الاقتصاد الياباني يتجاوز التوقعات... وعواصف الشرق الأوسط تُهدد مسار نموه

يستريح المحتفلون بعد حملهم «ميكوشي»، وهو ضريح متنقل، خلال مهرجان سانجا ماتسوري، أحد أكبر ثلاثة مهرجانات «شينتو» في طوكيو، في حي أساكوسا (رويترز)
يستريح المحتفلون بعد حملهم «ميكوشي»، وهو ضريح متنقل، خلال مهرجان سانجا ماتسوري، أحد أكبر ثلاثة مهرجانات «شينتو» في طوكيو، في حي أساكوسا (رويترز)
TT

الاقتصاد الياباني يتجاوز التوقعات... وعواصف الشرق الأوسط تُهدد مسار نموه

يستريح المحتفلون بعد حملهم «ميكوشي»، وهو ضريح متنقل، خلال مهرجان سانجا ماتسوري، أحد أكبر ثلاثة مهرجانات «شينتو» في طوكيو، في حي أساكوسا (رويترز)
يستريح المحتفلون بعد حملهم «ميكوشي»، وهو ضريح متنقل، خلال مهرجان سانجا ماتسوري، أحد أكبر ثلاثة مهرجانات «شينتو» في طوكيو، في حي أساكوسا (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية، يوم الثلاثاء، أن الاقتصاد الياباني سجّل نمواً أسرع من المتوقع خلال الربع الأول من العام الجاري، مدفوعاً بصلابة الصادرات ومعدلات الاستهلاك. ومع ذلك، فإن هذا الزخم يواجه اختباراً عسيراً في الفترات القادمة مع بدء التدفق الكامل لتبعات صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في إيران وتأثيرها المباشر على الشركات والمستهلكين.

وتُعد هذه البيانات أحد العوامل الرئيسية التي سيدرسها بنك اليابان المركزي بعناية لتحديد مدى قدرة الاقتصاد على الصمود أمام أزمة الطاقة الحالية، وهو ما قد يمنحه الضوء الأخضر لرفع أسعار الفائدة في وقت مبكر قد يكون الشهر المقبل.

وفي تعليق على هذه الأرقام، قال يوشيكي شينكي، كبير الاقتصاديين التنفيذيين في معهد «داي إتشي لايف» للأبحاث: «تظهر بيانات اليوم أن الاقتصاد كان يرتكز على أرضية صلبة قبل اندلاع حرب إيران، مما يعني امتلاكه بعض المصدات لمواجهة صدمة الطاقة».

وأضاف: «قد ينكمش الاقتصاد في الربع الثاني، ولكن إذا اقتصر الأمر على ارتفاع الأسعار بشكل عام، فمن المحتمل أن يستأنف مسار التعافي بعد ذلك. أما إذا حدثت اضطرابات ضخمة في سلاسل الإمداد، فإن الضرر الذي سيلحق بالنمو قد يكون شديداً لدرجة تمنع بنك اليابان من رفع أسعار الفائدة في يونيو (حزيران)».

... بالأرقام

تفصيلاً، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان نمواً بنسبة سنوية بلغت 2.1 في المائة، متجاوزاً متوسط توقعات السوق التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 1.7 في المائة، ومقارنة بالقراءة المعدلة للربع السابق (أكتوبر - ديسمبر) التي سجلت نمواً بنسبة 0.8 في المائة.

ويأتي هذا التوسع للربع الثاني على التوالي في رابع أكبر اقتصاد في العالم مدعوماً بقوة الصادرات، حيث أضاف صافي الطلب الخارجي 0.3 نقطة مئوية إلى معدل النمو الإجمالي. كما سجل كل من الاستهلاك الخاص والإنفاق الرأسمالي نمواً بنسبة 0.3 في المائة مقارنة بالربع السابق، مما يشير إلى أن الأرباح القوية للشركات والمكاسب المستقرة في الأجور كانت تدعم التعافي بشكل جيد.

تباطؤ متوقع

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، يتوقع المحللون تباطؤ النمو في الفصول القادمة مع اشتداد تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، والذي تسبب في اضطراب غير مسبوق في إمدادات الطاقة العالمية.

وفي هذا الصدد، كتب محللون في «أوكسفورد إيكونوميكس» في مذكرة بحثية: «نعتقد أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول أصبحت بالفعل جزءاً من الماضي، ونتوقع أن يبدأ الاقتصاد في الشعور بضغوط التكاليف المرتفعة للطاقة قريباً، حيث ستؤدي الأسعار المرتفعة وحالة عدم اليقين المتزايدة إلى الحد من الاستهلاك والاستثمار في المدى المنظور».

من جهة أخرى، تجاهلت الأسواق المالية بيانات الناتج المحلي الإجمالي إلى حد كبير، حيث انصب تركيز المستثمرين بدلاً من ذلك على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتعليق ضربة عسكرية كانت مخططة ضد إيران، مما ترك الأسهم الآسيوية دون اتجاه واضح ومنح السندات أرضية أكثر ثباتاً. وتسبب الطلب على الدولار كملاذ آمن في دفع الين الياباني للهبوط إلى مستوى 159 يناً للدولار، مما أبقى المتعاملين في حالة تأهب لاحتمال تدخل السلطات اليابانية بشراء الين. ويُعتقد أن طوكيو أنفقت ما يقرب من 10 تريليونات ين في موجة التدخل الأخيرة لدعم العملة اليابانية المتعثرة، حيث يؤدي ضعفها المستمر إلى إذكاء الضغوط التضخمية من خلال زيادة تكلفة الواردات.

عام صلب بانتظار صناع السياسة

وقد أدت الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط)، وإغلاق طهران الفعلي لمضيق هرمز -الذي يمر عبره عادة خمس النفط والغاز العالمي- إلى قفزة حادة في الأسعار وأثارت مخاوف من حدوث اضطراب كبير في تدفقات الطاقة.

وتبرز اليابان كواحدة من أكثر الدول عرضة لهذه المخاطر نظراً لاعتمادها الشديد على نفط الشرق الأوسط؛ حيث تتسبب تكاليف الوقود المرتفعة في إذكاء التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للأسر، وتقليص هوامش ربح الشركات، وهو مزيج يرفع من مخاطر حدوث ركود اقتصادي حاد إذا استمرت الاضطرابات.

وبدأ هذا التحول في الآفاق الاقتصادية يلقي بظلاله بالفعل على توقعات السياسة النقدية، حيث كان بنك اليابان قد كثف إشاراته التيسيرية المتشددة التي دفعت الأسواق لترجيح فرصة قوية لرفع أسعار الفائدة في يونيو (حزيران).

من جانبها، تستعد الحكومة لإعداد ميزانية إضافية لتخفيف الصدمة الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع تكاليف الوقود، وهي خطوة من شأنها أن تزيد الضغط على المالية العامة المتدهورة لليابان بالفعل.

وفي بيان صدر عقب إعلان بيانات الناتج المحلي الإجمالي، دعا وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي إلى توخي الحذر الشديد واليقظة بشأن التأثيرات السلبية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وفي ختام المشهد، قال ستيفان أنغريك، رئيس اقتصاد اليابان والأسواق الناشئة في «موديز أناليتكس»: «تبدو الآفاق المستقبلية للفصول القادمة مليئة بالتحديات بشكل لا يصدق، حيث يدفع الصراع أسعار السلع الأساسية للارتفاع، بينما يحافظ التضخم على بطء نمو الأجور الحقيقية».

وأضاف: «إن الدعم المالي المتواضع للأسر والدفاع والاستثمار الاستراتيجي من شأنه أن يمنع الاقتصاد من الخروج عن مساره، ولكن القائمة المتزايدة من الرياح المعاكسة تشير إلى أن اليابان مقبلة على عام صعب».


مقالات ذات صلة

التضخم يحاصر اليابان ويدفع عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات إلى 2.69 %

الاقتصاد مشاة يمرون أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)

التضخم يحاصر اليابان ويدفع عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات إلى 2.69 %

تسارعت معدلات تضخم أسعار الجملة في اليابان خلال مايو الماضي بأسرع وتيرة لها منذ 3 سنوات تحت ضغط صدمة أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شمال افريقيا محادثات مصرية في طوكيو لإنشاء منطقة صناعية يابانية في قناة السويس (الخارجية المصرية)

مصر تدعو اليابان للاستثمار صناعياً في مشروعات «قناة السويس»

دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع اليابان، بما في ذلك إنشاء منطقة صناعية يابانية في «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره الياباني خلال الجولة الثالثة من الحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

مصر واليابان... حوار استراتيجي يعزز الشراكة على وقع أزمات دولية

جولة ثالثة من الحوار الاستراتيجي بين مصر واليابان، استضافتها طوكيو، الأربعاء، أسفرت عن التوقيع على الإطار التمهيدي للشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد ناقلة نفط خام عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط السعودي لدى وصولها إلى مصفاة قبالة تشيتا بمحافظة آيتشي في اليابان (أ.ب)

رغم التراجع جراء حصار «هرمز»... النفط السعودي يهيمن على 45 % من واردات اليابان

أظهرت بيانات رسمية تربع النفط السعودي على عرش إمدادات الخام إلى اليابان خلال شهر أبريل 2026.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «نومورا» بمقرها الرئيسي في أوتيماتشي بطوكيو (رويترز)

«نومورا» ترفع مستهدف أرباحها بـ50 % حتى عام 2031

رفعت مجموعة «نومورا القابضة» مستهدف أرباحها بنسبة 50 في المائة، في إشارة قوية تعكس ثقة أكبر بنك استثماري وشركة وساطة في اليابان بمسار تحولها الهيكلي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
TT

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)

واصلت أسعار النفط العالمية قفزاتها السريعة في التعاملات الفورية يوم الأربعاء، لتسجل مكاسب قوية فور صدور تصريحات وصفت بالمشددة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدّد فيها بشن ضربات عسكرية جديدة ضد أهداف حيوية في إيران، مما أشعل المخاوف مجدداً في أسواق الطاقة العالمية من تفاقم الصراع الإقليمي وتعميق أزمة الإمدادات.

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة 1.8 في المائة، ليتجاوز سعره حاجز 93 دولاراً للبرميل. وفي السياق ذاته، عزز خام غرب تكساس الوسيط (الخام الأميركي الخفيف) من مكاسبه مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2 في المائة، ليصل إلى مستوى 90 دولاراً للبرميل، وسط إقبال واسع من المستثمرين على تحوط مراكزهم المالية لمواجهة أي قفزات مفاجئة في كُلف الطاقة.

وجاء هذا الاشتعال المفاجئ في الأسواق عقب تصريحات أدلى بها ترمب في مقابلة هاتفية مع شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية ونقلتها وكالة «رويترز»، أشار فيها إلى أنه قد يصدر أوامر بشن ضربات عسكرية جديدة تستهدف محطات الطاقة والجسور الحيوية في إيران.

وعزا ترمب لجوءه إلى هذا الخيار التحذيري الصارم إلى أن طهران تستغرق وقتاً أطول مما ينبغي وتتباطأ في المضي قدماً نحو إبرام اتفاق نهائي لإنهاء الصراع الجاري، وهو ما اعتبره المتابعون مؤشراً على دخول حرب الخليج الثالثة مرحلة جديدة من التصعيد التشغيلي الذي قد يطال البنية التحتية الأساسية للطاقة في المنطقة.


«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
TT

«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)

تستعد شركة «سبايس إكس»، التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، لدخول التاريخ المالي العالمي من أوسع أبوابه، بعدما اجتذب اكتتابها العام الأولي طلبات شراء تجاوزت 250 مليار دولار، في حين لا تستهدف الشركة جمع أكثر من 75 مليار دولار؛ مما يجعل الطرح مرشحاً ليصبح الأكبر في تاريخ أسواق المال العالمية.

وتشير مصادر مصرفية ومستثمرون مشاركون في عملية التسويق إلى أن الاكتتاب تجاوز حجمه المستهدف بما يتراوح بين 3.5 ضعف و4 أضعاف، وهو مستوى طلب نادر حتى في أكبر الطروحات العالمية، ويعكس الرهان الاستثنائي للمستثمرين على مستقبل الشركة التي أعادت رسم ملامح صناعة الفضاء خلال العقدين الماضيين.

وتتوقع الأسواق أن يتم تسعير الطرح النهائي الخميس، على أن تُحدد بعد ذلك الحصص النهائية للمستثمرين المؤسسيين والأفراد، في وقت لا تزال فيه طلبات جديدة تتدفق على مديري الاكتتاب بقيادة «مورغان ستانلي».

ووفق مصادر مطلعة تحدثت إلى «رويترز»، فإن صناديق استثمار طويلة الأجل قدمت طلبات شراء ضخمة، فيما شارك ماسك شخصياً لفترات وجيزة في اجتماعات افتراضية مع مستثمرين محتملين خلال الجولة الترويجية للاكتتاب. كما استضاف «مورغان ستانلي» اجتماع غداء موسعاً في مانهاتن حضره نحو 300 مستثمر مؤسسي، بمشاركة رئيسة «سبايس إكس» غوين شوتويل، والمدير المالي بريت جونسون، في مؤشر على حجم الاهتمام غير المسبوق بالطرح.

إطلاق صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبايس إكس» من قاعدة «كيب كانفيرال» بولاية فلوريدا الأميركية (أ.ف.ب)

طلب استثنائي رغم اضطراب الأسواق

يأتي هذا الإقبال في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من التقلب الحاد. فقد تعرض مؤشر «ناسداك» لضغوط بيعية قوية خلال الأيام الماضية، كما تراجع سعر «بتكوين» إلى مستويات تقل بنحو 37 في المائة عن الذروة التي سجلها مطلع العام... بل إن بعض المحللين ربطوا جانباً من موجة البيع الأخيرة في الأسواق بعمليات تسييل أصول من قبل مستثمرين يسعون لتوفير السيولة اللازمة للمشاركة في اكتتاب «سبايس إكس».

ويعكس ذلك حجم الجاذبية التي يمثلها الطرح بالنسبة إلى المؤسسات الاستثمارية العالمية، التي تنظر إلى الشركة ليس فقط بوصفها شركة إطلاق صواريخ، وإنما منصة تكنولوجية عملاقة قد تستفيد من عدد من أكبر التحولات الاقتصادية خلال العقود المقبلة.

من الصواريخ إلى الذكاء الاصطناعي

وخلال الوثائق والعروض الترويجية المقدمة للمستثمرين، ركزت «سبايس إكس» على 3 محركات رئيسية للنمو المستقبلي: خدمات الإنترنت الفضائي عبر «ستارلينك»، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الحاسوبية في الفضاء.

وتقول الشركة إنها أصبحت اللاعب المهيمن عالمياً في سوق الإطلاق الفضائي، بعدما استحوذت خلال السنوات الثلاث الماضية على أكبر حصة من الكتل المرسلة إلى المدار مقارنة بأي جهة أخرى في العالم. لكن الرهان الأكبر بالنسبة إلى المستثمرين لا يرتبط بالصواريخ وحدها؛ فالشركة تروج لرؤية تعدّ أن مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي سيحتاج إلى طاقات حوسبة وكهرباء تفوق بكثير ما تستطيع البنية التحتية الأرضية الحالية توفيره.

نماذج لصواريخ «ستارشيب» في قاعدة «سبايس إكس» بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

وتشير «سبايس إكس» إلى أن الولايات المتحدة بدأت تتخلف عن الصين في وتيرة توسع قدرات توليد الكهرباء والبنية الحاسوبية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملاقة. ومن هنا تطرح الشركة تصوراً طموحاً يقوم على بناء مراكز بيانات وبنى تحتية حاسوبية في الفضاء، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإطلاق التي حققتها عبر إعادة استخدام الصواريخ.

وتقدّر الشركة أن الفرصة السوقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تصل إلى نحو 23 تريليون دولار مستقبلاً، مؤكدة أنها تمتلك موقعاً فريداً يؤهلها للاستفادة من هذا التحول. وفي الوقت نفسه، تواصل «ستارلينك» لعب دور أساسي في قصة النمو، حيث تؤكد الشركة أنها تسعى إلى ربط أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم لا يزالون خارج نطاق خدمات الإنترنت عالية الجودة.

تمويل أحلام المريخ

لا يقتصر الطرح على تمويل عمليات الشركة الحالية، بل يرتبط أيضاً بأعلى مشروعات ماسك طموحاً. فوفق مصادر مطلعة، فإن من المتوقع أن تُستخدم حصيلة الطرح في تمويل تطوير مراكز البيانات الفضائية وتسريع برامج استكشاف الفضاء، بما في ذلك خطط إرسال البشر والبضائع إلى المريخ عبر صاروخ «ستارشيب». ويُعدّ «ستارشيب» أكبر صاروخ جرى تطويره في التاريخ، وتراهن عليه الشركة ليكون حجر الأساس في خطط الاستيطان البشري خارج الأرض.

ظاهرة مالية عالمية

ولم يقتصر تأثير الاكتتاب على الأسواق الأميركية وحدها... ففي كوريا الجنوبية، كشفت مصادر مصرفية عن أن طلبات شراء الدولار المرتبطة بالمشاركة في اكتتاب «سبايس إكس» بلغت ما بين 1.2 و1.5 مليار دولار. وأدى هذا الطلب الاستثنائي على العملة الأميركية إلى ضغوط ملحوظة على الوون الكوري، الذي هبط إلى أدنى مستوياته في 17 عاماً خلال الأسابيع الأخيرة. ويُعدّ هذا الرقم ضخماً بالنسبة إلى سوق «الدولار/ وون»، الذي يبلغ متوسط التداول اليومي فيه نحو 14 مليار دولار فقط. وقال مصدر مطلع إن معظم عمليات شراء الدولار المرتبطة بالاكتتاب وصل إلى مراحله النهائية؛ مما خفف الضغوط على العملة الكورية وأعاد بعض الاستقرار إلى السوق. ويعكس ذلك مدى اتساع المشاركة الدولية في الطرح؛ إذ لم يعد الاكتتاب حدثاً أميركياً فقط، بل تحول ظاهرةً استثمارية عالمية تستقطب رؤوس الأموال من مختلف القارات.

شعار شركة «سبايس إكس» وظل إيلون ماسك (رويترز)

ماسك بين السياسة والأسواق

ويأتي الاكتتاب أيضاً في مرحلة مفصلية من مسيرة إيلون ماسك الشخصية والمهنية. فبعد سنوات من الجدل السياسي، ودوره المثير للانقسام داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتراجع الملحوظ في أداء «تسلا»، يحاول ماسك إعادة تركيز اهتمام المستثمرين على مشروعاته التكنولوجية طويلة الأجل. وخلال العام الحالي، عزز ماسك حضوره في قطاع الذكاء الاصطناعي عبر شركته «إكس إيه آي (xAI)»، التي أصبحت جزءاً أساسياً من رؤيته المستقبلية. كما استحوذت «سبايس إكس» على أصول مرتبطة بأنشطة الذكاء الاصطناعي، في خطوة تهدف إلى دمج قدرات الحوسبة المتقدمة مع البنية التحتية الفضائية التي تطورها الشركة. ويرى مستثمرون أن الاكتتاب يمثل في جوهره تصويتاً على رؤية ماسك طويلة المدى أكثر من أنه استثمار في شركة فضاء تقليدية.

اختبار تاريخي

ورغم الزخم الهائل المحيط بالطرح، فإن التحديات لا تزال قائمة. فالتقييمات المرتفعة للغاية تفرض ضغوطاً على الشركة لتحقيق معدلات نمو

استثنائية لسنوات طويلة، كما أن كثيراً من المشروعات التي تروج لها، وعلى رأسها مراكز البيانات الفضائية واستيطان المريخ، لا تزال في مراحل مبكرة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل تحقيق عوائد ملموسة. لكن حجم الطلب الحالي يشير إلى أن الأسواق مستعدة لمنح ماسك وشركته هامشاً واسعاً من الثقة. فإذا تم الاكتتاب وفق الأرقام المتداولة حالياً، فلن يكون مجرد أكبر طرح عام أولي في التاريخ، بل قد يمثل لحظة فارقة في انتقال أسواق المال من الرهان على شركات التكنولوجيا التقليدية إلى الاستثمار في اقتصاد الفضاء والذكاء الاصطناعي بوصفهما المحركين الرئيسيين للنمو خلال العقود المقبلة.

وبالنسبة إلى «سبايس إكس»، فإن نجاح الاكتتاب لن يعني فقط جمع عشرات المليارات من الدولارات، بل سيمنح الشركة الموارد اللازمة لتحويل بعض أكبر الأفكار جرأة في عالم التكنولوجيا مشروعاتٍ قابلةً للتنفيذ؛ من الإنترنت الفضائي إلى الحوسبة المدارية، وصولاً إلى حلم ماسك الأكبر: جعل البشر يعيشون على كوكب آخر.


المزارعون الأميركيون يعانون مع استمرار حرب إيران

تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
TT

المزارعون الأميركيون يعانون مع استمرار حرب إيران

تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)

تشكل تكاليف الطاقة المرتفعة عبئاً ثقيلاً على مزارعي الحبوب وفول الصويا في أنحاء الحزام الزراعي الأميركي؛ إذ تؤدي الحرب على إيران إلى خنق إمدادات الوقود عبر مضيق هرمز، ودفع أسعار الديزل إلى مستويات قياسية في الولايات الزراعية الرئيسية.

وكان عدد كبير من المزارعين يعانون بالفعل من ضغوط قبل اندلاع الحرب، وباتوا الآن يواجهون تقلص هوامش الربح لديهم للعام الرابع على التوالي، متأثرين بعودة الجفاف وتكاليف المدخلات المرتفعة وتداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية، التي أثرت سلباً على أسعار المحاصيل.

ودفعت الحرب أسعار الديزل في ولايات عدة عبر منطقة الغرب الأوسط -وهي المنطقة الرئيسية لإنتاج الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة- إلى مستويات قياسية جديدة في مايو (أيار) في وقت كثف خلاله المزارعون عمليات الزراعة والأعمال الميدانية الأخرى في الربيع.

ووصل سعر الديزل في ولاية ويسكونسن إلى 5.873 دولار للغالون، وفي ولاية إنديانا إلى 6.167 دولار، وفي ولاية إيلينوي إلى 6.14 دولار في منتصف مايو. وتشير بيانات جمعية السيارات الأميركية إلى تسجيل ولايتَي أوهايو وميشيغان أرقاماً قياسية.

وارتفع متوسط سعر الديزل على الصعيد الوطني بأكثر من 40 في المائة، منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. وقفزت أسعار النفط الخام العالمية التي تشكل أساس أسعار الديزل والبنزين بنحو 30 في المائة منذ أواخر فبراير (شباط).

مزارع يضخ وقود الديزل في صهريج وقود لنقله إلى مزرعته في هاربر بولاية كانساس (رويترز)

ويُستخدم الديزل في المزارع الأميركية لتشغيل المعدات اللازمة للعمليات الحيوية، بدءاً من رش المبيدات الحشرية وزرع البذور، إلى تسميد الحقول وحصاد المحاصيل.

وعلى عكس القطاعات الأخرى التي يمكنها التبديل بين أنواع الوقود، فإن معظم الآلات الزراعية في الولايات المتحدة مصممة لتعمل بالديزل، مما يجعل المزارعين معرضين بشدة لتقلبات أسعار الديزل.

وقال غلين برانكو الذي يزرع فول الصويا ويربي الماشية في واميغو بولاية كانساس «إنها تكلفة باهظة. ليس هناك كثير مما يمكننا فعله حيال ذلك، ولم نكن نضع ميزانية لذلك. جاء الأمر بغتة وفاجأنا».

وقال بن كليف المحلل لدى شركة «بنشمارك» مستشهداً بتقديرات جامعة إيلينوي، إن النفقات المتعلقة بالوقود كانت تمثل قبل الحرب نحو 3 إلى 4 في المائة من تكاليف مدخلات المزارع العادي في إيلينوي، أو ما يتراوح بين 16 و23 دولاراً للفدان.

وأضاف أن التكاليف المتعلقة بالوقود قد ترتفع إلى 5- 6 في المائة من إجمالي تكاليف المدخلات، أو من متوسط 20 دولاراً إلى 30 دولاراً للفدان على مزارعي محاصيل الحقول، إذا بقيت أسعار الديزل عند مستواها الحالي.

وتابع: «الوضع الحالي صعب للغاية بالنسبة لمزارعي محاصيل الحقول... انخفضت أسعار الحبوب التي يزرعونها انخفاضاً حاداً في الأسابيع القليلة الماضية، وهي في الواقع أقل من مستويات ما قبل الحرب مع إيران، في حين تظل تكاليف المدخلات مثل الديزل والأسمدة أعلى بكثير، مما يؤدي إلى تراجع أرباحهم بنحو متزايد».