روسيا تعيد ترتيب وجودها العسكري طويل المدى في سوريا

مصالح متبادلة ومهام جديدة في «حميميم» و«طرطوس» لتعزيز تفاهمات موسكو ودمشق

القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

روسيا تعيد ترتيب وجودها العسكري طويل المدى في سوريا

القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)
القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)

أعاد تقرير نشرته أخيراً صحيفة «وول ستريت جورنال» ملف الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى الواجهة. وبدا أن التحركات الروسية في هذا المجال توجت بإعادة ترتيب وجود طويل المدى في قاعدتي «حميميم» الجوية و«طرطوس» البحرية وفقاً لتفاهمات مع السلطات السورية وبما يلبي مصالح الطرفين.

وعلى الرغم من التكتم الرسمي من جانب موسكو ودمشق على تفاصيل التفاهمات التي تم التوصل إليها، لكن تعزيزات كبيرة وصلت أخيراً إلى «حميميم» دلت على اتفاق الجانبين على سيناريوهات التنسيق المستقبلية في هذا المجال.

ووفقاً للمصادر الأميركية، أعادت روسيا تزويد قاعدة «حميميم» الجوية بالكامل هذا الربيع. فبعد أن قامت القوات الروسية سابقاً بإخراج المعدات والإمدادات «الفائضة» من سوريا، ها هي الآن تعيدها. وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024.

وذكرت الصحيفة أن سفينة الشحن «سبارتا» غادرت سان بطرسبرغ في مارس (آذار) ووصلت إلى طرطوس في مايو (أيار)، محملةً بكل ما يلزم لاستمرار تشغيل قاعدة «حميميم» الجوية. ولتجنب أي حوادث محتملة، رافقت السفينةَ سفنٌ حربية روسية طوال معظم الرحلة، بالتناوب في بعض النقاط.

وتعتقد واشنطن أن موسكو تمكنت من الحفاظ على قواعدها العسكرية في سوريا رغم وجود نقاط كثيرة عالقة لم يتم التوصل إلى حلول نهائية بشأنها بين موسكو ودمشق.

مصالح متبادلة

ورأت الصحافة الروسية المقربة من الكرملين، أن المعطيات الأميركية عكست «إقراراً من جانب واشنطن بأن موسكو نجحت في ترسيخ وجودها الدائم في سوريا».

وكان موضوع الوجود العسكري الروسي في سوريا على جدول أعمال الطرفين خلال كل اللقاءات الثنائية التي جرت خلال العام الماضي على مستويات عدة، بما في ذلك في إطار قمتين جمعتا الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع. ومهدت تلك اللقاءات، وخصوصاً على المستوى العسكري لوضع تصور مشترك لمستقبل الوجود العسكري الروسي، يقوم على ترتيب مهام جديدة تلبي مصالح متبادلة للطرفين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين 28 يناير الماضي (د.ب.أ)

وكانت السلطات السورية التي أطاحت حكم حليف روسيا بشار الأسد في نهاية 2024 أعلنت منذ البداية أنها تسعى إلى إعادة رسم ملامح العلاقة مع موسكو مع الأخذ في الاعتبار دروس الماضي القريب وإعلاء فكرة الفوائد المتبادلة.

وفي هذا الإطار طالبت دمشق بمساعدة روسية في ترسيخ مبدأ العدالة الانتقالية، في إشارة إلى مطلب تسليم الأسد ورموز نظامه الموجودين في روسيا، كما نوهت بمطلب التعويضات عن الخسائر التي تسبب فيها التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا نهاية سبتمبر (أيلول) 2015 على الصعيدين البشري والاقتصادي.

وبرغم أن المصادر الروسية أكدت في مرات عدة أن مطلب تسليم الأسد شخصياً، الذي يحظى بحماية مباشرة من الرئيس الروسي لم يطرح بشكل رسمي في اللقاءات، لكن ظل ملف تسليم عشرات الضباط المتورطين بانتهاكات فادحة مطروحاً على طاولة الطرفين.

في المقابل، بدا أن موسكو تولي اهتماماً خاصاً لمصير القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم، وأنها تضع هذا الأمر ضمن أولويات أي تفاهمات مستقبلية. ولتسهيل هذه التفاهمات حرصت موسكو على تأكيد استعدادها لمساعدة السلطات السورية على تجاوز الكثير من المشكلات القائمة، بما في ذلك على صعيد مشاركة الشركات الروسية في إعادة تأهيل بعض البنى التحتية الأساسية مثل الطرق وشبكات الكهرباء وبعض المنشآت الحيوية التي كانت موسكو أصلاً ساعدت في تشييدها في السابق.

ناقلة نفط روسية قرب ميناء بانياس السوري في البحر المتوسط (رويترز)

بالإضافة إلى ذلك، قدمت موسكو دعماً واسعاً لحل مشكلة الطاقة في سوريا، وبات معلوماً أن دمشق حصلت خلال النصف الأول من العام الحالي وحده على أكثر من ثلث حاجتها من الوقود من روسيا في شحنات متواصلة سدت جزءاً كبيراً من النقص في هذا المجال.

وبدا أن التحركات المتبادلة ساهمت في وضع ملامح جديدة للعلاقة تقوم على المصالح المتبادلة وتلبي حاجات الطرفين.

انسحاب أميركي وغض نظر أوروبي

اللافت أن هذه التطورات جاءت في سياق تبدل واسع في المواقف الغربية، ومع انسحاب الجيش الأميركي من قواعده في سوريا مطلع العام الحالي، منهياً وجوداً عسكرياً استمر أكثر من عقد بدأ ضمن الحرب ضد تنظيم «داعش»، بدا أن موسكو تعمل بهدوء لترسيخ وجودها مع إجراء عملية واسعة لإعادة التموضع على الأرض السورية بما يلبي أهداف التفاهمات الجديدة.

في هذا الإطار جاء الانسحاب الروسي من شمال شرقي سوريا وتسليم مطار القامشلي الذي كانت موسكو قد حولته لقاعدة عسكرية واسعة ومجهزة بقدرات كبيرة. وتم الانسحاب من المنطقة في إطار تفاهمات روسية سورية وبدعم من جانب تركيا وصمت أميركي بدا أنه يشكل أيضاً موافقة ضمنية على التفاهمات القائمة.

في المقابل، تراجعت حدة التصريحات الأوروبية التي أعقبت سقوط النظام السابق حول ضرورة أن تقطع دمشق علاقاتها مع روسيا وأن تطرد القواعد العسكرية الروسية. إذ لم يعد هذا الأمر شرطاً مطروحاً أمام القيادة السورية لتطبيع العلاقات ودفع آليات التعاون المستقبلية.

مدخل قاعدة حميميم الجوية الروسية في اللاذقية بسوريا يوم 19 فبراير 2025 (رويترز)

أهمية حميميم وطرطوس

تعد قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية من أهم ركائز الانتشار العسكري الروسي خارج أراضيه، إذ تستخدمهما موسكو كنقاط انطلاق لعملياتها العسكرية في مناطق أخرى، إضافة إلى تأمين وصولها العسكري إلى البحر المتوسط.

وأصبح الحفاظ على القاعدتين أولوية بالنسبة لروسيا بعد سقوط النظام المخلوع، وكانت موسكو قد أعلنت منذ عام 2017 انتهاء «الجزء النشط» من عملياتها العسكرية في سوريا، وسحبت جزءاً مهماً من قدراتها العسكرية المستخدمة للعمليات المباشرة، ووجهت اهتمامها لتحويل الوجود العسكري لأهداف طويلة الأمد، بينها تعزيز تحركات سفنها الحربية في البحر المتوسط والمحيطات القريبة، وجعل الشواطئ السورية نقطة انطلاق وتمركز وصيانة بالغة الأهمية لهذه التحركات. فضلاً عن تحويل طرطوس إلى نقطة استراتيجية لتنظيم الإمدادات إلى القارة الأفريقية حيث تولي موسكو أهمية كبرى لنفوذها المتنامي في هذه المنطقة.

ومع التحولات السورية عملت موسكو على التكيف مع الوضع الجديد وأعلنت استعدادها لتحويل وجودها في القاعدتين لخدمة مصالح دمشق، خصوصاً في إطار الحاجة إلى إعادة تأهيل الجيش السوري وتزويده بالمعدات اللازمة وإصلاح المعدات الآليات المتوفرة لديه خصوصاً أن الجزء الأعظم منها هو أصلاً من صناعة روسية.

ولبى هذا المدخل المصالح السورية المباشرة وجاء منسجماً مع توجه الرئيس أحمد الشرع بتطوير علاقات مع موسكو والدول الغربية في آن واحد.

اجتماع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة - وسط الصورة - مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف في موسكو بروسيا يوم 28 أكتوبر 2025 (رويترز)

ويرى خبراء أن روسيا قد تشكل ورقة توازن للإدارة السورية الجديدة في مواجهة الولايات المتحدة، خصوصاً أن دعم واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترمب «لا يمكن اعتباره مضموناً»، فضلاً عن أن توازن العلاقات مع موسكو العضو الدائم في مجلس الأمن والوحيد (إلى جانب الصين) الذي يطالب بشكل علني وقوي بوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا ويرفض الاعتراف بمبدأ ضم الجولان يشكل عنصر توازن مهماً لدمشق لمواجهة الضغوط الإسرائيلية المتفاقمة.

اطمئنان روسي

اللافت أيضاً أن التحركات الروسية أخيراً لتعزيز تسليح قاعدة حميميم جاءت في سياق اطمئنان روسي كامل للتفاهمات القائمة مع دمشق. وقبل يومين أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، جورجي بوريسينكو، خلال كلمته في المنتدى الدولي السادس للخبراء «روسيا - الشرق الأوسط» أن «وجود القوات الروسية في سوريا، قائم بدعوة من السلطات السورية. كانت هذه هي دعوة السلطات السابقة، لكن السلطات الجديدة لم تسحبها، بل أكدت رغبتها في استمرار وجود العسكريين الروس».

ووفقاً لبوريسينكو، فإن العسكريين الروس لا يقومون بأي أنشطة ضد دول أخرى أثناء وجودهم في سوريا.

تبدل مهام القواعد

اكتسبت التحركات الروسية الحالية أهمية خاصة على خلفية أن الصراع في إيران والاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز منح سوريا فرصاً مهمة لإعادة توجيه مسارها نحو ممر الطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا.

ووفقاً لخبراء فإنه «مع التهديد المستمر باضطرابات مضيق هرمز، تبرز سوريا كبديل لشبكات النقل والطاقة في المنطقة. وبفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي وآسيا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط، تأمل دمشق في جذب الاستثمارات في مشروعات الخدمات اللوجستية وسكك الحديد وخطوط الأنابيب العابرة للحدود. وعلى الرغم من التحديات العديدة المتعلقة بالبنية التحتية والأمن وتمويل إعادة الإعمار، فإن سوريا تمتلك فرصة فريدة لتحويل مزاياها الجغرافية إلى محركات نمو اقتصادي طويلة الأجل».

قاعدة طرطوس البحرية الروسية (سبوتنيك)

في هذه الأجواء الإقليمية والدولية، يطرح خبراء روس تحدثت معهم «الشرق الأوسط» سيناريوهات للمهام الجديدة لقاعدتي «حميميم» و«طرطوس»، بينها تحويل القاعدة الجوية إلى مركز عمليات وتدريب مشترك. تعمل على إعادة تأهيل الجيش السوري وتطوير قدراته، فضلاً عن إضافة عناصر فنية لازمة لإطلاق ورشة صيانة ضخمة للآليات والمعدات السورية الروسية الصنع.

في المقابل فإن قاعدة طرطوس تواصل عملها كرمز لوجستي مهم لروسيا يرعى حركة سفنها في البحار ويعزز قدرات الإمدادات إلى القارة الأفريقية.

وقال خبراء إن هذا التفاهم يطرح فكرة لجوء الطرفين إلى إبرام اتفاقيات جديدة تعيد تنظيم الوجود الروسي، وفقاً للمبادئ المتفق عليها وتضع أطراً زمنية جديدة لهذا الوجود، وتحدد مهام كل قاعدة في إطار اتفاقية منفصلة. مثلاً يستند الوجود الروسي في قاعدة طرطوس إلى اتفاقية قديمة تم إبرامها في 1972 لإنشاء «نقطة لوجستية» لرعاية وإصلاح السفن الروسية في البحر المتوسط، بينما يمكن وضع إطار جديد لتنظيم الوجود «المشترك» في قاعدة «حميميم الجوية».


مقالات ذات صلة

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

كشفت تحقيقات قضائية ليبية عن أرقام لافتة في ملف تزوير الأرقام الوطني، الذي يخضع للتحقيق منذ سنوات بعدما رُصد ارتفاع عدد أوراق القيود العائلية المرتبطة بـ«أوزو»

علاء حموده (القاهرة )
المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي  تشييع 4 عناصر أمن مساء الثلاثاء في كمين على طريق سلمية-أثريا من مشفى حماة الوطني بحضور رسمي وشعبي (مراسل الأمن في حماة)

محافظة حماه تشيّع 4 من عناصر أمن قضوا في كمين بريف السلمية

شيعت محافظة حماة، الأربعاء، 4 من عناصر أمن الطرق بوزارة الداخلية السورية، قضوا في كمينٍ خلال أداء مهامهم على طريق سلمية-أثريا، بريف حماة الشرقي ليل الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

«نفق» يثير مخاوف الأهالي في جبل لبنان

الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
TT

«نفق» يثير مخاوف الأهالي في جبل لبنان

الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)

أثارت حفرة عُثر عليها داخل حرش صنوبر بين منطقتَي الفنار والزعترية ذات الغالبية الشيعية في جبل لبنان، مخاوف الأهالي، واستدعت تحرّك القوى الأمنية للكشف على الموقع وتحديد طبيعة الحفرة، قبل أن يتبيّن، وفق ما أبلغت به استخبارات الجيش رئيس بلدية الفنار، أنها ليست لأغراض أمنية.

وفي التفاصيل، اكتشف عناصر من شرطة بلدية الفنار حفرة داخل الحرش، فتم إبلاغ الجيش اللبناني الذي أوفد عناصر من المخابرات وفوج الهندسة للكشف على الموقع وتحديد طبيعة الحفرة، فيما أشار بعض المعلومات إلى أن شخصاً مجهول الهوية فرّ من الموقع فور وصول القوى الأمنية.

وبعدما كان رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة، قد أعلن، صباحاً، أن المعلومات الأولية تشير إلى أن ما عُثر عليه هو بداية نفق يجري حفره في المنطقة، عاد وأكد أن استخبارات الجيش أبلغته بأن الحفرة لا تُستخدم لأغراض أمنية؛ بل حُفرت بهدف البحث عن الذهب، مشيراً إلى أن البلدية ستعمل على إقفالها.

وفي وقت لاحق، أعلنت قيادة الجيش في بيان لها، أن وحدات مختصّة من الجيش أجرت كشفاً على النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار - المتن الشمالي، وتَبيّن أنّ طوله الإجمالي يبلغ نحو 13 متراً (5 أمتار عموديّاً و8 أمتار أفقيّاً)، وأنّه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري.

وقد ضُبطت داخل النفق عدة حفر فردية، كما أوقِف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حَفره، مشيرة إلى أنه تجري متابعة التحقيق لتحديد وجهة استعماله.

تفاعل شعبي وسياسي

أثارت الحادثة تفاعلاً شعبيا وسياسياً، لا سيما في ظل وجود أنفاق تابعة لـ«حزب الله» في بعض المناطق، وخوف من أن يكون النفق المكتشف جزءاً من هذه الشبكة.

وعند إعلان رئيس بلدية الفنار عن «الحفرة»، طالب رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميل، بإجراء مسح أمني شامل لمنطقة الرويسات الجديدة ومحيطها، معلناً أنه تواصل صباحاً مع وزير الدفاع لهذه الغاية، وأن الأخير أبدى تجاوباً مع الطلب.

وكتب الجميل عبر منصة «إكس»، أن اكتشاف النفق في المتن، إلى جانب شحنة المتفجرات في ضهر البيدر والمواجهات مع قوى الأمن في الضاحية، يشكّل، مؤشرات خطيرة تستدعي وضع حد نهائي لازدواجية السلاح والتنظيم العسكري لـ«حزب الله» على كامل الأراضي اللبنانية.

وختم معتبراً أن استمرار السلاح غير الشرعي والتنظيم العسكري والأمني للحزب يشكّل خطراً داهماً على لبنان، داعياً الدولة إلى الحسم حفاظاً على البلاد.


خبراء الأمم المتحدة يطالبون إسرائيل بحماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة

رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
TT

خبراء الأمم المتحدة يطالبون إسرائيل بحماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة

رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

حضّ خبراء في الأمم المتحدة، الاثنين، إسرائيل على ضمان حماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية، في ظل تزايُد هجمات المستوطنين عليهم مع بداية موسم قطاف الزيتون.

وإذ شدد سبعة خبراء من بينهم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي والمقررة الخاصة المعنية بالحق في الغذاء صوفيا مونسالفي سواريز، على أن «المزارعين الفلسطينيين يجب أن يحظوا بالحماية وأن يتمكنوا من الوصول إلى أراضيهم بأمان»، لاحظوا أن «وتيرة العنف والتدمير والقيود تتصاعد عاماً بعد عام».

جنود إسرائيليون يتجمعون على طريق بالقرب من بستان زيتون وذلك في أعقاب هجوم بحسب تقارير شنه مستوطنون إسرائيليون على منزل فلسطيني في قرية ترمسعيا بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وتصاعدت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتجددت بمناسبة موسم قطف الزيتون، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحذّر الخبراء المكلّفون من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لكنهم لا يتحدثون باسم المنظمة، من أن قطاف الزيتون «ينبغي ألا يتحوّل مجدداً إلى موسم خوف وخسائر وعنف وتدمير».

جنود إسرائيليون يراقبون مزارعين فلسطينيين أثناء قطفهم ثمار الزيتون في قرية دير أبو مشعل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وأفادت الأمم المتحدة بتوثيق 178 اعتداءً نفّذها مستوطنون في مختلف أنحاء الضفة الغربية خلال موسم قطاف الزيتون عام 2025، طالت 88 مدينة وقرية فلسطينية. وأشارت إلى «تخريب» أكثر من ستة آلاف شجرة وشتلة، وهو الرقم الأعلى منذ ستة أعوام في هذا المجال.

وأعرب الخبراء أيضاً عن «قلقهم البالغ» من أوامر قالوا إن السلطات العسكرية الإسرائيلية أصدرتها في سبتمبر (أيلول) بإزالة الغطاء النباتي على مساحة نحو 339 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية الفلسطينية في شمال الضفة الغربية المحتلة ووسطها، خصوصاً في مناطق مزروعة بأشجار الزيتون في جنين وقباطية وبيت ريما قرب رام الله.

رجل فلسطيني اعتقلته القوات الإسرائيلية يجلس على الأرض بجوار مركبة عسكرية وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله (رويترز)

وذكّروا بأن «موسم قطاف الزيتون يشكل مصدراً أساسياً للغذاء والدخل وسبل العيش لآلاف العائلات الفلسطينية»، منبّهين إلى أن إتلاف الأشجار «لا يحرم هذه العائلات محاصيلها فحسب، بل يضر بأنظمة الغذاء المحلية والعادات الثقافية وأنماط الحياة، وكذلك بالحق في الغذاء والسيادة الغذائية للمناطق الفلسطينية».

مستوطنون إسرائيليون يتجمعون حول مركبة عسكرية بعد أن احتجزت القوات الإسرائيلية رجلاً فلسطينياً خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله (رويترز)

وطالب الخبراء إسرائيل بـ«ضمان حماية قواتها المزارعين الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين والالتزام بواجباتها بموجب القانون الدولي».

كذلك دعوا المجتمع الدولي إلى «ممارسة أقصى قدر من الضغط من أجل حماية المدنيين الفلسطينيين، ووقف وعكس سياسات وممارسات الضمّ التي تتوسع بسرعة، وضمان محاسبة المسؤولين عن عقود من انتهاكات حقوق الفلسطينيين، بموجب القانون الدولي».


برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
TT

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل، محذراً في الوقت ذاته من أن الاحتياجات لا تزال ملحة للغاية.

وصرح شون هيوز، مدير برنامج الأغذية العالمي في فلسطين، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بدءاً من هذا الشهر، سنستبعد نصف مليون شخص من قائمة المستفيدين من مساعداتنا».

وبهذا الخفض، يصل عدد الفلسطينيين الذين يتلقون مساعدات من البرنامج -سواء كانت في صورة أغذية أو مبالغ نقدية- إلى 1.1 مليون شخص، وهو ما يمثل تقريباً نصف سكان قطاع غزة الذي أنهكته الحرب.

وجبة كل يومين

وتأتي هذه التخفيضات مع اقتراب فصل الشتاء، وفي وقت لا تزال فيه العديد من العائلات في غزة تعاني لتوفير الغذاء لنفسها. ومن بين التداعيات، سيتم خفض عدد الوجبات الساخنة التي توفرها المطابخ المجتمعية حالياً من 250 ألف وجبة إلى 150 ألف وجبة يومياً.

ثلثا سكان قطاع غزة يعتمدون على المساعدات الغذائية من أجل البقاء على قيد الحياة (رويترز)

أما العائلات التي تقيم في مناطق يصعب الوصول إليها -على سبيل المثال بالقرب مما يُعرف بـ«الخط الأصفر» الذي يحدد نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية- فستحصل على وجبة واحدة كل يومين بدلاً من وجبة يومية.

يُذكر أن جميع سكان قطاع غزة تقريباً، والبالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، يعيشون حالة من النزوح، ويعتمد ثلثاهم على المساعدات الغذائية من أجل البقاء، حسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

القليل سيصبح أقل

وتقول ميرفت السطري، وهي أم فلسطينية نازحة لخمسة أطفال في مخيم بمنطقة المواصي في خان يونس لهيئة الإذاعة البريطانية تعليقاً على قرار برنامج الأغذية العالمي: «إنها كارثة! ماذا سنفعل بهذه الحصص الغذائية المُقلَّصة؟ وكيف سنُؤمّن احتياجات الصغار؟»؛ وأضافت: «أحياناً ننتظر هذه الوجبات لنتمكن من الأكل».

وفي السياق ذاته، تقول سوسن بهلول، وهي أم لثلاثة أطفال ومن سكان منطقة المواصي أيضاً: «سيؤثر هذا علينا كثيراً. كانت المساعدات اليومية تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات نوعاً ما، لكنها ستصبح الآن كل يومين». وتضيف أن الحصص التي يوفرها المطبخ المجتمعي -والتي تتكون عادةً من المعكرونة أو العدس، مع إضافة البطاطس والباذنجان أحياناً- كانت في الأصل غير كافية لإطعام عائلتها.

اشتكت عائلات تتلقى حالياً مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي (WFP) لهيئة الإذاعة البريطانية من أن هذه المساعدات غير كافية أصلاً، ولا توفر تنوعاً يُذكر في نظامهم الغذائي.

أطفال في دير البلح بقطاع غزة ينتظرون وجبات مقدمة من برنامج الأغذية العالمي أمس (رويترز)

وتقول دلال الدحدوح، التي تعيش مع أفراد عائلتها الثمانية وسط أنقاض منزلها في مدينة غزة: «كمية الدقيق لا تكفي، وكذلك صناديق المواد الغذائية». وتخشى دلال أن تؤدي التخفيضات الجديدة إلى «تداعيات جسيمة».

وتقارن الأم بين الوضع المأساوي الراهن وحياتهم قبل الحرب، قائلة: «في الماضي، والحمد لله، كان لدينا منزلنا وحياة رائعة؛ توفرت لدينا الخضراوات الطازجة، ومرافق صحية ملائمة، وأرض نملكها. أما اليوم، فنحن نعتمد كلياً على المساعدات، بما في ذلك القسائم الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي».

من جانبه، يوضح شون هيوز أن هذه التخفيضات تأتي لأسباب مالية، «وليس لأن الاحتياجات قد انخفضت، أو لأننا نواجه عائقاً في الوصول إلى المحتاجين؛ فنحن قادرون على الوصول إليهم».

تقليص التحويلات النقدية

منذ شهر يوليو (تموز)، جرى بالفعل تقليص التحويلات النقدية المقدمة لنحو نصف مليون شخص، مما يعني أنهم باتوا يملكون أموالاً أقل لشراء الغذاء من الأسواق المحلية. كما سينخفض ​​عدد سكان غزة الذين يتلقون أكياس الدقيق وطرود الحصص الغذائية من برنامج الأغذية العالمي من 1.1 مليون إلى 600 ألف شخص شهرياً.

وقد تلقى برنامج الأغذية العالمي تمويلاً لعملياته في الأراضي الفلسطينية لعام 2026 يقل عن نصف ما كان يحصل عليه في السنوات السابقة. وتؤكد الوكالة العالمية أنها بحاجة ماسة إلى 450 مليون دولار لاستمرار عملياتها «الحيوية» على مدى الأشهر الستة المقبلة.

ظروف إنسانية بالغة السوء

ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل قبل عام، لا تزال الظروف الإنسانية في قطاع غزة بالغة السوء. فلم تشهد المنطقة أي عمليات إعادة إعمار، وكان التعافي محدوداً للغاية، في ظل فرض إسرائيل رقابة صارمة على دخول البضائع عبر المعابر، وفق «بي بي سي»، ورغم أن أسواق الغذاء باتت اليوم زاخرة بالسلع، فإن قلة قليلة فقط من السكان قادرون على الشراء منها؛ إذ يعاني أكثر من 80 في المائة من سكان غزة من البطالة، مما يجعل معظمهم يعتمدون على المساعدات.

كارل ساكو المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي خلال زيارة لمطعم يموله البرنامج في دير البلح بوسط قطاع غزة أمس (رويترز)

ولا يتوفر غاز الطهي في قطاع غزة؛ إذ تصنفه الحكومة الإسرائيلية ضمن المواد «مزدوجة الاستخدام»، بدعوى إمكانية استغلاله من قبل حركة «حماس» لأغراض عسكرية. ونظراً لارتفاع أسعار الحطب، تضطر عائلات كثيرة إلى إرسال أطفالها للبحث في الشوارع عن البلاستيك والكرتون لاستخدامها كوقود، سواء لخبز العجين أو تسخين الطعام.

وقال هيوز، المسؤول في برنامج الأغذية العالمي: «لا يزال الوضع الإنساني مثيراً للقلق البالغ؛ فالناس يعيشون في ظروف قاسية، ومعظمهم يفتقرون إلى مأوى ملائم، حيث يقيمون في خيام، مع صعوبة بالغة في الوصول إلى المياه والمرافق الصحية والرعاية الطبية». وأضاف: «إن تقليص المساعدات الغذائية سيزيد من حدة المعاناة التي تواجهها هذه العائلات منذ ثلاث سنوات».

ثلثا السكان يواجهون أزمة غذائية

وفي شهر يوليو، أفاد «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC) - الذي يضم نخبة من أبرز خبراء الأمن الغذائي في العالم - بأن ثلثي السكان، أي 1.4 مليون نسمة، «من المتوقع أن يواجهوا مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد تصل إلى مرحلة الأزمة أو ما هو أسوأ، وذلك خلال الفترة الممتدة من يوليو إلى ديسمبر (كانون الأول) 2026».

وفي الوقت الحالي، يقول برنامج الأغذية العالمي إنه يستطيع الاستمرار في دعم المخابز التي توفر ثلث احتياجات غزة من الخبز وتوفر المساعدة الغذائية لنحو 300 ألف امرأة وطفل. كما أنه يقدم وجبات غذائية خفيفة لنحو مائتي ألف طفل.

وفي الضفة الغربية المحتلة، يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم المساعدات لنحو 200 ألف فلسطيني، بعد أن خفض عدد المستفيدين إلى النصف في سبتمبر (أيلول). وتقول الوكالة إن انعدام الأمن الغذائي آخذ في الارتفاع في القطاع، ويرجع ذلك في الغالب إلى تزايد عنف المستوطنين الإسرائيليين وتهجير الفلسطينيين.