إجراءات الحكومة تكسر جموح الأسعار وتهبط بالتضخم العقاري دون الصفر في السعودية

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: السوق لم تعد تحركها قوة التمويل كما كان في السابق... بل وفرة المعروض

أحد مشروعات «الشركة الوطنية للإسكان» في جدة (الشركة)
أحد مشروعات «الشركة الوطنية للإسكان» في جدة (الشركة)
TT

إجراءات الحكومة تكسر جموح الأسعار وتهبط بالتضخم العقاري دون الصفر في السعودية

أحد مشروعات «الشركة الوطنية للإسكان» في جدة (الشركة)
أحد مشروعات «الشركة الوطنية للإسكان» في جدة (الشركة)

بدأت الأسواق العقارية السعودية تسجيل مؤشرات واضحة على تراجع الضغوط التضخمية، مدفوعةً بحزمة من الإجراءات الحكومية التنظيمية والتنفيذية التي استهدفت زيادة المعروض، والحد من الاكتناز، وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

يأتي هذا التحول الهيكلي ليعكس مساعي المملكة المستمرة لإعادة تشكيل القطاع العقاري وتعزيز استقراره ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

بعد طفرة من الارتفاعات السعرية المتفاوتة التي تلت مرحلة جائحة كورونا، تراجع التضخم العقاري في السعودية إلى سالب 0.7 في المائة (‏-0.7 في المائة‏) في الربع الرابع من عام 2025 من 3.6 في المائة في الربع الرابع من 2024 مدعوماً بالتدخلات الحكومية الرامية إلى رفع كفاءة السوق، وفقاً لتقرير «رؤية 2030» السنوي. واستمرت وتيرة التراجع خلال الربع الأول من العام الحالي؛ إذ أظهرت أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء انخفاض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة على أساس سنوي، مدفوعاً بتراجع أسعار القطاع السكني بنسبة 3.6 في المائة، في حين سجل القطاع التجاري نمواً سنوياً بلغ 3.4 في المائة.

إصلاحات هيكلية تعيد التوازن للسوق

جاء هذا التصحيح السعري بالتزامن مع سلسلة من التدخلات الحكومية التي استهدفت معالجة اختلالات السوق، وفي مقدمتها نقص المعروض وارتفاع وتيرة المضاربات. وفي خطوة بارزة لتهدئة الأسعار في العاصمة، سمحت الحكومة بالبيع والشراء والتطوير في أربع مناطق شمال الرياض بمساحة تتجاوز 81 كيلومتراً مربعاً، ضمن خطة تستهدف توفير ما يصل إلى 40 ألف قطعة أرض سنوياً للمواطنين خلال السنوات الخمس المقبلة، بأسعار مستهدفة لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

منظر عام للعاصمة الرياض (رويترز)

في هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي لشركة «منصات العقارية»، خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن الإصلاحات الأخيرة نقلت السوق من مرحلة النمو السعري العشوائي والسريع إلى مرحلة أكثر توازناً واستدامة. وأوضح أن زيادة المعروض، وتنظيم الإيجارات، والحد من الاحتفاظ غير المنتج بالأراضي، بدأت تنعكس فعلياً على سلوك السوق، خصوصاً في المدن ذات الطلب المرتفع. وأضاف المبيض أن فرض الرسوم على الأراضي والعقارات الشاغرة دفع الملاك غير النشطين إلى التطوير أو البيع أو التأجير، مما حدّ من المضاربات ورفع كفاءة استخدام الأصول العقارية.

من جهته، قال الخبير العقاري أحمد فقيه لـ«الشرق الأوسط»، إن القرارات الحكومية جاءت «في شكل جرعات علاج مدروسة» بعد دراسة عميقة لعناصر السوق، مضيفاً أن السكن يمثل المكون الأعلى وزناً في مؤشر التضخم، وبالتالي فإن تهدئة هذا القطاع تنعكس مباشرةً على مستويات التضخم الكلية. وتوقع أن تستمر مفاعيل هذه القرارات في الظهور بشكل أوضح خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً، وهو ما بدأ يتحقق فعلياً عبر كبح جماح الطلب غير الحقيقي وزيادة المعروض الفعلي.

تضييق الخناق على الأراضي البيضاء

وفي موازاة ذلك، صعّدت الحكومة إجراءاتها تجاه الأراضي غير المطورة، عبر رفع الرسوم على الأراضي البيضاء إلى 10 في المائة سنوياً بدلاً من 2.5 في المائة. كما جرى إدراج العقارات الشاغرة للمرة الأولى ضمن نطاق الرسوم على الأراضي والمباني التي تتجاوز مساحتها 5 آلاف متر مربع، بهدف تقليص جدوى «الاكتناز» والدفع بمزيد من الوحدات إلى السوق.

ويرى فقيه أن المضاربات كانت تتركز بشكل رئيسي في الأراضي الواقعة ضمن المخططات الطرفية، خصوصاً في مدينة الرياض، موضحاً أن رفع رسوم الأراضي البيضاء، إلى جانب الرسائل الحكومية الواضحة بأن الأراضي لم تعد أداة للمضاربة بل للتطوير، شكّل نقطة تحول في سلوك المستثمرين والمضاربين داخل السوق. كما أشار إلى أن رسوم العقارات الشاغرة ستسهم أيضاً في الحد من المضاربات على المنتجات السكنية، خصوصاً الشقق، عبر دفع الملاك إلى تشغيل الأصول غير المستغلة بدلاً من إبقائها خارج السوق.

وفي خطوة حاسمة لضبط التعاملات، بدأت السوق العقارية التفاعل مع الاعتماد الرسمي للائحة التنفيذية للرسوم السنوية على العقارات الشاغرة من وزارة البلديات والإسكان؛ إذ أقرت اللائحة تطبيق رسوم تصل إلى 5 في المائة من قيمة المبنى غير المستغل داخل النطاق العمراني المعتمد، مما يرفع كفاءة استغلال الأصول العقارية ويحفز نمو المعروض داخل المدن.

تجميد الإيجارات

وامتدت السياسات التنظيمية لتشمل سوق الإيجارات؛ حيث وافق مجلس الوزراء السعودي على تجميد أي زيادات سنوية في الإيجارات لمدة خمس سنوات داخل نطاق العاصمة الرياض، سواء في العقود القائمة أو الجديدة، لضمان استقرار السوق السكنية والتجارية. وأفاد المبيض بأن هذا القرار غيّر سلوك المستثمرين للتركيز على التطوير والتشغيل وتحقيق العوائد المستدامة بدلاً من انتظار الارتفاعات السعرية المفتعلة.

وقال المبيض إن هذه الإجراءات غيّرت سلوك المستثمر من انتظار الارتفاعات السعرية إلى التركيز على التطوير والتشغيل وتحقيق العوائد المستدامة، معتبراً أن تجميد زيادات الإيجارات في الرياض بعث برسالة واضحة بأن السوق تتجه إلى ضبط التضخم وتحقيق توازن أكبر بين المالك والمستأجر.

بدوره، رأى فقيه أن القرارات التنظيمية الأخيرة ستقود إلى «إعادة تموضع» للمطورين والمستثمرين داخل السوق، عبر توجيه الاستثمارات نحو زيادة المعروض واستغلال الفرص الجديدة التي خلقتها التحولات التنظيمية الحالية.

أحد مشروعات «الشركة الوطنية للإسكان» في جدة (الشركة)

وعلى الصعيدين التنظيمي والرقمي، حققت السوق قفزات ملموسة في البنية التحتية؛ إذ تجاوزت الوحدات المعلنة في نظام التسجيل العيني للعقار 4 ملايين عقار حتى نهاية عام 2025، إلى جانب إصدار أكثر من 1.2 مليون صك عقاري مطوّر. كما وُثِّق أكثر من 3.2 مليون عقد إيجار عبر منصة «إيجار»، وارتفع عدد الوسطاء المرخصين ليتجاوز 106 آلاف ممارس.

وحسب المبيض، فإن هذه الأرقام تعكس قفزة في مستويات الشفافية، وتقليصاً للاجتهادات الفردية بفضل وضوح البيانات. فيما أشار فقيه إلى تقدم المملكة 11 مرتبة عالمياً في مؤشرات الشفافية العقارية الدولية، مما يعزز جاذبية القطاع لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.

«المعروض» يقود دفة السوق

وفيما يتعلق بالجانب المالي، كشف تقرير «رؤية 2030» لعام 2025 استمرار نمو محفظة التمويل العقاري للأفراد؛ إذ قفز إجمالي القروض العقارية القائمة للأفراد إلى 904 مليارات ريال (241.1 مليار دولار) بنهاية عام 2025، مقارنةً بنحو 420 مليار ريال (112 مليار دولار) في عام 2020.

ورغم هذا الارتفاع الضخم في حجم التمويل، أكد المبيض أن السوق لم تعد تتحرك بدافع التمويل فحسب، بل أصبحت أكثر تأثراً بمحددات المعروض والأنظمة وجودة المنتج، وهو ما يفسر تراجع الأسعار السكنية تزامناً مع توسع الإقراض. واتفق فقيه مع هذا الطرح، مبيناً أن التمويل كان سابقاً يغذي الأسعار نظراً إلى محدودية الخيارات، بينما أسهم تنامي المعروض الحالي في خلق معادلة متوازنة وعادلة بين العرض والطلب.

شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)

أفق مستقر وجاذبية دولية

أثمرت هذه التحولات الهيكلية الشاملة عن رفع عدد الأسر السعودية التي تملكت مساكنها إلى أكثر من 851 ألف أسرة بنهاية عام 2025، مقارنةً بنحو 63 ألف أسرة فقط في عام 2019.

وفي استشرافٍ للمستقبل، توقَّع المبيض أن تتجه السوق العقارية السعودية إلى مرحلة استقرار طويلة الأجل قائمة على النضج والبيانات، وليس مجرد تصحيح مؤقت، مع احتمال استمرار تراجع قيم المنتجات التي تجاوزت أسعارها العادلة.

من جانبه، خلص فقيه إلى أن المنظومة الجديدة صاغت «خريطة استثمارية مبتكرة» تبدلت فيها أدوات الاستثمار العقاري بشكل جذري، مؤهلةً السوق السعودية لتكون واحدة من أبرز الوجهات الإقليمية والدولية الجاذبة للاستثمار الاستراتيجي المستدام.


مقالات ذات صلة

أسعار المنازل البريطانية تنخفض لأول مرة منذ نحو 3 سنوات

الاقتصاد صفّ من المنازل السكنية في جنوب لندن (رويترز)

أسعار المنازل البريطانية تنخفض لأول مرة منذ نحو 3 سنوات

أظهرت بيانات صادرة عن بنك «لويدز»، يوم الاثنين، أن أسعار المنازل في بريطانيا سجلت أول انخفاض سنوي لها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، خلال أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)

«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

لا تدور أزمة السكن في مصر حول نقص المعروض بشكل عام، فعلى العكس «توجد وفرة مقارنة بحجم الطلب».

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد امرأة تمرّ بجوار منازل معروضة للإيجار في أحد الشوارع السكنية بلندن (رويترز)

رغم ضبابية الاقتصاد... أسعار المنازل البريطانية ترتفع في أغسطس

ارتفعت أسعار المنازل في بريطانيا خلال أغسطس (آب)، وفقاً لبيانات صدرت يوم الثلاثاء عن مؤسسة «نيشن وايد» للتمويل العقاري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نموذج لتصميم مشروع «جدة كوف» التابع لشركة «ازدهار للتطوير العقاري» (الشركة)

شراكة بـ265 مليون دولار لتطوير «جدة كوف» في السعودية

تطلق «ازدهار» و«الاستثمار كابيتال» صندوقاً بـ265 مليون دولار لتطوير «جدة كوف» على مساحة 140 ألف متر مربع، ويضم أنشطة تجارية وترفيهية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مناطق سكنية في جبال عسير الواقعة جنوب السعودية (واس)

«الرسوم البيضاء» تدفع بتطوير 7 ملايين متر مربع من الأراضي جنوب السعودية

كشفت وزارة البلديات والإسكان عن بلوغ إجمالي مساحات الأراضي البيضاء التي دخلت مسارات التطوير في منطقة عسير (جنوب السعودية) 7 ملايين متر مربع

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع ارتفاع النفط وتصاعد توترات الشرق الأوسط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع ارتفاع النفط وتصاعد توترات الشرق الأوسط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الثلاثاء، مع تصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط، ما دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر يوليو (تموز)، وزاد من حالة التشاؤم في الأسواق قبيل صدور بيانات التضخم في وقت لاحق من هذا الأسبوع.

ويأتي هذا التراجع بعد فترة من التقلبات الحادة دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة، عقب تصريحات محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر، وصدور تقرير وظائف جاء أقوى من المتوقع.

وسيهيمن على الأسبوع القصير الذي يلي عطلة عيد العمال تقرير مؤشر أسعار المستهلك المقرر صدوره يوم الجمعة، وبيانات مؤشر أسعار المنتجين المقرر صدورها يوم الخميس.

ويرى بعض المستثمرين أن بيانات التضخم ستكون أكثر أهمية في تحديد مسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، في ظل تركيز رئيسه كيفين وارش على خفض الأسعار.

ويتوقع المتداولون الآن احتمالاً بنسبة 58.4 في المائة لزيادة التضخم هذا الشهر، وفقاً لأداة «سي إم إي فيدووتش».

وقال صامويل تومبس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «بانثيون ماكرو إيكونوميكس»: «ما زلنا نعتقد أن بيانات التضخم للأشهر القليلة المقبلة ستكون معتدلة بما يكفي لكي يمتنع أغلبية الأعضاء عن تشديد السياسة النقدية».

وفي تمام الساعة 4:48 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 476 نقطة، أي بنسبة 0.89 في المائة، وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 30 نقطة، أي بنسبة 0.39 في المائة، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 51.75 نقطة، أي بنسبة 0.18 في المائة.

مخاطر الحرب تتصدر المشهد

لا تزال الحرب الأميركية الإيرانية، التي دخلت شهرها السابع، تلقي بظلالها على أسواق الأسهم. وتصاعدت التوترات مجدداً في المنطقة، ما يزيد خطر اندلاع صراع أوسع.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.25 في المائة إلى 99.18 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ 24 يوليو.

وقال كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال دوت كوم»: «تزداد صورة التضخم غموضاً بسبب ارتفاع أسعار النفط. ويُبقي النشاط العسكري على علاوة مخاطر كبيرة في أسواق الطاقة، وسط تزايد احتمالية حدوث اضطرابات أعمق، وأطول أمداً في الإمدادات العالمية».

وشهدت أسهم شركات الطاقة ارتفاعاً في التداولات قبل افتتاح السوق، إذ صعد سهما «ماراثون بتروليوم» و«أوكسيدنتال بتروليوم» بنسبة 1.62 في المائة و2.03 في المائة على التوالي.

وتراجعت أسهم شركات العملات الرقمية مع انخفاض سعر «البتكوين» عن مستوى 80 ألف دولار. وانخفض سهم كوين بيس بنسبة 1.84 في المائة، بينما تراجع سهم «ستراتيجي» بنسبة 2.38 في المائة.

وصعدت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، مدعومة بالتفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي. وارتفع سهم «إنتل» بنسبة 2.47 في المائة، وسهم «إيه إم دي» بنسبة 1.30 في المائة، بينما ارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة طفيفة بلغت 0.20 في المائة.

وكتب بن ماي، مدير أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «يُظهر التاريخ أن تزايد المضاربات والمخاوف بشأن الإفراط قد يستمر لفترة من الزمن دون حدوث تصحيح».


دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

تتقلّص عائدات النفط الإيرانية بسرعة، مع استمرار الحصار البحري الأميركي الذي يُعرقل شحنات الخام من الخليج، في وقت تتراجع فيه كميات النفط الإيراني الموجودة بالفعل على متن الناقلات خارج نطاق الحصار، مما يحرم طهران تدريجياً من أهم مصادر العملة الصعبة التي تحتاج إليها لدعم اقتصادها وتمويل وارداتها.

وحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنات من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

ولا تزال إيران تحمل كميات محدودة من النفط على الناقلات داخل الخليج، لكن هذه الشحنات تظل عالقة ولا تستطيع الوصول إلى المشترين خارج المنطقة.

وفي الوقت نفسه، انخفض حجم الخام الإيراني الموجود بالفعل على متن السفن خارج الحصار، الذي كان يمثّل شرياناً مالياً مهماً لطهران، إلى نحو 29 مليون برميل، مقارنة بنحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو، وفق «كبلر».

وترى الصحيفة أن هذه الكميات قد تنفد بحلول الشهر المقبل، ما يعني أن قدرة إيران على الاعتماد على مخزون النفط الموجود في البحر لتوليد الإيرادات تقترب من نهايتها.

النفط... شريان العملة الصعبة

بعد ستة أشهر من الحرب، تتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني مع تراجع المصدر الأساسي للعملة الأجنبية، بالتزامن مع انهيار قيمة الريال وارتفاع التضخم ودخول الاقتصاد مرحلة أكثر عمقاً من الأزمة.

ويشكّل النفط عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية، كما تُسهم مبيعات الخام بصورة مباشرة في تمويل النظام وأجهزته العسكرية.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القوات المسلحة الإيرانية، بما فيها «الحرس الثوري»، تستخدم شركات مخصصة وشبكات من «أسطول الظل» لبيع النفط وتوفير موارد إضافية لموازناتها.

وفي أغسطس (آب)، لم تتجاوز كميات النفط الإيراني التي حُمّلت على ناقلات داخل الخليج 255 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 85 في المائة عن متوسط الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان)، وفق بيانات «كبلر».

لكن هذه الكميات الجديدة لا تزال عالقة خلف خط الحصار، ولم تصل إلى المشترين.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

شريان سابق يوشك على النفاد

وكانت فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو (حزيران)، والتي تضمّنت توقفاً للحصار استمر عدة أسابيع، قد أتاحت لطهران نقل كميات كبيرة من النفط إلى الخارج لتسليمها في وقت لاحق.

وتعتمد إيران حالياً على العائدات المتأتية من بيع تلك الشحنات.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، الجمعة، إن عملية بيع النفط وتسليمه إلى العملاء «تمت على بُعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عُمان».

لكن هذا الشريان المالي بدأ الاختفاء.

وتُقدّر «كبلر» أن عمليات التسليم الحالية، البالغة نحو مليون برميل يومياً، التي تذهب غالبيتها إلى الصين، قد تستنزف مخزون النفط الإيراني الموجود على متن السفن بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).

كما قد تتوقف المدفوعات الخاصة بشحنات سبق تسليمها بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول).

ولا يقتصر الخطر على انخفاض الإيرادات الجديدة، إذ إن تحصيل المدفوعات نفسها قد يصبح أكثر صعوبة مع استهداف العقوبات الأميركية الجديدة البنوك والقنوات المالية التي تسهل المعاملات الإيرانية.

الصين تبحث عن بدائل

بدأ بعض المشترين الصينيين التوجه إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات لتعويض النفط الإيراني، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة الخليجي للصحيفة الأميركية.

ومع تراجع المعروض الإيراني، أصبحت بعض شحناته أغلى بالنسبة إلى المصافي من الخامات المنافسة، على الرغم من المخاطر المرتبطة بالتعامل معها.

وفي المقابل، عرض العراق خصومات تقترب من 30 دولاراً للبرميل على بعض درجات الخام، فيما كان خام برنت يُتداول حول 97 دولاراً للبرميل الاثنين.

ويشير تحول المشترين لخامات خليجية أخرى إلى أن الحصار لا يؤثر فقط في قدرة إيران على التصدير، وإنما يغير أيضاً خريطة تدفقات النفط إلى السوق الآسيوية التي تمثّل الصين أهم وجهاتها.

الحصار يضغط على الإنتاج

ولا يقتصر تأثير القيود على صادرات النفط، إذ بدأت تداعيات الحصار تضغط على مستويات الإنتاج الإيرانية نفسها.

وتشير بيانات المخزونات إلى أن مخزونات النفط داخل إيران لم ترتفع بصورة كبيرة، ما يرجح أن طهران خفّضت إنتاجها ليقترب من مستويات الاستهلاك المحلي، وفق هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر».

ويعني ذلك أن السيناريو الذي توقعه محللون خلال الحصار الأول في الربيع بدأ يتحقق: اضطرار إيران إلى خفض الإنتاج لتجنّب امتلاء منشآت التخزين بالنفط الذي لا تستطيع تصديره.

أما البدائل البرية فلا توفر سوى متنفس محدود.

وحسب فلاكشاهي، لا تستطيع إيران نقل أكثر من نحو 40 ألف برميل يومياً بواسطة الشاحنات، وهي كمية ضئيلة جداً مقارنة بصادراتها قبل الحرب التي كانت تقترب من مليوني برميل يومياً.

كما تفتقر إيران إلى عدد كافٍ من عربات السكك الحديدية المصممة لنقل النفط الخام والمنتجات المكررة.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

أزمة تمتد إلى البتروكيميائيات

وامتد أثر الحصار إلى قطاع البتروكيميائيات، الذي يمثل ثاني أكبر مصدر لإيران للعملة الأجنبية بعد النفط.

ويعتمد القطاع بدرجة كبيرة على الصادرات البحرية، وقد انخفضت عمليات تحميل شحناته بنحو الثلثَين بحلول أغسطس مقارنة ببداية عام 2026، وفق تقديرات «كبلر».

وفي المقابل، تمكّن منتجو النفط الخليجيون الآخرون من مواصلة تدفق كميات كبيرة من الخام رغم الحرب.

وهكذا، لا تواجه إيران المشكلة نفسها التي تواجهها الدول المنتجة الأخرى في الخليج؛ ففي حين تستمر هذه الدول في تصدير النفط عبر مسارات بديلة، تتقلص الخيارات المتاحة أمام طهران بصورة حادة.

الريال الإيراني يدفع ثمن تراجع النفط

وتزداد حدة الأزمة الاقتصادية الإيرانية مع تراجع صادرات النفط، إذ تحرم الإيرادات المنخفضة طهران من العملة الصعبة اللازمة لدعم الريال وتمويل الواردات، بما فيها المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع.

ويؤدي ارتفاع تكلفة الواردات بدوره إلى زيادة التضخم، في حلقة تضخمية يصعب كسرها مع استمرار ضعف العملة.

وحسب الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، هَمَد حسين، فقد الريال الإيراني نحو 15 في المائة من قيمته أمام الدولار منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي في أغسطس.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم في إيران تجاوز 80 في المائة على أساس سنوي، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المائة خلال العام الحالي، وهو أسوأ أداء منذ ثمانينيات القرن الماضي.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

التجارة لم تتوقف... لكنها أصبحت أكثر تكلفة

ولم تتوقف التجارة الإيرانية بالكامل، إذ صدّرت البلاد ما يقرب من 15 مليار دولار من السلع غير النفطية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أغسطس، وفق وسائل إعلام إيرانية، رغم انخفاض القيمة مقارنة بالعام السابق.

لكن أحد أهم منافذ التجارة الإيرانية بدأ يضيق. فقد توقفت التجارة الرسمية عبر الإمارات إلى حد كبير، بعدما أعلنت أبوظبي الشهر الماضي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر، رغم استمرار جزء من النشاط عبر شركات وشبكات غير رسمية.

وتتحول بعض التجارة إلى مسارات عبر تركيا والعراق وعُمان وباكستان، إلا أن هذه البدائل تضيف وقتاً وتكاليف إلى عمليات التجارة.

هل يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى التراجع؟

يبقى السؤال الأهم: هل يؤدي خنق صادرات النفط إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات لإنهاء الحرب؟

تبدو الإجابة غير واضحة. فالولايات المتحدة تراهن على أن زيادة الضغط الاقتصادي ستجبر إيران على تقديم تنازلات، لكن محللين يحذرون من أن تضييق الخناق الاقتصادي قد يدفع النظام الإيراني إلى مزيد من التصعيد بدلاً من التراجع.

وقال حمد حسين إن الكثير سيتوقف على مقدار الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله لتحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.

كما حذّرت مسؤولة شؤون إيران في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إيلي جيرنمايه، من أن الضغوط الاقتصادية، رغم تأثيرها الكبير في الأسر الإيرانية، قد لا تكون كافية لدفع النظام إلى الاستسلام على طاولة المفاوضات. وقالت إن الأدلة المتاحة تشير إلى أن النظام الإيراني «من المرجح أن يقاوم».

النفط بوصفه سلاحاً اقتصادياً

وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه إدارة ترمب تحويل عائدات النفط الإيرانية إلى نقطة ضغط رئيسية على طهران. فمع انخفاض كميات الخام المتاحة للتصدير، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، وانكماش الاقتصاد، تتقلّص قدرة إيران على الحصول على العملة الصعبة التي تحتاج إليها لتأمين احتياجاتها الأساسية وتمويل مؤسسات الدولة.

لكن المفارقة أن الضغط الاقتصادي نفسه قد يزيد دوافع طهران للرد العسكري، وهو ما يجعل معركة النفط جزءاً من مواجهة أوسع بكثير من مجرد صراع على صادرات الخام.

فإذا نفدت الكميات الموجودة حالياً على متن السفن خلال أسابيع، كما تتوقع «كبلر»، فإن طهران ستواجه اختباراً جديداً: كيف تحافظ على تدفق العملة الصعبة إلى اقتصادها في ظل إغلاق شريانها الرئيسي للتصدير؟


«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

قد يختار «بنك اليابان» رفع سعر الفائدة بمقدار محدود هذا الشهر، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء مخاطر التضخم وتجنب إحداث صدمة في الاقتصاد والأسواق، في وقت يراقب فيه المستثمرون ما إذا كان «البنك المركزي الياباني» سيقدِم على زيادة أكبر من المعتاد.

كانت آخر مرة رفع فيها «البنك المركزي الياباني» سعر الفائدة الرئيسي بمقدار نصف نقطة مئوية في عام 1989، عندما كانت أسعار الأصول في اليابان قد بلغت مستويات قياسية خلال ذروة الفقاعة العقارية التي انفجرت بعد ذلك بفترة قصيرة، لتدخل البلاد في مرحلة طويلة من الركود عُرفت باسم «العقد الضائع».

وبعد 37 عاماً، يتساءل المستثمرون عمّا إذا كان «بنك اليابان» قد يكرر زيادة بهذا الحجم في اجتماعه المقبل، المقرر يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول) الحالي.

إلا إن التوقعات السائدة تشير إلى أن «البنك» سيختار زيادة تقليدية قدرها 25 نقطة أساس، ترفع سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة، في ظل اختلاف الظروف الحالية جذرياً عن حقبة الثمانينات.

وتكمن المعضلة الأساسية أمام «بنك اليابان» في الحفاظ على ثقة الأسواق بأنه لا يتأخر عن منحنى التضخم، من دون أن يذهب في الاتجاه الآخر ويُحدث تشديداً نقدياً مفاجئاً قد يضر بالنشاط الاقتصادي.

زيادة ربع نقطة هي السيناريو الأرجح

ويشير أشخاص مطلعون على تفكير «البنك المركزي» إلى أن صانعي السياسة لا يميلون إلى رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس هذا الشهر، في ظل احتواء ضغوط الأسعار على المدى القريب، فضلاً عن مخاطر إحداث صدمة لدى مجتمع اعتاد عقوداً من تكاليف الاقتراض القريبة من الصفر.

ووفق المصادر، فإذا قرر «بنك اليابان» رفع الفائدة، فمن المرجح أن يكتفي بالزيادة المعتادة البالغة 25 نقطة أساس، بما يسمح له بتجنب اضطراب الأسواق وإتاحة الوقت لتقييم تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض على نشاط الشركات والأسر.

لكن في المقابل، أدت عوامل عدة إلى زيادة الضغوط على «البنك» لتسريع وتيرة رفع الفائدة، من بينها الحرب في الشرق الأوسط، وضيق سوق العمل اليابانية، وارتفاع تكاليف الواردات نتيجة ضعف الين، وهي عوامل تزيد الضغوط التضخمية.

وتدرس السلطات النقدية، وفق المصادر، إمكانية رفع الفائدة بوتيرة تقارب مرة كل 3 أشهر، بدلاً من وتيرة الرفع التي اتبعها «البنك» منذ بدء دورة التشديد الحالية.

ويرى محللون أن هذا يمثل سبباً إضافياً لعدم اللجوء إلى زيادة كبيرة في سبتمبر الحالي، إذ إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس دفعة واحدة قد يأتي بنتيجة عكسية، من خلال إثارة مخاوف الأسواق من أن «البنك» يشعر بأنه تأخر بالفعل في التعامل مع التضخم.

أشخاص يمرون أمام مقر «بنك اليابان» في طوكيو يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال نوبوياسو أتاغو، المسؤول السابق في «بنك اليابان» وكبير الاقتصاديين حالياً في معهد «راكوتن» للأبحاث الاقتصادية، إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس قد يُنظر إليه على أنه علامة على «يأس» البنك المركزي، وقد يحول تركيز السوق إلى مخاطر تأخره عن منحنى التضخم.

وأضاف أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يرفع الفائدة إلى 1.25 في المائة هذا الشهر، ثم يُجري زيادة أخرى بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول) أو يناير (كانون الثاني) المقبلين»، في إجراء احترازي لمواجهة تصاعد مخاطر التضخم.

وتابع: «مع اضطراب سوق السندات بالفعل، لا جدوى من أن يفاجئ (بنك اليابان) الأسواق ويتسبب في مزيد من الاضطرابات».

الاحتفاظ ببعض الذخيرة النقدية

بدأ «بنك اليابان» دورة التشديد الحالية في عام 2024، ورفع سعر الفائدة في زيادات قدرها 25 نقطة أساس، بوتيرة تبلغ نحو مرتين سنوياً.

وكان مسؤولو «البنك» قد شددوا في السابق على ضرورة التحرك بحذر، لتجنب إضعاف المعنويات في اقتصاد عانى من الانكماش السعري لنحو 3 عقود.

لكن خلال الأشهر الأخيرة، أدت الضغوط السعرية الأكبر حدة، الناجمة عن الانخفاض الكبير في قيمة الين، إلى زيادة الإحساس بضرورة التحرك، سواء داخل اليابان وخارجها.

كما عززت سلسلة من التصريحات المتشددة من مسؤولي «بنك اليابان»، إلى جانب الضغوط التي مارسها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، التوقعات بأن «البنك» سيرفع أسعار الفائدة هذا الشهر.

وكانت تصريحات عضو مجلس إدارة «بنك اليابان» المتشدد، هاجيمي تاكاتا، قد أثارت تكهنات بإمكانية إقدام «البنك» على زيادة أكبر من المعتاد.

لكن محافظ «بنك اليابان»، كازو أويدا، قال الأسبوع الماضي إن الظروف الاقتصادية والأسعار تتحرك إلى حد كبير بما يتماشى وتوقعات «البنك»، في إشارة إلى أن مخاطر التضخم لم ترتفع بالقدر الكافي لتبرير زيادة استثنائية في أسعار الفائدة.

وقال أويدا: «نأمل مواصلة رفع أسعار الفائدة في ظل بقاء الأوضاع المالية ميسرة»، لكنه أضاف أن البنك «رفع أسعار الفائدة 5 مرات حتى الآن، ولذلك نحتاج إلى تقييم التأثير التراكمي على الاقتصاد بعناية».

محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا في طريقه إلى مؤتمر صحافي سابق بمقر «البنك» في العاصمة طوكيو (رويترز)

كما أدى ارتفاع الين إلى أعلى مستوى له في 7 أشهر عند نحو 153 يناً للدولار، مبتعداً بشكل كبير عن أدنى مستوى له في 40 عاماً قرب 164 يناً الذي سجله في يوليو (تموز) الماضي، إلى تخفيف بعض الضغوط عن «البنك» لاتخاذ خطوة كبيرة لدعم العملة.

وقال أحد المصادر إن «بنك اليابان» يستطيع على الأرجح إجراء زيادتين إضافيتين للفائدة هذا العام، «ولذلك لا توجد حاجة إلى زيادة قدرها 50 نقطة أساس دفعة واحدة».

وأشار مصدر آخر إلى أن البيانات الأخيرة تظهر أن التضخم لم يتسارع بالحدة التي تبرر رفع الفائدة بمقدار أكبر من المعتاد، وهو تقييم أيدته 3 مصادر أخرى مطلعة على تفكير «البنك».

الاقتصاد لا يحتاج إلى تشديد حاد

وتشير البيانات الأخيرة إلى أن الاقتصاد الياباني لا يحتاج في الوقت الراهن إلى تشديد نقدي حاد يستهدف كبح الطلب القوي بصورة مفرطة.

ورغم أن الارتفاع الأخير في أسعار المنتجين يُنظر إليه على أنه عامل قد يزيد الضغوط على أسعار المستهلك خلال الأشهر المقبلة، فإن المؤشرات لا تزال محدودة على دخول الاقتصاد دوامة مقلقة من ارتفاع الأسعار والأجور.

وشدد مسؤولو «بنك اليابان» على ضرورة مراقبة تأثير الزيادات السابقة في الفائدة على الإقراض المصرفي، خصوصاً في ظل عدم اليقين بشأن كيفية استجابة الأسر والشركات لارتفاع تكاليف الاقتراض بعد عقود من السياسة النقدية فائقة التيسير.

ولا تزال الأوضاع المالية ميسرة حتى الآن، مع ارتفاع الإقراض المصرفي بنسبة 5.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي.

الحمائم يدفعون نحو الحذر

وقد يرى أعضاء مجلس إدارة «بنك اليابان» الأميل إلى التيسير النقدي حاجة أكبر إلى التحرك بحذر، مع اقتراب سعر الفائدة من المستويات التي يُعتقد أنها محايدة للاقتصاد.

ويقدر موظفو «البنك» نطاق سعر الفائدة المحايد للاقتصاد الياباني بين 1.1 و2.5 في المائة.

وكان عضو مجلس الإدارة تويتشيرو أسادا، المعارض الوحيد قرار «البنك» في يونيو (حزيران) رفع الفائدة إلى واحد في المائة، قد قال لـ«رويترز» في يوليو الماضي إنه يريد رؤية تضخم مدفوع بالطلب قبل تأييد مزيد من زيادات أسعار الفائدة.

كما قالت أيانو ساتو، وهي عضو آخر تميل إلى التيسير وانضمت إلى مجلس الإدارة في 30 يونيو، إن على «البنك المركزي» ألا يركز فقط على مخاطر ارتفاع الأسعار، بل أن يأخذ أيضاً في الحسبان المخاطر السلبية التي تهدد النمو.

وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «نومورا سيكيوريتيز»: «لن أفاجأ إذا رأى بعض أعضاء مجلس الإدارة حاجة إلى اتباع نهج أكبر حذراً في رفع أسعار الفائدة مقارنة بما تتوقعه الأسواق، التي بدأت تتقدم قليلاً على نفسها». وأضافت أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يتمسك بزيادة قدرها 25 نقطة أساس في الوقت الراهن».