«بتاخدني الأيام بتبعدني الأيام لكن روحي بتبقى بتغنّي للشام»... تستعير أصالة أغنية محمد عبد المطّلب التي لطالما ردّدتها شوقاً، معلنةً بها عودتها إلى البلاد.
أخذت الأيام والشهور والسنوات أصالة فعلاً. أبعدتها عن مسقط رأسِها وقلبها وصوتِها قسراً خلال الأعوام الـ16 الماضية. وعندما حان موعد الرجوع إلى دمشق، لم تُردْهُ الفنانة السوريّة إلّا وقوفاً على المسرح؛ المكان الذي لم تعرف سواه ملعباً منذ تعلّمت أن تصدح عليه وهي طفلة في الرابعة من العمر، متتلمذةً على يدَي «بابا»، الفنان الراحل مصطفى نصري.
أصالة تفتح الصندوق
مساء 17 سبتمبر (أيلول)، يُرفع الستار في «صالة الفيحاء» في دمشق على «ابنة البلد». في أضخم حفلٍ موسيقيّ تشهده العاصمة السوريّة منذ سقوط نظام بشّار الأسد، تطلّ أصالة نصري على جمهورٍ انتظرها طويلاً. وتُجدّد الفنانة الموعد في 19 سبتمبر نظراً للإقبال الجماهيريّ الكثيف المتوقّع على منصة بيع التذاكر.
منذ ابتعادها عن سوريا عام 2011 على خلفيّة دعمها للثورة السوريّة وتعرّضها لمضايقات بسبب مواقفها، جالت أصالة مرّاتٍ ومرّات حول العالم. صارت لها عائلاتٌ في كل بلدٍ عربيّ وبلاد الانتشار، هي التي لم تترك لهجةً إلّا وغنّت بها، من المحيط إلى الخليج. لها في كل بلدٍ بيوتٌ وأحبّة وجماهير، من مصر إلى الإمارات مروراً بالسعودية ولبنان والمغرب وسائر البلاد العربية. لكنّ الوقفة أمام جمهور الشام بعد 16 سنة غياب، لا تُقارَن بكل ما سبقها وكلِ ما هو آتٍ بعدها.
ليلة 17 سبتمبر، تفتح أصالة صندوق الذكريات، بما فيها من أفراحٍ وأحزان. ستُغنّي أمام أهلِها وناسِها، ستُحدّثُهم عمّا في قلبها وهي «الحكواتيّة» الموهوبة. تستحضر الصندوق ذاتَه الذي فتحته مطلع 2024 يوم أتعبتها التغريبة الطويلة وأصابَها الحنين فغنّت لضحكة أبيها، وتهويدات أمّها، وعتبات البيت، وحضن جدّتها.
دمشق... مرآةٌ لوجه «بابا»
في حيّ أبو رمّانة، أبصرت أصالة مصطفى نصري النور. تحوّلت الطفلة الدمشقيّة رفيقةً لأبيها، وما إن نطقت بأولى كلماتها والتقطت أذنُها مطلعَ النغم، حتى صارت تطلّ معه في لقاءاته الإذاعيّة وحفلاته.
بالنسبة لأصالة، تحمل سوريا الكثير من صورة الأب، ذاك الذي ما زالت تحلف بحياته حتى الآن كلّما ظهرت في حوار صحافي مردّدةً عبارتها الشهيرة «وحياة بابا».
على يدَي مصطفى نصري، تحوَّلت أصالة إلى نجمةٍ صغيرة. هو الذي اكتشف موهبتها وعلَّمها العوم في بحر الموسيقى الواسع، بعد أن غاص فيه تلحيناً وعزفاً وغناءً.
أصالة و«قصص الشعوب»
دمشق هي بدايات أصالة والمدينة التي آمنت بصوتها فأطلقته سفيراً لها إلى العواصم العربيّة. كانت الانطلاقة من خلال مشاركاتٍ غنائية في برامج تلفزيونية للأطفال، كما غنّت في المناسبات الوطنية السورية، هذا إضافةً إلى إطلالاتها مع والدها. إلّا أنّ إحدى أهمّ اللحظات الدمشقيّة خلال طفولة أصالة، كانت تسجيلها شارة مسلسل الرسوم المتحرّكة «حكايات عالميّة - قصص الشعوب» وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها.
قبل أن يتعرّف عليها العرب صوتاً وصورةً في أغنياتٍ مثل «اسمع صدى صوتك»، و«لو تعرفوه»، و«سامحتك»، وصلَهم الصوت الطفوليّ عبر تلك الشارة العابرة للحدود.
دمشق الجرح الأوّل والأعمق
مقابل الأفراح والنجاحات وبريق البدايات، شهدت دمشق على جرح أصالة الأوّل، وكان أعمَقَ الجراح التي أصابتها.
ليل 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1984، وعلى طريق العودة من حمص إلى دمشق بعد إحيائه حفلاً، تعرّضت سيارة مصطفى نصري لحادث ففارق الحياة عن 43 عاماً. كانت أصالة برفقته في تلك الليلة التي قلبت حياتها رأساً على عقب. بعد وفاة والدها، ابتعدت أصالة عن الأضواء والموسيقى 3 سنوات منغمسةً في حزنها.
رغم استئنافها الغناء، فإنّ ذكرى أبيها لم تَغِب عن لسانها يوماً. فكلُ مَن أحبَّ أصالة وتابع مسيرتها الفنية تعرّفَ على مصطفى نصري من خلال أحاديثها عنه.
«شام» ابنة أصالة
دمشق في عيون أصالة هي الابنة والمستقبل الذي أزهرَ في أحشائها. يوم أنجبت طفلتها الأولى، أطلقت عليها اسمَ «شام». وعندما فرّقتها الأيام عن شام المدينة، احتفظت بشام الابنة حِرزاً ملاصقاً لها أينما حلّت.
في فبراير (شباط) 2010، كان اللقاء الأخير بين أصالة وأهل الشام ضمن حفلٍ خيريّ أحيَته في دار الأوبرا. غنّت يومها «هذي دمشق» من شِعر نزار قبّاني، ولم تكن تعرف حينها أنّ 15 سنة ستمضي قبل أن تعود وتقف من جديد أمام أهل بلدها في وطنها الأمّ.
أصالة غنّت أصوات شعبها
بدأت غربة أصالة عن دمشق عام 2011 فهي التي كانت قد استقرّت أصلاً في القاهرة، جاهرت بوقوفها إلى جانب الشعب السوري بمطالبه فور اندلاع الاحتجاجات. لم تتردّد في تكرار تلك المواقف المعارضة للنظام في حواراتها الصحافية، ما عرّضها لهجومٍ شرس من أتباعه وكلّفها غياباً طويلاً عن بلدها بسبب التهديدات التي طالتها.
ولم تكتفِ أصالة بالتصريحات الشفهيّة، بل ألحقَتها بأغنيةٍ صارخة بعنوان «آه لو هالكرسي بيحكي»، وهي كانت بمثابة رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري المخلوع بشّار الأسد قالت فيها: «سكتنا كتير عالظلم لا تقول ما عندك علم... بدّي بصراحة أنصحك... تبقى ما رح تظبط معك...».
أمّا وقد وصلت النصيحة، وإن متأخّرة، فقد احتفلت أصالة بفرحة أهل بلدها وغنّت لهم «سوريا جنّة» التي أصدرتها بعد 10 أيام على سقوط النظام مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2024.
تدخل أصالة دمشق وحول أصابعِها مفاتيحُ أبوابها السبعة. تعبر إلى الماضي والذكريات حاملةً ما يكفي من شوقٍ لتشقّ به أسوار المدينة.
تتوجّه أوّلاً إلى البيت الوالديّ في منطقة المزّة «بناء الفنّانين» حيث أمضت جزءاً من طفولتها وشبابها. ثم تتفقّد البَحرة والدالية في منزل جدّتها في شارع بغداد. ربما تجدُ فسحةً للاستلقاء على السرير النحاسيّ الذي احتضنها طفلةً تستيقظ على آذان الفجر، قبل أن تلتقيَ بجمهورها الشاميّ وتغنّي «بتاخدني الأيام بتبعدني الأيام لكن روحي بتبقى بتغنّي للشام».


