هل يواجه نظام الـ1.8 تريليون دولار «شتاء الائتمان الخاص»؟

«أرباح كابيتال» لـ«الشرق الأوسط»: استمرار الفائدة المرتفعة يزيد احتمالات التعثر

لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
TT

هل يواجه نظام الـ1.8 تريليون دولار «شتاء الائتمان الخاص»؟

لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)
لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)

هل يمكن أن يكون الائتمان الخاص هو أزمة الرهن العقاري العالمية المقبلة؟ هذا السؤال المحوري بات يتردد بجرأة في أروقة صناعة القرار المالي بعد توسع سريع للإقراض خارج النظام المصرفي التقليدي على مدى السنوات الماضية، مما خلق سوقاً هائلة تجاوزت قيمتها حاجز الـ1.8 تريليون دولار بعيداً عن الرقابة اللصيقة.

هذا القلق تبلور بوضوح في تحذيرات أطلقها مؤخراً الرئيس التنفيذي لمصرف «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، من أن خسائر القطاع ستتجاوز على الأرجح التوقعات عند تحول دورة الائتمان بفعل ضعف المعايير وارتفاع المديونية.

الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان تشيس» جيمي ديمون يتحدث إلى النادي الاقتصادي بنيويورك في مانهاتن (أرشيفية - رويترز)

وفي منعطف تنظيمي حاسم، دخل مجلس الاستقرار المالي العالمي - الذي يضم محافظي البنوك المركزية ووزراء مالية مجموعة العشرين - على خط الأزمة عبر مطالبته المنظمين الوطنيين بتشديد الرقابة فوراً، بالتزامن مع وضع البنك المركزي الأوروبي للائتمان الخاص كأحد المصادر الرئيسية المهددة للاستقرار المالي إلى جانب التقييمات المرتفعة للأسواق.

ولم يتأخر هذا التصنيف التنظيمي حتى تبلور رسمياً في تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي الأوروبي نهاية مايو (أيار) 2026، والذي كشف عن جانبين شديدي الخطورة في بنية هذا القطاع؛ الأول هو ما وصفه بـ«تأثير كرة الثلج»، حيث بدأت الصناديق تواجه صعوبات حقيقية في تسييل بعض أصولها تزامناً مع تصاعد طلبات الاسترداد من المستثمرين، مما يهدد بالاضطرار لعمليات بيع بأسعار بخسة. أما الجانب الآخر، فهو تنامي ظاهرة «الرافعة المالية المزدوجة»، إذ كشف التقرير عن توسع الصناديق في الاقتراض من البنوك التقليدية لتمويل قروضها الخاصة، مما يعني تشابكاً خطيراً يضع النظام المصرفي تحت تهديد مزدوج في حال تخلف المقترضين النهائيين عن السداد.

توسع غير مسبوق في الائتمان الخاص

هذا التشابك الخطير والتحذيرات الدولية المتلاحقة، يأتيان كناتج طبيعي لتحول هيكلي عميق يشهده النظام المالي العالمي تقوده صناديق الائتمان الخاصة، والتي خرجت من كونها أدوات بديلة محدودة لتصبح ما يشبه «نظاماً مصرفياً موازياً» تتجاوز قيمته حاجز الـ 1.8 تريليون دولار.

وفي هذا السياق، يوضح الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح كابيتال»، محمد الفراج، أن هذا التوسع لم يأتِ بشكل طبيعي بالكامل، بل ارتبط بشكل مباشر بانسحاب البنوك من تمويل الشركات المتوسطة والصغيرة بعد أزمة 2008 وما تبعها من تشديدات تنظيمية صارمة.

ويضيف أن تطبيق معايير «بازل 3» ورفع متطلبات رأس المال، دفع البنوك إلى تقليص الإقراض عالي المخاطر، مما أدى إلى نشوء فجوة تمويلية واسعة، وهنا دخلت صناديق الائتمان الخاص لتملأ هذا الفراغ مستفيدة من مرونتها وقدرتها على التحرك بسرعة أكبر خارج القيود المصرفية التقليدية.

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

طبيعة الائتمان الخاص والفرق عن البنوك

يوضح الفراج أن جوهر الائتمان الخاص يقوم على الإقراض المباشر للشركات عبر مؤسسات مالية غير مصرفية، دون وساطة البنوك أو المرور بأسواق السندات العامة. ويكمن الفارق الأساسي بينه وبين التمويل المصرفي في هيكل الأموال نفسه؛ فالبنوك تعتمد على ودائع قصيرة الأجل قابلة للسحب، مما يفرض عليها قيود سيولة صارمة ويجعل قراراتها أكثر تحفظاً.

أما صناديق الائتمان الخاص، فهي تعتمد على رؤوس أموال طويلة الأجل تُعرف برأس المال الحبيس، يتم ضخها من مستثمرين مؤسسيين لديهم أفق استثماري ممتد، ما يمنح هذه الصناديق مرونة أكبر وقدرة أعلى على اتخاذ قرارات تمويلية سريعة ومباشرة.

أدوات التمويل داخل القطاع

ويشير الفراج إلى أن هذا القطاع لا يقتصر على نمط واحد من الإقراض، بل يشمل مجموعة واسعة من الأدوات التي تغطي احتياجات الشركات في مختلف مراحلها، ومن أبرزها:

* الإقراض المباشر: تمويل الشركات المتوسطة للتوسع التشغيلي.

* التمويل «الميزانين» (Mezzanine Financing): يمثل «طابقاً وسطاً» في هيكل رأسمال الشركة، حيث يقع بين الديون التقليدية الممتازة وبين الملكية (الأسهم).

* الديون المتعثرة: شراء ديون متعثرة وإعادة هيكلتها.

* تمويل الشركات الناشئة: دعم الشركات عالية النمو.

* التمويل المدعوم بالأصول: تمويل مقابل أصول مثل العقارات والمعدات وحقوق الملكية الفكرية.

جذور الأزمة ما بعد 2008

ويعود الفراج في تحليله إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، حين اضطرت البنوك العالمية إلى تقليص نشاطها الائتماني بشكل حاد نتيجة الخسائر الكبيرة وتشديدات «بازل 3» ومتطلبات السيولة. هذا الانسحاب خلق فجوة تمويلية في السوق، خاصة للشركات المتوسطة والصغيرة.

وفي الوقت ذاته، كانت صناديق التقاعد وشركات التأمين والصناديق السيادية تبحث عن عوائد أعلى في بيئة أسعار فائدة منخفضة أو شبه صفرية، مما جعل الائتمان الخاص يبدو كحل مثالي يجمع بين العائد المرتفع والاستقرار النسبي مقارنة بالأصول التقليدية.

ومع التحول الأخير إلى بيئة أسعار فائدة مرتفعة، ازدادت جاذبية هذا القطاع بشكل أكبر، خصوصاً أن معظم قروضه مرتبطة بأسعار فائدة متغيرة، مما يعني أن العوائد ترتفع تلقائياً مع رفع الفائدة من قبل البنوك المركزية، وهو ما وفَّر حماية طبيعية ضد التضخم.

الفرص والمخاطر في بيئة الفائدة المرتفعة

يرى الفراج أن البيئة الحالية تحمل تناقضاً واضحاً؛ فمن ناحية، تمنح الفائدة المرتفعة صناديق الائتمان الخاص فرصة لتحقيق عوائد استثنائية قد تتراوح بين 10 و15 في المائة سنوياً، وهو مستوى يفوق بكثير أدوات الدخل الثابت التقليدية.

لكن في المقابل، تشكل هذه البيئة ضغطاً متزايداً على الشركات المقترضة التي تواجه ارتفاعاً مستمراً في تكلفة خدمة الدين، مما قد يؤدي إلى تآكل الأرباح التشغيلية ورفع احتمالات التعثر، خاصة لدى الشركات ذات الهياكل المالية الهشة أو المعتمدة بشكل كبير على الاقتراض.

ويحذر الفراج من أن استمرار هذه المستويات المرتفعة من الفائدة لفترة طويلة قد يدفع معدلات التعثر للارتفاع فوق مستوياتها التاريخية المستقرة، مما قد يضع المحافظ الائتمانية أمام اختبار حقيقي لم تواجهه منذ سنوات.

أزمة التقييم والشفافية

من أبرز التحديات التي يسلط عليها الفراج الضوء، مسألة تقييم الأصول داخل صناديق الائتمان الخاص، إذ لا يتم تسعير هذه القروض يومياً في الأسواق، بل تعتمد على نماذج تقييم داخلية تُراجع بشكل دوري، ما يخلق فجوة في الشفافية مقارنة بالأسواق العامة. هذا النموذج قد يؤدِّي إلى تأخير الاعتراف بالخسائر الحقيقية، أو إعطاء انطباع أكثر استقراراً من الواقع الفعلي للأصول.

كما أن استخدام الرافعة المالية في بعض الصناديق يزيد من حدة المخاطر، حيث تضاعف الأرباح في أوقات النمو، لكنها تضاعف الخسائر عند أي تراجع في جودة القروض.

إشارة الإنذار من «بلاك روك»

وتجسدت هذه المخاوف بشكل واضح مطلع 2026، حين أعلن أحد صناديق الائتمان الخاص التابعة لـ«بلاك روك» عن خفض صافي قيمة أصوله بنسبة تقارب 19 في المائة، نتيجة تدهور جودة بعض القروض المرتبطة بقطاعات التكنولوجيا.

هذه الخطوة أثارت موجة قلق واسعة في الأسواق، ودفعَت الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة إلى فتح مراجعات حول آليات التقييم، دون توجيه أي اتهامات رسمية حتى الآن. ومع ذلك، انعكس الحدث سريعاً على ثقة المستثمرين، وأدَّى إلى ضغوط سحب وتقييمات أكثر تحفظاً داخل القطاع.

شعار شركة «بلاك روك» ومعلومات التداول الخاصة بها معروضة على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

هل هو خطر نظامي شبيه بأزمة 2008؟

رغم تصاعد المخاوف، يرى الفراج أن الائتمان الخاص لا يمكن مقارنته بشكل مباشر بأزمة الرهن العقاري في 2008، لأن الخسائر في هذا القطاع تقع على مستثمرين مؤسسيين محترفين لديهم قدرة على تحمل المخاطر، وليس على المودعين أو النظام المصرفي التقليدي الذي يتطلب تدخلات حكومية لإنقاذه.

لكن في المقابل، لا يستبعد وجود «مخاطر نظامية مخفية» ناتجة عن الترابط بين البنوك وصناديق الائتمان عبر خطوط ائتمان وتمويل غير مباشر، ما قد ينقل الصدمات بشكل غير مباشر إلى النظام المالي الأوسع.

ويتوقع الفراج أن يواصل الائتمان الخاص نموه خلال السنوات المقبلة ليصل إلى مستويات قد تتجاوز 3 تريليونات دولار، مدفوعاً بزيادة الطلب المؤسسي ودخول الذكاء الاصطناعي في عمليات تحليل الجدارة الائتمانية.

كما يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد موجة دمج واستحواذ بين مديري الأصول، بهدف تكوين كيانات أكبر قادرة على تمويل صفقات بمليارات الدولارات، إلى جانب توسُّع استخدام البيانات البديلة في تقييم المخاطر بشكل أكثر دقة وسرعة.

ويخلص الفراج إلى أن الائتمان الخاص لم يعد مجرد أداة استثمارية بديلة، بل أصبح جزءاً بنيوياً من النظام المالي العالمي، لكنه في الوقت ذاته يحمل معادلة دقيقة بين عوائد مرتفعة ومخاطر معقدة تتعلق بالشفافية والتقييم والسيولة.


مقالات ذات صلة

سوق الدين السعودية تتوسع... الحكومة والبنوك والشركات في سباق التمويل

خاص المركز المالي في الرياض (كافد)

سوق الدين السعودية تتوسع... الحكومة والبنوك والشركات في سباق التمويل

تتوسَّع سوق الدين السعودية مع إصدارات حكومية ومصرفية وشركات، وسط طلب دولي قوي، وتحديات تتعلق بتكلفة الاقتراض واستدامة الدين.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد علم اليونان يرفرف على مدينة ساحلية قرب أثينا (رويترز)

اليونان تعتزم تسديد مزيد من الديون قبل موعد استحقاقها

تعتزم اليونان سداد ديون بقيمة 13 مليار يورو (15.05 مليار دولار) هذا العام قبل موعد استحقاقها، وفق ما أعلنت وزارة المالية اليونانية...

«الشرق الأوسط» (أثينا)
الاقتصاد السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

الصكوك الضريبية في مصر... أداة مالية لتعزيز الإيرادات أم ترحيل آجل للأزمة؟

تتجه مصر إلى طرح صكوك ضريبية قالت إنها «سيتم تمويلها من جانب الممولين وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد مقر بنك الشعب الصيني (المركزي) في بكين (رويترز)

الصين تصدر سندات بقيمة 5 مليارات يورو في لوكسمبورغ

أعلنت وزارة المالية الصينية، يوم الجمعة، عن إصدار سندات سيادية في لوكسمبورغ بقيمة 5 مليارات يورو

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (بكين)

قناة بنما تُقلص حركة عبور السفن بسبب ظاهرة «إل نينيو» المناخية

سفينة حاويات تبحر تحت العلم المالطي في قناة بنما 3 سبتمبر 2026 قبل بدء تطبيق إجراءات تقليص حركة المرور (أ.ف.ب)
سفينة حاويات تبحر تحت العلم المالطي في قناة بنما 3 سبتمبر 2026 قبل بدء تطبيق إجراءات تقليص حركة المرور (أ.ف.ب)
TT

قناة بنما تُقلص حركة عبور السفن بسبب ظاهرة «إل نينيو» المناخية

سفينة حاويات تبحر تحت العلم المالطي في قناة بنما 3 سبتمبر 2026 قبل بدء تطبيق إجراءات تقليص حركة المرور (أ.ف.ب)
سفينة حاويات تبحر تحت العلم المالطي في قناة بنما 3 سبتمبر 2026 قبل بدء تطبيق إجراءات تقليص حركة المرور (أ.ف.ب)

بدأت قناة بنما تقليص عدد السفن العابرة في مياهها بسبب انخفاض معدلات المتساقطات الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» المناخية.

وأعلنت هيئة قناة بنما أن انخفاض منسوب المياه في بحيرتين اصطناعيتين تُغذيان القناة أجبرها على اتخاذ هذا الإجراء.

وسيتم تقليص عدد عمليات العبور اليومية للسفن في الممر المائي الذي يربط المحيطين الأطلسي والهادئ تدريجياً من 36 سفينة إلى 32 بحلول منتصف سبتمبر (أيلول).

وأعلنت بنما حالة طوارئ على مستوى البلاد بسبب «إل نينيو».

و«إل نينيو» ظاهرة طبيعية تتكرر كل عامين إلى 7 أعوام عندما ترتفع درجة حرارة المياه السطحية في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، ما يؤدي على مدى أشهر إلى تغيُّرات جوهرية في أنماط الرياح والضغط الجوي والمتساقطات على نطاق عالمي.

وتُشير معظم التوقعات إلى أن ظاهرة «إل نينيو» هذا العام ستكون الأشد منذ بدء تسجيل البيانات المماثلة قبل 4 عقود.

ولم تبلغ هذه الظاهرة ذروتها بعد، إلا أن أميركا الوسطى تعاني بالفعل الجفاف المتفاقم، ما دفع هندوراس والسلفادور إلى إعلان حالة تأهب أيضاً.

وتمر نحو 5 في المائة من حركة التجارة البحرية العالمية عبر هذه القناة التي يبلغ طولها 80 كيلومتراً، والتي تُعد الولايات المتحدة والصين من أبرز مستخدميها.

وقد طبّقت تدابير أخرى لترشيد استهلاك المياه، مثل تقليل غاطس السفن (المسافة بين سطح الماء وأسفل نقطة في هيكل السفينة).

وفي عام 2023، اضطرت هيئة القناة لخفض عدد عمليات العبور اليومية إلى 22 سفينة، بسبب تداعيات «إل نينيو».


وكالات تصنيف ائتماني تحذر ألمانيا من مخاطر الديون

منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

وكالات تصنيف ائتماني تحذر ألمانيا من مخاطر الديون

منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

قبيل بدء مناقشات مشروع موازنة عام 2027 في البرلمان الألماني، حذَّرت وكالات تصنيف ائتماني ألمانيا من ارتفاع أعباء الفوائد مع تزايد الديون.

وقالت مالغورتساتا فيغنر، خبيرة شؤون ألمانيا لدى وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، في تصريحات لصحيفة «فيلت آم زونتاج» الألمانية المقرر صدورها الأحد: «رغم أن ألمانيا لا تزال تستفيد من شروط تمويل مواتية نسبياً، فإن ارتفاع أسعار الفائدة في أسواق رأس المال وتزايد الاقتراض يرفعان تكلفة خدمة الدين». وترى وكالة «سكوب» الأوروبية للتصنيف الائتماني أن هذا الأمر يعد مشكلة أيضاً.

وقال محلل شؤون ألمانيا لدى الوكالة، يوليان تسيمرمان: «عندما يتعين إنفاق جزء أكبر من الموازنة على الفوائد، تتوفر أموال أقل لمشروعات سياسية أخرى. وهذا يزيد الضغط من أجل ضبط المالية العامة وخفض العجز على المدى الطويل».

وتأتي تحذيرات أيضاً من الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي، حيث قال رئيس لجنة الموازنة في الكتلة البرلمانية للتحالف، كريستيان هازه: «نفقات الفوائد المتزايدة باستمرار ستصبح في المستقبل المنظور أكبر مشكلة لنا».

وينص مشروع الموازنة الذي طرحه وزير المالية لارس كلينغبايل على نفقات بقيمة 555.4 مليار يورو. ومن المخطط تسجيل صافي اقتراض جديد بقيمة 118.7 مليار يورو، مقارنة بـ98 مليار يورو مخطط اقتراضها في عام 2026. ويضاف إلى ذلك ديون جديدة من الصناديق الخاصة بالبنية التحتية وبالجيش الألماني.

وبذلك من المقرر أن يتجاوز إجمالي الاقتراض الجديد في عام 2027 مستوى 200 مليار يورو.

وقبيل مناقشات موازنة عام 2027 في البرلمان الألماني، انتقد ديوان المحاسبة الألماني مسار الائتمان المتضخم من وجهة نظره الذي تنتهجه حكومة الائتلاف بين التحالف المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي.

ودعا نائب رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي، ماتياس ميدلبرغ، في الوقت نفسه إلى اتباع سياسة تقشف صارمة خلال السنوات المقبلة. وقال ميدلبرغ في تصريحات لصحيفة «نويه أوسنابروكر تسايتونغ» الألمانية: «نحن نعيش بشكل يفوق إمكانياتنا بكثير. ثلث ما ننفقه ممول بالديون. لذلك يتعين علينا التقشف بصرامة أكثر بكثير».

وفيما يتعلق بالاقتراض الجديد في عام 2027، قال ميدلبرغ: «ارتفاع نسبة الديون بهذا الشكل يمثل خطراً شديداً على المدى الطويل». وحذر ميدلبرغ قائلاً: «قد نفقد تصنيفنا الائتماني الممتاز. وهذا من شأنه أن يرفع أسعار الفائدة، وعلى المدى الطويل سيدفع أيضاً الأسعار بشكل عام إلى الارتفاع، على حساب جميع المستهلكين».

وطالب خبير الشؤون المالية قائلاً: «لذلك يجب تشديد جهود التقشف بشكل كبير الآن... يجب إعادة إطلاق مبادرة خفض تكاليف شاملة على وجه السرعة وبطموح أكبر فيما يتعلق بالميزانيات المستقبلية... ولا ينبغي أن تكون حتى البرامج التي تحمل عنوان (المناخ) من المحظورات»، مضيفاً أن بعض هذه الإجراءات تفتقر إلى كفاءة يمكن إثباتها، مشيراً في هذا السياق إلى الدعم المرتفع للغاية للمضخات الحرارية أو الحافلات الكهربائية.


من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)
الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)
TT

من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)
الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)

من المختبرات ومراكز الأبحاث إلى غرف الاستثمار والشراكات الدولية، يتسع الدور الاقتصادي للبحث الصحي في السعودية مع تحول القطاع إلى أحد مسارات التنويع الاقتصادي. فالأبحاث التي تنطلق من احتياجات المرضى في المملكة، مدعومة بتوسع البنية الصحية وتسارع تبني الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية، باتت تمثل جسراً بين تطوير الرعاية واستقطاب الشركات العالمية وتوطين المعرفة. ومع فرص استثمارية تقدر بنحو 330 مليار ريال (88 مليار دولار) في منظومة القطاع الصحي حتى عام 2030، تتشكل مساحة جديدة أمام البحث الطبي ليصبح أحد مكونات اقتصاد صحي قائم على الابتكار والشراكات ونقل التقنية.

ويأتي هذا التحول في وقت تعيد فيه السعودية رسم ملامح منظومتها الصحية ضمن «رؤية 2030»، عبر الانتقال من نموذج يركز على تقديم العلاج إلى منظومة أكثر شمولاً، تجمع بين الوقاية وتحسين جودة الحياة وتطوير الخدمات الصحية والاستفادة من التقنيات الحديثة. ويقود «برنامج تحول القطاع الصحي» هذا المسار من خلال تطوير المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية والخدمات الإسعافية، وتعزيز التحول الرقمي، ورفع كفاءة الوصول إلى الخدمات وجودتها، بما يفتح المجال أمام القطاع الخاص والشركات العالمية للمشاركة في بناء القدرات الصحية وتطوير حلول وتقنيات تلائم احتياجات السوق المحلية.

وفي هذا الإطار، أكد رئيس اللجنة العلمية في المؤتمر العلمي السنوي لجمعية قسطرة القلب السعودية الدكتور سالم عسيري، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، أن التخصصات الصحية بما فيها التداخلات القلبية تشهد تطوراً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن العديد من الحالات التي كانت تتطلب تدخلاً جراحياً أو لم تكن تتوفَّر لها خيارات علاجية في السابق، أصبح بالإمكان علاجها اليوم عبر القسطرة القلبية التداخلي، مؤكداً أن الاستثمار في الأبحاث الصحية يُعَدُّ رافعة اقتصادية تجذب الشركات العالمية إلى المملكة.

عسيري وسط المتحدثين في المؤتمر (الشرق الأوسط)

التقنيات الحديثة

وأوضح عسيري في حديثه خلال المؤتمر السعودي الدولي للتداخلات القلبية، أن أحدث التقنيات في مجال علاج أمراض الشرايين التاجية وزراعة الصمامات أصبحت متاحة في المملكة، مؤكداً أن المراكز المتخصصة في السعودية تحرص على توفير التقنيات الحديثة فور حصولها على الاعتمادات اللازمة من الجهات التنظيمية، ومنها هيئة الغذاء والدواء الأميركية وهيئة الغذاء والدواء السعودية والجهات الدولية ذات الصلة، بما يضمن إتاحتها للمرضى في المملكة وفق أعلى المعايير الطبية.

وحول أهمية المؤتمرات المتخصصة في هذا المجال، ذكر عسيري أن أهميتها تكمن في جمع الخبراء العالميين والسعوديين تحت سقف واحد لتبادل الخبرات ومناقشة أحدث ما توصل إليه العلم في مجال القسطرة القلبية وزراعة الصمامات.

الذكاء الاصطناعي

وقال إن الكفاءات الطبية السعودية لا تقل مستوى عن نظيراتها العالمية، مشيراً إلى أن هذه اللقاءات تمثل فرصة مهمة للاستفادة من الخبرات المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية الحديثة، إلى جانب مناقشة الأبحاث المتعلقة بالمرضى والمنظومة الصحية في المملكة.

وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعاً في إجراء الدراسات والأبحاث التي تنطلق من البيئة الصحية المحلية وتتناول احتياجات المرضى في المملكة، لافتاً إلى وجود دراسات يجري العمل عليها حالياً، ومن المتوقع أن تنطلق دراسات أخرى من المنطقة خلال الفترة المقبلة.

وبيَّن عسيري أن المؤتمر لا يقتصر على الجوانب العلمية والطبية، بل يتضمن جلسات حوارية تجمع المختصين وصناع القرار من الجهات الصحية والتنظيمية، إلى جانب ممثلي المراكز الصحية الحكومية والخاصة وشركات التأمين.

عسيري يتحدث إلى الحضور خلال المؤتمر السعودي الدولي للتداخلات القلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

«رؤية 2030»

وبحسب عسيري، فإن هذه الشراكة أصبحت ضرورة في ظل التحول الذي تشهده المملكة ضمن مستهدفات «رؤية 2030»، مشدداً على أهمية أن يكون القطاع الصحي جزءاً من هذا الحراك الاقتصادي. ويهدف المؤتمر إلى تبادل الخبرات والمعارف، ودعم التعليم الطبي المستمر، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، بما يسهم في تطوير جودة الرعاية الصحية والارتقاء بالخدمات الطبية، وتعزيز مكانة المملكة في المجالات الطبية والبحثية.

ويٌنظم المؤتمر جمعية التداخلات القلبية السعودية التي تعمل على تطوير التخصص في المملكة من خلال دعم التدريب والتعليم الطبي، وتشجيع البحث العلمي، وتعزيز التعاون بين الأطباء والجهات الطبية محلياً ودولياً، بما يُسْهِم في تحسين نتائج علاج مرضى القلب والارتقاء بالخدمات الصحية في البلاد.