الجيش الإسرائيلي إلى تغيير وجهه عبر «سلاح الروبوت»

وحدات متخصصة تسعى إلى منظومة قتالية متكاملة... وغزة كانت موقعاً لتشغيل واختبار آلاف الأدوات

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)
الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)
TT

الجيش الإسرائيلي إلى تغيير وجهه عبر «سلاح الروبوت»

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)
الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائليي)

يعمل الجيش الإسرائيلي على تشكيل «سلاح روبوتات متكامل» يضم روبوتات مقاتلة قادرة على مهاجمة الأهداف وحدها، وتمشيط مناطق شاسعة فوق وتحت الأرض، وناقلات مدرعة، وطائرات مخصصة لإسقاط الوحدات في المناطق القتالية.

ووصفت القناة 12 الإسرائيلية ذلك المسار لتعزيز حضور الروبوتات في المنظومة العسكرية الإسرائيلية بأنه «ثورة تتحقق فعلاً»، وهي إحدى «العبر المستفادة من حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في قطاع غزة».

وقال تقرير مطول في القناة الإسرائيلية إن الحرب في غزة حولت «الروبوتات» في الجيش الإسرائيلي من مجرد أدوات في تجربة تجريها وحدات خاصة إلى ثورة حقيقية.

ويرصد التقرير كيف أن (حظيرة طائرات) في قاعدة غير معروفة نسبياً في «تل هشومير» وسط إسرائيل، لا يتوقف العمل بها ليل نهار في المركز المعروف بأنه مركز إعادة التأهيل والصيانة، ويضم الوحدة المسؤولة عن تجميع وإصلاح وتجديد المركبات القتالية المدرعة.

تغيير الموازين

ويشرح كيف يتم هناك إعادة إحياء مدرعات متضررة وأخرى قديمة عُدت لسنوات «خردة لا قيمة لها»، كي تعود إلى ساحة المعركة ليس بصفتها مركبات قتالية عادية، بل روبوتات.

وقال الرائد «أ» وهو رئيس قسم الأنظمة الروبوتية: «نسمي ذلك تحويل النفايات إلى ذهب».

ويتضح من حديث الرائد «أ» أن الخسائر التي ألحقتها «حماس» بناقلات الجند في حرب عام 2014 كانت نقطة التحول الرئيسية «عندما بدأوا يسألون كيف يمكن أن يستفيدوا من هذه الناقلات التي لم تعد تصلح للاستخدام».

مدرعات لم تعد تعمل يجري تحويلها إلى روبوتات (الجيش الإسرائيلي)

وبعد تجارب لا تحصى وعدة حروب لاحقة، بدأ استخدام الروبوتات بشكل موسع في الحرب الحالية، في واحد من أبرز التحولات الدراماتيكية التي شهدها الجيش الإسرائيلي، منتقلاً من «جيش يستخدم الروبوتات» إلى «جيش يبدأ في بناء عقيدة قتالية روبوتية متكاملة»، حسب وصف التقرير.

وقال التقرير إن الحرب الأخيرة غيّرت الموازين، إذ «كان الهجوم المفاجئ في السابع من أكتوبر، الذي أبرز قصور الاعتماد على التكنولوجيا وحدها، هو ما دفع هذا التوجه قُدماً».

أول حرب روبوتية... في غزة

وأوضح يارون ساريج، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي التابع للجيش أن حرب 7 أكتوبر هي «أول حرب روبوتية».

ووفقاً له، فقد تم دمج «عشرات الآلاف من الأدوات، من أسراب الطائرات المسيّرة إلى فرق الروبوتات الأرضية المناورة»، في ساحة المعركة. ولم يقتصر الأمر على الأرض.

كان الهدف، حسب الجميع، هو تقليل المخاطر، عبر إرسال الروبوتات أولاً إلى مناطق القتال والمناطق المفخخة، وتنفيذ مهام خطرة، والاستفادة منها في توفير تفوق عملياتي في ساحة معركة معقدة، وكانت النتيجة قفزة نوعية دراماتيكية في حجم الاستخدام، والتعقيد، وانتشار الروبوتات في ميدان القتال على نطاق واسع بواسطة قوات المناورة نفسها.

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» أثناء الحرب في غزة (الجيش الإسرائيلي)

لقد أثبتت حرب غزة أن ساحة المعركة تغيّرت، ووفق ذلك أمر رئيس الأركان إيال زامير في فبراير (شباط) الماضي، بإنشاء سلاح الروبوتات في الجيش الإسرائيلي، في جزء من أخذ العبر والدروس من أحداث 7 أكتوبر.

جاء قرار زامير أيضاً في ضوء معطيات مهمة، بعد نجاح تشغيل آلاف الأدوات الروبوتية في غزة، جواً وبحراً وبراً وتحت الأرض، بعضها نفذ فعلاً عمليات هجومية فعلية، وأخرى نفذت مهاماً لوجستية، ومسحت أنفاقاً، وفتحت الطرق والمحاور.

وقالت القناة 12 إنه مع أن الجيش لا يزال بعيداً عن تلبية جميع احتياجاته، فهذه الثورة بدأت بالفعل.

وقال نائب قائد وحدة «رفائيم» (الأشباح) إنه إذا كانت الحروب الأخيرة قد جعلت الطائرات المسيّرة أداة أساسية لكل قوة قتالية تقريباً، فإن «الحملة المقبلة ستكون من نصيب الروبوتات القتالية».

وأضاف: «الطموح هو تحويل هذه الأدوات من شيء معقد إلى بسيط ومتاح للجميع».

اختبار روبوتات لتحييد المتفجرات

واختبر الجيش الإسرائيلي في حربه على غزة روبوتات صغيرة تُرسل لتحييد المتفجرات وناقلات جند مدرعة من دون سائق تتقدم أمام القوات، مثل جرافات D9، وكل واحد منها مصمم لأداء مهمة واحدة بسيطة: جعل المقاتل ليس أول من يدخل.

وقال الرائد (أ): «كانوا يقولون إنه مستحيل أن يتقدم روبوت أمام المقاتلين، واليوم، هناك قادة لا يتقدمون إلى المناطق قبل إدخال الروبوت».

الروبوت العسكري الإسرائيلي «روني» (الجيش الإسرائيلي)

ويُعدّ «الوحش الحديدي» أحد الأنظمة التي استخدمها الجيش بكثرة، وهي مركبة آلية قادرة على نقل المتفجرات، واختراق الطرق، وتنفيذ مهام داخل مناطق القتال، مستفيدة من هيكلها الفولاذي الضخم والكاميرات وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم عن بُعد المثبتة عليها من كل جانب.

وحسب الرائد «أ»، في بداية الحرب بلغ مدى التحكم بها بضعة كيلومترات، ثم عشرات ومئات الكيلومترات.

وأنتج مركز إعادة التصنيع حسب قائد وحدة العمليات الخاصة «40 وحدة العام الماضي، ومن المتوقع أن نصل إلى 65 وحدة هذا العام، والعدد في ازدياد مستمر».

ومن بين الروبوتات التي تعمل في غزة، جرافة باندا الآلية الضخمة التي تزن عشرات الأطنان، واستخدمها الجيش في شقّ الطرق، وإزالة العوائق، وهدم المباني، والعمل في الأراضي الوعرة، بينما يجلس المشغل بعيداً.

وأيضاً الروبوتات الصغيرة مثل «روني» وهو روبوت تحول إلى جزء لا يتجزأ من العمليات القتالية، حسب القناة 12، إذ تدخل هذه الروبوتات الأنفاق، وتزيل القنابل والعبوات الناسفة، وتفحصها بالكاميرات وأجهزة الاستشعار، وتجمع المعلومات الاستخباراتية.

وقال الرائد «أ» إن هذا الروبوت حمى جنوداً بتلقيه العبوات بدلاً منهم. وأضاف أن «الروبوت ليس لديه أم نطرق بابها». (ليبلغوها بوفاة ابنها).

جنود إسرائيليون يحملون نعش زميلهم الذي قُتل خلال حرب غزة في مقبرة عسكرية بالقدس فبراير 2024 (إ.ب.أ)

وإضافة إلى المدرعات والمركبات خارج الخدمة التي تستخدم في هذه الصناعات الجديدة يستخدم الجيش أشياء مدنية ويحولها إلى عسكرية. ويقول الرائد «أ»: «نأخذ أبسط جهاز ونحوله إلى قدرة عسكرية».

حافز من أوكرانيا

وقال التقرير إن القفزة التكنولوجية الهائلة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار، والقدرات المستقلة، والانتقال إلى التقنيات المدنية الرخيصة والمتاحة للجميع، تساعد في كل ذلك.

لقد كانت الطائرات الصغيرة التي أوقفت دبابات في الحرب الروسية الأوكرانية حافزاً للجيش الإسرائيلي، وكذلك ما كشفه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن قواته استولت على موقع روسي دون وجود جنود على الأرض عندما «أسر روبوت أوكراني ثلاثة جنود روس».

وحسب التقرير هذا ما تسعى إليه إسرئيل «منظومة قتالية متكاملة تضم طائرات درون، وروبوتات مقاتلة وطائرات مسيّرة طبية وأخرى لإجلاء الجرحى». وقال الرائد «أ»: «هذا لم يعد خيالاً علمياً. إنه يحدث بالفعل». ولا يستهدف الجيش روبوتات قتالية فقط.

خدمات طبية موسعة

وقال التقرير المطول إنه في جانب مختلف تماماً، يجري العمل على نوع مختلف من الروبوتات. ويشرح الرائد شارون أوجين، رئيس قسم البحث والتطوير في الفيلق الطبي، أنهم يعملون على إيصال وحدات الدم بسرعة إلى الجنود الجرحى.

ومن هنا ولدت فكرة أخرى: طائرة مسيّرة تحمل وحدات دم مبردة، وتصل إلى منطقة القتال، ثم تهبط بها باستخدام مظلة ذكية تُفتح على الارتفاع المناسب تماماً.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيّرة (الجيش الإسرائيلي)

وهذا جزء من نظام طبي متكامل يجري العمل عليه، ويقوم على إنشاء سلسلة معلومات متكاملة، تبدأ من الطبيب في الميدان وتنتهي في غرفة الطوارئ.

وإضافة إلى ذلك يختبر جنود أمام شاشة مزودة بخوذة تغذية عصبية متصلة بجهاز كمبيوتر (ذكاء صناعي)، كيفية الوصول إلى هدوء نفسي، في مسعى أوسع من جانب الجيش إلى إدخال تقنيات متطورة في مجال الصحة النفسية.

ورغم كل هذا التقدم، يتحدث خبراء الروبوتات في الجيش الإسرائيلي بحذر. ولا أحد منهم مستعد لتحديد موعد دقيق لرؤية قوات روبوتية ذاتية التشغيل بالكامل تهاجم وحدها أهدافاً بعينها. لكن عندما تسأل الرائد (أ)، يبتسم ويقول: «هذا حلمي الذي أتمناه». مضيفاً: «التكنولوجيا باتت على وشك الاكتمال».


مقالات ذات صلة

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنود إسرائيليون ينظرون باتجاه الأراضي اللبنانية من نقطة مشرفة في شمال إسرائيل (رويترز)

عمليات عسكرية إسرائيلية تمهّد لمعركة في جنوب لبنان

تأخذ التوغلات والغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان، طابعاً تمهيدياً لمعركة عسكرية حيث تعمل على استهداف المرتفعات المشرفة على مناطق تواجدها في البلدات المحتلة

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق (رويترز) p-circle

الشيباني: نتوقع استئناف المفاوضات مع إسرائيل قريباً... وأولويتنا وقف الهجمات

قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات قريباً مع إسرائيل بشأن اتفاق أمني تأمل ​في أن يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش الإسرائيلي خلال عمليات تمشيط في الضفة الغربية (الجيش الإسرائيلي)

عملية «طعن» في الضفة الغربية… والجيش الإسرائيلي يطارد المنفّذ

قال الجيش الإسرائيلي إنه وفقاً لتحقيق أولي أجراه، تعرَّض إسرائيلي للطعن بالقرب من قرية العوجا الفلسطينية بينما كان قد توقَّف على جانب الطريق السريع.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (إ.ب.أ)

المخاوف من انفجار الضفة الغربية تسيطر على التقييمات الإسرائيلية

الجيش الإسرائيلي يحذِّر من انفجار الضفة، ويطلب موقفاً من المستوى السياسي وتدخل الأجهزة الأمنية الأخرى لكبح عنف المستوطنين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الزيدي: العراق يسعى إلى تنمية مسارات التعاون مع روسيا في جميع المجالات

علي فالح الزيدي رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وفداً روسياً في بغداد (مكتب رئيس وزراء العراق)
علي فالح الزيدي رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وفداً روسياً في بغداد (مكتب رئيس وزراء العراق)
TT

الزيدي: العراق يسعى إلى تنمية مسارات التعاون مع روسيا في جميع المجالات

علي فالح الزيدي رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وفداً روسياً في بغداد (مكتب رئيس وزراء العراق)
علي فالح الزيدي رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وفداً روسياً في بغداد (مكتب رئيس وزراء العراق)

أكد رئيس وزراء العراق، علي فالح الزيدي، اليوم (الاثنين)، سعي حكومته إلى تنمية مسارات التعاون مع روسيا في جميع المجالات والقطاعات، خصوصاً في ظل المشتركات التاريخية التي تجمع البلدين.

وأعرب الزيدي، خلال استقباله ديمتري شوغايف، رئيس الخدمة الفيدرالية للتعاون العسكري الفني لروسيا الاتحادية والوفد المرافق له بحضور السفير الروسي في العراق، عن اعتزاز العراق بالعلاقات الثنائية مع روسيا.

من جانبه، أكد المسؤول الروسي التزام بلاده بتطوير العلاقات الثنائية مع العراق، مجدداً رغبة موسكو في مواصلة التنسيق المشترك مع العراق لمكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي والدولي، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية.

وحسب بيان للحكومة العراقية، جرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون العسكري بين البلدين وتطوير العلاقات والتعاون المشترك من خلال تفعيل الاتفاقات ومذكرات التفاهم لدعم قدرات القوات الأمنية العراقية بمختلف صنوفها.


لبنان: باسيل يهاجم أداء الحكومة في محاولة لـ«استعادة الشعبية»

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)
رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)
TT

لبنان: باسيل يهاجم أداء الحكومة في محاولة لـ«استعادة الشعبية»

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)
رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)

يتجه «التيار الوطني الحر» في لبنان إلى تفعيل عمله السياسي، متخذاً خط معارضة الحكومة بعد مرحلة من المهادنة، فرفع رئيسه النائب جبران باسيل سقف خطابه، وأعلن استعداده لـ«منازلة» أمام الرأي العام، متوعداً الحكومة بـ«هزيمة نكراء».

هجوم باسيل لم يمرّ من دون رد، إذ سارع خصومه إلى فتح ملفات العهد السابق وتحميله وحلفائه مسؤولية الانهيار المالي والكهربائي والمؤسساتي، في مشهد يعيد رسم خطوط التجاذب السياسي الداخلي في مرحلة شديدة الحساسية، مع استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان بأشكال شتى وتعقّد المفاوضات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومعالجة الملفات العالقة.

سلام مترئساً اجتماعاً وزارياً في السراي الحكومي (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وبينما يقدّم باسيل معارضته باعتبارها محاولة لمساءلة الحكومة وكشف مخالفاتها، يرى خصومه أن رئيس «التيار» يحاول استعادة موقعه الشعبي والسياسي الذي تراجع في السنوات الماضية. وهكذا، تتحول المواجهة من سجال حول أداء الحكومة إلى معركة أوسع على المسؤولية عن الماضي وحق المعارضة في محاسبة السلطة الحالية.

مساءلة الحكومة

كان باسيل قد طالب، الأسبوع الماضي، رئيس المجلس النيابي نبيه برّي بتحديد جلسة لمساءلة الحكومة في أقرب وقت، والإعلان عن موعدها مسبقاً، حتى تتمكن الحكومة من تجهيز نفسها، لكن بري لم يتجاوب بعد مع هذه الدعوة.

ولا يكتفي «التيار» بالتحضير لجلسة المساءلة، إذ يستعد لعقد مؤتمر تحت عنوان «مرصد الحكومة»، يتم خلاله عرض «الوقائع والأرقام» المتعلقة بما يعتبره مخالفات ارتكبتها الحكومة، سواء لجهة البيان الوزاري أو في ملفات الإصلاح. ولم يحدد التيار حتى الساعة موعداً لهذا المؤتمر بانتظار استكمال التحضيرات القانونية واللوجستية لانعقاده.

الكهرباء إلى الواجهة

يصوّب «التيار» انتقاده بشكل أساسي نحو وزير الطاقة جو صدّي، المحسوب على «القوات اللبنانية»، وإدارته لملف الكهرباء؛ فبعدما ظل القواتيون ينتقدون أداء وزراء «التيار» الذين تعاقبوا على الوزارة لـ15 عاماً، بات رئيس التيار اليوم يهاجم وزير الطاقة ويتهمه بالفشل في إدارة الملف.

ويضع نائب رئيس «التيار الوطني الحر» ناجي حايك ملف الكهرباء في صلب الهجوم على الحكومة، إلى جانب ملفات حياتية أخرى، منتقداً ما يعتبره عجزاً حكومياً عن تقديم رؤية واضحة للقطاع.

ويقول حايك لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الساعة لم نعرف ما هو مشروعهم للكهرباء ومتى سيتم تأمينها فعلياً»، لافتاً إلى أنه تمت مهاجمة وزراء التيار لسنوات بسبب هذا الملف، «وعندما تسلموا القطاع أصبحت بعض المناطق لا ترى الكهرباء إلا ساعتين كل ثلاثة أيام، بينما المعامل مقفلة ولا يتم تشغيلها»، معتبراً أن ما يحصل «غير مقبول وفظيع».

التعيينات والنازحون والعفو العام

لا تقتصر انتقادات التيار للحكومة على ملف الكهرباء، بل تطول ملف التعيينات الإدارية، وغلاء المعيشة، وملف النازحين السوريين كما قانون العفو العام واتفاق الإطار الذي تم توقيعه مع إسرائيل، إذ طالب باسيل مؤخراً بالاطلاع على مضمون الاتفاق وعلى أي ملحق سري، إن وجد.

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل متحدثاً بعد خروج كتلته من جلسة البرلمان التشريعية الأسبوع الماضي (الوكالة الوطنية للإعلام)

ويشير حايك إلى أن فريقه السياسي كان، خلال عهد الرئيس ميشال عون، «يصارح الناس بالتحديات والظروف» التي واجهته، بينما تتجنب الحكومة الحالية، بحسب رأيه، تقديم إجابات واضحة، قائلاً: «عندما تسائلهم يردون بأنكم أنتم لم تنجزوا».

مقارنات مجحفة

في المقابل، يأتي الرد من النائب وضاح صادق هجومياً، إذ يعتبر أن باسيل «آخر من يحق له التصويب على الحكومة وعملها»، مذكّراً بـ«الانقلاب السياسي الذي تم عام 2011 وأدى إلى تسلّم باسيل و(حزب الله) و(حركة أمل) زمام البلد».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط» إن البلاد كانت يومها تتمتع بـ«توازن مالي»، وكانت الموازنة أكبر بخمس مرات من الموازنة الحالية، بينما كان يدخل إلى لبنان من المغتربين وحدهم نحو 10 مليارات دولار.

ويحمّل الصادق باسيل وحلفاءه مسؤولية ما يصفه بتراكم أزمات استمرت 15 عاماً، قائلاً إنهم «حمّلوا البلد 150 مليار دولار نتيجة سرقة أموال المودعين»، فضلاً عن انهيار معامل الكهرباء وأزمة سدود المياه، معتبراً أن اللائحة «تطول».

لكن الصادق لا يرى في تصعيد باسيل مجرد ممارسة لدور المعارضة، بل يعتبره محاولة لاستعادة ما فقده من رصيد شعبي، قائلاً إن «ما يقوم به هو لعب دور المعارض لاستعادة بعض من شعبيته، وهذا لن يحصل».

تقدم بطيء

يلفت الصادق إلى ما يعتبره خطوات أُنجزت أو يجري العمل عليها، وفي مقدمها تشكيل الهيئات الناظمة وإنجاز التعيينات المطلوبة، إضافة إلى النهوض بمطار بيروت ومرفأ العاصمة ومعبر المصنع.

أما في الكهرباء، فيقول إن الحكومة تعمل على خطة للقطاع بعدما أنفق الآخرون نحو 40 مليار دولار عليه، في وقت «لا تمتلك فيه خزينة الدولة اليوم حتى 100 مليون دولار».

المبنى الرئيسي لمؤسسة «كهرباء لبنان» في بيروت ويبدو الظلام في العاصمة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويضيف أن الدولة كانت، خلال السنوات السابقة، تنفق سنوياً بين 3 و4 مليارات دولار لتغطية عجز الكهرباء، بينما «اليوم خزينة الدولة لا تدفع قرشاً واحداً لدعم الكهرباء»، سائلاً: «يريدون من وزير الطاقة حل أزمة الكهرباء خلال عام ونصف العام، بعدما أمسكوا هم بالوزارة 15 عاماً وكان لديهم المال والقرار ولم يتمكنوا من تأمين الكهرباء للناس».

ويعتبر الصادق أن الملفات الحكومية «تتقدم ولكن ببطء»، عازياً ذلك إلى أن الحكومة الحالية «تسلّمت بلداً أفلسه جبران باسيل وحلفاؤه وضُرب العمل المؤسساتي فيه».

معركة تتجاوز الحكومة

لا يفصل الصادق الهجوم الحالي لباسيل عن الحسابات السياسية والانتخابية المقبلة، معتبراً أن «التحالف الثلاثي بين التيار و(حركة أمل) و(حزب الله) لا يزال موجوداً»، وأن الأولوية بالنسبة إلى باسيل «مصالحه المالية والانتخابية».

ويقول الصادق إن رئيس «التيار» يسعى إلى «خلق حالة شعبية لاستعادة كثيرين تركوه»، مستنداً إلى «تراجع التمثيل المسيحي الذي كان باسيل والتيار يتحدثان عن بلوغه نحو 70 في المائة، في حين لم يعد اليوم يتجاوز 15 في المائة».


الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)
مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)
TT

الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)
مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)

أصدر القضاء السوري، اليوم الاثنين، حكماً حضورياً بالسجن المؤبد بحقّ مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بجرائم عدة؛ بينها إثارة النعرات الطائفية واستغلال المنصب خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، إضافة إلى التحريض على العنف، ‏وتبرير ‌‏القتل.

وتولّى حسون، وهو عاشر شخصية مرتبطة بالحكم السابق يُدينها القضاء السوري في ظل السلطات الانتقالية، منصب مفتي الجمهورية لأكثر من 16 عاماً، وعُرف بقربه من الأسد وظهوره المتكرر إلى جانبه في مناسبات دينية.

ويُعرف حسون بلقب «مفتي البراميل» بسبب مواقفه المبرِّرة والداعمة للقمع الوحشي الذي قابل به النظامُ الاحتجاجات في عام 2011، ومن بينها قصف طيرانه مناطق سوريا بالبراميل المتفجرة.

وترأس الجلسة، الاثنين، القاضي فخر الدين العريان، وحضرها عدد من أعضاء الهيئة الوطنية ‌‏للعدالة الانتقالية، وممثلون عن منظمات قانونية وإنسانية دولية.‌ وكانت أولى جلسات محاكمة حسون قد عُقدت في 25 يونيو (حزيران) الماضي، ووُجهت إليه تُهم عدة؛ أبرزها، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»،‏ استغلال منصبه مفتياً للجمهورية لمصالحه الشخصية وإقامة علاقات ‏موسَّعة خارج ‌‏‌‏‌‏‌‏إطار العلاقة الرسمية مع رأس النظام المخلوع بشار الأسد، ‏ومع مدير إدارة ‌‏المخابرات ‌‏‌‏العامة علي مملوك، وكبار ضباط الجيش، وزعماء ‏الميليشيات الطائفية ‌‏التي كانت تُقاتل ‌‏‌‏في سوريا، وحث عناصر وضباط جيش النظام البائد ‏على دعم ‌‏النظام في مواجهة مُعارضيه، والإدلاء بتصريحات إعلامية تضمنت ‏تحريضاً على ‌‏المدنيين في المناطق الثائرة ‌‏واللاجئين الفارّين من بطش ‏النظام، ولا سيما في حلب ‌‏الشرقية وإدلب، كما تضمنت ‌‏طلباً من جيش النظام ‏بتدمير هذه المناطق، والتأييد العلني بصفته الرسمية والرمزية مفتياً للجمهورية لضباط وشخصيات ‌‏‌‏متورطة ‌‏بجرائم حرب؛ من بينهم عصام زهر الدين وقاسم سليماني، إضافة ‏إلى تأييده ‌‏التدخلين ‌‏الروسي والإيراني في سوريا، رغم ما ارتكبته تلك القوات ‏والميليشيات من ‌‏انتهاكات ‌‏بحق السوريين.‌

تأتي محاكمة حسون استكمالاً لسلسلة الجلسات القضائية المنعقدة ‏ضِمن مسار ‌‏العدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري في عهد ‌‏النظام ‏البائد.‌

كانت محكمة الجنايات الرابعة قد قضت، يوم الثلاثاء الماضي، بإعدام المتهم وسيم ‏الأسد ‏ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة؛ لإدانته ‏بجرائم ضد الإنسانية وجرائم ‏حرب، ‏كما أصدرت في 11 أغسطس (آب) الحالي حكماً بالإعدام حضورياً بحق المتهم ‏عاطف ‏نجيب، وغيابياً بحق ‏بشار الأسد وماهر الأسد وخمسة ‏‏فارّين آخرين؛ لإدانتهم ‏بارتكاب جرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية ‏وجرائم ضد ‏الإنسانية وجرائم ‏حرب.‌