كيف تحوّلت الصين إلى الشريان الحيوي المموِّل لقطاع الطاقة الروسي منذ حرب أوكرانيا؟

الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

كيف تحوّلت الصين إلى الشريان الحيوي المموِّل لقطاع الطاقة الروسي منذ حرب أوكرانيا؟

الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)

رفعت الصين مشترياتها من النفط والغاز الروسي بشكل ملحوظ منذ بدء الصراع في أوكرانيا عام 2022، وذلك في إطار شراكة «بلا حدود» أعلنتها موسكو وبكين قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.

ويشكل ملف العلاقات الطموحة في مجال الطاقة، محوراً أساسياً وموضوعاً بالغ الأهمية على طاولة المباحثات الرسمية التي تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ، خلال قمتهما في بكين يوم الأربعاء، وسط تحولات دراماتيكية في خريطة الإمدادات العالمية، وفق «رويترز».

وعلى صعيد قطاع الغاز الطبيعي، تضخ شركة الطاقة الروسية العملاقة «غازبروم» الغاز إلى الصين عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا» الممتد بطول 3000 كيلومتر، بموجب صفقة تاريخية مدتها 30 عاماً، وبقيمة إجمالية تصل إلى 400 مليار دولار، جرى إطلاقها نهاية عام 2019.

وشهدت الصادرات عبر هذا الخط قفزة نوعية خلال عام 2025 بنحو الربع، لتصل إلى 38.8 مليار متر مكعب، متجاوزة الطاقة السنوية المخطط لها أصلاً للخط البالغة 38 مليار متر مكعب.

وخلال زيارة بوتين الأخيرة للصين في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتفق البلدان على زيادة الكميات السنوية عبر هذا المسار بمقدار 6 مليارات متر مكعب إضافية، لتصل إلى 44 مليار متر مكعب سنوياً، بالتوازي مع اتفاق سابق جرى في فبراير (شباط) 2022، تلتزم بموجبه الصين بشراء ما يصل إلى 10 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول عام 2027 عبر خط أنابيب من جزيرة ساخالين في الشرق الأقصى الروسي، وهي الكميات التي جرى رفع مستهدفاتها لاحقاً، لتصل إلى 12 مليار متر مكعب.

ورغم هذا النمو المتسارع، لا تزال صادرات الغاز الروسي إلى الصين، تمثل جزءاً صغيراً مقارنة بالحجم القياسي الذي كانت تشحنه موسكو سنوياً إلى أوروبا في عامي 2018 و2019، والبالغ 177 مليار متر مكعب.

يبيع متجر في شنغهاي بالصين صوراً لبوتين والرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى جانب صور أخرى لشخصيات مشهورة مصنوعة على الطراز الصيني التقليدي (إ.ب.أ)

بدائل أوروبا الصعبة ومفاوضات «قوة سيبيريا 2»

انكمشت حصة روسيا في واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز بشكل حاد خلال حرب أوكرانيا، لا سيما الإمدادات عبر خطوط الأنابيب، ورغم أن روسيا حافظت العام الماضي على مكانتها بوصفها ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي بحصة بلغت 16 في المائة، فإن الفجوة اتسعت بشكل كبير بينها وبين الشريك الرئيسي للاتحاد؛ الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا المشهد، تواصل روسيا والصين المفاوضات المعقدة بشأن خط أنابيب جديد مقترح؛ وهو «قوة سيبيريا 2»، القادر على نقل 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من روسيا إلى الصين عبر أراضي منغوليا. ورغم أن «غازبروم» بدأت دراسة الجدوى لهذا الخط منذ عام 2020، فإن المشروع اكتسب استعجالاً بدرجة قصوى مع تحول روسيا نحو الصين لتعويض خسارة سوقها الأوروبية الرئيسية؛ حيث أكد الرئيس التنفيذي للشركة، أليكسي ميلر، توقيع «مذكرة ملزمة قانوناً» بشأن الخط، لكن توقيع العقد النهائي الحاسم لا يزال مستعصياً حتى الآن.

وفي المقابل، ارتفعت صادرات روسيا من الغاز الطبيعي المسال عبر البحر إلى الصين العام الماضي، بنسبة 18.2 في المائة، لتصل إلى 9.79 مليون طن متري، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية، مما جعل روسيا ثالث أكبر مورد للغار المسال إلى الصين بعد أستراليا وقطر، في سوق تعدّ فيها بكين أكبر مشترٍ للغاز المنقول بحراً في العالم.

يسير الناس على طول الرصيف حيث يتم إنزال العلم الوطني الروسي الضخم الذي نصبته شركة «غازبروم» على ساحل خليج فنلندا في سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)

قفزة قياسية في مبيعات النفط مطلع 2026

أما على صعيد قطاع النفط، فتتربع الصين على قائمة كبار عملاء موسكو للشحنات النفطية المنقولة عبر البحر وخطوط الأنابيب، حيث ظلت الصادرات عند مستويات قياسية رغم العقوبات الغربية الصارمة المفروضة على روسيا.

وبلغت واردات الصين من النفط الروسي نحو 2.01 مليون برميل يومياً خلال عام 2025 (ما يعادل 100.72 مليون طن متري إجمالاً)، مسجلة تراجعاً طفيفاً بنسبة 7.1 في المائة، مقارنة بالفترات السابقة، لتشكل هذه الشحنات 20 في المائة من إجمالي حجم النفط المستورد في الصين.

ومع مطلع عام 2026، كشف يوري أوشاكوف، مستشار السياسة الخارجية للرئيس الروسي، عن قفزة عنيفة في صادرات النفط الروسية إلى الصين بنسبة 35 في المائة، خلال الربع الأول من العام الحالي، لتصل إلى 31 مليون طن.

وتشتري الصين، بصفتها أكبر مستورد للنفط في العالم، بشكل أساسي خام شرق سيبيريا والمحيط الهادئ (إيسبو) المصدر عبر تفريعة «سكوفورودينو - موهي» التابعة لخط أنابيب «إيسبو» البالغ طوله 4070 كيلومتراً، والذي يربط حقول النفط الروسية بالمصافي الصينية وميناء «كوزمينو» في الشرق الأقصى الروسي.

وأعلنت شركة تشغيل خطوط أنابيب النفط الروسية «ترانسنفت» أنها تعمل على توسيع هذا الخط لزيادة الصادرات عبر ميناء كوزمينو، مستهدفة استكمال أعمال التوسعة بالكامل بحلول عام 2029.

كما تستهلك الصين النفط المقبل من جزيرة ساخالين في المحيط الهادئ، خصوصاً مزيج ساخالين وخامات «صقول»، حيث حافظت إمدادات مزيج «إيسبو» على مستويات مرتفعة منذ يوليو (تموز) 2025، عندما تم توسيع الصادرات إلى مليون برميل يومياً، وهو المستوى الذي تثبت «ترانسنفت» الصادرات عنده حالياً.

وإلى جانب هذه المسارات، اتفقت روسيا على رفع صادراتها النفطية إلى الصين عبر أراضي كازاخستان من خلال خط أنابيب «أطاسو - ألاشانكو»، بمقدار 2.5 مليون طن سنوياً، لتصل إلى 12.5 مليون طن إجمالاً.


مقالات ذات صلة

أزمة الوقود في روسيا... حيل شعبية للسير وسط النقص المتزايد

أوروبا الناس يصطفون بسياراتهم في طوابير للتزود بالوقود في محطة وقود في ياروسلافل في روسيا يوم 15 يوليو 2026... فرضت روسيا - إحدى أكبر منتجي النفط في العالم - مجموعة من القيود على مبيعات البنزين في جميع أنحاء البلاد حيث أدت الضربات الأوكرانية على مصافيها ومستودعاتها وخطوطها اللوجستية إلى تقليص الإمدادات المحلية (أ.ف.ب)

أزمة الوقود في روسيا... حيل شعبية للسير وسط النقص المتزايد

تدفع أزمة نقص الوقود في روسيا بعض المواطنين إلى ابتكار وسائل غير تقليدية للحصول عليه، بينما تنتشر التعليقات الساخرة حول تداعيات الأزمة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء خارج الكرملين في يوم صيفي في وسط مدينة موسكو بروسيا يوم 26 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

تزايد الضغوط الداخلية في روسيا... الحرب الطويلة تضع بوتين أمام تحديات متصاعدة

بعد أكثر من 4 سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، تزداد مؤشرات الإرهاق داخل المجتمع الروسي، في وقت يواصل فيه الرئيس فلاديمير بوتين التأكيد على مواصلة الحرب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الروسي في العاصمة موسكو (إ.ب.أ)

«يوروكلير» تقاضي «المركزي» الروسي لإبطال تعويضات بـ220 مليار يورو

رفعت مؤسسة «يوروكلير» للمقاصة وتسوية المعاملات دعوى قضائية ضد البنك المركزي الروسي، أمام محكمة مدنية بلجيكية، بهدف منع تنفيذ حكم قضائي روسي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد سيارات تصطف داخل محطة وقود في روسيا (رويترز)

أزمة الوقود في روسيا تكشف عن عمق الضغوط على الاقتصاد الكلي

أصبح البنزين سلعة شحيحة في روسيا، وأصبحت طوابير السيارات الطويلة أمام محطات الوقود أبرز مظاهر الاختلال الاقتصادي في البلاد.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد رجلا أمن روسيان بجوار شاحنة صغيرة مزوَّدة بمدفع رشاش بالقرب من الكرملين (رويترز)

الكرملين: لا أسباب للتشكيك في استقرار الاقتصاد الروسي بوجه «تذبذبات النفط»

أكّد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، أن الاستقرار المالي والاقتصادي لبلاده مضمون تماماً، على الرغم من موجة التقلبات في سوق النفط...

«الشرق الأوسط» (موسكو)