«فوستوك أويل» يفتح لروسيا إقليماً نفطياً جديداً في القطب الشمالي

نحو 46 مليار دولار استثمارات ومشروع بطاقة تصديرية قد تصل إلى 100 مليون طن سنوياً

ناقلة نفط تبحر وسط الجليد في مياه القطب الشمالي (إكس)
ناقلة نفط تبحر وسط الجليد في مياه القطب الشمالي (إكس)
TT

«فوستوك أويل» يفتح لروسيا إقليماً نفطياً جديداً في القطب الشمالي

ناقلة نفط تبحر وسط الجليد في مياه القطب الشمالي (إكس)
ناقلة نفط تبحر وسط الجليد في مياه القطب الشمالي (إكس)

بدأت روسيا تشغيل مشروع «فوستوك أويل» العملاق في القطب الشمالي، في خطوة تفتح أمامها منطقة نفطية جديدة ذات أهمية استراتيجية للصناعة والطاقة والتصدير، وتدفع بتطوير مواردها الهائلة في أقصى شمال البلاد إلى مرحلة الإنتاج الفعلي.

وأطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عبر الاتصال المرئي، عملية تشغيل المشروع وتدشين أول شحنة نفط منه، بعدما بدأ الخام بالتدفق عبر خط الأنابيب الرئيسي إلى محطة «بوختا سيفير» على ساحل المحيط المتجمد الشمالي، حيث جرى تحميله على ناقلة النفط القطبية «فالنتين بيكول».

ووصف بوتين إطلاق المشروع التابع لشركة «روزنفت»، بأنه خطوة مهمة في تطوير إقليم نفطي وغازي جديد ذي أهمية عالمية، مشيراً إلى أن تشغيل خط الأنابيب ووصول النفط إلى المحطة القطبية يمثلان مرحلة رئيسية في تنفيذ المشروع.

7 مليارات طن من النفط

وتقول شركة «روسنفت» إن قاعدة الموارد في «فوستوك أويل» تبلغ نحو 7 مليارات طن من النفط عالي الجودة، مع محتوى منخفض للغاية من الكبريت يتراوح بين 0.01 و0.1 في المائة.

ويمثل حجم الموارد أحد أبرز عناصر أهمية المشروع بالنسبة إلى روسيا، إذ لا يتعلق الأمر بحقل نفطي منفرد، بل بتطوير إقليم نفطي متكامل يضم مجموعة واسعة من الحقول والبنية التحتية للإنتاج والنقل والطاقة والموانئ.

وأعلنت «روسنفت» في بيان نشرته يوم الأحد تشغيل أكثر من 2000 بئر ضمن المشروع حتى الآن، مع استخدام منصات حفر قطبية روسية الصنع صممت خصيصاً للعمل في الظروف المناخية القاسية لمنطقة تايمير.

خط أنابيب إلى المحيط المتجمد الشمالي

وتشكل البنية التحتية للنقل أحد المكونات الأساسية للمشروع، إذ أنشأت روسيا خط أنابيب فانكور–باياخا–بوختا سيفير بطول يبلغ نحو 790 كيلومتراً، وبطاقة تصميمية تصل إلى 100 مليون طن من النفط سنوياً.

ويمتد جزء كبير من الخط، بطول 414 كيلومتراً، بنظام مزدوج، كما يتضمن عبوراً أسفل نهر ينيسي لمسافة 6 كيلومترات وعلى عمق يقارب 50 متراً.

وفي نهايته، ترتبط المنظومة بميناء «بوختا سيفير»، الذي صمم للعمل على مدار العام رغم الظروف الجليدية الصعبة في القطب الشمالي.

ويضم المجمع حالياً رصيفاً لتحميل النفط، ورصيفين للشحن، ورصيفاً للأسطول البحري، إضافة إلى 14 خزاناً لتخزين النفط، بسعة 30 ألف طن لكل منها. وتستهدف الخطة النهائية رفع عدد الخزانات إلى 102 خزان.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر عبر تقنية الفيديو إطلاق خط الأنابيب الرئيسي لمشروع «فوستوك» النفطي التابع لشركة «روسنفت» (إ.ب.أ)

30 مليون طن في 2027

وتتوقع «روسنفت» أن يبدأ المشروع في إيصال نحو 30 مليون طن من النفط إلى المستهلكين في النصف الثاني من عام 2027، على أن ترتفع الكمية إلى 50 مليون طن بحلول 2030. وقد تصل الإمدادات في مرحلة لاحقة إلى 100 مليون طن سنوياً، وفقاً لظروف السوق والجدوى الاقتصادية.

وتعني هذه الأرقام أن «فوستوك أويل» قد يتحول، عند اكتمال تطويره، إلى أحد أكبر مصادر الإمدادات الجديدة لروسيا، مع مشروع مصمم للعمل على مدى قرن، بحسب «روسنفت»، مع إمكانية تمديد عمره من خلال عمليات استكشاف إضافية.

4 تريليونات روبل

ووصل إجمالي الاستثمارات في المشروع المتكامل إلى نحو 4 تريليونات روبل (46.2 مليار دولار)، وفق «روسنفت»، التي تؤكد أن المعدات المستخدمة في المشروع مصنعة محلياً.

ولا يقتصر الاستثمار على آبار النفط وخطوط الأنابيب، إذ يتضمن المشروع إنشاء منظومة واسعة من البنية التحتية للطاقة والنقل والاتصالات والخدمات اللوجستية.

وتبلغ قدرات التوليد والطاقة الجديدة المرتبطة بالمشروع نحو 3.5 غيغاواط، موزعة على 15 منطقة طاقة محلية و16 محطة توليد، إضافة إلى نحو 9 آلاف كيلومتر من خطوط نقل الكهرباء.

كما يجري بناء محطة رياح بقدرة 50 ميغاواط، مع خطط لرفعها إلى 200 ميغاواط، في محاولة لتوفير جزء من احتياجات المشروع من الطاقة في منطقة تتمتع بإمكانات رياح مرتفعة.

ميناء قطبي وناقلات روسية

ويمنح ميناء «بوختا سيفير» المشروع أهمية إضافية، إذ يتيح نقل الخام مباشرة من منطقة الإنتاج إلى ناقلات قادرة على العمل في المياه القطبية.

وخلال مراسم التدشين، بدأ تحميل أول شحنة على الناقلة «فالنتين بيكول» من فئة Arc7 المخصصة للملاحة في الجليد، على أن تستقبل الناقلة «أكاديميك غوبكين» من طراز «أفراماكس» شحنة لاحقة.

واللافت أن الناقلتين بنيتا في حوض «زفيزدا» الروسي، الذي تديره «روسنفت»، في مؤشر على محاولة موسكو بناء سلسلة إمداد متكاملة محلياً للمشروع، من الحفر والإنتاج وصولاً إلى النقل البحري.

رهان روسي على القطب الشمالي

وتتجاوز أهمية «فوستوك أويل» حدود زيادة إنتاج النفط الروسي. فالمشروع يمثل جزءاً من رهان موسكو الأوسع على القطب الشمالي باعتباره منطقة استراتيجية للطاقة والنقل والتنمية الصناعية.

فإقامة شبكة من خطوط الأنابيب والموانئ والطاقة والاتصالات والمطارات في منطقة نائية وصعبة المناخ تعني تطوير بنية تحتية يمكن أن تخدم، إلى جانب المشروع النفطي، نشاطاً اقتصادياً أوسع في شمال روسيا.

ويشمل ذلك إنشاء مطار جديد بمدرج يبلغ طوله 3500 متر، إضافة إلى شبكة اتصالات بالأقمار الاصطناعية وخط ألياف ضوئية يمتد لنحو 850 كيلومتراً من كراسنويارسك.

مشروع يتجاوز النفط

ويشارك أكثر من 50 ألف شخص ونحو 16280 وحدة من المعدات في منشآت «فوستوك أويل» حالياً، فيما يجري تشغيل أربعة مخيمات ميدانية مجهزة بأنظمة دعم حياة وخدمات رقمية وطبية، مع خطط لإنشاء 15 مخيماً.

وبالنسبة إلى موسكو، فإن المشروع لا يمثل مجرد مصدر جديد للخام، بل منصة صناعية متكاملة تهدف إلى توسيع قاعدة الإنتاج الروسية وتعزيز الطلب على المعدات والخدمات المحلية.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«روسنفت» إيغور سيتشين إن كل روبل مستثمر في المشروع يولد طلباً على السلع والخدمات المنتجة محلياً، مع تأثير مضاعف على الاقتصاد الروسي.

وبدخول أول نفط إلى خط الأنابيب ووصوله إلى المحطة القطبية، تنتقل «فوستوك أويل» من مرحلة البناء المكثَّف إلى مرحلة الإنتاج والتصدير، في واحدة من أكبر رهانات روسيا على موارد القطب الشمالي خلال العقود المقبلة.


مقالات ذات صلة

سيول: شحنات الديزل المزعومة إلى روسيا لا تخضع لحظر التصدير

الاقتصاد شخص (يسار) ينتظر في محطة حافلات في منطقة غانغنام في سيول (أ.ف.ب)

سيول: شحنات الديزل المزعومة إلى روسيا لا تخضع لحظر التصدير

قالت كوريا الجنوبية، الخميس، إن شحنات الديزل التي يُزعم أنها أُرسلت إلى روسيا لا تخضع لقيود التصدير الكورية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
عالم الاعمال شركات روسية تعرض منتجاتها في «سعودي فود شو 2026»

شركات روسية تعرض منتجاتها في «سعودي فود شو 2026»

استقطب معرض «سعودي فود شو 2026» في جدة أكثر من ألف عارض من 95 دولة، من بينهم 19 شركة روسية شاركت تحت مظلة «صُنع في روسيا».

الاقتصاد مركز «موسكو سيتي» للأعمال خلف جدار الكرملين في موسكو (رويترز)

قطاع الخدمات الروسي يواصل النمو للشهر الثاني على التوالي في سبتمبر

توسّع نشاط قطاع الخدمات في روسيا، للشهر الثاني على التوالي، خلال سبتمبر، مع ارتفاع الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة منذ فبراير.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد ناطحات سحاب مركز موسكو الدولي للأعمال (رويترز)

روسيا تمدّد حظر صادرات الديزل حتى نهاية أكتوبر

مدّدت الحكومة الروسية حظراً على صادرات الديزل من جانب منتجي الوقود حتى نهاية أكتوبر، في خطوة تهدف إلى دعم الإمدادات المحلية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد متسوقة أمام أرفف تحتوي البيض بمحل بقالة في سان بطرسبرغ بروسيا (رويترز)

«المركزي» الروسي: توقعات «التضخم لدى الأسر» ترتفع إلى 14.2 % خلال سبتمبر

قال «البنك المركزي الروسي»، الثلاثاء، إن توقعات التضخم لدى الأسر ارتفعت إلى 14.2 في المائة خلال سبتمبر (أيلول) الحالي، مقارنة بـ13.7 في المائة خلال أغسطس (آب).

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
TT

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية في العملات المشفرة، وفق ما أفاد به مسؤول في البيت الأبيض «رويترز»، في إطار فعالية أوسع نطاقاً بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية.

ومن المتوقع أن يستعرض ترمب وعدد من أعضاء حكومته، خلال فعالية في البيت الأبيض، جهود الحكومة لمصادرة مواقع إلكترونية تُستخدم في عمليات احتيال استثماري بالعملات المشفرة، إلى جانب المساعي الرامية إلى وقف عمليات الاحتيال عبر انتحال الهوية على الإنترنت، وفق المسؤول.

وأضاف مسؤول في الإدارة الأميركية أن من المتوقع حضور وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين، ومدير «مكتب التحقيقات الاتحادي» كاش باتيل، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمدعي العام تود بلانش. كما يُتوقع حضور كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ونائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، والمدير الوطني لـ«الأمن السيبراني» شون كيرنكروس.

وقدّم الأميركيون أكثر من مليون شكوى إلى «مكتب التحقيقات الاتحادي» بشأن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت العام الماضي، بزيادة قدرها 17 في المائة مقارنة بعام 2024، وفقاً لتقرير صادر عن «المكتب» أشار أيضاً إلى أن الخسائر المالية التي أبلغ عنها المشتكون بلغت مستويات قياسية.

وتشارك عائلة ترمب على نطاق واسع في استقطاب استثمارات العملات المشفرة.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن ترمب ونجليه أضافوا ما لا يقل عن 2.3 مليار دولار إلى ثروة العائلة من خلال مشروعاتهم الرئيسية في مجال العملات المشفرة، في حين تكبّد المستثمرون الذين استقطبتهم العائلة خسائر بلغت 2.3 مليار دولار.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في بيان لـ«رويترز» رداً على التحقيق، إن «جميع الإجراءات التي يتخذها الرئيس ترمب وإدارته تصب في مصلحة الشعب الأميركي».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أصدر ترمب عفواً عن تشانغبينغ تشاو، المؤسس المدان لمنصة «بينانس» لتداول العملات المشفرة، بعدما ترك منصبه إثر إقرار الشركة بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في الحفاظ على برنامج فعّال لمكافحة غسل الأموال.

وفي مارس (آذار) الماضي، وجّه ترمب وزارة العدل، بموجب أمر تنفيذي، إلى إعطاء الأولوية لتحديد هوية المحتالين الذين يرتكبون جرائم عبر الإنترنت وملاحقتهم قضائياً. كما وجّه لاحقاً وزارة الأمن الداخلي إلى العمل مع شركات خاصة لمراقبة مجموعات القرصنة الإلكترونية الأجنبية.


تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي بأكثر من التوقعات، في حين ارتفعت مخزونات المقطرات.

وأوضحت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام تراجعت بمقدار 3.06 مليون برميل لتصل إلى 412.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بانخفاض قدره 820 ألف برميل.

كما أشارت الإدارة إلى ارتفاع مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 987 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات النفط الخام التي تمت معالجتها في المصافي ارتفعت بمقدار 34 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 93.4 في المائة. وفقاً للبيانات.

وفيما يتعلق بالبنزين، أفادت الإدارة بأن المخزونات الأميركية انخفضت بمقدار 2.95 مليون برميل لتصل إلى 205.3 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 443 ألف برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات المقطرات -التي تشمل الديزل وزيت التدفئة- بمقدار 1.68 مليون برميل لتصل إلى 104.3 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات كانت تشير إلى انخفاض قدره 1.16 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 837 ألف برميل يومياً.

وعلى الفور، تحولت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي إلى الارتفاع وسط تداولات متقلبة شهدتها جلسة الأربعاء، وذلك فور صدور التقرير.


ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
TT

ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً للطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، بما قد ينعكس على صياغة القانون المرتقب والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق تمويلي.

ويعيد القرار مصرف لبنان إلى موقع محوري في إدارة عملية إعادة هيكلة المصارف، في تطور تتجاوز تداعياته قانون إصلاح المصارف إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يُعدّ من المرتكزات الأساسية لمعالجة الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات عن الخسائر وتوزيع أعبائها.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للقرار في إعادة الاعتبار إلى المضمون الأساسي للقانون رقم 23، الصادر في صيف العام الماضي، والذي يُلزم بالتقيد بأحكام قانون النقد والتسليف، ويستهدف «تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثر». وبذلك، يشطب القرار عملياً استهلالية التعديل المطعون به، والتي نصت على «وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وليس خافياً، وفق قراءة مسؤول مالي معنيّ، أن تداعيات القرار لا تقتصر على بُعده القانوني البحت، ولا على واقع الرفض الضمني للتعديل الوارد من قبل فريق الصندوق الدولي، بل تمتدّ تلقائياً إلى اختلاف المقاربات السياسية والقطاعية في إعداد مندرجات مشروع قانون الفجوة المالية الذي يفترض أن تشرع اللجان النيابية بمناقشته قريباً، سواء بنسخته المحالة من الحكومة بنهاية العام الماضي، أو بعد اكتمال المراجعة المرتقبة من قبل الفريق الاقتصادي الحكومي، وبالاستناد إلى خلاصات المداولات مع حاكمية البنك المركزي ومؤسسات مالية دولية.

ويشير المسؤول المالي إلى أن القرار يشدد الضوابط القضائية على مسار المعالجات المطروحة، ويتكامل في هذا السياق مع مطالعة سابقة لمجلس شورى الدولة، تم إعادة تثبيتها قبل أشهر، وتقضي بأنه لا يمكن شطب الودائع أو إلغاء ديون والتزامات مصرف لبنان المركزي بقرار حكومي دون سند تشريعي صريح وضمانات دستورية تحفظ حق الملكية الفردية. كما رفض المجلس تحميل المودعين وحدهم كلفة الخسائر المالية، مؤكداً مسؤولية الدولة ومصرف لبنان في الأزمة المالية.

بذلك، اكتسبت الخشية من العودة إلى نقطة «الصفر» التي أوردتها «الشرق الأوسط» ضمن ترقباتها المسبقة لمنحى القرار، دفعاً قوياً بتأثيره الفوري واللاحق على القانون الارتكازي لمعالجة الفجوة، ولا سيما لجهة وصف المسؤوليات، وبالتبعية تحديد الأحمال على ثلاثي الدولة، والبنك المركزي، والمصارف، فيما تنحو توجيهات صندوق النقد، بتأييد حكومي غير مضمر وفقاً لما ورد في مشروع القانون، إلى تضييق المساهمة بالأموال العامة لأبعد حدود.

الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ومن المرجح، حسب مصادر معنية ومنحى المعطيات المحدثة، انحسار التطلعات لتجديد عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد خلال الأشهر القليلة المقبلة، بالنظر إلى ربط توقيعه بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، والمشروط قانونياً بصدور قانون معالجة الفجوة المالية، مع اشتراط توافقها مع المعايير الدولية. فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وتكشف الأرقام المرتبطة بالفجوة المالية عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة اللبنانية في ظل الضغوط المتواصلة من صندوق النقد الدولي، وسط تباين في وجهات النظر بشأن كيفية توزيع الخسائر ومعالجة العجز المالي لدى الأطراف المعنية، وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وفي خضم هذه الخلافات، تبقى حقوق المودعين معلّقة إلى حين إقرار القانون الذي يحدد آليات التعامل مع مدخراتهم العالقة، المقدّرة بنحو 80 مليار دولار.

ويقابل هذه الودائع حجم مماثل من توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، استُخدم معظمها في تمويل الدولة، التي استجرّت أموالاً تُقدّر بنحو 64 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المالية للأزمة.

وفي الأساس، ثمة «فجوة» عميقة في توصيف الأزمة وخلفياتها، حسب المسؤول المالي المعني، بينما تفترض التداعيات وموجبات إيفاء الحقوق، التوافق الناجز على تعريف «الأزمة النظامية» التي أقر بها صندوق النقد، وباعتبار أن المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، وفق تأكيد حاكم المركزي، كريم سعيد، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها، وصولاّ إلى انهيار شامل. كما ينبغي التنويه في سياق المقاربات العلاجية، بأن تخلّف الدولة عن سداد السندات الدولية في ربيع عام 2020، والبالغة حينها نحو 31 مليار دولار، ثم انهيار سعر صرف العملة الوطنية بنسبة قاربت 98 في المائة، الذي محا تقريباً ديون الدولة بالليرة، منحا الدولة فترة سماح طويلة نسبياً لعزل موجبات الديون عن الموازنة العامة، لكن ذلك يؤجل الاستحقاقات فقط ولا يشطبها، بأي حال، مع وجود شريحة واسعة من الدائنين الدوليين، مما يوجب ضم الملف إلى مشروع قانون الانتظام المالي.