«هانتا» على متن سفينة سياحية… لماذا يشعر الخبراء بالقلق؟

عاملون صحيون يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون بإجلاء المرضى من سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر (أ.ب)
عاملون صحيون يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون بإجلاء المرضى من سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر (أ.ب)
TT

«هانتا» على متن سفينة سياحية… لماذا يشعر الخبراء بالقلق؟

عاملون صحيون يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون بإجلاء المرضى من سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر (أ.ب)
عاملون صحيون يرتدون معدات الوقاية الشخصية يقومون بإجلاء المرضى من سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر (أ.ب)

تسبب تفشي فيروس «هانتا» على متن سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» في وفاة ثلاثة ركاب وإصابة 4 آخرين على الأقل، مما أثار قلق خبراء الصحة.

ينتقل هذا المرض النادر والقاتل عادةً عن طريق براز أو بول أو لعاب القوارض المصابة، غير أن منظمة الصحة العالمية أكدت يوم الثلاثاء عدم العثور على أي قوارض على متن السفينة، وفقاً لصحيفة «نيويورك بوست».

ويبحث العلماء الآن في سبب محتمل مثير للقلق بشكل خاص لانتقال العدوى.

وقالت دونا أ. باترسون، الأستاذة في قسم التاريخ والعلوم السياسية والفلسفة ودراسات القانون بجامعة ولاية ديلاوير الأميركية: «الوضع مثير للقلق بشكل خاص، إذ يبدو أن هذا الفيروس هو على الأرجح سلالة الأنديز من فيروس (هانتا)».

وأضافت: «في الظروف المناسبة، وغالباً في الأماكن المغلقة، يمكن أن ينتقل الفيروس من إنسان إلى آخر».

غادرت سفينة الرحلات الهولندية الأرجنتين - إحدى المناطق التي ينتشر فيها فيروس الأنديز، إلى جانب تشيلي - في 20 مارس (آذار) في رحلتها التي تستغرق أسابيع إلى القارة القطبية الجنوبية، لكنها ظلت عالقة قبالة سواحل غرب أفريقيا منذ يوم الاثنين.

مع معدل وفيات يصل إلى 40 في المائة بسبب هذا الفيروس تحديداً، فإن معضلة الحجر الصحي في مساحة ضيقة ومغلقة مثل السفينة التي يبلغ طولها 353 قدماً تثير مخاوف جدية.

لقطة جوية تُظهر أفراد الطاقم الطبي وهم يصعدون على متن سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» (أ.ف.ب)

ما مدة الحجر الصحي لفيروس «هانتا»؟

من المهم تحديد مصدر العدوى لتحديد إجراءات الحجر الصحي.

قال الدكتور ريموند ألفاريز، عالم المناعة والفيروسات، لصحيفة «نيويورك بوست»: «إذا تعرض الركاب للعدوى خلال رحلاتهم البرية، فمن المحتمل أن يكون العديد منهم قد أصيبوا في الوقت نفسه، وتظهر عليهم الأعراض الآن في مراحل مختلفة من فترة الحضانة».

وأضاف: «هذا سيناريو أكثر انغلاقاً».

وأوضح ألفاريز أنه إذا حدثت العدوى الأولية على متن السفينة، فإن احتمالية استمرار انتقال العدوى أعلى، و«تتطلب إجراءات احتواء أكثر صرامة».

في المتوسط، تتراوح فترة الحجر الصحي لفيروس «هانتا» من ثلاثة إلى أربعة أسابيع، على الرغم من أن هذا يمكن أن يختلف لأن فترة الحضانة تستمر «نحو أسبوعين، حيث تظهر الأعراض على المرضى بشكل عام من نحو أسبوع ولكن قد تصل إلى شهر»، وفقاً لباترسون.

بحسب ألفاريز، قد تستمر فترة العزل من أربعة إلى خمسة أسابيع كإجراء احترازي لمراقبة الأفراد المُعرَّضين للعدوى ومنع انتشارها.

وقد أوصت جيل روبرتس، خبيرة علم الأوبئة الجزيئية في كلية الصحة العامة بجامعة جنوب فلوريدا في تامبا، بالمدة الأطول من هذه الفترة.

وقالت: «للفيروس فترة حضانة طويلة».

سلبيات العزل

على الرغم من التوصية العامة بالحجر الصحي لمنع انتشار العدوى، فإن هناك تحديات خاصة في بيئة السفن السياحية.

وأوضحت باترسون قائلة: «بالنظر إلى تصميم السفن السياحية، بما في ذلك المساحات الضيقة وإمكانية إعادة تدوير الهواء، قد يؤدي ذلك إلى زيادة احتمالية إصابة المزيد من الركاب».

وأضافت: «كلما طالت مدة بقاء الركاب على متن السفينة، زادت احتمالية إصابتهم بالعدوى».

كما أن العزل ليس كافياً لاحتواء الفيروس إلى حين تحديد مصدره.

وقالت الدكتورة كاري هورن: «يساعد عزل الركاب على مراقبة حالتهم الصحية من كثب، ولكنه قد لا يسهم بشكل كبير في منع انتشار المرض».

وأضافت هورن: «إذا تمكن فريق علم الأوبئة من فهم كيفية ومكان إصابة المرضى بشكل أفضل، فقد لا يحتاجون إلى عزل جميع الركاب لفترة طويلة».


مقالات ذات صلة

باحثون: لقاح تجريبي قد يقي من 3 فيروسات تنفسية

علوم ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد - 19» (رويترز)

باحثون: لقاح تجريبي قد يقي من 3 فيروسات تنفسية

أفاد ‌باحثون بأن لقاحاً تجريبياً قد يوفر الحماية من «جائحة ثلاثية» من الإنفلونزا الموسمية، وفيروس كوفيد – 19، والفيروس المخلوي التنفسي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك شخص يرتدي ملابس واقية يسير بجوار سيارة إسعاف خلال عملية إجلاء لمرضى يُشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» في أعقاب تفشي المرض على متن سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» في برايا بالرأس الأخضر يوم 6 مايو 2026 (رويترز)

الصحة العالمية تعلن انتهاء تفشي فيروس «هانتا»

أعلنت «منظمة الصحة العالمية»، الخميس، انتهاء تفشي فيروس «هانتا»، الذي ارتبط بسفينة سياحية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أفريقيا ممرّضون يقومون بمعالجة مريض مصاب بفيروس إيبولا في مركز روامبارا للعلاج في إيتوري بالكونغو (أ.ب) p-circle

الكونغو: 1274 إصابة مؤكدة بـ«إيبولا» منها 360 حالة وفاة

قالت جمهورية الكونغو الديمقراطية، في ساعة متأخرة من مساء أمس الأحد، إن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس إيبولا في البلاد وصل إلى 1274 حالة، توفي منها 360 حالة

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا طبيب يرتدي مُعدات الوقاية الشخصية ويقف بالقرب من سيارة إسعاف في مركز لعلاج مرض إيبولا بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز) p-circle

«الصليب الأحمر»: «إيبولا» في الكونغو لم يصل بعد إلى ذروته... وقد يستمر عاماً

كشف مسؤول في الصليب الأحمر، الثلاثاء، أن وباء إيبولا ​في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية لم يصل بعدُ إلى ذروته.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك يأمل الباحثون أن يؤدي فهم هذه الخلايا الجديدة إلى تقريب العلماء من هدف طال انتظاره يتمثل في التوصل إلى علاج شافٍ لفيروس نقص المناعة البشرية (بيكسباي)

اكتشاف خلايا جديدة يختبئ فيها فيروس نقص المناعة البشرية

كشفت دراسة صينية عن نوع جديد من الخلايا المناعية المتحوّلة التي تؤوي فيروس نقص المناعة البشرية كامناً، ما قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف خزاناته الفيروسية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«شمشون ودليلة» يُعيد اكتشاف أحمد العوضي ومي عمر كوميدياً

العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)
العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«شمشون ودليلة» يُعيد اكتشاف أحمد العوضي ومي عمر كوميدياً

العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)
العوضي مع مي عمر في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

رجل أعمال أجنبي يمتلك «ماسة» نادرة يصل بها إلى مصر ويقيم في أحد الفنادق الكبرى بوسط القاهرة، لكن الماسة المُقدَّرة بملايين الدولارات يتصارع عليها 3 لصوص. في هذا الإطار تدور أحداث فيلم «شمشون ودليلة» لأكثر من 90 دقيقة، وتتنقل فيها الأحداث بين مصر وإسبانيا.

الفيلم الذي يتقاسم بطولته أحمد العوضي مع مي عمر، يضم من بين أبطاله أحمد عصام السيد، وعصام السقا، وخالد الصاوي، وأحمد الرافعي، ومحمد ثروت، وهو من تأليف محمود حمدان، وسيناريو وحوار شادي محسن وأمجد الشرقاوي، ومن إخراج رؤوف السيد.

الأحداث التي تدور في مدى زمني أقل من أسبوع تنطلق من إجبار «شمشون» (يقدمه أحمد العوضي) - الذي توقَّف عن السرقة - على التخطيط لعملية سرقة جديدة بعد اختطاف شقيقته، بينما تدخل «دليلة» (مي عمر) عملية السرقة مدفوعة بوهم أنَّها تقوم بمهمة وطنية بعدما أقنعها زعيم عصابة آخر بأنَّها تنفِّذ عملية السرقة لصالح الوطن.

يلتقي «شمشون» و«دليلة» في مواجهة لا تقتصر على محاولة كل منهما الحصول على «الماسة»، ولكن يفاجأ الثنائي بعصابة أجنبية تسعى أيضاً للحصول عليها، ليتحد الثنائي في مواجهة العصابة الأجنبية وتتغيَّر طبيعة العلاقة بينهما بشكل كامل خلال الأحداث التي تدفعهما للسفر إلى إسبانيا من أجل استردادها.

وتصدَّر «شمشون ودليلة» شباك التذاكر في مصر خلال أول يومين عرض، محققاً إيرادات اقتربت من 10 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 49.5 جنيه مصري)، بوقت يكثِّف فيه بطلاه، أحمد العوضي ومي عمر، الدعاية عبر حساباتهما على مواقع التواصل الاجتماعي.

مي عمر والمخرج رؤوف السيد خلال التصوير (الشرق الأوسط)

وقال مخرج الفيلم رؤوف السيد لـ«الشرق الأوسط» إنَّ العمل يُمثِّل تجربةً مختلفةً بالنسبة له، كونه يجمع بين الأكشن والكوميديا، وهو ما عدَّه تحدياً منذ المراحل الأولى للتحضير، مشيراً إلى أنَّ المشروع شهد جلسات عمل مكثَّفة مع المنتجَين كريم وأحمد السبكي؛ لمراجعة تفاصيله كافة قبل انطلاق التصوير.

وأوضح أن «اختيار إسبانيا لم يكن مجرد قرار إنتاجي، وإنما جاء لأن السيناريو كُتب منذ البداية في هذه الأجواء، وهو ما فرض طبيعة خاصة على مواقع التصوير والهوية البصرية للفيلم، وتوظيف مصارعة الثيران في الأحداث المكتوبة»، لافتاً إلى أنَّ تصوير هذه المشاهد جرى في المجر.

وأضاف أنَّ «المزج بين الأكشن والكوميديا احتاج إلى توازن دقيق حتى لا يطغى عنصر على آخر»، مؤكداً أنَّ الهدف كان تقديم فيلم ترفيهي يحافظ على إيقاعه، ويمنح الجمهور جرعةً متوازنةً من الإثارة والضحك.

وأشار إلى أنَّه كان متمسكاً بالتصوير داخل أحد الفنادق ذات الطابع التاريخي في القاهرة، مستفيداً من قيمته المعمارية، لأنَّ فريق العمل كان يسعى إلى خلق عالم بصري مختلف يمنح الفيلم شخصيةً خاصةً وصورةً غير معتادة في الأفلام التجارية.

وأكد المخرج أنَّ مرحلة التحضير كانت من أهم مراحل تنفيذ الفيلم، موضحاً أنَّه يحرص دائماً على العمل لفترات طويلة مع فريقه قبل بدء التصوير، لكن هذه المرة وفق قوله: «لم يتطلب الأمر فترات طويلة حتى في مشاهد الأكشن بعدما وجدتُ لدى أحمد العوضي لياقةً بدنيةً كبيرةً مكَّنته من تنفيذ مشاهد الحركة بكفاءة، بينما خضعت مي عمر لتدريبات خاصة لتتمكَّن من تقديم مشاهد الأكشن بصورة مقنعة».

وعدَّ أن «شمشون ودليلة» يمنح أحمد العوضي ومي عمر أول تجربة كوميدية، لذلك كان حريصاً على تحقيق توازن بين الدراما والأكشن والكوميديا، موضحاً أنَّّ «فريق العمل منح الممثلين مساحةً للارتجال خلال التصوير، لأنَّ الممثل عندما يتقمَّص الشخصية قد يضيف تفاصيل أو مواقف تكون أفضل من المكتوب، وهو ما حدث في عدد من المشاهد، في ظلِّ تفاهم كامل بين الجميع»، على حدِّ تعبيره.

محمد سامي خلال زيارة فريق العمل خلال التصوير (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنَّ صناع الفيلم راهنوا على تقديم توليفة مختلفة، وأكد أن «الجانب الكوميدي لا يعتمد فقط على بطلَي العمل، وإنما يشارك فيه أيضاً أحمد عصام السيد وعصام السقا، بما يضيف تنوعاً إلى الإيقاع الكوميدي، لأن الفيلم في النهاية عمل تجاري ترفيهي يستهدف أن يخرج الجمهور من قاعة السينما وهو مستمتع بما شاهده».

وحول خوضه تجربة إخراج فيلم سينمائي تجاري لأحد نجوم الشباك، أكد رؤوف السيد أنه لم يشعر بأي اختلاف في طريقة العمل، لأن جميع الأبطال تعاملوا باحترافية كبيرة داخل موقع التصوير، وكانوا يناقشون تفاصيل الشخصيات والمشاهد باستمرار، مشيراً إلى أنه حرص على تقديم أحمد العوضي بصورة مختلفة عن الأدوار التي اعتاد الجمهور رؤيته فيها، لإبراز جانب جديد من إمكاناته الفنية.

ونفى المخرج المصري ما تردد عن تدخل المخرج محمد سامي، زوج الفنانة مي عمر، في تفاصيل الفيلم، موضحاً أنَّ «سامي زار موقع التصوير مرتين أو 3 مرات فقط لدعم زوجته، لكنه لم يتدخل مطلقاً في أي قرار فني، وجميع التفاصيل الخاصة بالفيلم للأدوار كافة كانت تُدار داخل فريق الفيلم منذ بداية المشروع وحتى الانتهاء منه».


ياشاسفي جويال: حادث تصادم ألهمني قصة «اليد الملطخة بالحبر»

أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)
أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)
TT

ياشاسفي جويال: حادث تصادم ألهمني قصة «اليد الملطخة بالحبر»

أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)
أسهم دعم «البحر الأحمر» في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي ياشاسفي جويال إن فيلمه الروائي الطويل الأول «اليد الملطخة بالحبر والإبهام المفقود» (The Ink-Stained Hand and the Missing Thumb) وُلد من واقعة حقيقية عاشها بنفسه، بعدما تحولت جملة قالها عامل في أحد أكشاك تحصيل الرسوم إلى الشرارة الأولى لعمل يمزج بين الواقعية والخيال، ويطرح أسئلة حول الحب والفقد والذاكرة والانتماء.

وأضاف جويال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» إن فكرة الفيلم بدأت قبل سنوات في بلدته الصغيرة الواقعة عند سفوح جبال الهيمالايا شمال الهند، حيث كانت المنطقة تشهد تغيرات عمرانية متسارعة مع إنشاء طريق سريع جديد يمر بالقرب من منزله، موضحاً أن إحدى الشاحنات اصطدمت في ذلك الوقت بكشك لتحصيل الرسوم، مخلفة آثاراً قاسية في المكان، الأمر الذي دفعه إلى زيارة الموقع في اليوم التالي بدافع الفضول.

مخرج الفيلم تحدث عن كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

وأكد أنه فوجئ بأن الكشك أُعيد إصلاحه سريعاً، بينما جلس بداخله أحد العاملين، فسأله عن سبب استمراره في العمل رغم خطورة المكان، ليجيبه الرجل مبتسماً: «أنا لست ذلك الشخص... أنا شبح، أما العامل الذي كان هنا فقد مات»، مشيراً إلى أن هذه الجملة لم تغادر ذهنه، وشعر منذ اللحظة الأولى بأنها تحمل صورة سينمائية استثنائية، وتعكس فكرة أشخاص يعيشون في أماكن تبدو كأنها معلقة بين عالمين، وهو ما أصبح لاحقاً الأساس الذي بُني عليه الفيلم.

وتدور أحداث فيلم «اليد الملطخة بالحبر والإبهام المفقود» حول «راجي»، وهي شابة تعمل في أحد أكشاك تحصيل الرسوم على طريق سريع في منطقة نائية بشمال الهند، وتعيش قصة حب مع زميلها في العمل «سانتوش»، ويحلمان معاً بترك حياتهما الصعبة والانتقال إلى مكان يوفر لهما مستقبلاً أفضل.

لكن حياتهما تنقلب رأساً على عقب عندما يلقى «سانتوش» مصرعه في حادث شاحنة. وبعد مرور 24 ساعة على وفاته، يعود في هيئة حضور غامض يرافق «راجي»، لتجد نفسها عالقة بين الحنين والواقع.

وأوضح المخرج أن السيناريو لم يولد على الورق فقط، بل بدأ من الميدان، حيث تعاون مع الكاتب ومصمم الصوت أنكيت ثابا في بناء عالم الفيلم قبل كتابة مشاهده، مشيراً إلى أنهما أمضيا أشهراً طويلة في تسجيل أصوات الطبيعة والحيوانات والطيور والطرق والرياح، وصنعا أرشيفاً صوتياً كاملاً للمنطقة؛ لأنهما كانا يؤمنان بأن الصوت هو الطريق الحقيقي لفهم المكان قبل تصويره.

وأشار إلى أن علاقته بأنكيت ثابا تمتد سنوات طويلة من العمل المشترك في الأفلام الوثائقية، وهو ما جعلهما يتعاملان مع المشروع بالطريقة نفسها، معتمدين على البحث الميداني أكثر من الخيال المجرد، لافتاً إلى أنهما التقيا عدداً كبيراً من العاملين الحقيقيين في أكشاك تحصيل الرسوم، واستمعا إلى تفاصيل حياتهم اليومية.

وأكد جويال أن تجربته السابقة في السينما الوثائقية تركت أثراً واضحاً في أسلوبه في الإخراج، موضحاً أنه لا يحب الفصل الحاد بين الوثائقي والروائي، بل يفضل أن يتداخل العالمان معاً، سواء في مرحلة الكتابة أو في أثناء التصوير، حتى تبدو الشخصيات والأماكن نابضة بالحياة، لا مجرد عناصر داخل حبكة سينمائية.

اعتمد المخرج على ممثلين يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى (الشركة المنتجة)

وعن طبيعة الفيلم، قال إنه لم يكن يرغب في تقديم عمل يتحدث فقط عن الحزن أو الموت، بل كان حريصاً أيضاً على إبراز الفكاهة التي ترافق حياة الناس البسطاء، معتبراً أن المجتمعات المهمشة لا تواجه قسوة الحياة بالبكاء وحده، وإنما تستخدم السخرية والضحك وسيلة للمقاومة، وهو ما حاول أن يعكسه في كثير من تفاصيل الفيلم.

وعن اختيار الممثلين، قال إنه كان واضحاً معهم منذ البداية، وأخبرهم بأنهم لن يشاركوا في فيلم بوليوودي تقليدي مليء بالأغاني والاستعراضات، وإنما في تجربة مستقلة تعتمد على الصدق والبساطة، موضحاً أن «معظم المشاركين في الفيلم وقفوا أمام الكاميرا للمرة الأولى، باستثناء بطلي العمل، بينما كان باقي الممثلين من أبناء المنطقة نفسها».

وأضاف أن منزله تحول طوال فترة التحضير إلى مساحة مفتوحة للفريق، حيث كانت والدته تتولى إعداد الطعام للجميع، بينما كان والده يساعد على تجهيز أماكن الإقامة، حتى أصبح المشروع أشبه بتجمع عائلي أكثر منه موقع تصوير، معتبراً أن هذه الروح انعكست على العلاقات التي ظهرت بين الشخصيات أمام الكاميرا.

وعن أصعب لحظات التصوير، قال إن «فريق العمل كان يخطط لإنجاز معظم المشاهد داخل كشك حقيقي على الطريق السريع، لكن السلطات الهندية رفضت منحنا التصاريح قبل بدء التصوير مباشرة؛ ما اضطرنا إلى تأجيل العمل وإعادة بناء كشك كامل بميزانية محدودة للغاية».

صور المخرج الفيلم بظروف صعبة (الشركة المنتجة)

وأوضح أنهم كانوا ينقلون الكشك ليلاً إلى موقع التصوير، ثم يفكونه مع الساعات الأولى من الصباح حتى يتمكن السكان من استخدام المكان بصورة طبيعية، وهو ما فرض على الفريق سباقاً يومياً مع الوقت، لكنه تحول لاحقاً إلى واحدة من أجمل الذكريات التي خرج بها من صناعة الفيلم.

وكشف المخرج الهندي أن الحصول على دعم «صندوق البحر الأحمر» شكّل نقطة تحول حقيقية في رحلة المشروع، موضحاً أنه التقى فريق الصندوق للمرة الأولى خلال سوق «هونغ كونغ السينمائي»، حيث لمس منهم اهتماماً خاصاً بالفيلم وبطبيعته البصرية المختلفة، وشجعوه على التقدم للحصول على دعم مرحلة ما بعد الإنتاج.

وأضاف أن اختياره لاحقاً للمشاركة في برنامج المخرجين التابع لمهرجان «البحر الأحمر» أتاح له لقاءً فردياً مع المخرج الأميركي سبايك لي، وهو ما عده محطة فارقة في مسيرته الفنية، مؤكداً أن دعم «البحر الأحمر» لم يكن مجرد مساهمة إنتاجية، بل عامل أساسي في استكمال المشروع ووصوله إلى عرضه العالمي الأول في مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي» بالتشيك.


رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
TT

رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)
جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

ها هي الفنانة الشهيرة، مستلقية على السرير الذي أمضت فيه وقتاً طويلاً تتعافى من وعكة صحية وحوادث مروعة. ترتدي زياً مكسيكياً تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم، ورأسها متوج بتاج زهري مميز، تحدق إلينا بنظرة مباشرة من تحت حاجبيها المتصلين. لكن لا، إنها ليست الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو، رغم الشبه المذهل بينهما. إنها الفنانة البريطانية تريسي إمين، تستلهم من فريدا، وتُحيي ذكراها، وربما تؤكد استمرارية نوع معين من الفن الأنثوي الشخصي والسيرة الذاتية، وهو فن غالباً ما يُساء فهمه.

ماري مكارتني «أن تكوني فريدا» لندن 2000 (ماري مكارتني)

صورة «أن تكوني فريدا، لندن» (2000) من تصوير المصورة ماري مكارتني، التي قامت بتنسيق الصورة والتقاطها بعد عام من شهرة إمين (وإثارتها للجدل) عندما عُرض عملها الفني «سريري» في معرض متحف تيت. هذا الصيف، وفي تناغم بصري بديع، يُعرض هذان العملان في آنٍ واحد في متحف تيت مودرن، وإن لم يكونا في المعرض نفسه.

منذ افتتاحه في فبراير (شباط)، استقطب معرض «تريسي إمين: حياة ثانية» - الذي يغطي أربعة عقود من مسيرة الفنانة الفنية متعددة الممارسات - رقماً قياسياً بلغ 234 ألف زائر، وفقاً للمتحف. ومن الإنجازات الأخرى: قبل افتتاحه الأسبوع الماضي، بيعت مسبقاً أكثر من 41 ألف تذكرة لمعرض «فريدا: صناعة أيقونة»، وهو معرض استعادي لأعمال فريدا كاهلو يستمر حتى 3 يناير (كانون الثاني)، وهو رقم قياسي لمتحف تيت مودرن، بحسب بيان صحافي.

ؤ

في المعرض الثاني - الذي يهدف إلى استكشاف تأثير كاهلو كفنانة وأيقونة - تُعرض صورة إمين التي التقطتها ماكارتني، إلى جانب أعمال فنانين معاصرين آخرين استلهموا إبداعهم من كاهلو.

لقطة من معرض «فريدا: صناعة أيقونة» في تيت مودرن (تصوير: تيت / لارينا أنورا فرنانديز)

وحتى لو لم تكن الأعمال معروضة في الطابق نفسه من المتحف - حيث يمتد طابور الزوار المتلهفين لرؤية أعمال كاهلو ليصل تقريباً إلى مدخل معرض إمين - لكانت المقارنة بين الفنانتين أمراً حتمياً؛ فكلتاهما تستمد فنها من تجاربها الشخصية بصدق وابتكار.

تُعد «الأسرة» عنصراً مشتركاً في أعمالهما؛ فقد أُصيبت كاهلو بشلل الأطفال في السادسة من عمرها، وتعرضت في سن الثامنة عشرة لحادث حافلة تسبب لها بإصابات أدت إلى آلام مزمنة ومضاعفات صحية لازمتها طوال حياتها. ومع ذلك، واصلت الرسم حتى وهي طريحة الفراش؛ إذ تظهرها صورة غير مؤرخة تعود لعام 1940 مستلقية، ورأسها مثبت بوضعية غير مريحة ضمن جهاز للشد الطبي، بينما ثُبّتت أمامها منصة للرسم.

فريدا كاهلو - بورتريه ذاتي بشعر منسدل (1946) (مجموعة خاصة)

أما في معرض إمين، فلا نرى سريرها الشهير (والمثير للجدل) فحسب، بل نشاهد أيضاً صوراً لأماكن أخرى اضطرت فيها للبقاء ساكنة، مثل حمام المستشفى؛ ففي عام 2020، شُخّصت إصابة إمين بسرطان المثانة وخضعت لجراحة غيّرت مجرى حياتها. وتشترك أعمال الفنانتين - اللتين تفصل بين مولد كل منهما نصف قرن من الزمان - في اهتمامات أخرى، منها: الحب (وما يرافقه من شغف وانكسار وتعافٍ)، ورسم الذات كأداة جريئة لتشكيل الهوية الشخصية، ومسألة كيفية تحويل العالم الداخلي - بما فيه من أحلام ورغبات - إلى صور مرئية ملموسة.

فن البوح

على الرغم من التباين الشديد في أساليبهما الفنية، إذ نجد مزيج كاهلو بين الصور السريالية والتقاليد الشعبية المكسيكية في مقابل أعمال إمين المتمثلة في الألحفة المصنوعة يدوياً وكتابات النيون العفوية، فإن أعمالهما تشكل معاً أمثلة رائعة تجسد ما كتبه الناقد والروائي جون بيرجر في مقالته المرجعية «طرق الرؤية» (Ways of Seeing): «إن المرأة تكون دائماً مصحوبة - باستثناء الأوقات التي تكون فيها وحيدة تماماً، وربما حتى في تلك اللحظات أيضاً - بصورتها الذاتية عن نفسها».

فريدا كاهلو - «الذاكرة (القلب)» 1937 (مجموعة خاصة)

تجارب مؤلمة

في أعمال كلتا الفنانتين، يتحول العبء الثقافي الخاص بالمرأة - والمتمثل في كونها محط أنظار الآخرين دون أن يروها حقاً - إلى فرصة للكشف والبوح. ترسم كاهلو نفسها في هيئات وحالات وجودية شتى؛ فتارةً تبدو طافيةً في أجواء حالمة وقد اخترقها القضيب المعدني الذي أصاب جسدها إبان حادث الحافلة، وتارةً أخرى تظهر وعنقها مطوق بأشواكٍ تدميها وتغرس وخزاتها في جلدها. كما أنها تعبّر عن أبعاد هويتها المكسيكية من خلال لوحات الطبيعة الصامتة التي تضم الفاكهة والمقتنيات التراثية، بل وحتى على الأدوات التي قيدت جسدها فعلياً؛ ومثال ذلك لوحة «المطرقة والمنجل (وجنين لم يولد)»، وهي واحدة من العديد من الجبائر الطبية التي حولتها كاهلو إلى أعمال فنية. لقد عانت كاهلو من حالات إجهاض متكررة ومشكلات في الخصوبة، وتُظهر لنا في هذا العمل جنيناً في الرحم، متكوراً أسفل الرمز العالمي للشيوعية.

تريسي إمين (غيتي)

في أعمال إمين، تفتح السردية الشخصية باباً أمام الآخرين ليشهدوا -وربما يتماهوا مع- تجارب مؤلمة ومحاطة بالمحرمات الاجتماعية. ففي متحف «تيت مودرن»، رأيتُ الكثيرين يجلسون لمشاهدة أعمال فيديو كاملة، بل ويبقون في أماكنهم حتى تعاود تلك الأعمال العرض من بدايتها. كانت القاعات تكتظ بمشاهدين منجذبين تماماً للعملين: «كيف يبدو الأمر» (1996) - وهو عمل مدته 22 دقيقة يتناول تجربة إجهاض فاشلة - و«لماذا لم أصبح راقصة قط» (1995) - وهو فيلم قصير يصور المواقف القائمة على التمييز الجنسي والوصم التي واجهتها إمين في مراهقتها. لقد دفعت أعمال كهذه الكثيرين إلى وصف إمين بأنها «فنانة تعتمد أسلوب الاعتراف» (confessional artist). غير أنني لم أسمع قط إطلاق هذا الوصف على فنانين بارعين في رسم البورتريه الذاتي، مثل ديفيد هوكني أو رامبرانت.

تقول إمين في مقابلة نُشرت ضمن كتالوج المعرض: «لم أكن أعترف بأي شيء لأي أحد على الإطلاق؛ بل كنت أحاول فقط تفكيك كل الأمور وفهم جذورها، ومعرفة لماذا كان هذا الأمر على هذه الشائبة، ولماذا كان ذاك الأمر على تلك الشاكلة».

من الغريب، إذن، أن يدعونا الموقع الإلكتروني لمتحف «تيت مودرن» (Tate Modern) إلى «ولوج عالم تريسي إمين الرقيق الذي تبوح فيه بمكنونات نفسها». فمن الواضح أننا لم نجد بعد لغةً أفضل لمناقشة أعمال السير الذاتية للفنانات. وبالمثل، يبدو المتحف أحياناً عالقاً في مأزق الاختيار الصعب بين متطلبات تاريخ الفن وضرورات الأهمية الاجتماعية حين يتعلق الأمر بفريدا كاهلو؛ إذ تضعف محاولته الجادة لوضع أعمالها في سياق معاصر مقارناتٌ تتسم بالطابع التعليمي المباشر (الوعظي) وشحٌّ في النقاشات السياسية. كما يغص متجر المتحف بمنتجات تذكارية رخيصة تحمل صورة وجه كاهلو، وهي منتجات تحط من مكانتها كأيقونة فنية بدلاً من أن تعلي من شأنها.

جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

كتبت إمين عن كاهلو في مقال نُشر عام 2005 بعنوان «فريدا في خاطري» (Frida on My Mind): «لقد رسمت ما رأته عيناها؛ والأمر المذهل حقاً هو أنها رأت تلك الأشياء في مخيلتها. لقد جازفت بنفسها، ووضعت كيانها على المحك دفاعاً عما آمنت به». ولعل إمين كانت تصف نفسها في تلك الكلمات.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended