معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

«الفيدرالي» يدخل مرحلة حساسة... والأسواق تتوقع تشديداً إضافياً رغم الضغوط السياسية

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

لطالما كان يمثّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول خصماً سياسياً مناسباً للرئيس دونالد ترمب؛ إذ كان يتحمّل جزءاً كبيراً من الانتقادات المتعلقة بارتفاع أسعار الرهن العقاري وتباطؤ النمو الاقتصادي.

لكن مع تعيين رئيس جديد هو كيفين وارش على رأس البنك المركزي، وإكمال ترمب لنفوذه على أعلى مستويات صنع السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة، يتغيّر هذا المشهد بشكل واضح.

ففي السابق، كان بإمكان ترمب إرجاع مسؤولية تعيين باول إلى مستشاريه خلال ولايته الأولى، ومن بينهم وزير الخزانة آنذاك ستيفن منوشين. أما اليوم، فإن وارش يُعدّ اختياراً مباشراً لترمب، ما يعني أن نتائج السياسات والأداء الاقتصادي ستُحسب بشكل أكبر على الإدارة الحالية نفسها، وليس على أطراف أخرى.

وللتأكيد على حجم الرهان، استضاف ترمب وارش في حفل أداء اليمين في البيت الأبيض يوم الجمعة، بحضور وزراء حكومته وقضاة من المحكمة العليا وكبار مستشاري البيت الأبيض، في أجواء أقرب إلى تجمع تحفيزي، حيث قال في كلمته إنه يريد من وارش «أن يقوم بعمله بطريقته الخاصة، وأن ينجح بشكل كبير»، وفق «رويترز».

وقال ترمب: «كيفين يفهم أنه عندما يكون الاقتصاد مزدهراً فهذا أمر جيد... نريد أن يزدهر... لا نريد أن نراه مكبوحاً».

جيروم باول يتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية... 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

رهانات مرتفعة قبل الانتخابات النصفية

بعد حملته الانتخابية وفوزه بولاية ثانية على وعود بخفض الأسعار ومعالجة قضايا «القدرة على تحمل التكاليف» للأسر الأميركية، تراجع معدل تأييد ترمب للأداء الاقتصادي بشكل ملحوظ.

وأظهر استطلاع لثقة المستهلك نُشر قبل نحو 90 دقيقة من مراسم أداء اليمين لوارش مزاجاً متشائماً على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك تراجع الثقة الاقتصادية لدى المستقلين -وهم كتلة انتخابية رئيسية في الانتخابات النصفية لـ«الكونغرس»- وحتى لدى الجمهوريين إلى أدنى مستوياتها في الولاية الثانية لترمب.

وارتفع معدل الفائدة على الرهن العقاري لأجل 30 عاماً مجدداً فوق 6.5 في المائة، وهو أعلى مستوى في تسعة أشهر، مما يواصل الضغط على سوق الإسكان الضعيف.

كما استمرت الأسعار في الارتفاع خلال عهد ترمب، رغم وعود حملته بأنها ستنخفض منذ «اليوم الأول» من رئاسته. فمنذ مارس (آذار) 2025، ارتفع مؤشر التضخم الذي يستخدمه «الفيدرالي» لاستهداف معدل 2 في المائة من 2.3 في المائة سنوياً إلى 3.5 في المائة.

وبلغ سعر غالون البنزين في المتوسط 4.55 دولار يوم الجمعة، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل أن يبدأ ترمب حملته ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

ولا يزال مدى تأثير أداء وارش على فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية غير واضح، لكنه محفوف بالمخاطر.

فالتضخم المرتفع عادة ما يضر بالأحزاب الحاكمة مع تزايد قلق الناخبين بشأن تكاليف المعيشة، لكن مكافحته تتطلّب إجراءات صعبة غالباً ما تكون في شكل رفع أسعار الفائدة، وهي إجراءات غير شعبية سياسياً، ولا يرحب بها ترمب بالتأكيد.

علاوة على ذلك، يظل «الاحتياطي الفيدرالي» مؤسسة متعددة الأوجه، حيث سيحتاج الرئيس الجديد إلى بناء سلطته تدريجياً، في وقت يراقب فيه العالم مدى تأثير ترمب.

وقال ريتشارد ستيرن، الذي يدرس السياسات الاقتصادية في مؤسسة «أدفانسينغ أميركان فريدوم» المحافظة: «كان باول كبش فداء مثالياً لترمب في قضايا لا علاقة لها بباول». وأضاف: «الآن أصبح الأمر اقتصاد ترمب... مشكلة ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة لن تختفي لسنوات عديدة... وهذا مستقل عن أي شيء يمكن لترمب أو وارش القيام به».

قيادة نظام معقد

وارش، البالغ من العمر 56 عاماً، وهو محامٍ ومستثمر عمل عضواً في مجلس محافظي «الفيدرالي» بين 2006 و2011، قضى السنوات اللاحقة في تعزيز فرص عودته إلى المنصب.

وقد شملت خلفياته المهنية شخصيات بارزة مثل الاقتصادي النقدي الشهير ميلتون فريدمان، ووزير الخارجية الأسبق جورج شولتز. كما ساعده عمله مع المستثمر الكبير ستانلي دراكنميلر على تحقيق ثروة كبيرة، بالإضافة إلى ثروة زوجته المرتبطة بحصة في شركة «إستي لودر» لمستحضرات التجميل.

لكن علاقاته السياسية والاجتماعية مع ترمب كانت العامل الحاسم في اختياره؛ إذ كان الرئيس قد أعرب عن أسفه لتجاوز وارش في تعيينات عام 2017 لصالح باول.

إدارة نظام غير منضبط

اختار باول، في ظل محاولات ترمب للتأثير على استقلالية «الفيدرالي»، البقاء عضواً في مجلس المحافظين، وهو أمر غير معتاد في بداية ولاية رئيس جديد لـ«الفيدرالي»، الذي يُعد أقوى بنك مركزي في العالم والمصدر الرئيسي للسيولة بالدولار عالمياً.

ورغم أن بعض رؤساء «الفيدرالي»، مثل بول فولكر وآلان غرينسبان، مارسوا تأثيراً حاسماً، فإن البنك المركزي الأميركي مصمم ليكون مؤسسة غير مركزية، تضم مجلس محافظين من سبعة أعضاء في واشنطن، بالإضافة إلى 12 رئيس بنك احتياطي إقليمي يشاركون في صنع القرار.

وفي السنوات الأخيرة، اتجهت عملية صنع القرار نحو التوافق بقيادة الرئيس. لكن وورش قال إنه يفضّل أسلوب نقاش أكثر حدة و«دون قيود»، مع قبول أكبر للاختلافات الداخلية، واستعداد لإرباك الأسواق عبر قرارات أقل اعتماداً على التوجيه المسبق الذي أصبح شائعاً في السنوات الأخيرة.

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك للأوراق المالية (أ.ب)

ويبقى السؤال ما إذا كانت الأسواق العالمية مستعدة لهذا النهج.

لكن المؤشرات الأخيرة من اجتماعات «الفيدرالي» توحي بأن الخلافات الداخلية قد تتصاعد. فقد شهد اجتماع أبريل (نيسان) أكبر عدد من الاعتراضات منذ أكثر من 30 عاماً. كما أظهر محضر الاجتماع أن أغلبية مسؤولي وارش الجدد يرون أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع، وهو عكس ما كان ترمب يتوقعه وما كان وارش نفسه يدعو إليه سابقاً.

وتضم هذه المجموعة من المسؤولين اقتصاديين حاصلين على دكتوراه يتمتعون بخبرة فنية مختلفة عن وارش، إلى جانب خبراء استثمار ذوي خبرة مماثلة في الأسواق، بالإضافة إلى الرئيس السابق باول نفسه.

ومن بين المحافظين الستة الآخرين، تم تعيين ثلاثة من قِبل الرئيس السابق جو بايدن، بينهم ليزا كوك التي يحاول ترمب إقالتها.

ومع استمرار النقاش حول الخطوات المقبلة، يبدو أن المستثمرين قد حسموا موقفهم بأن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع في ظل استمرار التضخم.

وفي أسواق السندات طويلة الأجل التي تحدد تكلفة الاقتراض للمستهلكين، بدأت العوائد بالفعل الارتفاع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

وارش أمام اختبار صعب لكبح تضخم لا تملك السياسة النقدية أدواته المباشرة

تحليل إخباري وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)

وارش أمام اختبار صعب لكبح تضخم لا تملك السياسة النقدية أدواته المباشرة

مع اقتراب «الاحتياطي الفيدرالي» من أول قرار لرفع أسعار الفائدة منذ 3 سنوات، لا يواجه رئيسه معركة التضخم التقليدية التي يمكن حسمها بسهولة عبر إضعاف الطلب.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد حاويات شحن في ميناء مونتريال بمقاطعة كيبيك الكندية (رويترز)

رسوم أميركية جديدة على سلع كندية تدخل حيز التنفيذ

دخلت تغييرات رئيسية على الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على السلع الكندية حيز التنفيذ، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شخص يملأ خزان وقود سيارته بالديزل في محطة بايلوت في بودا، تكساس (أ.ف.ب)

متوسط سعر الديزل في أميركا يسجل مستوى قياسياً عند 6.27 دولار للغالون

سجل متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً جديداً عند 6.27 دولار للغالون، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولان في بورصة نيويورك (أ.ب)

عوائد سندات الخزانة الأميركية عند أعلى مستوياتها منذ 2007 مع تنامي رهانات رفع الفائدة

قفزت عوائد سندات الخزانة الأميركية لـ10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ العام 2007، الثلاثاء، قبيل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد ترمب ووارش أثناء توجههما إلى القاعة الشرقية بالبيت الأبيض خلال مراسم أداء وارش اليمين الدستورية في 22 مايو (أ.ف.ب)

«الفيدرالي» يستعد لرفع الفائدة متحدياً ضغوط ترمب

يتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة القياسي الأربعاء للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيس «سدايا»: المرحلة المقبلة تتطلب سياسات عملية لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي

رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)
رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)
TT

رئيس «سدايا»: المرحلة المقبلة تتطلب سياسات عملية لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي

رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)
رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الدكتورعبد الله الغامدي خلال حضوره المؤتمر (سدايا)

قال رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، إن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل المبادئ المشتركة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيق عملي، من خلال سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات فاعلة لإدارة المخاطر.

وأضاف الغامدي، خلال افتتاح المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض، أنه «في ظلِّ المخاوف التي عبَّرت عنها مؤخراً قيادات الشركات الكبرى حول التسارع في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة (Frontier AI)، ودعواتهم المتواترة إلى كبح جماح هذا التسارع وترشيده، فإن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه المبادئ المشتركة وتحويلها إلى تطبيق عملي».

وأوضح أن ذلك يتطلب «سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات فاعلة لإدارة المخاطر، وقدرات مؤسسية تمكِّن الدول من تطبيقها في واقعها».

وقال الغامدي إن هذا التوجه «لا يعني بالضرورة أن تتبنى الدول نموذجاً موحداً»، مضيفاً: «بل الانطلاق من مبادئ مشتركة، وأن نتبادل الخبرات والأدوات مع احترام أولويات كل دولة وثقافتها».

وفي الجانب المرتبط بتمكين الدول من الاستفادة من التقنية، قال الغامدي: «لا ينبغي أن تنفصل الحوكمة عن التمكين؛ فالدول تحتاج إلى الأطر كما تحتاج إلى المهارات، والبيانات، والبنية التحتية التي تمكِّنها وتعظِّم الاستفادة من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وأشار إلى أن السعودية أطلقت في 2026 «الإطار الوطني لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي» و«علامات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، في إطار توجه يجعل الحوكمة وإدارة المخاطر جزءاً من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأكد الغامدي أن أهمية المنتدى تتمثل في الانتقال «من الاتفاق على المبادئ إلى القدرة على تنفيذها»، مشدداً على أن التعاون الدولي ينبغي أن يركز على بناء القدرات، وليس الحوار فقط.


«مورغان ستانلي» يتوقع رفع الفائدة الفيدرالية مرتين هذا العام وزيادة أوروبية واحدة

مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

«مورغان ستانلي» يتوقع رفع الفائدة الفيدرالية مرتين هذا العام وزيادة أوروبية واحدة

مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)
مبنى مجلس الاحتياطي الاتحادي في واشنطن بالولايات المتحدة (رويترز)

انضم بنك «مورغان ستانلي» إلى بنوك كبرى أخرى في «وول ستريت» في تبنِّي نظرة أكثر تشدداً بشأن أسعار الفائدة، متوقعاً أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي الفائدة مرة أخرى، وأن يُقدِم البنك المركزي الأوروبي على زيادة إضافية في وقت لاحق من هذا العام، في ظل استمرار الضغوط التضخمية.

وتأتي هذه التوقعات قبيل قرارات السياسة النقدية المرتقبة من «الاحتياطي الفيدرالي» وبنك اليابان هذا الأسبوع، وذلك بعد أيام من استئناف البنك المركزي الأوروبي دورة التشديد النقدي، ما أبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب لآفاق أسعار الفائدة، وفق «رويترز».

ويتوقع «مورغان ستانلي» أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المقرر يومَي 15 و16 سبتمبر (أيلول)، وأن يقر زيادة أخرى بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن جاءت قراءات التضخم الأخيرة أعلى من التوقعات.

وفي مذكرة صدرت يوم الاثنين، ذكرت شركة الوساطة المالية أن تباطؤ التضخم كان «أبطأ وأقل إقناعاً» مما قد يتطلبه صناع السياسات، مما دفعها إلى توقع رفع أسعار الفائدة مرتين هذا العام.

كما تتوقع الشركة أن يشير «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي إلى مزيد من التشديد النقدي، قبل أن يتوقف المسؤولون مؤقتاً مع اعتدال معدلات التضخم.

وأضافت الشركة: «نرى مبررات لكل من خيار رفع الفائدة وخيار تثبيتها، ولكن مؤشرات الآثار غير المباشرة (أو تأثيرات الجولة الثانية) الناجمة عن أسعار الطاقة، والطلب القوي المرتبط بالاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، ومعدل الفائدة المحايد الذي قد يكون مرتفعاً مؤقتاً، والمخاوف بشأن المصداقية، تعني أن ميزان المخاطر يرجِّح الآن تبني سياسة أكثر تقييداً إلى حد ما».

وكان كيفن وارش، الذي تولى رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار)، قد تجنب مراراً تقديم توجيهات بشأن المسار المحتمل لأسعار الفائدة الأميركية.

ولكن مع بقاء التضخم أعلى من المستهدف، وتداول أسعار النفط فوق مستوى مائة دولار للبرميل، وترجيح الأسواق المالية بشكل شبه مؤكد زيادة في الفائدة، يرى المستثمرون أن اجتماع هذا الأسبوع من المرجح أن يشهد أول رفع لأسعار الفائدة خلال فترة ولايته.

وفي أوروبا، عدَّل بنك «مورغان ستانلي» توقعاته بشأن البنك المركزي الأوروبي لتشمل زيادة إضافية بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، مما يرفع سعر الفائدة على الودائع إلى 2.75 في المائة، متراجعاً بذلك عن تقديراته السابقة التي كانت تشير إلى انتهاء دورة التشديد النقدي للبنك المركزي.

وعزا البنك توقعه رفع أسعار الفائدة مجدداً من قبل البنك المركزي الأوروبي في ديسمبر إلى مرونة النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، وارتفاع أسعار الطاقة، كما بات يتوقع الآن خفضاً واحداً فقط لسعر الفائدة في عام 2027، وتحديداً في ديسمبر.


وارش أمام اختبار صعب لكبح تضخم لا تملك السياسة النقدية أدواته المباشرة

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)
TT

وارش أمام اختبار صعب لكبح تضخم لا تملك السياسة النقدية أدواته المباشرة

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)

مع اقتراب «الاحتياطي الفيدرالي» من أول قرار لرفع أسعار الفائدة منذ 3 سنوات، لا يواجه رئيسه كيفين وارش معركة التضخم التقليدية التي يمكن حسمها بسهولة عبر إضعاف الطلب؛ فموجة ارتفاع الأسعار التي تواجه الاقتصاد الأميركي اليوم، تغذيها بدرجة متزايدة عوامل تقع خارج نطاق السياسة النقدية، من قفزة أسعار النفط بفعل الحرب في الشرق الأوسط، إلى الرسوم الجمركية، مروراً بطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

هذه المعادلة تضع «الفيدرالي» أمام اختبار دقيق: كيف يستخدم أداته الرئيسية لكبح التضخم، من دون أن يدفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد في محاولة لمعالجة صدمات لا يستطيع التحكم في مصادرها؟

الأسواق تكاد تكون حسمت رهانها على قرار الأربعاء؛ إذ تسعّر العقود الآجلة احتمالاً يقارب 90 في المائة لرفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة. لكن أهمية الاجتماع لا تكمن في الزيادة نفسها بقدر ما تكمن في ما ستكشفه لهجة وارش عن المسار المقبل، في وقت تجاوز فيه عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة، وارتفعت تكلفة الاقتراض عبر الاقتصاد إلى مستويات تضغط على الشركات والأسر والحكومة.

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

تضخم مختلف

في دورة التشديد السابقة، كانت مهمة «الفيدرالي» أكثر مباشرة: رفع أسعار الفائدة بين عامي 2022 و2023 في محاولة لكبح الطلب وإبطاء النشاط الاقتصادي، ضمن سياسة أسهمت في تخفيف الضغوط التضخمية بعد وصولها إلى أعلى مستوياتها في 4 عقود. وبحلول 2025، كان التضخم قد اقترب من هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة المشكلة.

أسعار النفط ارتفعت بقوة مع تصاعد الحرب الأميركية - الإيرانية، فيما سجل متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة مستوى قياسياً عند 6.27 دولار للغالون. وفي الوقت نفسه، تضيف الرسوم الجمركية ضغوطاً على أسعار السلع، بينما تدفع الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الطلب على الطاقة والبنية التحتية ورأس المال إلى مستويات أعلى.

وهذه العوامل الثلاثة لا يمكن لـ«الفيدرالي» إزالتها برفع أسعار الفائدة.

فكما قال رئيس «الفيدرالي» في ريتشموند، توم باركين، في مايو (أيار) الماضي، فإن رفع الفائدة لإضعاف الطلب لا يعالج جذور التضخم الناجم عن صدمة في جانب العرض؛ فهو لا يعيد فتح طرق التجارة، ولا يعيد تشغيل المصانع، ولا يعالج نقص السلع الناجم عن اضطرابات الإمدادات.

لكن المشكلة بالنسبة لـ«الفيدرالي» أن تجاهل هذه الصدمات قد يكون مكلفاً إذا بدأت تتحول من ارتفاعات مؤقتة في الأسعار إلى توقعات تضخمية أكثر رسوخاً.

أشخاص يتسوقون لشراء البقالة من سوبر ماركت في مانهاتن (أ.ف.ب)

لماذا يرفع وارش الفائدة إذن؟

هنا تكمن المفارقة الأساسية في اجتماع الأربعاء.

فرفع الفائدة لن يخفض سعر النفط مباشرة، ولن يلغي الرسوم الجمركية، لكنه يمكن أن يحد من انتقال صدمة الأسعار إلى بقية الاقتصاد عبر إبطاء الطلب والحيلولة دون ترسخ التضخم في سلوك الشركات والمستهلكين.

وهذا تحديداً ما يجعل توقعات التضخم عنصراً محورياً في قرار وارش.

وتشير استطلاعات حديثة إلى أن المستهلكين لا يتوقعون استمرار التضخم المرتفع لفترة طويلة، وهو ما يمنح «الفيدرالي» مساحة لاعتبار جزء من موجة ارتفاع الأسعار مؤقتاً. لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والسلع لفترة أطول قد يغير هذه التوقعات، خصوصاً بعد سنوات من التضخم المرتفع جعلت الشركات والمستهلكين أكثر سرعة في تعديل الأسعار.

وتقول الاقتصادية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كريستين فوربس، لـ«أسوشييتد برس»، إن مخاطر استمرار التضخم أصبحت أكبر من مخاطر تراجعه سريعاً، مشيرة إلى أن المستهلكين والشركات باتوا أكثر حساسية بعد تجربة السنوات الأخيرة، ما قد يدفعهم إلى رفع الأسعار بوتيرة أسرع.

معركة المصداقية

لذلك، فإن قرار رفع الفائدة قد لا يكون موجهاً فقط إلى التضخم الحالي، بل إلى مصداقية «الفيدرالي» في المستقبل؛ فوارش، الذي شدد في خطابه خلال مؤتمر «جاكسون هول» الشهر الماضي، على أن البيانات الأخيرة لا تظهر تحسناً كافياً في الاتجاهات الأساسية للتضخم، وضع نفسه أمام اختبار عملي. وإذا رفع الفائدة يوم الأربعاء، فإنه يثبت أن تحذيراته لم تكن مجرد رسائل إلى الأسواق.

أما إذا امتنع عن الرفع رغم هذه التصريحات، فقد تواجه الأسواق سؤالاً مختلفاً يتعلق بمدى استعداد البنك المركزي لاستخدام أدواته إذا استمر التضخم مرتفعاً.

وهذا مهم بصورة خاصة في سوق السندات.

فالمستثمرون لا ينظرون فقط إلى سعر الفائدة قصير الأجل، بل إلى المسار المتوقع للسياسة النقدية والتضخم على مدى سنوات. وقد تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات 5 في المائة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 2007، فيما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.39 في المائة.

وبالتالي، فإن «الفيدرالي» يواجه مفارقة أخرى: قد يؤدي رفع الفائدة إلى إضعاف الاقتصاد على المدى القصير، لكنه قد يساعد في المقابل في احتواء ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إذا أقنع المستثمرين بأنه جاد في إعادة التضخم إلى هدفه.

وارش مترئساً اجتماع اللجنة اللفيدرالية للسوق المفتوحة (الاحتياطي)

النفط يختبر حدود السياسة النقدية

لكن النفط يبقى الاختبار الأكثر وضوحاً لحدود أدوات «الفيدرالي»؛ فارتفاع أسعار الخام لا يظهر في فاتورة الوقود فقط، بل ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والشحن والإنتاج والخدمات. وكلما طال أمد الارتفاع، زادت احتمالات انتقاله إلى أسعار أوسع نطاقاً.

وهنا يصبح دور السياسة النقدية غير مباشر: لا يستطيع «الفيدرالي» زيادة إمدادات النفط، لكنه يستطيع محاولة منع ارتفاع أسعار الطاقة من خلق موجة ثانية من التضخم عبر الطلب والأجور والتوقعات.

ويقول ريان سويت، كبير الاقتصاديين العالميين في «أكسفورد إيكونوميكس» لـ«إنفستوبيديا»، إن 3 من أبرز مصادر التضخم فوق هدف «الفيدرالي» هي حرب الشرق الأوسط، وطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والرسوم الجمركية، وهي ضغوط لا يستطيع البنك المركزي معالجتها مباشرة برفع أسعار الفائدة.

الذكاء الاصطناعي يضيف معادلة جديدة

لا تتوقف المعضلة عند الطاقة.

فطفرة الإنفاق على مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت عاملاً مهماً في الاقتصاد الأميركي؛ ليس فقط من خلال الطلب على الرقائق والطاقة والمعدات، وإنما أيضاً عبر تأثيرها في الاستثمار والنمو وعوائد السندات طويلة الأجل.

وهنا يجد «الفيدرالي» نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فإذا استمر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بقوة، فقد يبقي الطلب مرتفعاً ويزيد الضغوط السعرية. أما إذا تباطأت الطفرة بصورة حادة، فقد يتراجع الاستثمار والنمو، ما يغير الحسابات باتجاه سياسة نقدية أكثر تيسيراً.

أي إن أحد مصادر التضخم الحالية يمكن أن يتحول، إذا تباطأ فجأة، إلى مصدر ضغط على النمو.

رفع واحد أم بداية مسار؟

لهذا السبب، قد لا يكون السؤال الأهم بعد قرار الأربعاء هو ما إذا كان «الفيدرالي» سيرفع الفائدة، بل: ماذا سيفعل بعد ذلك؟

فالأسواق تسعّر بالفعل استمرار التشديد، مع توقعات بـ3 زيادات في سبتمبر (أيلول) وديسمبر (كانون الأول) ومارس (آذار). لكن تسعير هذه الزيادات لا يعني بالضرورة أن «الفيدرالي» حسم بدء دورة تشديد جديدة.

فقد يكون رفع الأربعاء، كما يرى بعض الاقتصاديين، إجراءً لإدارة المخاطر يهدف إلى تأكيد التزام البنك بإعادة التضخم إلى هدفه، حتى مع توقعه أن يتلاشى بعض صدمات العرض مع مرور الوقت.

في المقابل، إذا قدّم رئيس «الفيدرالي» القرار باعتباره بداية مسار لإعادة السياسة النقدية إلى مستوى أكثر تشدداً، فقد تعيد الأسواق تسعير الزيادات المقبلة، بما يرفع عوائد السندات ويزيد تكلفة الاقتراض ويضغط على تقييمات الأسهم.

ويرى كبير الاقتصاديين الأميركيين في «دويتشه بنك»، ماثيو لوزيتي، أن رفع الفائدة مرة واحدة نادراً ما يكون كافياً لإحداث أثر ملموس في الاقتصاد، ما يجعل لغة «الفيدرالي» بشأن الخطوات التالية أهم من الزيادة الأولى نفسها.

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو الماضي (أ.ب)

الاختبار الحقيقي لوارش

في نهاية المطاف، لا يواجه وارش معادلة بسيطة بين كبح التضخم ودعم النمو، بل يواجه اختباراً أكثر تعقيداً: كيف يستخدم السياسة النقدية لمواجهة تضخم تتداخل في دفعه صدمات العرض مع قوة الطلب وتوقعات التضخم وظروف الأسواق المالية؟

فرفع الفائدة لن يخفض أسعار النفط مباشرة، ولن يلغي أثر الرسوم الجمركية، ولن يوقف طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. لكنه يظل الأداة المتاحة أمام «الفيدرالي» لمنع هذه الصدمات من الانتقال إلى سلوك سعري أكثر رسوخاً، أو إلى توقعات تضخمية يصعب كبحها لاحقاً.

ولهذا قد تكون رسالة وارش بعد القرار أهم من حجم الزيادة نفسها؛ فإذا أقنع الأسواق بأن التشديد محسوب ومتناسب مع مخاطر التضخم، وأنه لا يستهدف إضعاف الاقتصاد أكثر مما تقتضي الضرورة، فقد ينجح في احتواء الضغوط من دون التسبب في تباطؤ حاد.

أما إذا تحول رفع الفائدة إلى سلسلة طويلة من الزيادات في مواجهة تضخم تغذيه في الأساس عوامل لا تقع ضمن نطاق السياسة النقدية، فقد تنتقل المعركة من خفض التضخم إلى منع علاج التضخم من أن يصبح مصدراً جديداً لضعف النمو وسوق العمل.

ولا يقتصر اختبار وارش على هذه المعادلة الاقتصادية؛ فقراره يأتي أيضاً في ظل ضغوط سياسية من الرئيس دونالد ترمب لخفض أسعار الفائدة، ما يجعل أي مسار تشديدي جديد اختباراً لقدرة رئيس «الفيدرالي» على الموازنة بين احتواء التضخم والحفاظ على استقلالية البنك المركزي.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لوارش: أن يثبت أن السياسة النقدية تُحدَّد وفق مسار التضخم والاقتصاد، لا وفق الضغوط السياسية، وأن يحدد في الوقت نفسه متى تكون الفائدة أداة فعالة لكبح التضخم، ومتى يصبح استخدامها لمواجهة صدمات العرض تكلفته الاقتصادية أكبر من فائدته.