هل يواجه نظام الـ1.8 تريليون دولار «شتاء الائتمان الخاص»؟

«أرباح كابيتال» لـ«الشرق الأوسط»: استمرار الفائدة المرتفعة يزيد احتمالات التعثر

لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
TT

هل يواجه نظام الـ1.8 تريليون دولار «شتاء الائتمان الخاص»؟

لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)

هل يمكن أن يكون الائتمان الخاص هو أزمة الرهن العقاري العالمية المقبلة؟ هذا السؤال المحوري بات يتردد بجرأة في أروقة صناعة القرار المالي بعد توسع سريع للإقراض خارج النظام المصرفي التقليدي على مدى السنوات الماضية، مما خلق سوقاً هائلة تجاوزت قيمتها حاجز الـ1.8 تريليون دولار بعيداً عن الرقابة اللصيقة.

هذا القلق تبلور بوضوح في تحذيرات أطلقها مؤخراً الرئيس التنفيذي لمصرف «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، من أن خسائر القطاع ستتجاوز على الأرجح التوقعات عند تحول دورة الائتمان بفعل ضعف المعايير وارتفاع المديونية.

الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان تشيس» جيمي ديمون يتحدث إلى النادي الاقتصادي بنيويورك في مانهاتن (أرشيفية - رويترز)

وفي منعطف تنظيمي حاسم، دخل مجلس الاستقرار المالي العالمي - الذي يضم محافظي البنوك المركزية ووزراء مالية مجموعة العشرين - على خط الأزمة عبر مطالبته المنظمين الوطنيين بتشديد الرقابة فوراً، بالتزامن مع وضع البنك المركزي الأوروبي للائتمان الخاص كأحد المصادر الرئيسية المهددة للاستقرار المالي إلى جانب التقييمات المرتفعة للأسواق.

ولم يتأخر هذا التصنيف التنظيمي حتى تبلور رسمياً في تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي الأوروبي نهاية مايو (أيار) 2026، والذي كشف عن جانبين شديدي الخطورة في بنية هذا القطاع؛ الأول هو ما وصفه بـ«تأثير كرة الثلج»، حيث بدأت الصناديق تواجه صعوبات حقيقية في تسييل بعض أصولها تزامناً مع تصاعد طلبات الاسترداد من المستثمرين، مما يهدد بالاضطرار لعمليات بيع بأسعار بخسة. أما الجانب الآخر، فهو تنامي ظاهرة «الرافعة المالية المزدوجة»، إذ كشف التقرير عن توسع الصناديق في الاقتراض من البنوك التقليدية لتمويل قروضها الخاصة، مما يعني تشابكاً خطيراً يضع النظام المصرفي تحت تهديد مزدوج في حال تخلف المقترضين النهائيين عن السداد.

توسع غير مسبوق في الائتمان الخاص

هذا التشابك الخطير والتحذيرات الدولية المتلاحقة، يأتيان كناتج طبيعي لتحول هيكلي عميق يشهده النظام المالي العالمي تقوده صناديق الائتمان الخاصة، والتي خرجت من كونها أدوات بديلة محدودة لتصبح ما يشبه «نظاماً مصرفياً موازياً» تتجاوز قيمته حاجز الـ 1.8 تريليون دولار.

وفي هذا السياق، يوضح الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح كابيتال»، محمد الفراج، أن هذا التوسع لم يأتِ بشكل طبيعي بالكامل، بل ارتبط بشكل مباشر بانسحاب البنوك من تمويل الشركات المتوسطة والصغيرة بعد أزمة 2008 وما تبعها من تشديدات تنظيمية صارمة.

ويضيف أن تطبيق معايير «بازل 3» ورفع متطلبات رأس المال، دفع البنوك إلى تقليص الإقراض عالي المخاطر، مما أدى إلى نشوء فجوة تمويلية واسعة، وهنا دخلت صناديق الائتمان الخاص لتملأ هذا الفراغ مستفيدة من مرونتها وقدرتها على التحرك بسرعة أكبر خارج القيود المصرفية التقليدية.

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

طبيعة الائتمان الخاص والفرق عن البنوك

يوضح الفراج أن جوهر الائتمان الخاص يقوم على الإقراض المباشر للشركات عبر مؤسسات مالية غير مصرفية، دون وساطة البنوك أو المرور بأسواق السندات العامة. ويكمن الفارق الأساسي بينه وبين التمويل المصرفي في هيكل الأموال نفسه؛ فالبنوك تعتمد على ودائع قصيرة الأجل قابلة للسحب، مما يفرض عليها قيود سيولة صارمة ويجعل قراراتها أكثر تحفظاً.

أما صناديق الائتمان الخاص، فهي تعتمد على رؤوس أموال طويلة الأجل تُعرف برأس المال الحبيس، يتم ضخها من مستثمرين مؤسسيين لديهم أفق استثماري ممتد، ما يمنح هذه الصناديق مرونة أكبر وقدرة أعلى على اتخاذ قرارات تمويلية سريعة ومباشرة.

أدوات التمويل داخل القطاع

ويشير الفراج إلى أن هذا القطاع لا يقتصر على نمط واحد من الإقراض، بل يشمل مجموعة واسعة من الأدوات التي تغطي احتياجات الشركات في مختلف مراحلها، ومن أبرزها:

* الإقراض المباشر: تمويل الشركات المتوسطة للتوسع التشغيلي.

* التمويل «الميزانين» (Mezzanine Financing): يمثل «طابقاً وسطاً» في هيكل رأسمال الشركة، حيث يقع بين الديون التقليدية الممتازة وبين الملكية (الأسهم).

* الديون المتعثرة: شراء ديون متعثرة وإعادة هيكلتها.

* تمويل الشركات الناشئة: دعم الشركات عالية النمو.

* التمويل المدعوم بالأصول: تمويل مقابل أصول مثل العقارات والمعدات وحقوق الملكية الفكرية.

جذور الأزمة ما بعد 2008

ويعود الفراج في تحليله إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، حين اضطرت البنوك العالمية إلى تقليص نشاطها الائتماني بشكل حاد نتيجة الخسائر الكبيرة وتشديدات «بازل 3» ومتطلبات السيولة. هذا الانسحاب خلق فجوة تمويلية في السوق، خاصة للشركات المتوسطة والصغيرة.

وفي الوقت ذاته، كانت صناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق السيادية تبحث عن عوائد أعلى في بيئة أسعار فائدة منخفضة أو شبه صفرية، مما جعل الائتمان الخاص يبدو كحل مثالي يجمع بين العائد المرتفع والاستقرار النسبي مقارنة بالأصول التقليدية.

ومع التحول الأخير إلى بيئة أسعار فائدة مرتفعة، ازدادت جاذبية هذا القطاع بشكل أكبر، خصوصاً أن معظم قروضه مرتبطة بأسعار فائدة متغيرة، مما يعني أن العوائد ترتفع تلقائياً مع رفع الفائدة من قبل البنوك المركزية، وهو ما وفَّر حماية طبيعية ضد التضخم.

الفرص والمخاطر في بيئة الفائدة المرتفعة

يرى الفراج أن البيئة الحالية تحمل تناقضاً واضحاً؛ فمن ناحية، تمنح الفائدة المرتفعة صناديق الائتمان الخاص فرصة لتحقيق عوائد استثنائية قد تتراوح بين 10 و15 في المائة سنوياً، وهو مستوى يفوق بكثير أدوات الدخل الثابت التقليدية.

لكن في المقابل، تشكل هذه البيئة ضغطاً متزايداً على الشركات المقترضة التي تواجه ارتفاعاً مستمراً في تكلفة خدمة الدين، مما قد يؤدي إلى تآكل الأرباح التشغيلية ورفع احتمالات التعثر، خاصة لدى الشركات ذات الهياكل المالية الهشة أو المعتمدة بشكل كبير على الاقتراض.

ويحذر الفراج من أن استمرار هذه المستويات المرتفعة من الفائدة لفترة طويلة قد يدفع معدلات التعثر للارتفاع فوق مستوياتها التاريخية المستقرة، مما قد يضع المحافظ الائتمانية أمام اختبار حقيقي لم تواجهه منذ سنوات.

أزمة التقييم والشفافية

من أبرز التحديات التي يسلط عليها الفراج الضوء، مسألة تقييم الأصول داخل صناديق الائتمان الخاص، إذ لا يتم تسعير هذه القروض يومياً في الأسواق، بل تعتمد على نماذج تقييم داخلية تُراجع بشكل دوري، ما يخلق فجوة في الشفافية مقارنة بالأسواق العامة. هذا النموذج قد يؤدِّي إلى تأخير الاعتراف بالخسائر الحقيقية، أو إعطاء انطباع أكثر استقراراً من الواقع الفعلي للأصول.

كما أن استخدام الرافعة المالية في بعض الصناديق يزيد من حدة المخاطر، حيث تضاعف الأرباح في أوقات النمو، لكنها تضاعف الخسائر عند أي تراجع في جودة القروض.

إشارة الإنذار من «بلاك روك»

وتجسدت هذه المخاوف بشكل واضح مطلع 2026، حين أعلن أحد صناديق الائتمان الخاص التابعة لـ«بلاك روك» عن خفض صافي قيمة أصوله بنسبة تقارب 19 في المائة، نتيجة تدهور جودة بعض القروض المرتبطة بقطاعات التكنولوجيا.

هذه الخطوة أثارت موجة قلق واسعة في الأسواق، ودفعَت الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة إلى فتح مراجعات حول آليات التقييم، دون توجيه أي اتهامات رسمية حتى الآن. ومع ذلك، انعكس الحدث سريعاً على ثقة المستثمرين، وأدَّى إلى ضغوط سحب وتقييمات أكثر تحفظاً داخل القطاع.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

هل هو خطر نظامي شبيه بأزمة 2008؟

رغم تصاعد المخاوف، يرى الفراج أن الائتمان الخاص لا يمكن مقارنته بشكل مباشر بأزمة الرهن العقاري في 2008، لأن الخسائر في هذا القطاع تقع على مستثمرين مؤسسيين محترفين لديهم قدرة على تحمل المخاطر، وليس على المودعين أو النظام المصرفي التقليدي الذي يتطلب تدخلات حكومية لإنقاذه.

لكن في المقابل، لا يستبعد وجود «مخاطر نظامية مخفية» ناتجة عن الترابط بين البنوك وصناديق الائتمان عبر خطوط ائتمان وتمويل غير مباشر، ما قد ينقل الصدمات بشكل غير مباشر إلى النظام المالي الأوسع.

ويتوقع الفراج أن يواصل الائتمان الخاص نموه خلال السنوات المقبلة ليصل إلى مستويات قد تتجاوز 3 تريليونات دولار، مدفوعاً بزيادة الطلب المؤسسي ودخول الذكاء الاصطناعي في عمليات تحليل الجدارة الائتمانية.

كما يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد موجة دمج واستحواذ بين مديري الأصول، بهدف تكوين كيانات أكبر قادرة على تمويل صفقات بمليارات الدولارات، إلى جانب توسُّع استخدام البيانات البديلة في تقييم المخاطر بشكل أكثر دقة وسرعة.

ويخلص الفراج إلى أن الائتمان الخاص لم يعد مجرد أداة استثمارية بديلة، بل أصبح جزءاً بنيوياً من النظام المالي العالمي، لكنه في الوقت ذاته يحمل معادلة دقيقة بين عوائد مرتفعة ومخاطر معقدة تتعلق بالشفافية والتقييم والسيولة.


مقالات ذات صلة

الصين تصدر سندات بقيمة 5 مليارات يورو في لوكسمبورغ

الاقتصاد مقر بنك الشعب الصيني (المركزي) في بكين (رويترز)

الصين تصدر سندات بقيمة 5 مليارات يورو في لوكسمبورغ

أعلنت وزارة المالية الصينية، يوم الجمعة، عن إصدار سندات سيادية في لوكسمبورغ بقيمة 5 مليارات يورو

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز تتحدث إلى الصحافيين (أ.ف.ب)

وفد من البنك الدولي يزور فنزويلا

زار فريق من خبراء البنك الدولي فنزويلا للمرة الأولى منذ جددت كاراكاس والهيئة المصرفية التي تتخذ في واشنطن مقراً، العلاقات في أبريل، وفق ما أعلن البنك الدولي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مكاتب مبنى وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية في لندن (رويترز)

حرب إيران تدفع بنوك الخليج نحو الطروحات الخاصة والقروض المجمعة

من المتوقع أن تتجه بنوك دول مجلس التعاون الخليجي إلى زيادة الاعتماد على الطروحات الخاصة والقروض المجمعة، في حال استمرار الحرب الإيرانية، وفق وكالة «فيتش».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صورة عامة لأفق مدينة بريتوريا بجنوب أفريقيا (رويترز)

جنوب أفريقيا تحصل على قرض بقيمة 150 مليون دولار من صندوق «أوبك»

أعلنت وزارة الخزانة في جنوب أفريقيا، الأربعاء، حصولها على قرض بقيمة 150 مليون دولار من صندوق «أوبك» للتنمية الدولية، لدعم الإصلاحات الخاصة بالبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)

انكماش الاقتصاد الإسرائيلي 3.8 % في الربع الأول بفعل تداعيات الحرب

مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)
مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)
TT

انكماش الاقتصاد الإسرائيلي 3.8 % في الربع الأول بفعل تداعيات الحرب

مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)
مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)

أعلن المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، يوم الخميس، أن الاقتصاد انكمش بنسبة 3.8 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول، وفق ثالث تقديراته، مشيراً إلى أن الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، التي انتهت بوقف إطلاق النار في أبريل (نيسان)، أثّرت سلباً في النشاط الاقتصادي.

ولم يتغير معدل الانكماش عن التقدير السابق الصادر قبل شهر.

وجاء التراجع نتيجة انخفاض الإنفاق الاستهلاكي والحكومي والصادرات، فيما حدّ ارتفاع الاستثمار في الأصول الثابتة من حدة الانكماش جزئياً، وفق «رويترز».

ومن المتوقَّع أن يشهد الاقتصاد انتعاشاً خلال الربع الثاني، مع تقديرات تشير إلى نموه بنحو 4 في المائة خلال عام 2026.


الأسهم الصينية تهبط وسط تراجع حاد في أشباه الموصلات

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
TT

الأسهم الصينية تهبط وسط تراجع حاد في أشباه الموصلات

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني، الخميس، متأثرة بضعف أسهم التكنولوجيا عقب موجة بيع بين نظيراتها الإقليمية، بينما أسهم أداء «علي بابا» في دعم أسهم هونغ كونغ، في حين عزز تراجع التوقعات برفع وشيك لأسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من أداء السوق.

وعند استراحة منتصف النهار، انخفض مؤشر «شنغهاي المركب القياسي» بنسبة 0.8 في المائة، في حين خسر مؤشر «سي إس آي300» للأسهم القيادية 0.9 في المائة. وانخفض مؤشر «ستار 50» الصيني، الذي يركز على التكنولوجيا، بنسبة 1 في المائة، وتراجع مؤشر «تشاينكست» للشركات الناشئة بنسبة 1.7 في المائة.

وكانت أسهم أشباه الموصلات من بين أكبر الخاسرين في تعاملات الصباح، حيث انخفض المؤشر الفرعي بنسبة 2.5 في المائة.

وتزامن هذا الضعف مع خسائر شركات تصنيع الرقائق في المنطقة، حيث انخفض سهم شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية بأكثر من 12 في المائة، وتراجع سهم منافستها «سامسونغ إلكترونيكس» بنحو 10 في المائة.

وتوجد فرص نمو في الصين القارية «في قطاعي الأدوية وتخزين الطاقة، وقيمة مضافة في قطاعات التطوير العقاري والبنوك والإنترنت. ومن منظور الأرباح، نعتقد أن أداء عام 2026 سيتجاوز أداء العام الماضي»، كما صرّح هيرالد فان دير ليندي، رئيس استراتيجية الأسهم لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «إتش إس بي سي».

وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سينغ القياسي» بنسبة 1.9 في المائة، في حين قفزت أسهم شركات التكنولوجيا في المدينة بنسبة 3.1 في المائة.

وقادت شركة «علي بابا» المكاسب، حيث قفز سهمها بنسبة 4.8 في المائة، بعد أن أعلنت الشركة في بيان لوكالة «رويترز» عن دمج نموذج «كوين» الخاص بها في نظام «أبل إنتليجنس» عبر أنظمة تشغيل أجهزة «آيفون» و«آيباد» و«ماك» و«فيجن برو» في الصين.

ومن المتوقع أن يعرض الرئيس الصيني شي جينبينغ رؤية طموحة لدور الصين في الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي خلال منتدى يُعقد يوم الجمعة، في حين تستعرض شركة «هواوي» أحدث مجموعة حوسبة ذكاء اصطناعي لديها حتى الآن، في إشارة إلى سعي بكين لبناء بديل محلي للتكنولوجيا الأميركية.

وفي سياق منفصل، يتجه المستثمرون إلى اجتماع المكتب السياسي المقبل، حيث من المتوقع أن يحدد صناع السياسات أجندة السياسة الاقتصادية للنصف الثاني من العام. ومع ذلك، ترى الأسواق عموماً أن البيانات الاقتصادية الأخيرة للربع الثاني، التي جاءت أضعف من المتوقع، غير كافية لتحفيز تيسير واسع النطاق للسياسة النقدية.

وقال ليشنغ وانغ، الخبير الاقتصادي في «غولدمان ساكس»: «نُبقي على توقعاتنا الأساسية بعدم خفض سعر الفائدة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي حتى نهاية عام 2026، على الرغم من أن الاحتمالية قد ترتفع إذا تباطأ النمو أكثر».

• تراجع اليوان

ومن جانبه، تراجع اليوان الصيني مقابل الدولار، الخميس، عن أعلى مستوى له في شهر، متأثراً بتجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من أن ضعف الدولار بشكل عام وتراجع التوقعات بشأن التيسير النقدي المحلي أسهما في دعمه. وأبقى تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران أسعار النفط قرب أعلى مستوياتها في شهر، في حين تذبذب الدولار قرب أدنى مستوى له في شهر بعد انخفاض بيانات أسعار المنتجين الأميركيين. وانخفض اليوان في السوق المحلية إلى 6.7703 مقابل الدولار بحلول الساعة 02:50 بتوقيت غرينتش، مقارنة بأعلى مستوى له في شهر عند 6.7635 الذي سجله في اليوم السابق. أما سعر صرفه في السوق الخارجية، فبلغ 6.7714 مقابل الدولار. وقبل افتتاح السوق، حدد «بنك الشعب الصيني» سعر الصرف المتوسط عند 6.7909 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأعلى بمقدار نقطة واحدة من التحديد السابق. ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بحد أقصى 2 في المائة أعلى أو أسفل سعر الصرف المتوسط المحدد يومياً. وقد دأب البنك المركزي على تحديد سعر صرف متوسط أقل من المتوقع منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وهي خطوة فسرها المستثمرون على أنها محاولة للحفاظ على استقرار السوق ومنع ارتفاع قيمة اليوان بشكل مفرط. ومع ذلك، اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي وتوقعات السوق، الخميس، حيث بلغ متوسط السعر 332 نقطة أقل من تقديرات «رويترز» البالغة 6.7577، مسجلاً بذلك أكبر انحراف نحو الانخفاض منذ 23 يونيو (حزيران). وقالت يوجينيا فيكتورينو، رئيسة استراتيجية آسيا في بنك «إس إي بي»: «يواصل (بنك الشعب الصيني) توجيه سعر صرف الدولار الأميركي مقابل اليوان الصيني نحو الانخفاض اليومي، لكن وتيرة الارتفاع تباطأت منذ أوائل يونيو. وفي هذه المرحلة، يعكس الانخفاض البطيء في السعر اليومي عودة إلى وضع مريح أكثر من كونه محاولة لتعزيز قيمة العملة. وما دام مؤشر اليوان الصيني لم يرتفع بشكل كبير، من هنا، فمن المرجح أن يتسامح (بنك الشعب الصيني) مع قوة اليوان».


لماذا تتراجع أسهم الرقائق رغم طفرة الذكاء الاصطناعي؟

شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)
شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)
TT

لماذا تتراجع أسهم الرقائق رغم طفرة الذكاء الاصطناعي؟

شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)
شريحة «غروك 3» من «إنفيديا» معروضة في مؤتمر للشركة في سان خوسيه-كاليفورنيا (رويترز)

بعد أكثر من عام من المكاسب القياسية التي قادتها ثورة الذكاء الاصطناعي، دخل قطاع أشباه الموصلات مرحلة جديدة من التقلبات الحادة، رغم استمرار الشركات الكبرى في تسجيل نتائج مالية قوية. ففي وقت أعلنت شركة «إي إس إم إل» الهولندية -أكبر مورِّد عالمي لمعدات تصنيع أشباه الموصلات- توقعاتها للمبيعات، تعرضت أسهم شركات الرقائق في آسيا والولايات المتحدة لموجة بيع واسعة أثارت تساؤلات المستثمرين حول ما إذا كانت الطفرة الحالية بلغت ذروتها، أم إنها مجرد مرحلة تصحيح طبيعية بعد صعود استثنائي.

ولا يرى محللون أن ما يحدث يعكس تراجعاً في الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل يعد تحولاً في نظرة المستثمرين من التركيز على الأرباح الحالية إلى تقييم قدرة الشركات على الحفاظ على معدلات النمو نفسها خلال السنوات المقبلة، في ظل ارتفاع التقييمات السوقية، وتغير معادلة العرض والطلب في بعض القطاعات، خصوصاً رقائق الذاكرة.

شعار «تي إس إم سي» خلال مؤتمرها الإعلاني عن أرباح الربع الثاني (أ.ف.ب)

من أزمة نقص المعروض إلى مخاوف زيادة الإنتاج

على مدار العامين الماضيين استفادت شركات تصنيع رقائق الذاكرة من نقص شديد في المعروض، بالتزامن مع قفزة كبيرة في الطلب على مراكز البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الرقائق لمستويات غير مسبوقة، وهو ما انعكس مباشرة على أرباح شركات مثل «ميكرون» و«إس كيه هاينكس» و«سامسونغ».

لكن هذه المعادلة بدأت تتغير بعد إعلان شركة «إي إس إم إل» أن معداتها الجديدة لتقنية الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) أصبحت ترفع كفاءة خطوط الإنتاج الحالية، بما يسمح للمصانع بإنتاج عدد أكبر من الرقائق دون الحاجة إلى إنشاء مصانع جديدة.

ورغم أن هذا التطور يعد إيجابياً للصناعة على المدى الطويل، فإنه أثار مخاوف المستثمرين من أن تؤدي زيادة الإنتاج إلى إنهاء فترة نقص المعروض التي دعمت الأسعار والأرباح خلال العامين الماضيين، وهو ما دفع أسهم شركات الذاكرة إلى التراجع فور صدور هذه المؤشرات.

شعار شركة «إي إس إم إل» معروض في جناح الشركة بمعرض الصين الدولي الثامن للاستيراد في شنغهاي (رويترز)

لماذا أصبحت الأخبار الجيدة سبباً في هبوط الأسهم؟

قد يبدو الأمر متناقضاً، لكن الأسواق المالية لا تتفاعل مع نتائج اليوم بقدر ما تسعر توقعات الغد. فحين أعلنت «تي إس إم سي» التايوانية أرباحاً قياسية بزيادة بلغت 77 في المائة، كانت الأسواق قد استوعبت بالفعل هذه النتائج، إذ إن أسعار الأسهم كانت تعكس توقعات متفائلة منذ أشهر. أما عندما أشارت «إي إس إم إل» إلى تحسن كفاءة الإنتاج، بدأ المستثمرون يعيدون حساباتهم بشأن مستقبل أسعار الرقائق، وهوامش الربحية، باعتبار أن أي زيادة في المعروض قد تضغط على الأسعار مستقبلاً.

وبالتالي فإن الأخبار التي تبدو إيجابية من منظور الصناعة قد تتحول إلى عامل ضغط على الأسهم إذا اعتقد المستثمرون أنها ستقلص الأرباح في المستقبل.

جني أرباح بعد موجة صعود تاريخية

يرى كثير من المحللين أن جانباً كبيراً من التراجعات الأخيرة يعود أيضاً إلى عمليات جني الأرباح بعد الارتفاعات الاستثنائية التي سجلها القطاع منذ بداية العام. فمؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات كان قد حقق مكاسب تجاوزت 80 في المائة قبل بدء التصحيح الأخير، بينما شهدت الصناديق المتخصصة في أسهم الرقائق أكبر موجة خروج للأموال منذ سنوات، بعد فترة قصيرة من تسجيل تدفقات قياسية إليها.

وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين لا يغادرون القطاع بالكامل، وإنما يعيدون توزيع محافظهم الاستثمارية بعد المكاسب الكبيرة التي تحققت خلال الأشهر الماضية.

شعار «إس كيه هاينكس» خلال طرح أسهمها في بورصة ناسداك (رويترز)

هل بدأت الشكوك تحيط بطفرة الذكاء الاصطناعي؟

رغم موجة البيع لا يزال معظم بيوت الخبرة تتوقع استمرار الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة. وتشير تقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يقترب من 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، مدعوماً باستثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «إنفيديا»، و«مايكروسوفت»، و«أمازون»، و«ألفابت»، و«ميتا».

إلا أن المستثمرين باتوا يطرحون سؤالاً مختلفاً؛ فبدلاً من التساؤل عما إذا كان الإنفاق سيستمر، أصبح التركيز ينصب على ما إذا كانت أسعار أسهم شركات الرقائق تعكس بالفعل جميع هذه التوقعات المتفائلة، وما إذا كان النمو المستقبلي سيكون كافياً لتبرير التقييمات الحالية؟

التوترات الجيوسياسية تفاقم الضغوط

وفي الوقت نفسه زادت التطورات الجيوسياسية من حذر المستثمرين، بعدما أدى تصاعد الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً، الأمر الذي أعاد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وتأخير خفض أسعار الفائدة العالمية.

وبالنسبة لأسهم التكنولوجيا التي تعتمد تقييماتها بدرجة كبيرة على توقعات الأرباح المستقبلية، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يمثل عاملاً سلبياً إضافياً، إلى جانب المخاوف المتعلقة بسلاسل الإمداد، وتكاليف الإنتاج.

كوريا الجنوبية تتدخل لاحتواء التقلبات

وساهمت التحركات الحادة في دفع السلطات الكورية الجنوبية إلى تشديد الرقابة على صناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية المرتبطة بأسهم شركات الرقائق، بعدما رأت أن هذه الأدوات أصبحت تضخم حركة الأسعار صعوداً، وهبوطاً.

ورفعت السلطات الحد الأدنى للاستثمار في هذه الصناديق، وشددت متطلبات توعية المستثمرين بالمخاطر، كما أوصت شركات الوساطة بعدم إطلاق منتجات جديدة من هذا النوع في الوقت الحالي، في محاولة للحد من التقلبات التي أصبحت تؤثر في السوق الكورية بأكملها.

أعلام الصين والولايات المتحدة تظهر على لوحة دوائر مطبوعة مزودة برقائق أشباه موصلات (رويترز)

تصحيح أم بداية مرحلة جديدة؟

حتى الآن لا تشير المؤشرات الأساسية إلى انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي، أو تراجع الطلب على الرقائق المتقدمة، لكن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة عن السنوات الماضية.

فبعد أن كانت الأسواق تكافئ جميع شركات القطاع تقريباً، أصبح المستثمرون أكثر انتقائية، مع تركيز أكبر على قدرة كل شركة على الحفاظ على هوامش الربحية، وإدارة التوازن بين العرض والطلب، وتحويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح مستدامة.

وبذلك يبدو أن قطاع أشباه الموصلات ينتقل من مرحلة الصعود الجماعي المدفوع بالحماس إلى مرحلة أكثر نضجاً، وسيكون فيها الأداء التشغيلي والكفاءة الإنتاجية العاملين الحاسمين في تحديد الفائزين، والخاسرين.