المشاهدون الصغار... ثروةٌ تتسابق المنصات على استقطابها

المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)
المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)
TT

المشاهدون الصغار... ثروةٌ تتسابق المنصات على استقطابها

المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)
المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)

برامج الأطفال وشخصيات الرسوم المتحرّكة لا تشيخ. أكبر دليلٍ على ذلك أنّ مَن كان يشاهد «توم وجيري» طفلاً، يتشارك مشاهدتَه برفقة أحفاده جَداً.

منصّات البثّ متنبّهة لهذا الواقع وهي تضاعف استثمارها في قطاع ترفيه الأطفال، غير مكتفيةٍ بإنتاج البرامج أو عَرضها. أحدثُ ابتكارات التواصل الرقمي مع الأطفال تطبيق «نتفليكس عالم المرَح» Netflix Playground، الذي يتيح أمام المستخدمين الصغار التنقّل بين ألعابٍ عدة مقتبسة من برامجهم وشخصياتهم المفضّلة.

أطلقت «نتفليكس» تطبيقاً خاصاً بألعاب الأطفال المستوحاة من الرسوم المتحركة (نتفليكس)

تجربة «يوتيوب» الرائدة في مسلسلات الأطفال والبرامج الخاصة بهم، أثبتت أنه لا يمكن الاستهانة بتلك الشريحة التي تستهلك كمية كبيرة من ساعات البثّ الرقمي. فمع أنّ السياسة الإنتاجية والخطط التسويقية لمنصات البث توحي بأنها موجّهة حصراً للكبار، فإنّ الأطفال، والصغار جداً منهم تحديداً، يمثّلون سوقاً مهمة لشركات الترفيه والإعلام بما أنهم يتحكّمون بقرار اشتراك أهاليهم في تلك المنصات.

على قاعدة «فُز بهم صغاراً لتكسبَهم كباراً ولتفوزَ بأهاليهم كذلك»، تركّز المنصات على المحتوى المخصص لمَن هم دون الـ12 من العمر. وقد أثبتت التجربة والأرقام أنّ الأطفال أوفياء لِما يُشاهدون، كما أنهم لا ينتظرون المسلسلات الضخمة والمواسم الجديدة مثلما يفعل البالغون، إنما يميلون إلى إعادة حلقات برامجهم المفضّلة مراراً وتكراراً من دون ملل.

لا يملّ الأطفال من إعادة برامجهم المفضّلة وهذا مكسب للمنصات (بكسلز)

ليس من باب العبث سعيُ «نتفليكس» للاستحواذ على حقوق بثّ برامج محبوبة لدى الأطفال، مثل «بيبا بيغ» (Peppa Pig) و«عالم سمسم» (Sesame Street). وقد رفع انضمام تلك المسلسلات إلى شبكتها منسوبَ المُشاهدة، إذ أفادت الشركة بأنّ محتوى الأطفال والعائلة شكّل 15 في المائة من إجمالي مشاهَدات المنصة في 2025.

أما برنامج «كوكوميلون» (CoComelon) فكان نقطة تحوّل بالنسبة إلى «نتفليكس» يوم انضمّ إليها عام 2020، إذ سُجّل له أثرٌ إيجابيّ ملحوظ على إجماليّ المُشاهَدة. ورغم توقّف المنصة عن تحميل مواسم جديدة من النسخة الأصلية، فإنّها ما زالت متمسّكة بمحتوى الأطفال. وللغاية، هي ضمّت برنامج «السيدة راشيل» (Ms. Rachel) إلى شبكتها إلى جانب مجموعة كبيرة من برامج الصغار الجماهيرية، مثل «ماشا والدب» (Masha and the Bear)، و«دوريات المخلاب» (PAW Patrol)، و«سبونج بوب» (Sponge Bob)، وغيرها.

شكّل محتوى الأطفال والعائلة 15 % من إجمالي مشاهَدات «نتفليكس» في 2025 (نتفليكس)

لبرامج الأطفال قيمة استثنائية في عالم البثّ الرقمي. يُنظَر إليها كمحتوى مُربح من الدرجة الأولى، فهي أقلّ تكلفةً إنتاجيّة وتدوم لفترة أطول من أنواع المحتوى الأخرى. ويؤكّد موزّع برنامج «كوكوميلون» الشهير في حوار مع شبكة «سي إن بي سي» الأميركية، أنّ «محتوى الأطفال يحقق تفاعلاً هائلاً لأنهم يشاهدونه مراراً وتكراراً ولا يملّون منه أبداً». يُضاف إلى ذلك سبب آخر للرُبحيّة، وهو أنّ محتوى الأطفال يدفع بذَويهم للاستمرار في الاشتراك على المدى الطويل.

«كوكوميلون» أحد أكثر البرامج جماهيريةً لدى الأطفال ما بين السنة والـ5 سنوات (نتفليكس)

صحيحٌ أنّ الأمهات والآباء هم في تحدٍّ دائم مع الأجهزة اللوحيّة وشاشات الهواتف محاولين الاقتصاص من أوقات استهلاك أطفالهم لها، إلّا أنّ جائحة كورونا فرضت تحوّلاً جذرياً في التعامل. فالأهالي المُنهَكون والمرتبكون آنذاك حاروا في تأمين وسائل الإلهاء لأولادهم، فوجدوا أنفسهم مضطرّين إلى التسليم للشاشة لأهداف ترفيهية وتربوية في آن. وقد شهدت الفترة الممتدة ما بين مطلع 2020 ونهاية 2021 ازدياداً كبيراً في مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات.

كانت منصة «يوتيوب» في طليعة المستفيدين حينها وفرضت نفسها الشاشة الأحبّ إلى قلوب الأطفال، وهي ما زالت تحتفظ حتى الآن بتلك الصدارة. يفرض ذلك واقعاً تنافسياً مع باقي المنصات لا سيما «نتفليكس» و«ديزني بلاس».

«يوتيوب» في صدارة المنصات التي يشاهدها الأطفال تليها «نتفليكس» و«ديزني بلاس» (بكسلز)

بين عامَي 2023 و2025، اخترق كثيرٌ من برامج الأطفال والرسوم المتحركة قائمة الأعمال الأكثر مشاهدةً على «نتفليكس». ومع تكريس محتوى الصغار نفسه رائداً على مستوى المشاهَدات والاشتراكات، تيقّنت منصة البثّ العالمية من أنّ المشاهدين الصغار مكسبٌ كبير، وها هي تُطلق تطبيقاً خاصاً بهم.

وفق الشركة، فإنّ «نتفليكس عالَم المرح» (Playground) هو تطبيق «يدخل فيه الأطفال إلى قصصهم المفضّلة ويتفاعلون مع شخصياتهم المحبوبة بطرُق جديدة»، وهو بات متوفراً في العالم العربي منذ 28 أبريل (نيسان) 2026.

تمزج الألعاب المتوفرة على التطبيق ما بين الترفيه والتثقيف (نتفليكس)

صُمّم التطبيق للأطفال البالغين 8 سنوات من العمر وما دون، وهو مضمّن في جميع الاشتراكات أي بمجرّد أن يكون لدى المستخدِم حسابٌ على «نتفليكس» يصبح استعمال «عالم المرح» متاحاً، من دون رسوم إضافية ولا إعلانات. كل ذلك تحت إشراف الآباء المزوّدين بالأدوات اللازمة للرقابة ولتوجيه رحلة الاستكشاف واللعب.

أما الألعاب المتوفرة عليه فمُقتبسة من الرسوم المتحركة وشخصياتها، مثل «بيبا بيغ» التي تقوم اللعبة الخاصة بها على الاعتناء بالحيوانات، وقيادة الحافلة، والتسوّق، وتحضير العصير وغيرها من الأنشطة التوعويّة. وفي لعبة «شارع سمسم»، يرافق الطفل شخصيات البرنامج المحبوبة مثل «إلمو» و«بيغ بيرد» و«كوكي مونستر» في ألعاب تحفّز الذاكرة والمنطق.

لـ«دكتور سوس» ألعابُه كذلك، وهي تقوم على استكشاف الطبيعة، وتعلّم رياضات جديدة، وبناء السيارات. وعلى قائمة «نتفليكس» لألعاب الأطفال محطات مع روبوتات المعرفة والديناصورات حيث تمتزج الأهداف الترفيهية بتلك التعليمية والتثقيفية.


مقالات ذات صلة

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

يوميات الشرق «Widow's Bay» الفائز الأكبر بجوائز «إيمي» كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً (إ.ب.أ)

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

حفل «إيمي» يتوّج أفضل مسلسلات العام والممثل ماثيو ريس يحقق إنجازاً تاريخياً بفوزه عن فئتَي الكوميديا والدراما القصيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق لا يستقبل ضيفاً لا يقتنع به مهما بلغت أهميته (فيسبوك)

رودولف هلال: مَن ينسحب من برنامجي أكون قد كشفتُ كذبه

مؤخراً، بدأ رودولف هلال إلى جانب عمله التلفزيوني، بإقامة حفلات لنجوم من الزمن الجميل...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حصدت مؤخراً جائزة «موركس دور» لأفضل ممثلة لبنانية عن دور أول (إنستغرام)

كارمن بصيبص لـ«الشرق الأوسط»: سرتُ في طريقي ولم أتأثّر بما يدور حولي

ترى كارمن بصيبص أنّ الأعمال المعرّبة تبقى ظاهرة ناجحة ما دامت تحظى بإقبال كبير من المُشاهد العربي.

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا دخان يتصاعد في مدينة كييف الأوكرانية خلال غارة روسية بطائرة مسيّرة في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا... 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجوم بمسيّرة روسية يلحق أضراراً بقناة تلفزيونية أوكرانية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن ضربة روسية بطائرة مسيّرة ألحقت أضراراً بمبنى قناة «ماي أوكرانيا» التلفزيونية الأوكرانية في كييف اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)

لأول مرة في العالم... خلايا جذعية تُزرع في عضلة القلب

ورقة من خلايا عضلة القلب مشتقة من خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات (وسائل إعلام يابانية)
ورقة من خلايا عضلة القلب مشتقة من خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات (وسائل إعلام يابانية)
TT

لأول مرة في العالم... خلايا جذعية تُزرع في عضلة القلب

ورقة من خلايا عضلة القلب مشتقة من خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات (وسائل إعلام يابانية)
ورقة من خلايا عضلة القلب مشتقة من خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات (وسائل إعلام يابانية)

أجرى مستشفى ياباني أول عملية جراحية في العالم لزراعة رقائق من خلايا عضلة القلب المشتقة من الخلايا الجذعية باستخدام علاج متاح تجارياً، بعد حصوله على موافقة السلطات هذا العام، وفق ما أعلن أحد الجراحين.

وخضعت امرأة في الخمسينات من عمرها، يوم الثلاثاء، للعملية التي استغرقت ساعة، وزُرعت خلالها في قلبها رقائق من خلايا عضلية مشتقة من الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات، المعروفة اختصاراً باسم «آي بي إس» (iPS).

وتُعد هذه العملية أول استخدام سريري للعلاج التجديدي منذ حصوله على موافقة حكومية مشروطة في مارس (آذار).

وقال مدير مستشفى أوساكا كيساتسو، الجراح يوشيكي ساوا، للصحافيين عقب العملية: «نأمل أن يُسهم هذا العلاج في تحسين نوعية حياة المريضة».

وسبق أن خضع ثمانية مرضى يعانون من مرض القلب الإقفاري الناجم عن تضيق الشرايين التي تغذّي القلب، لتجارب سريرية باستخدام هذا العلاج.

وأفادت وسائل إعلام يابانية بأن المرضى الثمانية شهدوا تحسناً في أعراضهم، فيما تحسنت وظائف القلب لدى أربعة منهم.

وطوّر ساوا هذه التقنية بالتعاون مع العالم الياباني شينيا ياماناكا، الحائز على جائزة نوبل عام 2012 عن أبحاثه في الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات التي تتميز بقدرتها على التحول إلى أي نوع من خلايا الجسم.

ويستهدف العلاج بصورة أساسية مرضى القلب الذين استنفدوا الخيارات العلاجية الأخرى المتاحة لهم.

ومن المتوقع أن يُسهم في تحسين وظائف عضلة القلب، وبالتالي تخفيف أعراض قصور القلب وتحسين أدائه وزيادة قدرة المرضى على تحمّل المجهود البدني.

ويعتزم فريق ساوا إجراء عمليات مماثلة لـ75 مريضاً بحلول عام 2033، وتقديم تقرير بشأن فاعلية العلاج، وفق ما أوردته وسائل إعلام يابانية.

وذكرت صحيفة «أساهي شيمبون» أن العلاج قد يحصل على ترخيص نهائي بعد إثبات فاعليته وسلامته خلال السنوات السبع المقبلة.

وكانت اليابان قد منحت في مارس موافقة مشروطة أيضاً لعلاج مرض «باركنسون» يقوم على زراعة خلايا جذعية متعددة القدرات في أدمغة المرضى، عقب نجاح تجربة سريرية.

وتُنتَج هذه الخلايا عبر إعادة برمجة خلايا بالغة متخصصة لتعود إلى حالة مبكرة، تتيح لها التحول إلى أنواع مختلفة من خلايا الجسم، في عملية تشبه الاستنساخ، لكنها لا تتطلب استخدام أجنة.


مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)
الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)
TT

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)
الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

​للمرة الثانية في مسيرته السينمائية الحافلة والمتوّجة بجائزتَي أوسكار، يجتمع الممثل أدريان برودي أمام كاميرا واحدة مع زميله في النجاحات والجوائز شون بن. بعد 28 سنة على «The Thin Red Line» الذي جمعهما عام 1998، يقفان أمام عدسة المخرج دوغ ليمان ليقدّما فيلم «Snake Island» (جزيرة الأفعى) الجاري تصويره حالياً في كرواتيا.

يسترجع الفيلم عملية تخريب خطوط أنابيب الغاز «نورد ستريم» في أعماق بحر البلطيق في سبتمبر (أيلول) 2022، وهي إحدى أكثر الحوادث إثارة للجدل في سياق الحرب الأوكرانية الروسية. ويروي الفيلم قصة فريق سرّي من الغوّاصين الأوكرانيين الذين ينطلقون في مهمة خطيرة تحت الماء، في ظلّ تصاعد التوتّرات بين روسيا وأوكرانيا.

ليست البطولات السينمائية والجوائز القاسم المشترك الوحيد بين برودي وبن، فالاثنان معروفان باعتمادهما طريقة التمثيل المنهجي، التي يذهب فيها الممثّل إلى حالاتٍ قصوى خلال تحضيره للدور. ولعلّ آخر تجارب برودي في هذا الإطار هي من بين الأصعب والأكثر غرابة.

يُعرف أدريان برودي وشون بن باعتماد أسلوب التمثيل المنهجي خلال تحضير أدوارهما (رويترز)

عزلة 5 أشهر في فندق

أُسدلَ الستار في برودواي قبل أسابيع على أوّل عمل مسرحي يقدّمه الممثل الأميركي أدريان برودي (53 سنة) في مسيرته. من أجل شخصية «نيك يارس» المقتبسة من قصة حقيقية، خاض الممثل إحدى أقسى التجارب التي يمكن أن يختبرها فنان، فألزمَ نفسه بعزلة تامة عن الناس استمرّت 5 أشهر.

يؤدّي برودي في مسرحيّة «The Fear of 13» (الخوف من 13)، شخصية سجين أمضى 22 عاماً خلف القضبان منتظراً حكم الإعدام بتهمة قتل لم يرتكبها. استعداداً لأداء تلك الشخصية الواقعية، عزل الممثل نفسه في غرفة فندق خلال 5 أشهر متواصلة، باستثناء يوم الأحد الذي كان يخرج فيه لزيارة عائلته.

في حوار مع مجلّة «إنترفيو» حول هذه التجربة الفريدة، قال برودي إنّ ثمة «حاجة للتضحية ببعض وسائل الراحة والحرّيات من أجل أدوار كهذه»، مضيفاً أنها ليست المرة الأولى التي يقوم فيها بأمر كهذا، ولن تكون الأخيرة.

أدريان برودي في مسرحيته الأولى بشخصية سجين بريء محكوم بالإعدام (إنستغرام)

عندما خاض برودي حمية التجويع

تماماً كما قال برودي، فإنّ المسرحيّة لم تكن العمل الفنّي الأوّل الذي يستعدّ من أجله بأقسى الأساليب. ولعلّ أصعب تمرين خاضه في هذا الإطار، كان خلال تحضيره لشخصية «فلاديسلاف زبيلمان» في فيلم «عازف البيانو» (The Pianist)، والذي استحقّ عنه أوسكاره الأوّل عام 2002.

يخبر برودي في حواره مع «إنترفيو» أنّ ما عاشه حينها لا يُقارَن بأي تجربة أخرى: «وضعتُ كل أغراضي في مخزن وتركتُ بيتي. بعتُ سيارتي وأطفأت هاتفي. توقفتُ عن الاستماع إلى الموسيقى التي أحبّ مثل (الهيب هوب)، وأغرقتُ نفسي في الموسيقى الكلاسيكية. تعلّمتُ أن أعزف مقطوعات شوبان، وخضتُ حمية التجويع. كان تحوّلاً جذرياً. وعندما انتهى الفيلم كان عليَّ أن أعيد ترميم حياتي من الصفر».

هذا كلّ ما فعله أدريان برودي من أجل ذلك الفيلم الأسطوري. خسرَ 14 كيلوغراماً خلال 6 أسابيع؛ لأنه كان يجب أن يظهر بغاية النحافة نتيجة اختبار الشخصية المُجَوَّعة. إلا أنه لم يجوِّع نفسه من أجل خسارة الوزن فحسب؛ بل كي يلمس المعنى الحقيقي للجوع، ويجسّد يأس «زبيلمان» على حقيقته.

أما دراسة البيانو فتعامل معها بجدّيّة كبيرة، وكان يتمرّن ساعاتٍ يومياً. إلا أنّ تلك التجربة لم تمرّ من دون عواقب؛ إذ دخل في موجة اكتئاب وأرق واضطراب ما بعد الصدمة، استمرّت عاماً بعد الانتهاء من التصوير، نظراً للتحوّلات الجسمانية والعاطفية التي عبَرَها.

أدريان برودي وأوسكار أفضل ممثل عن فيلم «The Pianist» عام 2003 (رويترز)

برودي سجين السترة

من بين التجارب المتطرّفة التي خاضها أدريان برودي، كانت خلال التحضير لفيلم «السترة» (The Jacket) عام 2005. أدّى حينها شخصية جندي شارك في حرب الخليج، وأُودِعَ في مصحّة نفسية عن طريق الخطأ. طلب من طاقم العمل أن يحبسوه ويتركوه مقيّداً داخل سترة تقييد حقيقية، من تلك التي تُستخدَم مع المرضى في المصحّات العصبيّة. مارس ذلك التمرين فترات طويلة بين المَشاهد، في مسعى لاختبار شعور الخوف من الأماكن المغلقة، والعجز الذي تعاني منه الشخصية.

مشهد من فيلم «The Jacket» الذي تحضَّر له برودي بتكبيل نفسه في سترة التقييد (يوتيوب)

تجنيد عسكري

تحضيراً لشخصيته في دراما الحرب (The Thin Red Line) عام 1998، شارك أدريان برودي في مخيّم تدريب عسكري، وخاض كل التمارين المفروضة على الجنود. أما على جبهة التحضير النفسي، فقد وضع نفسه في حالٍ من الخوف الدائم. استثمر كثيراً في هذا الشعور الذي استلزمته شخصية «الرقيب جيفري فايف»، إلى درجة أنه لم يستطع التخلّص بسهولة من الخوف بعد انتهاء التصوير.

برودي في مشهد من فيلم الحرب «The Thin Red Line» (شركة 20th Century Fox)

تسريحة أشواك في شوارع نيويورك

عندما عرض عليه المخرج سبايك لي شخصية مغنّي الروك «ريتشي» في فيلم «صيف سام» (Summer of Sam) عام 1999، كان أدريان برودي لا يزال ممثّلاً صاعداً ومبتدئاً. ولكنه منذ ذلك الحين كان قد قرّر اعتماد أسلوب التمثيل المنهجي تحضيراً لأدواره.

لم يكن يعرف شيئاً عن موسيقى «البانك روك» قبل ذلك الدور، إلا أنه انغمس في هذه الثقافة، وتلقّى دروساً يومية في العزف على الغيتار الكهربائي. كما غيّر مظهره بشكل جذري، وصار يخرج إلى شوارع نيويورك ويقابل الناس بتسريحة شعره الشائكة الشهيرة، وبالعُرف الأشقر مرتدياً ملابس «البانك» ومتقمّصاً الشخصية.

أدريان برودي في أحد أدواره الأولى كمغنّي روك في فيلم «Summer of Sam» (يوتيوب)

برودي أكل النمل والديدان

خلال تحضيره لشخصية «الجندي رويس» في فيلم «ذا بريداتورز» عام 2010، لم تنحصر استعدادات برودي بقراءة كتبٍ عن التمارين العسكريّة والتعمّق في التعاليم البوذيّة. كان يمضي وقتاً طويلاً في الغابة؛ حيث ينام بمفرده، كما أنه كان يخضع لتمارين رياضية قاسية 6 أيام في الأسبوع. ومن أجل ذاك الدور، كان على برودي أن يرفع وزنه 10 كيلوغرامات.

برودي في آخر أفلامه «The Brutalist» الذي نال عنه الأوسكار (يونيفرسال بكتشرز)

في مسيرته التمثيلية الممتدة منذ الطفولة، لم يتخلّ أدريان برودي يوماً عن تقنيته المتطرّفة تلك في التحضير للأدوار. وإذا كان الأوسكار الثاني عن فيلم «ذا بروتاليست» (2024) قد كلّفه تعلّم اللغة المجَريّة، فإنّ فيلم «محطّم» (Wrecked) عام 2010 جعله يذهب إلى أقصى الواقعيّة الجسديّة. أكل النمل والديدان الحيّة أمام الكاميرا، أثناء تجسيده شخصية رجل يستيقظ مصاباً بفقدان الذاكرة، ومحاصراً في سيارة محطمة وسط غابة.


هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
TT

هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)

اعتمدت الحكومة المصرية أخيراً خطة لتخضير القاهرة، بعد انتقادات حادة طالتها بسبب قطع أشجار عتيقة بشارع «جامعة الدول»، الشهير بالجيزة، وأعلنت محافظتا القاهرة والجيزة عن إعادة تشجير الشوارع بآلاف الأشجار الجديدة، مما أثار انتقادات وتساؤلات عن جدوى زراعة الأشجار الجديدة وقدرتها على تعويض الأخرى المقطوعة.

وأعلنت محافظة الجيزة بدء تنفيذ أعمال تشجير جديدة ضمن مبادرة «100 مليون شجرة»، مؤكدةً أن التوسع في الزراعة سيجري وفق أسس علمية تراعي اختيار الأنواع الملائمة للظروف المناخية، إلى جانب وضع آليات لصيانة الأشجار وريها لضمان استدامتها.

وتتزامن التحركات في الجيزة مع توسع مماثل في القاهرة؛ إذ قال محافظ القاهرة إبراهيم صابر، خلال جولة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الأحد، إن المحافظة تستهدف زراعة مليون نبتة خلال عام، بينها 60 ألف شجرة، بواقع لا يقل عن 1500 شجرة في كل حي وفق مساحته والأماكن المتاحة للزراعة، إلى جانب 800 ألف من النباتات والشجيرات.

وأضاف صابر أن المحافظة زرعت بالفعل أكثر من «3 آلاف شجرة ونحو 700 ألف من الشجيرات والنباتات»، مشيراً إلى الاستعانة بمكتب استشاري متخصص لوضع خطة التشجير واختيار الأنواع الملائمة.

رئيس الوزراء المصري يتفقد عدداً من مشروعات الزراعة والتشجير في محافظة القاهرة (رئاسة الوزراء)

لكن الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، يرى أن تعويض الأشجار القديمة «لا يمكن قياسه بأعداد الأشجار الجديدة وحدها»، وأن المسألة ترتبط بنوع الأشجار المختارة وعمرها والوظيفة البيئية التي تؤديها داخل المدينة، منتقداً أن «بعض الأشجار الجديدة التي بدأت زراعتها لتعويض الأشجار القديمة لم تُراعَ في اختيارها الوظائف البيئية التي كانت تؤديها الأشجار المقطوعة، من بينها توفير الظل وخفض درجات الحرارة»، مستشهداً بزراعة «النخيل في بعض المواقع بدلاً من الأشجار ذات التيجان الواسعة».

ويقول نور الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن النخيل لا يعطي ظلاً ولا يخفف الحرارة بالشكل الذي تؤديه أشجار الظل، موضحاً أن التشجير في المدن يفترض أن يراعي توفير الظل خلال الصيف، وتجديد الهواء والتخفيف من تأثير عوادم السيارات، إلى جانب البعد الجمالي، عبر اختيار أنواع مزهرة تتلاءم مع الشوارع.

ولا تتوقف صعوبة التعويض، وفق نور الدين، عند اختيار نوع الأشجار، وإنما تمتد إلى الفارق الزمني الكبير بين الأشجار المقتلعة والشتلات التي تحل محلها، ويستشهد بما شهدته منطقة المهندسين (غرب القاهرة)، قائلاً إن «أصغر شجرة اقتُلعت في المهندسين كان عمرها نحو 70 عاماً»، وإن الأشجار القديمة في المنطقة كوّنت على مدى عقود مجموعاً جذرياً مستقراً، بينما تبدأ الأشجار الجديدة بجذور محدودة وتحتاج إلى سنوات حتى تصل إلى حالة مماثلة.

جانب من عمليات قطع أشجار شارع جامعة الدول في المهندسين (الشرق الأوسط)

ويضيف أن الأشجار الجديدة تحتاج إلى رعاية وري منتظمين «لمدة لا تقل عن عشر سنوات»، حتى تتمكن جذورها من الامتداد وتستقر في التربة، وهو ما يجعل، وفق رأيه، «المقارنة العددية بين ما أزيل من أشجار وما تتم زراعته من شتلات جديدة غير متكافئة»، فلا تعوّض الشتلة بمجرد زراعتها ما كانت توفره شجرة عمرها عشرات السنين من ظل وكتلة خضراء وتخفيف للحرارة وعوادم السيارات.

ويرى نور الدين أن المشكلة تمتد إلى غياب جهة واحدة تدير ملف الأشجار وفق خطة متكاملة، مشيراً إلى أن المسؤولية ما زالت موزعة بين المحليات ووزارة الزراعة، رغم أن التعامل مع الأشجار المعمرة يحتاج، وفق رأيه، إلى إشراف زراعي متخصص يحدد ما يمكن الحفاظ عليه أو نقله وما تستدعي الضرورة إزالته.

وكانت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، قد وجهت، مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، بحصر الأشجار التي قُطعت في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، وتحديد أسباب إزالتها بدلاً من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة مع اختيار أنواع ملائمة لطبيعة المكان وأعمال التطوير.

وتتجه محافظة القاهرة في خطتها الأحدث إلى تبني معايير أكثر تحديداً في التعامل مع التشجير؛ إذ أعلنت خلال الشهر الجاري الاستعانة بخبراء ومتخصصين، ثم بمكتب استشاري، لاختيار الأنواع المناسبة للبيئة المصرية، مع التركيز على الأشجار قليلة استهلاك المياه، إلى جانب الحفاظ على الأشجار القائمة وعدم تقليمها إلا للضرورة ووفق المعايير الفنية.

شجرة عتيقة مقطوعة (الشرق الأوسط)

ومن جانبه، يقول المهندس الزراعي أحمد هلال: «يستحيل أن تحل الأشجار الجديدة محل الأشجار التي سبقتها بعشرات السنين»، موضحاً أن «الشجرة المعمرة تكون قد احتاجت سنوات طويلة لتكوين مجموع جذري مستقر في التربة، بالتوازي مع نمو الجذع والتاج والمساحة الورقية، بينما تبدأ الشتلات الجديدة دورة نمو تحتاج إلى سنوات قبل تكوين كتلة خضراء مماثلة».

ويضيف هلال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تمتلك رصيداً من الأشجار المعمرة، وإزالة الأشجار لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نتيجة حتمية لمشروعات التطوير»، مشيراً إلى أن «الاستعانة بخبرات التخطيط والزراعة قبل تنفيذ المشروعات كان من شأنها تقليص حجم الخسائر، في ظل وجود أساليب علمية للتعامل مع الأشجار القديمة والحفاظ عليها».

ويرى أن الفارق لا يتعلق بعمر الشجرة فقط، وإنما بما أصبحت «تؤديه بعد سنوات من النمو؛ فحجم المجموع الخضري واتساع التاج وامتداد الجذور عوامل تجعل الأثر البيئي للشجرة الناضجة مختلفاً عن أثر الشتلة الجديدة، حتى إذا زُرعت أعداد كبيرة منها، وهو ما يجعل عملية التعويض مرتبطة بالزمن وليس بارتباطها بعدد الأشجار المزروعة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended