عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من بياريتز إلى نيويورك... رسائل الموضة تتشكل برؤى جديدة

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
TT

عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)
من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

انتهت عروض «الكروز» لعام 2027 منذ أكثر من أسبوع، ولا تزال أصداؤها تتردد في أوساط الموضة. السبب؟ تزامنها مع نقاشات وأخبار تفيد بتعافي بعض بيوت الأزياء الكبيرة، مثل «شانيل»، من الأزمة التي عصفت بصناعة الموضة والرفاهية عموماً، واستمرار معاناة بعضها الآخر، مثل «غوتشي»، وسط محاولات لاستعادة التوازن.

من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

يذكر أن عروض «الكروز» ذات أهمية كبيرة لهذه الدور؛ لأنها الأطول بقاء في المتاجر، والأكثر قدرة على مخاطبة مختلف المواسم والفصول، مما يجعلها الأعلى ربحية. من هذا المنطلق، من الطبيعي ألا تبخل بيوت الأزياء الكبيرة عليها بأي جهد أو تكلفة؛ إذ حوّلتها فرصةً لا تُفوّت لـ«تدليل» زبوناتها عبر اصطحابهن إلى وجهات بعيدة ومثيرة تتيح لهن فرصة الانغماس في عالم كل دار، ومن ثم توطيد علاقتها بهن.

إطلالة من عرض «ديور» بمتحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

الأماكن ودلالاتها

في العقود الأخيرة تحوّلت عروض هذا الخط إلى ما يشبه استعراضات متنقلة، تُختار لها أعلى الوجهات إبهاراً ورمزية. فالأماكن هنا لا تقل أهمية عن الأزياء نفسها، بوصفها وسيلة لإيصال الرسائل الإبداعية وتحقيق أهدافها التجارية على حد سواء. لذلك؛ لا يكون اختيارها عشوائياً أو لمجرد البحث عن أشعة الشمس ودفئها، بل تحمل كل مدينة دلالاتها الخاصة المرتبطة بهوية الدار ورؤيتها في تلك المرحلة.

وتكتسب المرحلة حالياً أهمية استثنائية في ظل ما تشهده صناعة الموضة العالمية من تحوّلات، وتصاعد الضغوط على العلامات الكبرى لإيجاد توازن بين الإبداع والربحية. من هنا، تتحول كل وجهة إلى أداة سرد بصري متكاملة، وهو ما أكدته العروض الأخيرة، بكشفها عن الخيط المشترك بينها جميعاً، الذي يتمثل في توظيف المكان مرآةً لهوية الدار؛ سواء أكانت راسخة أم في طور التشكل.

فستان مبتكر من مجموعة «شانيل» (إ.ب.أ)

في حين اختارت «شانيل» بلدة بياريتز المرتبطة تاريخياً بغابرييل شانيل نفسها؛ لتأكيد صورة الرفاهية في المنتجعات الفرنسية والعودة إلى الجذور تحت قيادة ماثيو بلازي، فقد اتجهت «ديور» إلى لوس أنجليس؛ المدينة التي تختصر ثقافة الشهرة وصناعة الصورة والحلم الأميركي، في عرض عكس العلاقة المتنامية بين الموضة وثقافة المشاهير في «هوليوود»، إلى جانب الأسلوب التجريبي الذي يسعى جوناثان سوندز لترسيخه داخل الدار.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (رويترز)

أقيم هذا العرض في متحف «لاكما» ضمن مشهد سينمائي متكامل ضم سيارات «كاديلاك» وسينوغرافيا مستوحاة من عالم السيارات الأميركية في خمسينات القرن الماضي. كانت فيه لمسة من دراما «هوليوود» الكلاسيكية، وإشارة إلى العلاقة التاريخية الطويلة بين «ديور» وصناعة السينما.

«غوتشي» وثقافة الاستهلاك

أما «غوتشي» فبدلاً من اختيار موقع شاعري أو تاريخي، فقد ذهبت مباشرة إلى ميدان «تايمز سكوير» في نيويورك. لا قصور ولا مناظر حالمة... فقط شاشات عملاقة وإعلانات تجارية وفوضى حضرية تجسد ثقافة الاستهلاك الحديثة في أوضح صورها. والمفارقة أن المدينة شهدت في الفترة نفسها تقريباً، افتتاح متجر ضخم لـ«برايمارك»؛ إحدى أبرز العلامات الشعبية المتهمة بتكريس مفهوم الموضة السريعة.

فهم ديمنا ثقافة الاستهلاك وترجمها بالاستعانة بالمؤثرات والنجوم وفتيات المجتمع مثل باريس هيلتون (أ.ف.ب)

تحت هذا المفهوم، يبدو ديمنا، المديرُ الإبداعي الجديد للدار، كأنه يبعث برسالة مفادها بأن «غوتشي» تحت إدارته لا تبحث عن الرومانسية والنخبوية بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات.

فاختيار نيويورك، وتحديداً «تايمز سكوير»، لم يكن مجرد بحث عن موقع صاخب يلفت الانتباه، بل جاء محمّلاً بدلالات رمزية وتجارية تنسجم مع رؤية ديمنا، المعروف بإثارته الجدل من خلال تناوله ثقافة الاستهلاك بأسلوب شبه فلسفي، يجمع بين التهكم والسخرية.

غير أن مقاربته في هذا العرض بدت مختلفة... فهو يُدرك تماماً ما تعانيه «غوتشي» من تراجع في المبيعات، كما يعرف أن مهمته الأساسية تتلخّص في إعادتها إلى الواجهة بوصفها أهم جوهرة في تاج مجموعة «كيرينغ». والنتيجة أن العرض كان أشبه بإعلان عن هذه الرغبة في استعادة موقعها ظاهرةً شعبية عالمية.

سيندي كروفورد وفستان يجمع الكلاسيكية بالمعاصرة في عرض «غوتشي» (رويترز)

كانت نيويورك، بثقافتها الصاخبة وإيقاعها السريع وهوسها بالنجاح والمال، الوجهة المثالية لرؤية ديمنا، الذي لا يبدو معنياً فيها بترسيخ مفهوم الفخامة الهادئة. فهو يتوجه هنا إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة التي تضم أثرياء جدداً لا يرفضون الشعارات البارزة والقطع اللافتة، من دون أن ينحرف تماماً عن إرث «غوتشي» القائم على الحرفية الإيطالية والذوق الأرستقراطي.

عاد ديمنا إلى إرث توم فورد في كثير من الإطلالات (رويترز)

ما فعله أنه أخذ هذا الإرث وأغرقه في فوضى بصرية صاخبة؛ ألواناً ونقوشات. ففي يوم العرض، أضاءت الشاشات الرقمية العملاقة «تايمز سكوير»، لتكرس ذلك التقاطع الذي يجسد هوس أميركا بالاستهلاك والتسويق. امتلأت هذه الشاشات بمنتجات بتوقيع «غوتشي»؛ من الشوكولاته والمياه إلى الحيوانات الأليفة، ومن السيارات حتى أدوية لإطالة العمر... في مشهد بدا كأنه تجسيد لحلم تجاري مكتمل الأركان، تدعمه شعارات جذابة وصور آسرة مهدت لعرض لم يكتف فيه المصمم بعارضات الأزياء الشهيرات، بل استعان أيضاً بمشاهير الـ«سوشيال ميديا» وفتيات المجتمع المخملي، مثل باريس هيلتون، ونجوم السينما والرياضة مثل توم برايدي.

لاعب الكرة السابق توم برايدي في عرض «غوتشي» (رويترز)

فالصورة الثقافية الراهنة بالنسبة إلى ديمنا تشمل كل هؤلاء، إلى جانب شريحة الأثرياء الجدد المهووسين بالموضة والسلع الفاخرة.

من هذا المنطلق، أطلقت الدار على العرض عنوان «غوتشي كور» في إشارة، وفق شرحها، إلى جوهرها الإيطالي، وإلى «تنوع مدينة نيويورك». أما كيف ترجم ديمنا هذا القول فنياً، فكان عبر خزانة ترتكز على قطع أساسية تحمل هوية الدار الإيطالية بالخط العريض، لكن بنكهة تجارية بحتة.

فمثل معظم بيوت الأزياء العالمية، تعيش «غوتشي» مرحلة من القلق والتذبذب الاقتصادي نتيجة تراجع المبيعات وخفوت الزخم الذي رافق طفرة ما بعد الجائحة. هذا إلى جانب فتور حماس المتسوقين بعد الارتفاعات الحادة في الأسعار من دون ابتكارات فنية موازية تبررها.

من عرض «ديور» الذي احتضنه متحف «لاكما» في لوس أنجليس الأميركية (أ.ف.ب)

لذلك راهنت «غوتشي»، مثل «شانيل» و«ديور»، على مصممين شباب لتحفيز مبيعاتها واستعادة بريقها، وهو ما يُفسِر ميل هؤلاء المصممين؛ من ماثيو بلازي في «شانيل»، إلى جوناثان آندرسون في «ديور»، وديمنا في «غوتشي»، إلى الماضي، أو بالأحرى إلى الفترات التي شهدت فيها البيوت التي تسلموا زمامها، عصراً ذهبياً. هذا العصر بالنسبة إلى جوناثان يرتبط بجون غاليانو، وبالنسبة إلى ديمنا بإرث توم فورد... لذلك؛ فقد افتُتح العرض ببدلات مفصلة بإحكام وفساتين مفعمة بالأنوثة، في إشارة واضحة إلى ما قدمه فورد في منتصف التسعينات من القرن الماضي.

لغة البيع الجديدة

غير أن ديمنا لا يستطيع البقاء طويلاً داخل حدود المضمون. كما لا يستطيع كبح جماح نزعاته الفنية، والتالي كان من المتوقع أن يعيد تفكيك هذه الرموز بأسلوبه الساخر معبراً عن موقفه من البورجوازية، من خلال عودته إلى الأشكال المستوحاة من الحياة اليومية والواقع الاستهلاكي المعاصر.

ويبقى السؤال المطروح حالياً: هل سيتمكن من بيع فكرة «غوتشي» بوصفها علامة ديمقراطية للجميع لا للنخبة فقط؟ هذا ما يأمله ويسعى لتحقيقه، وعبّر عنه بوضوح في هذه التشكيلة.

في المقابل، بدا جوناثان آندرسون أكثر انشغالاً بالتجريب والبحث؛ إذ حملت مجموعته كل بصماته المألوفة، من التفصيل الدقيق والأحجام النحتية والخطوط الانسيابية غير المكتملة، إلى الإشارات الثقافية والفنية المتعددة. والنتيجة أن العرض جاء مشبعاً بالأفكار والصور، لكن من دون حسم واضح في الرؤية؛ وهذا مما يجعل تجربته مختلفة كأنه لا يزال في رحلة بحث عن موقعه في الدار.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

وبين ديمنا وآندرسون، يقف ماثيو بلازي أعلى توازناً وثقة؛ إذ نجح منذ وصوله إلى الدار في تحديث صورتها من دون إحداث قطيعة مع ماضيها، أو إشعار زبوناتها الوفيات بأن هويتها تتعرض للتفكيك. هذه الرؤية المتوازنة انعكست إيجابا على مبيعاتها، بدليل أنها الأفضل حظاً من حيث الأداء والنتائج، وفق مؤشر «ليست» الذي صنّفها «أوسعَ العلامات رواجاً وشعبية». فمنذ التحاقه بها، ارتفعت إيراداتها بنسبة اثنين في المائة العام الماضي لتصل إلى 19.3 مليار دولار، في وقت سجل فيه قسم الأزياء والمنتجات الجلدية لدى مجموعة «إل في آم آش» المالكة «لوي فويتون» و«ديور» تراجعاً بنسبة اثنين في المائة، فيما انخفضت مبيعات مجموعة «كرينغ» المالكة «غوتشي» بنسبة 10 في المائة.

إطلالة تحتفي بكوكو شانيل التي افتتحت معملاً خاصاً بالـ«هوت كوتور» في بياريتز الفرنسية عام 1915 (إ.ب.أ)

ووفق مذكرة حديثة صادرة عن «مورغان ستانلي»، فقد نجحت «شانيل» في تحقيق نمو لافت هذا العام، وإذا استمرت على هذه الوتيرة، فإنها يمكن أن تكون من كبرى دور الأزياء حظاً. عرضها الأخير في بياريتز أكد أن لمسة ماثيو بلازي من ذهب؛ إذ التقط فيه خيوطاً قديمة صاغها بأسلوب معاصر تصعب مقاومة سحره.

وهكذا تبدو عروض «الكروز» اليوم أكثر من مجرد أزياء موسمية أو عروض في أماكن بعيدة... ولعام 2027، كانت مساحة تختبر فيها كل دار هويتها، وقدرتها على إقناع عالم متغير بأن الفخامة لا تزال حلماً للمتلقي وفناً بالنسبة إلى صناعها.


مقالات ذات صلة

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة…

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.