قبل أسابيع قليلة من انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، اجتاحت موجة جديدة وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما لجأت جماهير المنتخبات إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج أغانٍ وأناشيد خاصة بمنتخباتها، في ظاهرة تحولت بسرعة إلى واحدة من أبرز ملامح الحماسة الجماهيرية للمونديال المقبل.
وخلال الأيام الأخيرة، حصدت الأغاني المُنتجة بالذكاء الاصطناعي ملايين المشاهدات عبر منصات «يوتيوب» و«تيك توك» و«إنستغرام»، وسط تفاعل واسع من الجماهير، في وقت بدأت فيه هذه الظاهرة تثير نقاشات متزايدة حول حقوق الملكية الفكرية ومستقبل الإبداع الموسيقي.
ورغم إطلاق الأغنية الرسمية لكأس العالم من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، بالتعاون مع المغنيين جيلي رول وكارين ليون، إلى جانب طرح شاكيرا أغنية خاصة بالمونديال الأسبوع الماضي، فإن الأناشيد الجماهيرية المصنوعة بالذكاء الاصطناعي واصلت خطف الأضواء على المنصات الرقمية.
ويبدو أن بداية هذه الموجة جاءت من فرنسا، بعدما انتشرت في فبراير (شباط) الماضي أغنية بعنوان «إيمباتابل» مخصصة للمنتخب الفرنسي، أطلقها الفنان كريستالو، الذي يقدم نفسه عبر منصة «سبوتيفاي» بوصفه «أول صانع موسيقى بالذكاء الاصطناعي في فرنسا».
واستندت الأغنية إلى ترديد أسماء نجوم المنتخب الفرنسي، يتقدمهم كيليان مبابي، بأسلوب سريع وإيقاع جماهيري جذب ملايين المتابعين.
وسرعان ما انتقلت العدوى إلى البرازيل، حيث أطلق المنتج غييرمي مايا، المعروف فنياً باسم «M4IA»، أغنية مشابهة بإيقاع «فونك» برازيلي شهير، موضحاً أنه استخدم الذكاء الاصطناعي مساعداً لتركيب عناصر موسيقية مختلفة داخل العمل.
وبعد النجاح الكبير للأغنيتين، بدأت تظهر نسخ مشابهة لمنتخبات البرتغال والأرجنتين وألمانيا وكولومبيا وغيرها، مستخدمة تقريباً الأسلوب نفسه، من خلال ترديد أسماء اللاعبين قبل الإشارة إلى «ملك المنتخب»، سواء كان كريستيانو رونالدو في البرتغال أو ليونيل ميسي في الأرجنتين.
وقال المنتج البرازيلي مايا إن ما يحدث حالياً أقرب إلى «اتباع موجة رائجة» أو محاولة لإعادة إنتاج إحساس معيّن نجح جماهيرياً، مشيراً إلى أن التقليد الفني كان دائماً جزءاً من صناعة الموسيقى.
لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام أسئلة معقّدة تتعلق بالتأليف وحقوق النشر.
وأضاف: «في الموسيقى هناك قواعد واضحة. لا يمكنك نسخ عمل شخص آخر أو استخدام عينات موسيقية من دون إذن، حتى لو كان الذكاء الاصطناعي جزءاً من العملية».
وفي المقابل، يرى خبراء في تكنولوجيا الموسيقى أن هذه الظاهرة تكشف عن حجم الغموض القانوني المرتبط بالأعمال المُنتجة بالذكاء الاصطناعي.
وقال الأستاذ المساعد في تكنولوجيا الموسيقى بجامعة إنديانا، جايسون بالامارا، إن النماذج الحالية للذكاء الاصطناعي لا توضح بشكل كافٍ كيفية استخدام الأعمال الأصلية أو منح الفضل إلى صناعها الحقيقيين.
وأضاف: «هذه الأغاني جاءت من مكان ما. المشكلة أن النماذج الحالية لا تقدم شفافية كافية بشأن مصادر المواد التي بُنيت عليها».
وأشار بالامارا إلى أن الموسيقى المنتجة بالذكاء الاصطناعي قد تبدو أحياناً أقل تعقيداً وثراءً من الأعمال البشرية، لأنها تعتمد على تركيبات مبسطة وسريعة الإنتاج.
كما ظهرت بعض الأخطاء الواضحة في النسخ المنتشرة، مثل أداء أغنية المنتخب البرتغالي بلهجة برازيلية، أو نطق اسم النجم الكولومبي خاميس رودريغيز بالطريقة الإنجليزية «جيمس».
ورغم هذه الانتقادات، يرى آخرون أن الجماهير لا تبحث بالضرورة عن عمل موسيقي معقّد، بقدر ما تريد أغاني سهلة وسريعة يمكن ترديدها في المدرجات أو استخدامها عبر المنصات الاجتماعية.
وقال المدير التنفيذي لشركة «Beatdapp» المتخصصة في حقوق الموسيقى، مورغان هايدوك، إن كثيراً من الجماهير «لا تكترث فعلاً بالتفاصيل التقنية»، بقدر اهتمامها بالإيقاع والحماس المرتبطَين بالسياق الرياضي.
وأضاف أن الأغاني القصيرة والسريعة المرتبطة بالأحداث الرياضية تمثل حالياً واحدة من أوضح استخدامات الذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى.
وختم بالقول إن صناعة الموسيقى تواجه اليوم تحدياً حقيقياً لفهم طبيعة الأعمال المُولدة بالذكاء الاصطناعي، وكيفية التعامل معها قانونياً وفنياً في المستقبل، خاصة مع تحول هذه الأعمال إلى جزء متزايد الحضور في الثقافة الجماهيرية المرتبطة بكرة القدم.






