وقف النار في جنوب لبنان يبقى معلّقاً... والإفراج عنه بيد واشنطن

إسرائيل و«حزب الله» ينتظر كل منهما الآخر... والعين على إيران

مواطنون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمبنى سكني في بعلبك بعد غارة إسرائيلية استهدفته وأسفرت عن مقتل قائد في حركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)
مواطنون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمبنى سكني في بعلبك بعد غارة إسرائيلية استهدفته وأسفرت عن مقتل قائد في حركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يبقى معلّقاً... والإفراج عنه بيد واشنطن

مواطنون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمبنى سكني في بعلبك بعد غارة إسرائيلية استهدفته وأسفرت عن مقتل قائد في حركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)
مواطنون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمبنى سكني في بعلبك بعد غارة إسرائيلية استهدفته وأسفرت عن مقتل قائد في حركة «الجهاد الإسلامي» وابنته البالغة من العمر 17 عاماً (أ.ف.ب)

تتباين القوى السياسية اللبنانية في تفسير أسباب تعليق هدنة الـ45 يوماً التي كان يُفترض أن تبدأ منتصف ليل الأحد- الاثنين، والتي تم خرقها من قبل إسرائيل ورد «حزب الله»، وأصبح كل منهما ينتظر الآخر في غياب أي موقف واضح حيال عدم الالتزام بوقف إطلاق النار. ويبدو الطرفان أكثر ترقباً لتعثر المفاوضات الإيرانية - الأميركية في ظل ارتفاع منسوب التهديدات التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقيادة الإيرانية، وذلك على الرغم من أن الوسيط الباكستاني أعاد تشغيل محركاته لتفادي اندلاع الحرب مجدداً، في حين أن إسرائيل تضغط بالنار على لبنان لإبقاء بند نزع سلاح «حزب الله» على طاولة المفاوضات.

ويؤدي عدم التوصل لتثبيت الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، الذي ينوب عنه رئيس المجلس النيابي نبيه برّي حكماً، إلى أن لبنان سيبقى شاهداً على تصاعد وتيرة الحرب، على الرغم من الجهود التي يبذلها الرئيس جوزيف عون باتصالاته بالإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل لإلزامها بوقف النار الذي تعهدت بتثبيته.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر سياسي مطلع أن الإدارة الأميركية تقف الآن أمام توفير جرعة من الدعم لعون بعدما استجاب لطلبها الدخول بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ورفع مستوى التمثيل، وإشراك عسكريين، ما يقوي موقفه في وجه الحملات التي يتزعمها «حزب الله» بتمسكه بالمفاوضات غير المباشرة، وما يتطلبه ذلك من ممارسة الضغط على إسرائيل لإلزامها بتثبيت وقف النار، ما يشكل إحراجاً للحزب ما لم يتجاوب معه.

الدخان يتصاعد من بلدة طورزيا في جنوب لبنان إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

مَن يبادر أولاً؟

يأتي ذلك على الرغم مما تردد بأن عدم التوصل لوقف النار يكمن، بحسب المصدر، في أن الحزب لن يبادر للموافقة على تثبيت الهدنة، بل سيترك لإسرائيل أن تبادر أولاً، بذريعة أنها كانت أول من خرق اتفاق وقف الأعمال العدائية (الأول)، الذي رعته واشنطن وباريس، في حين أن الحزب التزم بتطبيقه على امتداد 15 شهراً.

ولفت المصدر إلى أن إصرار الحزب على أن تكون إسرائيل هي البادئة بالالتزام يكمن، من وجهة نظره، في أنه «يسوّق» لحاضنته السياسية والشعبية موقفاً معنوياً بذريعة أنه أجبرها على الرضوخ لطلبه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان من تجريف للبلدات، وتدمير ممنهج للمنازل، وتهجير السكان.

وسأل المصدر «حزب الله» عن صمته حيال المساعي الرامية لوقف النار، والتمسك برفض المفاوضات المباشرة، وفتح النار على اجتماع العسكريين المرتقب في «البنتاغون» يوم 29 مايو (أيار) الحالي، وقال إن «حزب الله» يترقب الوضع على الجبهة الإيرانية في حال تعثرت المفاوضات، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام تجدد الحرب.

ولم تستبعد المصادر تصاعد وتيرة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، إلا إذا قررت واشنطن ممارسة ضغوط كبيرة لإلزام إسرائيل بوقف النار، مقابل أن يتدخل برّي لدى الحزب لانتزاع موافقته، ولا سيما أنه القائل: «أعطوني وقف النار والباقي علينا»، وهو ما أكده باتصالاته المفتوحة بعون.

وأشار المصدر إلى أن الحزب يتجاهل أي إشارة لوقف النار؛ لأنه مُصرّ على ربط مصير لبنان بإيران، ويخشى بالتالي أن يؤدي وقف النار إلى تشريع الأبواب أمام حل قد ينهي الحرب.

فهل يؤدي رفع الضغوط الأميركية للتوصل إلى هدنة أو أن للطرفين، أي إسرائيل و«حزب الله»، حسابات أخرى بحسب ما سيؤول إليه الوضع على الجبهة الإيرانية ليكون في وسع كل منهما أن يبني على الشيء مقتضاه؟

الدخان يتصاعد من بلدة شوكين في جنوب لبنان إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

جدول انسحاب ولجنة ثلاثية

كشف المصدر أن المسار الأمني سيناقش إمكانية التوصل لجدول زمني لانسحاب إسرائيل من الجنوب، في مقابل تعهد الحكومة بتطبيق حصرية السلاح على مراحل من دون أن تلجأ إلى السلاح لنزعه من «حزب الله». وأكد أن واشنطن اقترحت إمكانية إنشاء لواء خاص من الجيش اللبناني للانتشار في جنوب الليطاني، لكنه لا يزال مدار بحث وتقييم داخل المؤسسة العسكرية بالتواصل مع عون.

ولم يستبعد المصدر ضم ضابط برتبة عالية إلى الوفد اللبناني المفاوض، على أن يشارك في الاجتماع المخصص للبحث في المسار الأمني، مرجحاً أن يقع الخيار على قائد منطقة عمليات جنوب الليطاني العميد نيقولا تابت، باعتبار أنه يمتلك الخبرة الميدانية، ولديه إلمام كافٍ بهذه المنطقة التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني، وصولاً إلى الحدود الدولية، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل من الجنوب.

جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)

كما لم يستبعد أن يُدرج على جدول أعمال الاجتماع كل ما يتعلق بانتشار الجيش في الجنوب، وضرورة تجهيزه وتدعيمه لبسط سلطة الدولة، بالتلازم مع وضع جدول زمني لسحب سلاح «حزب الله»، متوقعاً في الوقت نفسه أن ينبثق عن الاجتماع، وربما لاحقاً، تشكيل لجنة ثلاثية أميركية - لبنانية - إسرائيلية، تكون بمنزلة لجنة ارتباط توكل إليها مهمة متابعة تنفيذ الاتفاق، والتدخل في حال حصول خروقات من الطرفين.

فاللجنة الثلاثية تكون أقرب إلى اللجنة العسكرية المشكّلة من لبنان وإسرائيل وقيادة قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل)، وهي تتولى تحضير الأجواء للاتفاق على المرجعية البديلة عن «يونيفيل» فور انتهاء مهامها في نهاية العام الحالي.

ويبقى السؤال: هل تبقى الهدنة حبراً على ورق أو أن واشنطن ستتدخل للإفراج عن وقف النار بإلزام إسرائيل به، ما يشكل إحراجاً لـ«حزب الله» الذي لن يجد أمامه من خيار سوى التسليم بالأمر الواقع استجابة للمزاج العام للجنوبيين الذين ينشدون الاستقرار، ولا يرون من مبرر لعدم تجاوبه في ظل الاختلال في ميزان القوى، وكان من نتائجه تجريف جنوب الليطاني وتدميره امتداداً إلى شماله، ولا سيما أن تدخل واشنطن ينم عن رغبتها في توفير الأجواء لاستمرار المفاوضات بدلاً من أن تبقى تحت النار؟


مقالات ذات صلة

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

المشرق العربي تصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية كما بدا من زوطر الغربية (رويترز)

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

توسّع إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان على جانبي نهر الليطاني، ما يعني أنه لم يعد حداً فاصلاً بين منطقتين مختلفتين للعمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الحكومة حاضرة في قاعة مجلس النواب خلال جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

مساءلة الحكومة اللبنانية... مبارزة متوقعة بين مؤيدي «اتفاق الإطار» و«مذكرة التفاهم»

تستعد حكومة الرئيس نواف سلام للمثول أمام البرلمان في جلسة صباحية تُعقَد يومي الثلاثاء والأربعاء في 15 و16 سبتمبر (أيلول) الحالي، هي الثانية منذ تشكيلها

محمد شقير (بيروت)
خاص سجن رومية

خاص تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

بدأ السجناء الإسلاميون في سجن رومية إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، والامتناع التام عن تناول الأدوية داخل السجن، بما في ذلك أصحاب الأمراض المزمنة.

يوسف دياب (بيروت)
عالم الاعمال الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

وقّعت الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM) شراكة لتأسيس معهد متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

المشرق العربي طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق في مرفأ بيروت بعد انفجار 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ملف انفجار مرفأ بيروت قيد الحسم... والنيابة العامة تصدر مطالعتها

دخلت قضية انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة، مع إنجاز المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعته بالأساس في الملف، تمهيداً لتسليمها الثلاثاء

يوسف دياب (بيروت)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.