مصر: افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما في البر الغربي بالأقصر

ترجعان لأمنحتب «رابويا» وابنه ساموت بجبانة طيبة القديمة

افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)
افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما في البر الغربي بالأقصر

افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)
افتتاح مقبرتين بعد ترميمهما بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية افتتاح مقبرتي أمنحتب المدعو «رابويا» (TT416) وابنه «ساموت» (TT417)، بمنطقة الخوخة بالبر الغربي بمحافظة الأقصر، الخميس، عقب الانتهاء من أعمال الترميم ورفع كفاءة الموقع المحيط بهما، تمهيداً لفتحهما أمام حركة الزيارة.

وتعود المقبرتان إلى عصر الدولة الحديثة؛ فمقبرة «رابويا» ترجع إلى عصر الملك تحتمس الثالث، أما مقبرة «ساموت» فترجع إلى عصر الملك تحتمس الرابع، وتتبعان الطراز المعماري على شكل حرف «T»، وهو النمط الشائع لمقابر الأشراف في الأسرة الثامنة عشرة.

وتضم المقبرتان مجموعة متميزة من المناظر التي تعكس الحياة اليومية (الزراعة والحصاد، والصناعات)، وصناعة الخبز والفخار والنبيذ، وصيد الأسماك والطيور، بالإضافة إلى مناظر المآدب والاحتفالات داخل الصالة المستعرضة.

كما تحتوي الصالة الطولية على مناظر جنائزية لصاحب المقبرة، من بينها سحب التابوت على زلاجة، ونقل الأثاث الجنائزي إلى المقبرة في حضرة أوزير وحتحور، ومناظر طقس «فتح الفم»، فضلاً عن منظر فريد للإلهة رننوتت وهي تُرضع طفلاً ملكياً، إلى جانب مناظر الباب الوهمي وتكريم الأسلاف.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن اعتزازه بافتتاح المقبرتين بعد الانتهاء من أعمال ترميمهما، ومشدداً على أن «صون الآثار والحفاظ عليها يأتي في مقدمة أولويات الوزارة، بما يضمن استدامتها للأجيال القادمة».

ووصف مشروع ترميم المقبرتين بأنه «رحلة عمل ممتدة» بدأت منذ عام 2015 وتكللت بالنجاح في عام 2026، موجهاً الشكر إلى محافظ الأقصر على ما تشهده أوجه التعاون المشترك من تنسيق مثمر ودعم كامل من المحافظة لجهود الوزارة.

وأشار فتحي في بيان لـ«السياحة والآثار» إلى أن «رؤية الوزارة ترتكز على ترسيخ مكانة مصر بوصفها وجهة عالمية رائدة لدارسي علم المصريات، بما يتناسب مع ما تمتلكه من ثراء حضاري فريد»، مؤكداً أن مصر ستظل مركزاً رئيسياً للاكتشافات الأثرية على مستوى العالم.

وزير السياحة خلال افتتاح المقبرتين (وزارة السياحة والآثار)

وشدد على «أهمية تعزيز التعاون مع القطاع الخاص لتشغيل الخدمات بالمواقع الأثرية والمتاحف لتحسين التجربة السياحية على أن يتم في إطار من الضوابط والمعايير الواضحة التي تضمن تحديد الأدوار والمسؤوليات». لافتاً إلى أن استراتيجية الوزارة، تحت شعار «تنوع لا يُضاهى»، تعكس المقومات المتفردة للمقصد السياحي المصري، مؤكداً على أن تحقيق مستهدف 30 مليون سائح يتطلب مواصلة العمل على تطوير قطاعي الفندقة والطيران، وهو ما يجري تنفيذه حالياً.

من جانبه، رحب محافظ الأقصر بالحضور في «جبانة طيبة القديمة»، مشيراً إلى أن الأقصر لا تزال تحتفظ بالكثير من أسرارها الأثرية، حيث تشهد باستمرار اكتشافات جديدة بفضل جهود وزارة السياحة والآثار والبعثات الأثرية المصرية والأجنبية.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن افتتاح المقبرتين يمثل إضافة مهمة للمزارات الأثرية؛ نظراً لما تتمتعان به من قيمة تاريخية وأثرية متميزة، وأشار إلى أن ذلك يعكس أهمية مقابر طيبة ويُخلّد ذكرى أصحابها ودورهم في الحضارة المصرية القديمة.

وأوضح عبر بيان الوزارة أن «الأعمال لم تقتصر على الترميم الأثري فحسب، بل شملت أيضاً تطوير الخدمات المقدمة للزائرين».

وترى الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا أن «افتتاح مقبرتي أمنحتب الملقب بـ(رابويا) وابنه ساموت في جبانة طيبة بالبر الغربي بالأقصر خطوة مهمة في مسار الحفاظ على التراث المصري وإعادة تقديمه بصورة علمية وسياحية متوازنة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه المشروعات لا تقتصر على البعد الاحتفالي أو السياحي فقط، وإنما تعكس تطوراً في فلسفة الترميم الأثري الحديثة التي تقوم على صون العناصر الأصلية للمقبرة والحفاظ على قيمتها التاريخية والفنية في آن واحد».

وتابعت أن «المقبرتين تكتسبان أهمية خاصة لارتباطهما بفئة كبار الموظفين في الحضارة المصرية القديمة، وهي الفئة التي تمثل مصدراً أساسياً لفهم البنية الإدارية والاجتماعية والدينية في عصر الدولة الحديثة. كما أن إعادة فتح المقابر بعد أعمال الترميم تتيح للباحثين والزائرين فرصة قراءة التفاصيل الفنية والنقوش الجنائزية بصورة أوضح، بما يسهم في تعزيز الدراسات الخاصة بجبانة طيبة وتطور طقوس الدفن ومكانة النخبة الإدارية آنذاك».

ومن الناحية الأثرية، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، فإن «أي مشروع ترميم داخل جبانة طيبة يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من مسؤولية أكبر تتعلق بحماية واحد من أهم المواقع التراثية في العالم، خصوصاً في ظل التحديات البيئية والزمنية التي تؤثر على النقوش والألوان والطبقات الجصية. لذلك فإن نجاح عملية الترميم لا يقاس فقط بجمال النتيجة النهائية، بل بمدى الالتزام بالمعايير العلمية الدقيقة واحترام الأثر بوصفه وثيقة تاريخية غير قابلة للتعويض».

أما على المستويين الثقافي والسياحي، فإن «افتتاح مثل هذه المقابر يساهم في تنشيط الحركة الثقافية بالأقصر وإعادة تسليط الضوء على المقابر الأثرية، وهو توجه مهم لتخفيف الضغط عن بعض المواقع الأثرية وتوسيع خريطة الزيارة داخل البر الغربي»، على حد تعبيرها.

جانب من المقبرة المفتتحة بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)

وتضمنت أعمال الترميم رفع الرديم والكشف عن لقى أثرية هامة، وتدعيم الأسقف والجدران، وترميم دقيق للنقوش والمناظر، وتنظيف الألوان الأصلية بعناية، وتركيب أنظمة إضاءة حديثة، وتطوير منظومة الأمن والمراقبة، وفق مؤمن عثمان رئيس قطاع الترميم ومشروعات الآثار والمتاحف بالمجلس الأعلى للآثار.

ووفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع، فقد «تم الكشف عن المقبرتين خلال أعمال حفائر قام بها مركز البحوث الأميركي في مصر في مارس (آذار) 2015، أثناء البحث عن مدخل مقبرة جحوتي (TT110). وكانت المقبرتان مغطاتين بالأنقاض وتعرضتا لأضرار كبيرة، كما استخدمتا للدفن الجماعي خلال فترات لاحقة حتى العصر البيزنطي».

و«تكمن القيمة العلمية الكبرى في التكامل بين مشاهد الحياتين الدنيوية والأخروية في مقبرة الأب (رابويا) التي تعود لعصر الملك تحتمس الثالث، فهنا نجد تركيزاً على مشاهد الزراعة والحصاد وصناعة الخبز والفخار، وهي توثيق بصري مهم للاقتصاد الزراعي والمعيشي في طيبة خلال فترة ازدهار الدولة الحديثة»؛ وفق تصريحات المتخصص في تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «أما مقبرة الابن (ساموت) من عصر الملك تحتمس الرابع، فتعكس تحولاً واضحاً في البرنامج الجنائزي ليشمل مشاهد أكثر طقوسية مثل طقس (فتح الفم) ومشاهد نقل الأثاث الجنائزي بحضور سيد العالم الآخر أوزير. وهذا التطور قد يشير إلى تغير في مفهوم (الخدمة الجنائزية) من تأكيد على الكفاح اليومي إلى تركيز على فعالية الطقس الكهنوتي».

وعَدّ المعتز بالله «افتتاح المقبرتين أمام الزائرين يخدم الأغراض التعليمية والمعرفية إلى حد كبير، ولكنه يحمل أيضاً تحديات مثل عوامل المناخ المتغيرة»، على حد تعبيره.


مقالات ذات صلة

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

يوميات الشرق ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق وصف البروفسور هاكان أونيز حطام السفينة بأنه «كبسولة زمنية في قاع البحر» (صورة نشرها هاكان أونيز على إنستغرام)

«كبسولة زمنية في قاع البحر»... اكتشاف أقدم حطام سفينة بالعالم قبالة سواحل تركيا

اكتشف علماء آثار حطام سفينة قبالة سواحل تركيا يرجع تاريخها إلى ما بين 4400 و4700 عام أي للعصر البرونزي المبكر

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق نقوش وكتابات هيروغليفية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

كشف أثري فريد يسلط الضوء على عواصم مصر التاريخية بالدلتا

أعاد كشف أثري فريد من نوعه بدلتا مصر تسليط الضوء على عواصم تاريخية قديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

قاد إبلاغ مواطن مصري عن كتلة حجرية تحمل نقوشاً عُثر عليها في قطعة أرض يمتلكها أمام منزله بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، إلى كشف أثري ضخم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد.

«الشرق الأوسط» (أثينا)

علامات تدل على تفاقم دوالي الساقين

دوالي الساقين من المشكلات الشائعة التي تظهر بارزة تحت الجلد (جامعة هارفارد)
دوالي الساقين من المشكلات الشائعة التي تظهر بارزة تحت الجلد (جامعة هارفارد)
TT

علامات تدل على تفاقم دوالي الساقين

دوالي الساقين من المشكلات الشائعة التي تظهر بارزة تحت الجلد (جامعة هارفارد)
دوالي الساقين من المشكلات الشائعة التي تظهر بارزة تحت الجلد (جامعة هارفارد)

لا تقتصر دوالي الساقين على ظهور أوردة متضخمة وبارزة تحت الجلد، إذ قد ترتبط باضطراب في الدورة الدموية الوريدية يتفاقم بمرور الوقت. ورغم أنها لا تسبب مشكلات خطيرة لدى بعض الأشخاص، فإن استمرار الألم أو التورم أو ظهور تغيرات في الجلد يستدعي تقييماً طبياً.

ولا يقتصر تقييم دوالي الساقين على مظهر الأوردة، بل يشمل أيضاً الأعراض المصاحبة لها، التي قد تشير إلى وجود قصور وريدي مزمن، وهي حالة لا تتمكن فيها أوردة الساقين من إعادة الدم إلى القلب بالكفاءة المطلوبة.

وقال جوزيف دايبس، اختصاصي أمراض القلب في مستشفى «لينوكس هيل» بالولايات المتحدة، إن العلامات التي تستدعي الانتباه تشمل الشعور المستمر بثقل الساقين أو الألم أو التورم أو الإحساس بالنبض فيهما أو الحكة، إلى جانب تكرار التقلصات العضلية ليلاً، حسب مجلة «بريفينشن» (Prevention) الأميركية.

وقد ترتبط هذه الأعراض بارتفاع الضغط داخل الأوردة وتجمع الدم في الساقين، خصوصاً بعد الوقوف أو الجلوس لفترات طويلة. ومع ذلك، فإن ظهورها لا يعني بالضرورة تفاقم الدوالي، إذ يتطلب تحديد السبب تقييماً طبياً.

وتشمل العلامات الأكثر إثارة للقلق تغير لون الجلد حول الكاحلين، أو زيادة سماكته، أو ظهور التهابات فيه، فضلاً عن الجروح التي تستغرق وقتاً طويلاً للالتئام. وأوضح دايبس أن هذه التغيرات قد تشير إلى قصور وريدي أكثر تقدماً، إذ يمكن أن يؤدي استمرار ارتفاع الضغط داخل الأوردة إلى الإضرار بأنسجة الجلد وزيادة احتمالات ظهور تقرحات يصعب التئامها.

ويساعد التقييم الطبي على تحديد مدى تأثر الدورة الدموية الوريدية، وما إذا كانت الحالة تستدعي المتابعة أو العلاج، حتى إن لم تكن الأوردة البارزة كبيرة أو واضحة.

خيارات العلاج

وتختلف خيارات العلاج بحسب حجم الأوردة وشدة الأعراض؛ إذ يمكن علاج بعض الأوردة الصغيرة بالليزر، بينما قد تتطلب حالات أخرى إجراء يقوم على حقن محلول داخل الوريد لإغلاقه، بما يسمح بتوجيه الدم إلى أوردة أخرى أكثر صحة. أما الحالات الأكثر شدة فقد تستدعي تدخلاً متخصصاً لدى جرّاح الأوعية الدموية.

ومن المهم التمييز بين الأعراض المزمنة وعلامات الخطر التي تستدعي تدخلاً عاجلاً؛ فالتورم المفاجئ في ساق واحدة، خصوصاً إذا صاحبه ألم أو إحمرار أو سخونة، يستوجب تقييماً طبياً عاجلاً لاحتمال وجود جلطة في الأوردة العميقة. أما إذا صاحبت هذه الأعراض حالة من ضيق التنفس المفاجئ أو ألم الصدر، فينبغي الاتصال بالإسعاف فوراً، لاحتمال حدوث انصمام رئوي.

وإلى جانب الانتباه إلى الأعراض، يمكن لبعض العادات اليومية أن تساعد على تخفيف التورم والشعور بعدم الراحة، مع عدم وجود وسيلة تضمن الوقاية من الدوالي تماماً.

وينصح الخبراء بالحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام، إلى جانب تجنب الجلوس أو الوقوف لفترات طويلة دون حركة. كما قد يساعد رفع الساقين عند الاستراحة على تخفيف التورم، فيما يمكن أن تسهم الجوارب الضاغطة في تحسين عودة الدم الوريدي وتخفيف الأعراض لدى بعض الأشخاص، بعد استشارة الطبيب لتحديد مدى ملاءمتها والمقاس ودرجة الضغط المناسبين.


الاقتراب من القطط قد يُحسِّن الحالة المزاجية

تربية القطط تعد من الممارسات الشائعة بين محبي الحيوانات الأليفة (جامعة ولاية كولورادو)
تربية القطط تعد من الممارسات الشائعة بين محبي الحيوانات الأليفة (جامعة ولاية كولورادو)
TT

الاقتراب من القطط قد يُحسِّن الحالة المزاجية

تربية القطط تعد من الممارسات الشائعة بين محبي الحيوانات الأليفة (جامعة ولاية كولورادو)
تربية القطط تعد من الممارسات الشائعة بين محبي الحيوانات الأليفة (جامعة ولاية كولورادو)

كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة كيوتو اليابانية أن أصحاب القطط الذين يقضون وقتاً أطول بالقرب من حيواناتهم الأليفة يميلون إلى التمتع بحالة مزاجية أكثر إيجابية.

وأوضحت الدراسة أن الفوائد النفسية المحتملة لتربية القطط قد لا ترتبط بمجرد امتلاك حيوان أليف، بقدر ما تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإنسان والقط ومدى التقارب بينهما في الحياة اليومية. ونُشرت النتائج في دورية «آي ساينس» (iScience).

وجاءت الدراسة في ظل تباين نتائج الأبحاث السابقة بشأن تأثير تربية القطط في صحة الإنسان ورفاهه النفسي؛ فبينما دعمت بعض الدراسات الاعتقاد بأن رعاية القطط تحسّن جودة الحياة، أشارت أبحاث أخرى إلى احتمال وجود آثار سلبية. ودفع ذلك فريق البحث إلى التساؤل عما إذا كانت هذه التأثيرات تعتمد على طبيعة العلاقة بين الإنسان وحيوانه الأليف، وليس على امتلاك القطط في حد ذاته.

وتُعد تربية القطط من الممارسات الشائعة بين محبي الحيوانات الأليفة، لما قد توفره من رفقة وشعور بالراحة. ولا تقتصر العلاقة بين القطط وأصحابها على توفير الطعام والرعاية، بل تشمل أيضاً المداعبة والتفاعل اليومي وقضاء الوقت بالقرب منها.

وللتحقق من ذلك، أجرى الباحثون دراسة استمرت شهراً، شملت 29 قطاً و19 من أصحابها. وحلّل الفريق مستويات الهرمونات في عينات البول لدى أصحاب القطط و24 قطاً أمكن جمع عينات منها، وثبّت أجهزة صغيرة تعمل بتقنية البلوتوث منخفض الطاقة على أطواق القطط لقياس مدى قربها من أصحابها يومياً. كما قيّم الحالة المزاجية لأصحاب القطط من خلال استبيانات، وراقب سلوك الحيوانات الأليفة تجاه أصحابها والأشخاص غير المألوفين لها.

وركّز التحليل الهرموني على «الأوكسيتوسين»، المرتبط بتكوين الروابط العاطفية والعلاقات الاجتماعية، و«الكورتيزول»، الذي يؤدي دوراً في استجابة الجسم للتوتر.

ارتباط إيجابي

ورصد الباحثون ارتباطاً إيجابياً بين تركيزات الأوكسيتوسين في بول القطط وأصحابها. كما ارتبط ارتفاع مستويات الهرمون لدى القطط بانخفاض مستويات الكورتيزول لدى أصحابها، وتراجع المشاعر السلبية لديهم.

وكان ارتباط مستويات الأوكسيتوسين لدى القطط بالمشاعر السلبية لأصحابها أقوى من ارتباط مستويات الهرمون لدى أصحابها أنفسهم بهذه المشاعر.

وفي المقابل، لم ترتبط الحالة المزاجية الإيجابية لدى أصحاب القطط بالمدة التي أمضوها في تربيتها، بل بمدى قربهم منها في حياتهم اليومية. ويشير ذلك إلى أن التقارب اليومي بين الإنسان والقط قد يكون عاملاً مهماً يرتبط بالحالة المزاجية لأصحابها.

وقال الباحثون إن كثيراً من أصحاب القطط يعرفون الشعور بالراحة والهدوء الذي ينتابهم عندما تقفز القطة إلى أحضانهم طلباً للمودة، ويبدأون مداعبتها فيما تخرخر في رضاً.

وأضافوا أن نتائج الدراسة تشير إلى أن «هذا الشعور قد ينعكس جزئياً على الارتباط الهرموني بين القطط وأصحابها، خصوصاً من خلال الأوكسيتوسين، الذي يؤدي دوراً في تكوين الروابط بين الوالدين والأطفال، وعلى العلاقات الاجتماعية عموماً».

ومع ذلك، شدد الباحثون على أن النتائج تكشف عن ارتباطات إحصائية، ولا تثبت وجود علاقة سببية. فلا يزال من غير الواضح ما إذا كان التقارب مع القطط يسهم في تحسين الحالة المزاجية لأصحابها، أم أن عوامل أخرى تفسر هذه العلاقة، وهو ما يتطلب إجراء مزيد من الأبحاث.


داميلولا أوريموغونجي: «عزيزي أجاي» يبرز الروابط العائلية المُعقدة بواقعية

الفيلم يعرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة (الشركة المنتجة للفيلم)
الفيلم يعرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

داميلولا أوريموغونجي: «عزيزي أجاي» يبرز الروابط العائلية المُعقدة بواقعية

الفيلم يعرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة (الشركة المنتجة للفيلم)
الفيلم يعرض ضمن فعاليات مهرجان الجونة (الشركة المنتجة للفيلم)

قال المخرج النيجيري داميلولا أوريموغونجي إنه استمد شخصيات فيلمه «عزيزي أجاي» من حياة أشخاص يعرفهم، ومن تفاصيل عايشها داخل أسرته وبين أصدقائه وفي المجتمع المحيط به، موضحاً أنه أراد الاقتراب من العلاقات العائلية بما تحمله من محبة واستياء ومسؤوليات متشابكة، ومن المسافة التي تفصل أحياناً بين الصورة التي يقدمها الإنسان للآخرين وما يعيشه بعيداً عن أنظارهم، خصوصاً حين يصعب عليه الإفصاح عن أزماته.

وأضاف داميلولا أوريموغونجي في حواره مع «الشرق الأوسط» أن مشاهدة فيلم «إيدا» للمخرج بافل بافليكوفسكي ألهمته كتابة حكاية تقودها امرأتان، بعدما تأثر بالأداء وبقدرة الشخصيتين الرئيسيتين على حمل الثقل العاطفي للعمل، لتبدأ فكرة الشقيقتين، بينما جاءت ظروفهما وتفاصيل علاقتهما من الواقع النيجيري الذي يعرفه، ومن ملاحظاته عن محاولات التوفيق بين الاحتياجات الشخصية وتوقعات الأسرة والمجتمع.

وتدور أحداث فيلم «عزيزي أجاي»، وهو إنتاج نيجيري ألماني، في جنوب غربي نيجيريا خلال تسعينات القرن الماضي، ويتتبع حياة الشقيقتين «آدي» و«تيتي» في منزل والدهما الراحل؛ فالأولى مسيحية متدينة والمعيلة الوحيدة للأسرة، بينما تطمح الصغرى إلى احتراف الغناء وتتمسك باستقلالها. ومع انتقال والدتهما المريضة للعيش معهما، تتجدد خلافات تضعهما أمام اختيارات صعبة بين الطموح الشخصي والواجب العائلي.

وأوضح أوريموغونجي أن اهتمامه بلحظات الحياة اليومية يرتبط بفهمه للسينما باعتبارها وسيلة لرواية قصص الناس، مشيراً إلى أن موضوعات مثل الأخوّة والإيمان والرعاية والحب تتداخل داخل البيت الواحد، حيث يمكن أن يتجاور الاستياء مع المحبة، وأن يصطدم الطموح بالحاجة إلى مساندة الآخرين.

المخرج النيجيري داميلولا أوريموغونجي (الشركة المنتجة للفيلم)

وتابع أنه بدأ كتابة السيناريو متصوراً أن العلاقة بين الشقيقتين تقوم على النفور، لكن تطور الكتابة كشف له عن محبة تتداخل مع الاستياء، وعن اختلاف في فهم كل منهما للمسؤولية، تبعاً لتجربتهما ورغباتهما، مؤكداً أن هذا الاختلاف دفعه إلى التفكير في حدود التضحية، خصوصاً عندما تمر من دون اعتراف أو تقدير، وفي أثر التعامل مع عطاء الإنسان بوصفه أمراً مفروغاً منه داخل الأسرة.

وبيّن أن بناء الشخصيتين استلزم الابتعاد عن إصدار الأحكام عليهما، ومحاولة فهم ما يدفع كلاً منهما إلى اختياراتهما؛ فهما تتشابهان في بعض الجوانب وتختلفان في الأهداف والميول، مشيراً إلى أن مسارهما يفتح المجال، في نهاية الفيلم، للاقتراب مجدداً ومساندة إحداهما الأخرى، بعدما تدركان حاجتهما إلى التعاون، وتصبح علاقتهما مصدراً للقوة في البحث عن الحرية والتعامل مع ما يثقل حياتهما.

تصورات راسخة

ولفت إلى أن الصراع بين الواجب العائلي والسعادة الشخصية يكتسب أهمية خاصة في مجتمعات تضع تصورات راسخة لكيفية عيش النساء، وما ينبغي أن تقدمه الزوجة أو الابنة لأسرتها، موضحاً أن الفيلم يتأمل الثمن الذي قد تدفعه المرأة حين تنشغل بإرضاء الأم والزوج والأبناء، بينما تتراجع رغباتها إلى الخلف.

وأشار إلى أنه أراد منح شخصياته مساحة للخطأ، لأن البشر، بمن فيهم الأشخاص الذين نحبهم ونقدرهم، لا يتصرفون دائماً على النحو الذي نتوقعه، موضحاً أن الفيلم يدخل إلى تفاصيل عائلية لا يراها المحيطون بالشخصيات. فحتى أصدقاء «تيتي» لا يعرفون حقيقة ما تمر به، بينما يتيح الاقتراب من حياتها فهم الضغوط التي تتحملها، وما تعجز عن الإفصاح عنه في علاقاتها اليومية.

وعن اختيار التسعينات زمناً للأحداث، أوضح أن نشأته خلال تلك الفترة منحته ذكريات واضحة عن المجتمع والحياة اليومية، فاستعان بها لبناء عالم الشخصيات، لافتاً إلى اهتمامه بما تعنيه الملابس والألوان والأغراض لكل شخصية داخل زمنها، وبعلاقتها بالمكان الذي تعيش فيه بجانب كون القضايا التي يتناولها الفيلم ما زالت حاضرة في عام 2026، رغم التغيرات التي طرأت على شكل الحياة.

عمل المخرج على الفيلم لفترة طويلة (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكد أن الموسيقى تؤدي دوراً أساسياً في التعبير عن معاناة «تيتي»، التي تحمل أعباء لا تتحدث عنها مع أصدقائها أو شقيقتها، فتجد في الغناء وسيلة للإفصاح عما تعجز عن قوله مباشرة، موضحاً أن غناءها يحمل نداءً للمساعدة، لكن المحيطين بها ينشغلون بجمال صوتها والتصفيق لها، من دون الإنصات إلى مضمون الكلمات، بما يكشف عجزهم عن إدراك معاناتها حتى وهم يحتفون بها.

وتابع أنه اختار موسيقى أفريقية تحافظ على الصلة بالثقافة النيجيرية، وتمنح الفيلم إحساسه بالمكان، مع إيمانه بأن المشاعر التي تحملها قادرة على الوصول إلى جمهور من ثقافات مختلفة مشيراً إلى أن بعض الاختيارات جاءت أيضاً من أغنيات أحبها واستمع إليها على مدار سنوات، فوجد في العمل فرصة لاستخدامها ضمن الحكاية، والتعبير من خلالها عن الشخصيات وتجاربها وما يظل مسكوتاً عنه في حياتها.

وعن تجربته الثانية في الأفلام الطويلة، قال إن تطوره خلال السنوات التي أعقبت صدور فيلمه الأول عام 2020 ارتبط بنموه الشخصي بجانب ارتباطه بتعلم أدوات الصناعة، موضحاً أن تلك السنوات غيّرت نظرته إلى العالم وطريقة فهمه للشخصيات.