سعاد حسني «تحت الضوء» في الرياض

عبر معرض تشكيلي يُعيد استكشاف حياة «السندريلا»

السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)
السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)
TT

سعاد حسني «تحت الضوء» في الرياض

السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)
السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)

ترسم الأعمال المشاركة في معرض «وحدها تحت الضوء» المقام حالياً في الرياض عبر العديد من البورتريهات ما يمكن عدّه صحيفة للأحوال النفسية للفنانة سعاد حسني؛ حيث ترصد ملامح روحها في حال تألقها ونجوميتها واكتئابها وعزلتها.

المعرض بدأ يوم 2 يونيو (حزيران) بقاعة «لفت غاليري» بالتعاون مع السفارة المصرية ويستمر 30 يوماً، يصور بعيون الفنان المصري محمد أبو النجا والفنانين السعوديين نور السيف وأيمن يسري السندريلا في إطلالات تستبطن روحها في انعطافاتها المختلفة، وصورت البورتريهات الفنانة الراحلة في مراحلها الفنية، وأظهرت مشاعرها، وهي محاطة بنجوم السماء، وهي ذاهلة وساهمة بعيونها في البعيد المجهول، ثم وهي مغطاة بالأحمر بملامح غائمة، ومرهقة. وهناك أعمال رصدت علاقة سعاد حسني بالشاعر صلاح جاهين، بوجوه مرسومة وعليها خطوط وحروف كلمات الرباعيات الشهيرة لصلاح جاهين، بدت كأنها مطبوعة بمسحة وجودية مشغولة بالحياة والموت.

السندريلا في عمل للفنان محمد أبو النجا (إدارة المعرض)

الفنانة نور السيف التي ركزت أعمالها المشاركة في المعرض على نجومية سعاد حسني، والمسارات المختلفة المتداخلة مع اختياراتها الفنية؛ قالت: «كان همي رسم سعاد في مرحلة النجومية الصارخة، ومرحلة الوعي وعلاقتها بالشاعر صلاح جاهين، ثم مرحلة الاكتئاب والعزلة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا هو المدخل الرئيسي الذي نظرنا من خلاله للسندريلا. ونحن نعمل في المعرض لم نكن نسعى لحل لغز وفاتها، ولا لأي أمور شخصية تخصها، مثل زواجها من المطرب عبد الحليم حافظ أو غيرها من أشياء شغلت الرأي العام».

وتابعت: «سعينا لأن نراها بعيوننا وكيف كانت هي ترى نفسها، وكيف كانت تهتم بصورتها التي تسعى لتصديرها للآخرين. لم نكن بحاجة لمجهود خارق لكي نتعرف على سعاد حسني وروحها لأننا من محبيها في الأساس، نحفظها تماماً، ونعرف أعمالها وأرشيفها الفني جيداً، وشخصيتها، وكان التحدي الكبير تقديمها بعيداً عن الكلاشيهات والعناوين الجاهزة المحفوظة، وهذا ما جعلني أتناول صراعها الداخلي وحالة الإنكار التي عاشتها، في مواجهة عوامل الزمن».

تصوير السندريلا في حالات نفسية مختلفة (إدارة المعرض)

بدأت فكرة المعرض حسبما قالت القيّمة الفنية غيداء المقرن من رغبة في التأمل في الأثر الذي تتركه الشخصيات الأيقونية بعد غيابها، وكيف تستمر صورها في التشكل داخل الذاكرة الجماعية. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «بعد مرور 25 عاماً على رحيل سعاد حسني، بدا حضورها الثقافي والفني أكثر تعقيداً وثراءً من أن يُختزل في سيرة ذاتية أو تاريخ سينمائي. لذلك انطلق المعرض من سؤال أساسي: ماذا يبقى من النجم بعد انطفاء الأضواء؟».

وُلدت سعاد حسني عام 1943، ودخلت عالم السينما في أواخر الخمسينات، وسرعان ما أصبحت واحدة من أبرز وجوه السينما العربية في الستينات والسبعينات. تنقلت بين الدراما والكوميديا والاستعراض بخفة وصدق، وقدمت أعمالاً سينمائية مثل «القاهرة 30» و«الزوجة الثانية»، و«بئر الحرمان»، و«الكرنك»، و«خلّي بالك من زوزو»، وقدمت من خلالها صورة للمرأة والحرية والحداثة وتفاصيل الحياة اليومية.

ويتعامل المعرض مع سعاد حسني التي رحلت عام 2001 بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية والفنية التي تتجدد باستمرار عبر السينما والإعلام. ومن خلال أعمال متعددة الوسائط، يحاول المعرض، وفق غيداء المقرن، استكشاف المسافة الهشة بين الصورة العامة والتجربة الإنسانية، وبين الأسطورة والواقع، وبين الحضور والغياب.

وتتنوع الأعمال بين الفيديو آرت والرسم والطباعة والأعمال الورقية والأعمال المركبة والصوت، لكنها تجتمع حول ثيمة واحدة تتمثل في مساءلة معنى الظهور والذاكرة والهوية.

رباعيات صلاح جاهين مع بورتريه السندريلا (إدارة المعرض)

ومن خلال لوحاته المشاركة في المعرض حاول الفنان محمد أبو النجا إعادة بناء صورة سعاد حسني بعدّها رمزاً للذاكرة الجماعية والهوية الثقافية. هذه النظرة جعلته يوظف الرسم والطباعة الحريرية والتصوير الفوتوغرافي والوسائط المتعددة، إلى جانب خامات شفافة مثل التول والورق الياباني اليدوي، لبناء طبقات بصرية مركبة تجعل الصورة تظهر وتختفي باستمرار. وهذه معالجة لا تقدم صورة ثابتة لسعاد حسني، بل تجعلها وفق رأي المقرن، معلقة بين الحضور والغياب، وبين الواقع والذاكرة. وتوضح: «من خلال الشفافية والتكرار وتداخل الطبقات، تتحول صورتها إلى تأمل شعري في الزمن والحنين والتحولات الاجتماعية، كما تستحضر الأعمال هشاشة الذاكرة وتعدد القراءات الممكنة للشخصية الواحدة».

ويقدم الفنان أيمن يسري ديدبان عملاً بأسلوب «الفيديو آرت» يتخذ من الهبوط البطيء من مصعد برج إيفل استعارة بصرية ونفسية للعزلة وثقل الشهرة. يترافق هذا النزول المتواصل مع صوت داليدا وهي تغني فيتحول الزمن إلى حالة معلقة بين الصعود السابق والانطفاء التدريجي.

لا يقدم العمل صورة مباشرة لسعاد حسني، بل يستحضر بصورة غير مباشرة الأسئلة المرتبطة بالوحدة والهشاشة النفسية والضغوط التي يعيشها الفنانون تحت وطأة الظهور الدائم. ويمنح المشاهد مساحة للتأمل في المسافة بين الصورة العامة والحالة النفسية للشخصية الفنية.


مقالات ذات صلة

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

يوميات الشرق على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لوحة «تلة الشتاء» التي تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 - 1956 (معرض جينا بورلينغهام)

معرض «إليزابيث»... مناظر طبيعية شتوية ولوحات صامتة

ربما تكون شهرة إليزابيث بلاكادر أكبر بفضل لوحاتها البسيطة، التي تصور الزهور والقطط، لكن معرضاً جديداً لأعمالها يركز، بدلاً من ذلك، على المناظر الطبيعية الباردة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)

«المدينة»... معرض فوتوغرافي ينعى دفء الحياة الشعبية بلغة سريالية

«لقد أصبحتُ منسياً في شوارع مدينتي، لا لأنني رحلت عنها، بل لأن ملامحها التي عرفتني... لم تعد هنا».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)

«حكايات» يبرز وجوه أحمد الصعيدي بين الذاكرة والواقع

في معرضه الجديد «حكايات» المقام بغاليري ضي بالزمالك، يواصل الفنان التشكيلي المصري أحمد الصعيدي تقديم عالمه البصري القائم على التداخل بين الإنسان والذاكرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

عبد العزيز مخيون يتعرض لوعكة صحية مفاجئة

الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
TT

عبد العزيز مخيون يتعرض لوعكة صحية مفاجئة

الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)
الفنان عبد العزيز مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه بموقع فيسبوك)

تعرض الفنان المصري عبد العزيز مخيون (80 عاماً) لوعكة صحية تمثلت في إصابته بالتهاب رئوي وضيق حاد في التنفس، وفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية.

وقال أحد أقارب مخيون في تصريحات إن «حالة الفنان المصري الصحية في تحسن مستمر، ويوجد حالياً بغرفة عادية وليست مركزة». يأتي ذلك بعد تعرضه خلال شهر يناير «كانون الثاني» الماضي، لأزمة صحية، بالتزامن مع ارتباطه بتصوير دوره في مسلسل «إفراج»، وعقب تجاوزه لمحنته المرضية، عبَّر مخيون من خلال حسابه على موقع «فيسبوك»، عن امتنانه لكل من اهتم بحالته الصحية، أبرزهم نقيب الممثلين أشرف زكي، وعمرو سعد.

وشكر عبد العزيز مخيون جمهوره، قائلاً: «لقد غمرتني رسائلكم الدافئة بفيض من الحب، وهي أغلى ما أملك في مسيرتي الفنية، وإني إذ أعتز بكل كلمة كتبت لي، أعتذر بشدة عن عدم قدرتي على الرد على المكالمات الهاتفية في الوقت الراهن، مقدراً تفهمكم ودعواتكم الصادقة».

وحسب نقاد، فإن عبد العزيز مخيون تميز بتجسيد الشخصيات الصعبة والمركبة، وقدم كثيراً من الألوان الفنية منها الاجتماعي، والكوميدي، والصعيدي، والشعبي، والوطني، إلى جانب تميزه في تجسيد شخصيات السيرة الذاتية، خصوصاً شخصية «موسيقار الأجيال»، محمد عبد الوهاب بعدما قدمها في مسلسل «أم كلثوم»، وأشادت بأدائه السيدة عفت محمد عبد الوهاب، وقالت في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط هو أفضل من جسد شخصية والدها، رغم عدم تواصله مع الأسرة لمعرفة صفات وسمات وأسلوب حياته عن قرب».

بدوره، أكد الناقد الفني المصري محمد شوقي أن عبد العزيز مخيون من الفنانين الذين أثْروا تاريخ السينما والدراما التلفزيونية بمصر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «استطاع مخيون بالتزامه صناعة تاريخ فني محترم، وقدم مجموعة من الأدوار القيمة، من بينها تجسيده لشخصية محمد عبد الوهاب في مسلسل «أم كلثوم»، بشهادة السيدة نهلة القدسي أرملة محمد عبد الوهاب، والتي طلبت من الكاتب محفوظ عبد الرحمن كتابة مسلسل عن حياة عبد الوهاب، وبطولة مخيون».

مخيون في لقطة من مسلسل «توبة» (الشركة المنتجة)

وأكد محمد شوقي أن عبد العزيز مخيون، أجاد في أدوار مهمة ومؤثرة على مدار أكثر من 50 عاماً، وكان نداً للعمالقة الكبار مثل أحمد زكي في «الهروب»، ونور الشريف في «بئر الخيانة»، ورغم عدم تصدره للبطولة المطلقة فإنه لم يقدم أي دور هامشي، بل إن وجوده ينتج عنه مردود جماهيري لافت، من خلال أدائه السهل الممتنع.

وأشار شوقي إلى أن التعاطف الجماهيري اللافت معه عبر «السوشيال ميديا»، والدعاء له بالشفاء يعد في حد ذاته تكريماً لفنان أحبوه، وارتبطوا بأعماله. وفي تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، أكد عبد العزيز مخيون، أن مشاركته بكثافة في أعمال الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة، كان بسبب كتاباته وفكره؛ حيث يشعر بأنهما يعبران عنه وعما بداخله، لافتاً إلى أن عكاشة كان مهموماً بالطبقات المختلفة من المجتمع، وظهر ذلك جلياً على الشاشة.

وشارك عبد العزيز مخيون على مدار مشواره في الدراما التلفزيونية بشكل لافت، وكان أحدثها مسلسلي «سوا سوا»، و«إفراج»، اللذين عُرضا في موسم دراما رمضان الماضي، إلى جانب أعماله الفنية الشهيرة التي دُونت في مسيرته المهنية مثل «الشهد والدموع»، و«ليالي الحلمية»، و«زيزينيا»، و«أم كلثوم»، و«أوراق مصرية»، و«جمهورية زفتى»، و«السندريلا»، و«شيخ العرب همام»، و«يونس ولد فضة»، و«الجماعة»، و«جزيرة غمام»، وأفلام من بينها «الكرنك»، و«إسكندرية ليه»، و«حدوتة مصرية»، و«الجوع»، و«الهروب»، و«امرأة آيلة للسقوط»، إلى جانب الكثير من الأعمال المسرحية والإذاعية.

الفنان المصري عبد العزيز مخيون (الشرق الأوسط)

ويؤكد الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن الفنان عبد العزيز مخيون صاحب مشوار فني راقٍ، عرفه الجمهور على مدى سنوات طويلة كفنان ملتزم صادق في أدائه، صاحب علامات في الدراما والسينما والمسرح، وموهبة متفردة، لا يشبه إلا نفسه.

وأضاف محمد عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط» أن «مخيون واحد من المهمومين بالوطن والناس، لم ينفصل يوماً عن جمهوره وحياتهم، ومن الطبيعي أن يلاقي خبر مرضه هذا القلق من الجمهور الذي يعرف جيداً حقيقة كل فنان، ومخطئ من يظن أن الناس لا تعرف، ولا تميز بين الغث والسمين.


«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
TT

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)
على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، فإن هناك أدلة ملموسة على استمرار هذا التأثير في الفن المعاصر، إذ يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص المستوحاة من المعتقدات الثقافية التقليدية، مع إضافة لمسة حداثية تعكس العصر الذي نعيشه.

ومن خلال استكشاف هذه المواضيع والزخارف الأسطورية، يُبدع تشكيليون أعمالاً قابلة للتأويل عبر أزمنة مختلفة، داعين المشاهد إلى التأمل. وفي هذا السياق، يطرح معرض الفنان التشكيلي علي سعيد، المقام في غاليري «آرت توكس» بالقاهرة تحت عنوان «وما زلنا – عود على البدء»، تجربة بصرية مغايرة تجمع بين البعد الشخصي والامتداد الأسطوري.

حيث يتحول الفن لديه إلى وسيلة للتأمل في المعنى الإنساني والبحث عن جوهر الوجود، مستنداً إلى معرفة عميقة بالتقنيات الكلاسيكية ودقة تنفيذها.

عالم بصري تتقاطع داخله الرموز والأسطورة والذاكرة الإنسانية (الشرق الأوسط)

يقول الفنان علي سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «الأساطير هي روايات تقليدية تتناقلها الأجيال، حاملةً معها تأكيداً ضمنياً على الهوية الجماعية لجماعة ثقافية معينة، وهي متعددة الوظائف، مثل إيصال التعاليم الأخلاقية والحفاظ على التراث الثقافي؛ وربما لذلك لا تزال أساطير العالم القديم تلامس وجدان الفنانين والجمهور على حد سواء، مقدمة رؤى مغايرة ومتعمقة في التجربة الإنسانية».

وعبر هذه العوالم المشبعة بالنفَس الأسطوري، يأخذنا سعيد في رحلة تتقاطع فيها الذاكرة الإنسانية مع الميثولوجيا، مستحضراً شغف الإنسان الأزلي بفكرة البقاء، ليغوص في طبقات التاريخ المنسية، متتبعاً أثر الحكايات التي شغلت البشر عبر العصور حول حلم الخلود والهروب من العدم، حيث تتقاطع مصائر الأبطال القادمين من حضارات وأمكنة متباعدة عند السر نفسه: «تُعد العلاقة بين الفن والميثولوجيا علاقة ثرية ومتعددة الأوجه، زاخرة بالرمزية والاستعارة والروايات التي شكلت المخيلة الجماعية». على حد تعبيره.

استحضار الأسطورة في لوحات علي سعيد يفتح باب التأويل على مصراعيه (الشرق الأوسط)

ومن هذا الخيط الأسطوري يستمد الفنان مفرداته من مرجعيات ثقافية متعددة، ليبني عالماً تشكيلياً خاصاً تتقاطع داخله الأزمنة والرموز، فتعود شخصيات تاريخية وملحمية مثل «جلجامش» و«إيزيس» و«أوزيريس» و«بلقيس» للظهور ضمن فضاءات سريالية تبدو منفصلة عن الزمن.

ومن خلال الجمع بين صرامة الرسم الكلاسيكي المستلهم من فنون عصر النهضة وبين التكوينات الرمزية الحالمة، ينسج علي سعيد سرديات تشكيلية غامرة.

وتحمل هذه الأعمال طبقات رمزية تسمح بتأويلات متعددة؛ ما يتيح لكل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخلها، بينما تتردد عبرها أسئلة الوجود والصمود والرغبة الإنسانية الدائمة في مقاومة الزمن وتجاوزه.

يقول سعيد: «تتحدث الأساطير عن الحب والموت وتقلبات القدر والحزن والكراهية والانتقام والتعطش للسلطة والرغبة، إنها تلامس التجربة الإنسانية في جوهرها وعمقها؛ فتدفعنا إلى الشعور بالمعاناة نفسها، والحزن نفسه عبر العصور، نحن نناضل من أجل الحياة والسعادة، ونتعاطف مع من فقدوها أو لم يمتلكوها قط».

شخصيات ملحمية تعود من الذاكرة القديمة إلى فضاءات بصرية معاصرة (الشرق الأوسط)

وفي هذه الملحمة البصرية، تحضر المرأة في أعمال علي سعيد بوصفها محوراً بصرياً وإنسانياً متعدد الوجوه، فتتنقل داخل لوحاته بين عوالم وأساطير وحالات شعورية متباينة.

واللافت أنه في حين أن معظم الأساطير القديمة متجذرة بعمق في تقاليد ذكورية معادية للنساء، فإن الفنان علي سعيد الذي ينتصر دوماً للمرأة يحتفي بوجودها في أعماله ذات الطابع الأسطوري.

وهو ما يوضحه قائلاً: «لأن الأمر يختلف في الأساطير المصرية؛ التي جعلت للمرأة مكانة متميزة؛ حيث لعبت العديد من الإلهات البارزات أدواراً مهمة في حياة الناس اليومية».

ويتابع: «ومن بين هؤلاء الإلهات، احتلت إيزيس مكانة بالغة الأهمية، إذ اعتبرت الكيان الأسمى، وبالإضافة إلى ذلك، تمتعت حتحور، إلهة الموسيقى، ونيث، إلهة الحرب، بقوة هائلة، وكانتا قادرتين على القيام بأفعال بناءة وتدميرية على حد سواء».

من هنا تطل الأنثى في لوحاته كشخصيات مفعمة بالقوة والرمزية، تعكس تناقضات المرأة وتحولاتها بين السكينة والتمرد، وبين الرهافة والعنفوان، مثلما تستدعي معاني الوقار والصمود وسط أجواء الحرب والاضطرابات.

ويكتسب معرض «عود على بدء» طابعاً متحفياً واضحاً، إذ تبدو الأعمال وكأنها تنتمي إلى زمن آخر بعيد، تدعو المتلقي إلى التأمل الطويل والعودة إليها مراراً بالشغف ذاته دون أن تفقد دهشتها الأولى.

كاشفة خلال ذلك عن خبرة تقنية راسخة في التعامل مع خامة الزيت؛ حيث تتجلى دقة البناء وبطء التكوين والصبر في صياغة التفاصيل، فيما تكتسب اللوحات ملمساً عتيقاً وإحساساً زمنياً يوحي بأنها عبرت سنوات طويلة من الحكايات والذاكرة.

المرأة أيقونة قوة ووقار وتمرد في أعمال علي سعيد (الشرق الأوسط)

وهو ما يفسره سعيد بقوله: «أبحث دائماً عن عمل يحمل إحساس الزمن، كأن اللوحة عاشت حياة كاملة قبل أن تصل إلى المتلقي، فما يشغلني ليس الشكل وحده، بل تلك الروح الخفية القادرة على خلق صلة حميمة مع المشاهد، حتى إن جاءت من مسافة بعيدة... فالروح في عوالمي تتواصل بقرب شديد عن بعد».

وتنفتح لوحاته على عالم من الرموز والإشارات الفكرية التي ينسجها الفنان داخل تكوينات هادئة ومتوازنة، قبل أن يفاجئ عين المشاهد بكسر محسوب ومدروس لهذا الانسجام.

ويظهر ذلك عبر ومضات لونية كثيفة وصارخة تمنح اللوحة توتراً بصرياً خاصاً، ومع استكشاف طبقات اللوحة، تتكشف لدى المتلقي أبعاد جديدة من المعنى والفهم، تربطه بالقصص القديمة، لتعبّر الأعمال التي تبلغ نحو 60 عملاً عن مراحل وتجارب متعددة له، ويأتي ذلك بالتوازي مع ميل واضح إلى التجريب والانفتاح لديه على مساحات التجريد؛ بما يخلق حواراً ثرياً ومستمراً بين الماضي والحاضر.


«النحل الطنان» على الأوراق النقدية... بدلاً من تشرشل

فضّلت الأغلبية صور الحياة البرية البريطانية على صور الشخصيات التاريخية (رويترز)
فضّلت الأغلبية صور الحياة البرية البريطانية على صور الشخصيات التاريخية (رويترز)
TT

«النحل الطنان» على الأوراق النقدية... بدلاً من تشرشل

فضّلت الأغلبية صور الحياة البرية البريطانية على صور الشخصيات التاريخية (رويترز)
فضّلت الأغلبية صور الحياة البرية البريطانية على صور الشخصيات التاريخية (رويترز)

تسخر النخب الليبرالية من تاريخ بريطانيا المجيد... فلا عجب أنهم يريدون وضع صور النحل الطنان على أوراقنا النقدية، بدلاً من تشرشل، حسبما كتب أستاذ التاريخ بجامعة أكسفورد، لورانس غولدمان.

وكان قد شارك نحو 44 ألف شخص في استطلاع رأي نُشر على موقع بنك إنجلترا الإلكتروني، واختارت الأغلبية صور الحياة البرية البريطانية، بدلاً من شخصيات تاريخية. ولذلك، جرى استبعاد ونستون تشرشل، لتحل محله صور النحل وأسماك القرش، التي تنعم بأشعة الشمس، حسب صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.

ومع ذلك، أغفل غولدمان ذكر مجموعات النقاش، التي شارك فيها 119 شخصاً، والتي استشارها البنك كذلك. أمس، كشف أحد المشاركين في هذه المجموعات السرية وصف آلان تورينغ، الذي تظهر صورته على ورقة الخمسين جنيهاً إسترلينياً، بأنه «إمبريالي»؛ أي شخص على دراية بحياة عالم الرياضيات، يدرك أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.

وعلى ما يبدو، اعترض آخرون على صور الأشخاص المرتبطين بانتصار بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، حتى صور المباني العظيمة أثارت جدلاً واسعاً، «بسبب ارتباطها المحتمل بحقبة (الاستعمار - العبودية)».

وعام 2000، طُلب اختيار «أعظم شخصية بريطانية»، من قِبل هيئة الإذاعة البريطانية، «بي بي سي»، التي كانت تحظى بثقة كبيرة، وبعد مشاهدة برامج ممتازة، وقع اختيار الشعب البريطاني على تشرشل، على حساب المهندس إسامبارد كينغدوم برونيل.

من ناحية أخرى، جسد كينيث براناه شخصية برونيل بعد 12 عاماً في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في لندن. انبهرنا بتجسيد التاريخ البريطاني الذي أبدعه داني بويل، بما في ذلك مشاهد الثورة الصناعية، التي غيّرت بريطانيا من خلالها وجه العالم.