام اتفاق، وتأكيدها على أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

جانب من المحادثات بين الرئيس المصري ونظيره الصيني في القاهرة (الرئاسة المصرية)

ويعتقد حجازي «أن الموقف المصري المتصاعد، والدعم الدولي لإبرام اتفاق بين مصر وإثيوبيا يؤكدان أن القاهرة لن تقبل بإدارة أديس أبابا للنيل بشكل أحادي... القاهرة تريد الوصول إلى معادلة عادلة، تضمن التنمية دون الإضرار بالآخرين، وتحوِّل النيل من مصدر محتمل للتوتر إلى مجال للتعاون المشترك».

وأوضح أن «دور الأصدقاء الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على التدخل عندما تقترب الأزمة من حافة الخطر، بل العمل من الآن على منع الوصول إلى تلك الحافة، عبر دعم حل عادل يضمن حق إثيوبيا في التنمية، ويحمي في الوقت نفسه، الحقوق المائية والأمن الوجودي لمصر والسودان».

ويشير حليمة، إلى أن «هناك تحديات وصعوبات، والأمر يحتاج إلى جهود كبيرة نظراً لتباعد مواقف الطرفين خصوصاً في ظلِّ تسييس إثيوبيا ملف المياه».