أعلن «حزب الله» رفضه مسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل، في أول رد فعل على ما انتهت إليه جولة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن، التي كان أبرزها تمديد الهدنة لـ45 يوماً، وإعلان إطلاق مسار أمني لتحقيق تواصل عسكري لبناني-إسرائيلي نهاية الشهر الحالي.
وانتقد الحزب، في بيان، «محاولات إعادة إنتاج ما يتجاوز اتفاق (17 أيار) خطراً وانحرافاً من خلال الحديث عن اتفاق سلام (كامل وشامل) بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني»، عادّاً أن «السلطة اللبنانية بهذا تكون قد انجرفت بعيداً وضربت بعرض الحائط أمثولات التاريخ وعِبَرَه، وبرّأت العدو من عدوانه واحتلاله، وهي تتعامل معه كأنه كيان مسالم معترف به، في مخالفة صريحة واضحة وفاضحة للدستور اللبناني والقوانين، وبتنكر كامل لتاريخ لبنان وثقافته وتضحيات أبنائه وصمود وثبات شعبه وعظمة مقاومته».
ودعا السلطة اللبنانية إلى «عدم الذهاب بعيداً في خيارات منحرفة مع العدو، لما للموضوع من تداعيات خطيرة على الاستقرار في لبنان دولة ومجتمعاً». كما دعاها إلى «التعاون في إطار الإجماع الوطني في سبيل تحقيق الثوابت الوطنية المتمثلة بضمان الانسحاب الكامل للعدو من كامل الأراضي اللبنانية، وبوقف العدوان بشكل نهائي وكامل، وتحرير أسرانا الأبطال، والعودة الفورية لأهلنا إلى قراهم وبلداتهم بكرامة وعزة، وإعادة الإعمار دون قيود أو شروط أو عوائق من أي نوع كان». وأكد أن الاحتلال الصهيوني لن يستقر أبداً فوق أرضنا بوجود هذه المقاومة الباسلة ومجاهديها الأبطال وشعبها المضحي المقدام، وكل القوى الوطنية وكل الشرفاء الأحرار من أبناء هذا البلد من كل الطوائف والمناطق».
خيارات «حزب الله»
وتبدو خيارات قيادة «حزب الله» قليلة راهناً، لكن ما هو محسوم قرارها مواصلة القتال، ورفض العودة إلى مرحلة ما قبل الثاني من مارس (آذار) حين عادت إلى إطلاق النار رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي بعد 15 شهراً من الالتزام بالهدنة بعكس إسرائيل التي واصلت عملياتها، واغتيالاتها. أما كيفية التعاطي مع المستجدات الأخيرة، واحتمال توكيل الجيش اللبناني، بإطار المسار الأمني المستحدث، بمهمات لنزع سلاح الحزب، فلم تحسمها قيادة الحزب بعد، علماً بأن نواباً يمثلونه في البرلمان رددوا أكثر من مرة أنهم سيتعاطون مع من يحاول نزع سلاحهم بالقوة مثل التعاطي مع الجيش الإسرائيلي.

تلويح بمشكلة داخلية؟
وفي تصريح له، شدد عضو كتلة «حزب الله» النائب إبراهيم الموسوي على أن «المطلوب من البعض في لبنان لا أن يقاوموا، ولا أن يقدموا أولادهم، ولا أغلى ما عندهم، ولا حتى موقفاً داعماً، وإنما أن يوقفوا تآمرهم على هذا البلد، والوطنيين فيه»، لافتاً إلى أن «ألف مشكلة في الخارج أسهل من أي مشكلة في الداخل، فيما هؤلاء يتعرضون للمكوّن الوطني في البلد، وهذا لا يؤدي بالبلد إلا إلى الضعف، والانقسام، وبالتالي الخراب، والدمار».
الواقع الميداني
ميدانياً، نفّذ «حزب الله»، يوم السبت، عدداً محدوداً من العمليات العسكرية مقارنة بالأيام الماضية. ونشرت قناة «المنار» التابعة للحزب نص البيان الأول تحت عنوان: «البيان الأول للمقاومة الإسلامية بعد ما يسمى تمديد وقف إطلاق النار وخرقه من قبل العدو».
وتحدثت عن استهداف «تجمّع لجنود جيش العدوّ الإسرائيليّ في بلدة الخيام بمسيّرة انقضاضية». أما العمليات الأخرى فطالت آليتين عسكريتين إسرائيليتين في بلدة الطيبة.

استمرار عمليات «المقاومة»
ويرى الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير المطلع من كثب على موقف «حزب الله» أن «عدم التزام إسرائيل بوقف النار يعني تلقائياً استمرار عمليات المقاومة»، مذكراً بأن الحزب أصلاً كان قد أعلن أنه «غير معني بالمفاوضات ونتائجها». ويضيف قصير لـ«الشرق الأوسط»: «أصلاً المفاوضات لم تخرج بنتائج عملانية، وإيجابية، فالعدوان مستمر، والأمور معقدة».
كيف سيرد الحزب؟
أما الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، فيشير إلى «هدف مشترك لبناني رسمي-إسرائيلي يقول إنه يجب أن تستعيد الدولة سيادتها ليس فقط من خلال انسحاب الجيش الإسرائيلي، إنما عبر تسليم سلاح (حزب الله)، ما يستوجب التنسيق الأمني لتحقيق ذلك، فالهدف الأساسي لهذه المفاوضات إنهاء الوجود العسكري لـ(حزب الله)، لذلك نراه يواصل شن حملات تخوين بشأن المفاوضات، لأن هدفها إنهاء وجوده العسكري».
وعن الخطوات التي قد يقوم بها الحزب لمواجهة هذا الواقع، يقول قهوجي لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن استبعاد أي خطوة قد يقوم بها الحزب لمواجهة هذا الواقع، فهو لا يكترث بالسلم الأهلي، وسيحاول خلق أمر واقع، لكن السؤال الأساسي هو حول كيفية تعامل بيئة الحزب وحركة (أمل) مع الموضوع، لأن فقدان (حزب الله) جزءاً كبيراً من قاعدته الشعبية والبيئة الحاضنة هو الذي ينهي فعلياً وجوده، وقدرته على الاستمرار داخل لبنان»، مضيفاً: «التركيز ينصب راهناً على دور الرئيس بري بعدما باتت المنطقة الرمادية التي يتحرك فيها ضيقة، وسيصل وقت هذه المنطقة لن تكون موجودة، ما سيضطره إلى اتخاذ قرار، إما أن يكون مع الدولة، وإما خارجها».


