مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

ابتكارات طبية للاستخدام اليومي مطوَّرة بالذكاء الاصطناعي

مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ
TT

مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

مستقبل واعد لـ«تقنيات استشعار» الدماغ

تمر تقنيات استشعار الدماغ، وتحديداً نظم تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) المُتاحة للاستخدام المنزلي، بمرحلة تحوّل تشبه تلك التي مرت بها أجهزة الاستشعار السابقة، وتوشك أن تصبح ميزة قياسية في الأجهزة الاستهلاكية، خاصة تلك التي يجري ارتداؤها على الرأس... اليوم، لم يعد هذا الأمر مشكلة علمية، بل أصبح قراراً استراتيجياً لصنع منتج يمكن تسويقه، كما كتب د. رمسيس ألكايد (*).

ابتكارات مطوَّرة للاستخدام اليومي

عادةً ما تنشأ الابتكارات داخل البيئات السريرية أو المتخصصة، حيث تكون مكلفة، ومعقدة، وتفتقد الطابع العملي الذي يؤهلها للاستخدام اليومي. ومع مرور الوقت، تُسهِم التطورات الهندسية في تصغير حجم هذه التقنيات وتحسينها؛ حتى يُمكن دمجها في المنتجات الاستهلاكية.

وتعدّ أدوات رصد معدل ضربات القلب مثالاً نموذجياً؛ فرغم وجود تخطيط كهربائية القلب لأكثر من قرن، فإن رصد ضربات القلب المستمر ظل مقتصراً في السابق على المستشفيات، أو أحزمة الصدر غير المريحة. ولم تقدِم شركات مثل «فيتبيت» و«أبل» على دمج خاصية تتبع معدل ضربات القلب في الأجهزة القابلة للارتداء، إلا عندما أصبحت أجهزة الاستشعار البصرية صغيرة الحجم وبأسعار معقولة. ومع أن المستهلكين لم يطلبوا هذه الميزة بشكل صريح، فإن الشركات عمدت إلى ترسيخها، وسرعان ما أصبح من المتعذر الاستغناء عنها.

اللافت، أن المسار نفسه قد تكرر مع خاصية إلغاء الضوضاء النشطة في سماعات الرأس، كما تكرر حديثاً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لطالما كانت موجودة قبل انتشارها على نطاق واسع، إلا أنها احتاجت إلى منتج مُحفز مثل تصميم «تشات جي بي تي»؛ لتحفيز الوعي على نطاق واسع والتنافس الشديد.

تقنيات استشعار الدماغ

وعلى ما يبدو، ستشكل تقنيات استشعار الدماغ المرحلة الآتية من هذا النمط. جدير بالذكر، أنه جرى التحقق علمياً من تخطيط كهربائية الدماغ منذ عام 1924، وهو مُستخدم على نطاق واسع داخل البيئات السريرية؛ لمراقبة نشاط الدماغ في حالات مثل الصرع وإصابات الدماغ واضطرابات النوم. بيد أنه ورغم هذا الأساس الراسخ، جاء تبني المستهلكين هذه التكنولوجيا بطيئاً، بسبب التحديات الهندسية، وليس بسبب شكوك علمية.

عوائق فنية

بوجه عام، ثمة ثلاثة عوائق فنية رئيسة حالت تاريخياً دون أن يصبح تخطيط كهربائية الدماغ، جاهزاً للاستخدام أمام المستهلكين:

- أولاً: المستشعرات. تعتمد أنظمة تخطيط كهربائية الدماغ التقليدية على أقطاب كهربائية «رطبة»، تتطلب «جِلاً» موصلاً، ومجسات سلكية متعددة، وإعداداً احترافياً - ما يجعلها غير عملية خارج البيئات السريرية. وقد أتاحت التطورات في علم المواد، الآن، مجسات جافة وناعمة وموصلة، يمكن دمجها في منتجات قابلة للارتداء، مثل سماعات الرأس أو سماعات الأذن، دون التأثير على تجربة المستخدم.

- ثانياً: تشويش الإشارات. تتسم إشارات الدماغ بالضعف الشديد - تُقاس بوحدات الميكروفولت - وتتأثر بسهولة بالتشويش الناتج من حركة العضلات، أو التداخلات البيئية، أو حتى الحركات الجسدية البسيطة، مثل شد الفك. وقد تطلب حل مشكلة نسبة شدة الإشارة إلى شدة التشويش هذه، نماذج متطورة للتعلم الآلي، جرى تدريبها على مجموعات بيانات ضخمة لنشاط الدماغ في العالم الحقيقي.

اليوم، أصبح بإمكان أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه، عزل الإشارات العصبية المهمة من التشويش في الوقت الفعلي، حتى داخل البيئات غير الخاضعة للتحكم. وتمثل هذه القدرة، التي بُنيت على مدار سنوات من البحث والتحقق (بما في ذلك التعاون مع مؤسسات، مثل وزارة الدفاع الأميركية)، ميزة تنافسية حاسمة وعامل تمييز عن المحاولات السابقة الأقل مصداقية، في مجال التقنيات الاستهلاكية المرتبطة بالأعصاب.

- ثالثاً: تكامل الأجهزة. جرى التغلب على مسألة تحدي تكامل الأجهزة، خاصة مع اكتساب أنظمة تخطيط الدماغ الكهربائي الحديث، القدرة على العمل ضمن قيود الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، باستخدام رقائق «بلوتوث» قياسية، والحفاظ على عمر بطارية معقول، إضافة إلى أنها أصبحت تتناسب تماماً مع أشكال مألوفة، مثل أغطية سماعات الرأس.

مستشعرات دقيقة

وقد أحدثت هذه التطورات مجتمعةً تأثيراً تراكمياً: إذ تُنتج المستشعرات المُحسّنة بيانات أكثر دقة؛ ما يُعزز نماذج التعلّم الآلي، وبالتالي يسمح باستخدام عدد أقل من المستشعرات وأصغر حجماً. وبفضل هذه الدورة الإيجابية، تحول استشعار الدماغ من مجرد إمكانية نظرية إلى جدوى تجارية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة اختلافاً جوهرياً بين استشعار الدماغ من ناحية، وأجهزة الاستشعار الحيوية السابقة، من ناحية أخرى، فيما يتعلق بكيفية استخدام البيانات. ففي الوقت الذي يعتمد رصد معدل ضربات القلب بشكل كبير على البيانات السابقة - أي ما حدث بالفعل – يتيح تخطيط الدماغ الكهربائي، تفاعلاً ثنائي الاتجاه، في الوقت الفعلي. وتستطيع الأجهزة رصد التغيرات في الحالة الإدراكية والاستجابة لها على الفور؛ ما يُنشئ أنظمة ذات حلقة مغلقة تتكيف ديناميكياً مع المستخدم. ويسهم هذا في تحويل الأجهزة من مجرد أجهزة مراقبة سلبية، إلى أدوات مُشاركة فاعلة في تحسين الأداء والتجربة.

وتُعدّ الكثير من التطبيقات موثوقة بالفعل؛ إذ يُمكن لرصد التركيز والانتباه، التمييز بين التركيز المُستمر وشرود الذهن، ما يُتيح التدخل للحفاظ على الإنتاجية. ويمكن لتكنولوجيا الكشف عن الإرهاق الذهني رصد تراجع الأداء العقلي قبل أن يدركه المستخدمون بوعي؛ ما يوفر تنبيهات أو تعديلات في الوقت المناسب. كما يقيس تقدير الحمل المعرفي مدى صعوبة المهمة ذهنياً؛ ما يؤثر على تصميم واجهة المستخدم، والألعاب، والمهن الحساسة للسلامة مثل الطيران والقيادة.

بالإضافة إلى ذلك، قد يكشف التتبع طويل الأمد لنشاط الدماغ عن اتجاهات متعلقة بالتوتر، وجودة النوم، والشيخوخة، رغم أن هذا المجال لا يزال قيد البحث النشط، وينبغي الحذر من المبالغة في أهميته.

محدودية التكنولوجيا

لا تقرأ تكنولوجيا تخطيط كهربائية الدماغ الحالية، الأفكار أو تفك شفرة محتوى ذهني محدد؛ بل تقيس أنماط نشاط الدماغ المرتبطة بحالات الأداء، بدلاً من محتوى الإدراك. وتركز التطبيقات الحالية على الصحة العامة وتحسين الأداء، وليس على التشخيص السريري. ويحمل هذا التمييز أهمية علمية وتنظيمية، خاصة وأن الادعاءات المبالغ فيها لطالما تسببت في تقويض الثقة في قطاع التكنولوجيا العصبية.

من منظور المنتج وأعماله، يجري النظر إلى دمج استشعار الدماغ في الأجهزة الاستهلاكية باعتباره أمراً ممكناً نسبياً؛ فالبصمة المادية لأجهزة الاستشعار ضئيلة، ولا تتطلب سوى القليل من التغيير في التصميم الصناعي الحالي. وتتوفر معظم المكونات التقنية - بما في ذلك أجهزة الاستشعار والبرامج الثابتة ومعالجة الإشارات ونماذج الذكاء الاصطناعي - من خلال الترخيص؛ ما يسمح للشركات بدمج قدرات متقدمة، دون الحاجة إلى بناء خبرات داخلية في علم الأعصاب. وهذا يتماشى مع النماذج الراسخة في مجالات أخرى، مثل الاتصال عبر الهاتف المحمول ومعالجة الصوت.

والأهم من ذلك، لا يُنظر إلى استشعار الدماغ بوصفه ميزة واحدة، بل بوصفه طبقة حوسبة جديدة ذات قدرات متنامية وإمكانات ربحية هائلة. فإلى جانب مبيعات الأجهزة، يُتيح استشعار الدماغ خدمات الاشتراك، والميزات المتميزة، وتطبيقات المؤسسات، والشراكات القائمة على البيانات. وتتيح المنتجات الأولى بالفعل ميزات، مثل تتبع التركيز، وتنبيهات الإرهاق، والتدريب المعرفي، وتشير بيانات المستخدمين الأولية بالفعل إلى تحسينات ملموسة في الأداء اليومي والتفاعل.

من ناحية أخرى، تؤكد توقعات السوق أهمية هذا التحول؛ فمن المتوقع أن ينمو قطاع الأجهزة القابلة للارتداء المخصصة للألعاب نمواً كبيراً، في حين ترجّح توقعات أن تتجاوز سوق واجهات الدماغ والحاسوب الأوسع نطاقاً، عشرات المليارات من الدولارات عالمياً خلال العقد المقبل.

ومن أهم السمات الاستراتيجية، الميزة التراكمية للبيانات؛ فالشركات التي تبدأ بجمع بيانات الدماغ مبكراً، تستطيع تطوير نماذج تعلم آلي فائقة، تجذب المزيد من المستخدمين؛ الأمر الذي يُولد المزيد من البيانات. ويُنشئ بدوره حلقة معلومات تغذية استرجاعية يصعب على الشركات المتأخرة في الدخول إلى السوق محاكاتها.

وهناك اعتبارات بالغة الأهمية لقادة المنتجات، تتضمن تكاليف دمج الأجهزة، وتصميم تجربة المستخدم، وبنية معالجة البيانات، وحماية الخصوصية، والامتثال للوائح التنظيمية، خاصة مع بدء التشريعات الجديدة بتصنيف البيانات العصبية كمعلومات حساسة.

* مجلة «فاست كومباني».


مقالات ذات صلة

خاص الانتقال من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى الإنتاج يتطلب إثبات القيمة بمؤشرات أداء واضحة لا الاكتفاء بإثبات المفهوم تقنياً (شاترستوك)

خاص بين البيانات والحوكمة وسير العمل... لماذا تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات؟

تتعثر مشاريع الذكاء الاصطناعي المؤسسي بين البيانات والحوكمة وسير العمل بينما يتطلب الانتقال إلى الإنتاج إثبات قيمة وانضباطاً تنفيذياً.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا ميزان التغذية الذكي «نوتري لينز»

المطبخ الذكي: ميزان تغذية ومقلاة هوائية مطوران

لمتابعة العناصر الغذائية وتقديم وجبات لذيذة

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)

الأمن السيبراني في الحج... حماية تمتد من التطبيقات إلى المرافق الحيوية

أصبح الأمن السيبراني جزءاً أساسياً من جاهزية الحج الرقمية لحماية التطبيقات، والأنظمة الذكية، والبنية التحتية واستمرارية الخدمات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مايكل دِل رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ«دل تكنولوجيز» (الشرق الأوسط)

خاص «دِل» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي في السعودية يدخل اختبار الإنتاج لا التجربة

تدخل السعودية اختبار تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة تشغيلية داخل المؤسسات عبر البيانات الجاهزة والبنية الآمنة والكلفة المنضبطة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يواسي المريض

حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يواسي المريض

حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان
حين تحاول الخوارزمية طمأنة الإنسان

ظلّ الطب، عبر تاريخه الطويل، قائماً على معادلة إنسانية بسيطة: الطبيب لا يكتفي بالتشخيص... بل يطمئن المريض أيضاً.

ابن سينا والذكاء الاصطناعي - الكلمة التي تشفي

ولهذا كان ابن سينا يرى أن «العلاج يبدأ بالكلام قبل الدواء»، لأن الكلمة داخل العيادة ليست مجاملة عابرة؛ بل جزء أساسي من عملية الشفاء نفسها.

من التشخيص إلى «المواساة الرقمية»

لكن ما يحدث اليوم داخل بعض أنظمة الرعاية الصحية الرقمية يفتح سؤالاً لم يكن مطروحاً بجدية حتى قبل سنوات قليلة: هل تستطيع الأنظمة الذكية أن تتعلّم كيف تُطمئن الإنسان؟

الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على قراءة الأشعة وتحليل النتائج واقتراح التشخيصات؛ بل بدأ يتسلل تدريجياً إلى واحدة من أكثر مناطق الطب حساسية: العلاقة النفسية بين المريض ومن يعتني به. والأنظمة الذكية تجيب عن أسئلة المرضى، وتشرح الفحوصات بلغة مبسطة، وتتابع مؤشرات القلق النفسي، وتحاول أحياناً إنتاج ردود تبدو متعاطفة وداعمة بصورة تقترب بشكل لافت من أسلوب البشر أنفسهم.

دراسات حديثة ونتائج غير متوقعة

* الردود الاصطناعية أكثر اهتماماً من البشرية. في دراسة نُشرت هذا العام بمجلة «الطب الباطني العام» (Journal of General Internal Medicine)، قادتها الباحثة الأميركية مولي روبن (Mollie Ruben) وفريقها من جامعة رود آيلاند (University of Rhode Island) الأميركية، قارن الباحثون بين ردود أطباء حقيقيين وردود أنظمة ذكاء اصطناعي على أسئلة مرضى داخل منصات طبية رقمية. والمفاجأة أن عدداً كبيراً من المشاركين قيّموا ردود الذكاء الاصطناعي على أنها أكثر تعاطفاً واهتماماً بالمريض من بعض الردود البشرية.

* قياس «التعاطف الاصطناعي». في مايو (أيار) الحالي، نُشرت مراجعة بحثية جديدة في منصة «بروتوكولات أبحاث الإنترنت الطبية» (JMIR Research Protocols) التابعة لجامعة نوتنغهام (University of Nottingham) البريطانية، ناقشت كيف بدأت المؤسسات الطبية حول العالم فعلياً دراسة مفهوم «التعاطف الاصطناعي» وطرق قياسه داخل أنظمة الرعاية الصحية الرقمية.

حين يصبح الوقت شكلاً من أشكال الرحمة

* تعاطف الروبوتات. خلصت دراسة تحليلية أوسع نُشرت هذا العام أيضاً، وراجعت 15 دراسة مختلفة قارنت بين تعاطف الأطباء وتعاطف روبوتات المحادثة الطبية، إلى أن كثيراً من المستخدمين اعتبروا ردود الذكاء الاصطناعي أكثر «تعاطفاً نصّياً» من ردود البشر في بعض السيناريوهات المكتوبة.

لماذا تبدو الخوارزمية «ألطف» أحياناً؟

قد يبدو هذا الاستنتاج صادماً، لكنه لا يعني بالضرورة أن الآلة أصبحت أكثر رحمة من الإنسان. بل ربما يكشف أزمة أعمق يعيشها الطب الحديث نفسه. فالطبيب اليوم يعمل تحت ضغط هائل من الوقت، والملفات الإلكترونية، والإجراءات الإدارية، ونقص الكوادر في كثير من الأنظمة الصحية. وفي المقابل، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمنح المريض وقتاً أطول للإجابة، وإعادة الشرح، والتفاعل المستمر، من دون إرهاق أو استعجال أو توتر بشري.

وفي تقرير بريطاني حديث نُشر هذا الشهر، أظهرت دراسة من جامعة كينغز كوليدج في لندن (King’s College London) أن واحداً من كل سبعة بريطانيين أصبحوا يفضّلون استشارة روبوتات المحادثة الطبية في بعض الحالات بدل مراجعة الطبيب، خصوصاً مع صعوبة الوصول السريع إلى الخدمات الصحية التقليدية.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر حساسية: فكثير من المرضى لا يبحثون دائماً عن «العاطفة الحقيقية» بقدر ما يبحثون عن الشعور بأن هناك من يُنصت إليهم بهدوء، ويمنحهم الإحساس النادر بأن أحداً لا يزال يملك الوقت للاستماع إليهم.

رحمة حقيقية أم مصطنعة؟

لكن... هل هذه رحمة حقيقية فعلاً؟ رغم هذا التقدّم، يؤكد كثير من الباحثين أن الذكاء الاصطناعي لا «يشعر» بالرحمة بالمعنى الإنساني الحقيقي. فهو لا يعرف الحزن، ولا القلق على المريض، ولا التجربة العاطفية التي ترافق المعاناة البشرية؛ بل يعتمد أساساً على تحليل اللغة والتنبؤ بالكلمات الأكثر قدرة على التهدئة والتعاطف.

ولهذا بدأ عدد متزايد من خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التمييز بين «الرحمة الإنسانية» و«محاكاة الرحمة». فروبوتات المحادثة الطبية تستطيع إنتاج ردود تبدو دافئة ومتفهمة، لكنها في النهاية لا تعيش التجربة البشرية نفسها، وإنما تعالج أنماطاً لغوية وإحصائية معقدة.

وتزداد الحساسية الأخلاقية عندما تتحول المشاعر الإنسانية ذاتها إلى بيانات قابلة للتحليل والتوجيه. فإذا أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على قراءة القلق والخوف والوحدة بدقة متزايدة، يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن ضمان ألا تُستخدم هذه القدرة مستقبلاً في التأثير النفسي أو التجاري أو السلوكي على المرضى؟

الطبيب المنهك والروبوت «الطيف»

الطب المقبل... هل يصبح أكثر إنسانية أم أكثر برودة؟

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم فعلاً في إعادة البعد الإنساني إلى الطب، إذا استُخدم بوصفه أداة تُخفف العبء عن الطبيب، لا بديلاً عنه.

فعندما تختصر الخوارزميات الأعمال الروتينية والتوثيق الإداري والتحليل المتكرر، قد يستعيد الطبيب أثمن ما فقده الطب الحديث تدريجياً: الوقت... وقتٌ للاستماع، ولفهم المريض، ولإعادة العلاقة الإنسانية إلى قلب العيادة بدل أن تضيع خلف الشاشات والأنظمة الرقمية.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العلاقة الطبية نفسها إلى تفاعل بارد بين مريض وخوارزمية، مهما بدت لغتها متعاطفة أو مطمئنة. فالطب لم يكن يوماً مجرد معلومات وتشخيصات؛ بل علاقة ثقة ومسؤولية وخبرة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في معادلات رقمية.

ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع الآلة أن تُقنع الإنسان بأنها ترحمه؟ بل: هل يستطيع الطب أن يحتفظ بإنسانيته عندما تبدأ الآلة في تقليد أكثر الصفات البشرية حساسية؟


مختبر بريطاني متطور يرصد المخاطر الكامنة في الذكاء الاصطناعي

ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
TT

مختبر بريطاني متطور يرصد المخاطر الكامنة في الذكاء الاصطناعي

ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد
ساحة البرلمان في لندن حيث يقع مقر المعهد

يتحول معهد أمن الذكاء الاصطناعي الحكومي، الذي يضم خريجين من شركتي «أوبن إيه آي» و«غوغل»، إلى نموذج يُحتذى به للدول التي تواجه المخاطر الناشئة للذكاء الاصطناعي، كما كتب آدم ساتاريانو وبول موزور(*).

خداع الذكاء الاصطناعي

في أحد الأيام الأخيرة، وفي مبنى حكومي يعود للعصر الإدواردي في ساحة البرلمان بلندن، انشغل أربعة خبراء في الذكاء الاصطناعي بخداع برنامج دردشة آليّ للحصول على تعليمات صنع سلاح الجمرة الخبيثة الفتاك.

طلب الخبراء من البرنامج الآلي، بطرق مختلفة، تزويدهم بقائمة المكونات اللازمة. وعندما رفض النظام قائلاً: «معذرةً، لا أستطيع المساعدة في ذلك»، استخدموا خوارزمية مُخصصة لإغراق البرنامج بآلاف الأسئلة والتوجيهات الآلية.

* إجبار نظام ذكاء اصطناعي على تقديم بيانات لصنع الجمرة الخبيثة

وفي النهاية، استجاب البرنامج، إذ قدَّم قائمة مفصلة بالمواد والمعدات، بالإضافة إلى وصفة خطوة بخطوة لتحضير المزيج القاتل في المنزل. (وقد وافقت صحيفة «نيويورك تايمز» على حجب اسم نظام الذكاء الاصطناعي لأسباب أمنية).

نجاح اختراق الذكاء الاصطناعي

يقول زاندر ديفيز، خبير أميركي يبلغ من العمر 25 عاماً، ويرأس ما يُعرف بفريق الاختبار الأحمر في معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني: «هناك بعض الأسئلة التي لا نرغب بالتأكيد أن يُجيب عنها النموذج. (ومع ذلك) نبذل قصارى جهدنا للحصول على الإجابات».

كما تمكَّن ديفيز وفريقه، الذين يُحاكون الهجمات على أنظمة الذكاء الاصطناعي، أخيراً من اختراق إجراءات الحماية في أحدث روبوت محادثة «تشات جي بي تي»، حيث استطاعوا إقناعه بتقديم نصائح للاختراق في غضون ست ساعات تقريباً.

تعاون لتأمين النتائج

وبعد اكتشافهم لتلك المشاكل، يُشارك الخبراء النتائج مع الشركات. ويقول ديفيز، وهو عالم حاسوب اختار العمل في المعهد بدلاً من وظيفة تقنية في سان فرانسيسكو بعد تخرجه في جامعة هارفارد: «إنهم يحاولون إصلاحها، ويُبلغوننا بالنتائج. إنهم في الواقع يُعززون نظامهم بالتعاون معنا».

معهد لمفتشي الأسلحة وعلماء الأوبئة خبراء وفك الشفرات

يُعدّ معهد أمن الذكاء الاصطناعي A.I. Security Institute، الذي يضمّ مزيجاً من مفتشي الأسلحة وعلماء الأوبئة وخبراء فكّ الشفرات، أحد أكبر الجهود الحكومية وأكثرها تمويلاً في العالم، المُخصصة لدراسة المخاطر الكارثية المحتملة لهذه التقنية.

وقد اكتشف موظفو المعهد، البالغ عددهم نحو 100 موظف - والذين ينتمون إلى وكالات الاستخبارات البريطانية والأوساط الأكاديمية وشركات التكنولوجيا - ثغرات أمنية خطيرة في جميع نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة التي اختبروها، بما في ذلك نموذج «كلود» من شركة «أنثروبيك» ونموذج «جيميناي» من شركة «غوغل».

* حصل الخبراء على تعليمات صنع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والتخطيط للهجمات الإلكترونية وتنفيذها

وقد صرَّح المعهد الذي أُنشئ قبل نحو ثلاث سنوات، بأنه استغل أنظمة الذكاء الاصطناعي لتبادل تعليمات صنع الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والتخطيط للهجمات الإلكترونية وتنفيذها. وينشر المعهد أبحاثه، كما يتعاون مع أجهزة الأمن القومي البريطانية لتحديد التهديدات الناشئة والاستعداد لها.

نموذج تحتذي به حكومات العالم

والآن، يُصبح عمل المعهد نموذجاً يُحتذى به للحكومات الأخرى مع تزايد المخاوف بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي. وتدرس إدارة ترمب وضع قواعد لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي، تتشابه في بعض جوانبها مع النهج الذي ابتكره المعهد البريطاني.

وفي ظل افتقار العديد من الحكومات للفهم التقني اللازم لمراقبة التكنولوجيا، واعتمادها على شركات التكنولوجيا الكبرى للتنظيم الذاتي، قد يُقدّم المعهد مساراً مختلفاً يُتيح لخبراء الذكاء الاصطناعي إدخال خبراتهم التقنية الحقيقية في عملية صنع القرار الحكومي.

اختبار «ميثوس»

في أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت شركة أنثروبيك عن نموذج ذكاء اصطناعي جديد، أطلقت عليه اسم «ميثوس»، لكنها لم تُعلن عنه خشية أن يكشف عن ثغرات أمنية في الشبكات العالمية ويستغلها. وكان المعهد البريطاني الجهة الحكومية الوحيدة غير الأميركية التي حصلت على النموذج لاختبار سلامته. وقد حظيت نتائج الاختبار، التي نُشرت بعد ستة أيام من الإعلان عن «ميثوس»، باقتباسات واسعة من خبراء الأمن.

المعهد البريطاني أفضل من المركز الأميركي

ولدى الولايات المتحدة فريقها الخاص بسلامة الذكاء الاصطناعي، وهو مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي Center for A.I. Standards and Innovation. لكن النسخة البريطانية، المدعومة بـ360 مليون جنيه إسترليني من الأموال الحكومية، أي ما يعادل نحو 480 مليون دولار، أكبر وأفضل تمويلاً من نظيرتها الأميركية، التي ستتلقى نحو 10 ملايين دولار هذا العام. وقد أنشأت أستراليا وكندا والصين وفرنسا والهند واليابان وسنغافورة معاهد مماثلة.

ومع ذلك، فإن الاستثمار العالمي في سلامة الذكاء الاصطناعي لا يزال ضئيلاً مقارنةً بالمبالغ الطائلة المخصصة لتطوير هذه التقنية وتسويقها. والمعروف أن لدى «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» فرق تعمل على ضوابط السلامة، لكن الباحثين الخارجيين يكتشفون باستمرار ثغرات خطيرة.

* أكاديميون إيطاليون خدعوا نظاماً ذكياً بأبيات من الشعر للحصول على تعليمات صنع قنابل

وقد تمكن أكاديميون في إيطاليا أخيراً من خداع نموذج ذكاء اصطناعي لتقديم تعليمات متعلقة بالقنابل باستخدام أبيات من الشعر.

تردد الحكومات

لم تُنشئ الحكومات، في الغالب، أنظمة مخصصة لمراجعة الذكاء الاصطناعي من حيث مخاطر السلامة والأمن، كما فعلت في قطاعات مثل تطوير الأدوية أو صناعة السيارات.

جايد ليونغ مستشارة الذكاء الاصطناعي لرئيس الوزراء البريطاني

«ما يُقلقني حقاً هو سرعة تطور التكنولوجيا مقارنةً بالمؤسسات الحكومية التي يتعين عليها الاستجابة»، هذا ما قالته جايد ليونغ، مستشارة الذكاء الاصطناعي لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمديرة التقنية لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي.

نشوء المعهد

نشأ معهد الأمن البريطاني هذا بعد اجتماع عُقد عام 2023 في مقر رئاسة الوزراء البريطانية بين ريتشي سوناك رئيس الوزراء حينذاك وثلاثة من أبرز قادة الذكاء الاصطناعي في العالم: سام ألتمان من «أوبت إيه آي»، وداريو أمودي من «أنثروبيك»، وديميس هاسابيس من«غوغل ديب مايند». وأشار سوناك إلى قول أولئك الخبراء إن قدرات الذكاء الاصطناعي تتسارع، مما يُؤثر بشكلٍ كبير على الحكومة والوظائف والأمن القومي. وأضاف: «لقد فوجئوا حتى أنفسهم، بوتيرة التطور».

وأصبح المعهد نموذجاً يُحتذى به، كما صرّحت أوليفيا شين، مديرة برنامج التقنيات الاستراتيجية في مركز الدراسات الأميركية، وهو مركز أبحاث أسترالي تابع لجامعة سيدني. في العام الماضي، سافرت جايد ليونغ من المعهد البريطاني إلى أستراليا للقاء قادة حكوميين. وفي هذا العام، افتتحت أستراليا مركزها الخاص لأمن الذكاء الاصطناعي.

وقالت شين، التي ساعدت في تنظيم الزيارة: «على الحكومات أن تواكب التطور التكنولوجي. فمع سرعة تطور التكنولوجيا، تتخلف الحكومات يوماً بعد يوم».

تهديدات إلكترونية بسرعة أكبر من أي اختراق بشري

يعمل المعهد البريطاني على دراسة أخطر المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي المتقدم: التهديدات السيبرانية، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية، والتلاعب بالسلوك البشري. وفي الأسابيع الأخيرة، وجد المعهد أن نماذج الذكاء الاصطناعي من شركتي أنثروبيك وأوبن إيه آي قادرة على إنجاز هجوم معقد على شبكة شركة، يتألف من 32 خطوة، بسرعة أكبر بكثير، وهو هجوم يستغرق عادةً 20 ساعة من قبل مخترق بشري ماهر.

الخداع والتحكم بالسلوك البشري

ويبحث مجال بحثي آخر في إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في الخداع إذ تُدرك النماذج متى يتم اختبارها وتُعدّل سلوكها، وهو تطور يُشير إلى مستوى وعي الذكاء الاصطناعي وقدرته على الخداع.

آدم بومونت المدير المؤقت لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي

وقال آدم بومونت، المدير المؤقت لمعهد أمن الذكاء الاصطناعي، إن أحد المخاوف الرئيسية هو محاكاة هذه التقنية للسلوك البشري. في العام الماضي، نشر المعهد دراسة وجدت أن برامج الدردشة الآلية قادرة على التأثير على الآراء السياسية للأفراد.

وأضاف السيد بومونت، وهو مسؤول سابق رفيع المستوى في مجال الذكاء الاصطناعي في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ)، وكالة الاستخبارات والأمن السيبراني البريطانية: «يدرس الكثيرون في هذا المبنى كل هذه الأمور».

صلاحيات محدودة

يخشى الكثيرون من عدم كفاية عمل المعهد. لا تملك هذه المجموعة البريطانية أي سلطة تنظيمية، ولا يتلقى باحثوها معلومات حول كيفية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وإنشائها. كما يُبقي المعهد الكثير من أبحاثه سرية، ولا تُشاركه إلا مع بعض الوكالات الحكومية والشركات.

يُمثِّل التوظيف تحدياً أيضاً. فباستثناء كبار القادة، يمكن أن يصل راتب العاملين فيها إلى 145 ألف جنيه إسترليني سنوياً، أو ما يُعادل 195 ألف دولار أميركي تقريباً. تخلى الكثيرون عن رواتب بملايين الدولارات في شركات الذكاء الاصطناعي للقيام بما وصفه البعض بـ«خدمة حكومية».

كان إيان هوغارث، مستثمر التكنولوجيا والمؤسس المشارك للمعهد، من أوائل الداعمين لشركة أنثروبيك. ولتجنُّب تضارب المصالح، باع حصته في الشركة بعد انضمامه إليه. ومن المتوقع أن تصل قيمة هذا المعهد بوصفه شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى 900 مليار دولار قريباً، بعد أن كانت نحو 4 مليارات دولار في بداية عام 2023.

* خدمة«نيويورك تايمز».


الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري

الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري
TT

الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري

الجينوم الأفريقي يعيد رسم خريطة السكري

كشفت دراستان جينوميتان حديثتان عن صورة أكثر تعقيداً ودقة لداء السكري من النوع الثاني لدى سكان القارة الأفريقية، مؤكِّدتين أن الاعتماد على نماذج تشخيصية وعلاجية مطوَّرة في سياقات سكانية محدودة لم يعد كافياً. وتُبرز النتائج الدور الحاسم للتنوُّع الجيني الأفريقي في فهم آليات المرض، وتشير إلى آفاق جديدة لطب دقيق أكثر عدالة وفعالية.

*أوسع تحليل يربط بين بروتينات الدم والاختلافات الجينية لدى أفراد من أفريقيا*

الدراسة الأولى التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 8 يناير (كانون الثاني) 2026 قدَّمت أوسع تحليل حتى اليوم يربط بين بروتينات الدم والاختلافات الجينية لدى أفراد من أفريقيا القارية، وقادها باحثون من معهد «هيلمهولتز» في ميونيخ، بالتعاون مع جامعة «كوين ماري» في لندن، والجامعة التقنية في ميونيخ، إلى جانب مجلس البحوث الطبية ومعهد بحوث فيروس أوغندا، ووحدة بحوث أوغندا التابعة لكلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة.

وتعالج هذه الدراسة فجوة تاريخية في البحوث الطبية العالمية؛ حيث ظلَّت المجتمعات الأفريقية ممثَّلة تمثيلاً محدوداً في الدراسات الجينية واسعة النطاق.

سد فجوة العدالة في الصحة العالمية

ويُعدُّ السكري من النوع الثاني تحدياً صحياً متزايداً في أفريقيا جنوب الصحراء؛ لكنه غالباً ما يُشخَّص تشخيصاً ناقصاً أو غير دقيق. ويعود ذلك جزئياً إلى أن مؤشرات التشخيص الشائعة مثل الهيموغلوبين السكري (HbA1c) طُوِّرت اعتماداً على دراسات أُجريت على سكان من أصول أوروبية. وقد تكون أقل دقة لدى السكان الأفارقة بسبب الاختلافات الجينية والبيولوجية. وحتى وقت قريب كان النقص الحاد في الدراسات الجينية والبروتينية داخل أفريقيا يحدُّ من تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية ملائمة لهذه المجتمعات.

أنماط بروتينية فريدة تكشف أسرار المرض

واعتمد الباحثون برئاسة الدكتور أوبييمي سوريميكون (الباحث الأول في الدراسة من معهد علم الجينوم الانتقالي، وزميل بحوث سابق في معهد «هيلمهولتز» بميونيخ) في هذه الدراسة على دمج البيانات الجينومية مع بيانات البروتينات البلازمية لعينة من أوغندا، ما أتاح رسم خريطة لنحو 400 منطقة جينية تتحكم في مستويات البروتينات في الدم، من بينها 58 منطقة لم تكن معروفة سابقاً لدى أفراد من أصول أفريقية. كما حدد الفريق 18 بروتيناً يُحتمل أن يكون لها دور سببي مباشر في الإصابة بالسكري من النوع الثاني. ويجري استهداف بعض هذه البروتينات بالفعل بأدوية متوفرة، ما يفتح المجال لتحسين أو إعادة توظيف علاجات قائمة بما يتناسب مع الخصائص البيولوجية للسكان الأفارقة.

اختلاف أفريقي أوروبي

ولوحظ أن عدداً من البروتينات، مثل «أبوليبوبروتين إف» (apolipoprotein F) وإنزيم «ليبوبروتين ليباز» (lipoprotein lipase) أظهرت أنماطاً مميَّزة لدى المشاركين الأوغنديين لم تُسجَّل لدى الأوروبيين، وهو ما يؤكد أهمية البحوث المصممة خصيصاً لكل مجموعة سكانية. ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج لا تعمِّق فهم بيولوجيا السكري فحسب؛ بل توفِّر أيضاً أساساً عملياً لتطوير مؤشرات حيوية جديدة وتشخيص أكثر دقة.

*السكري من النوع الثاني ليس مرضاً ذا مسار بيولوجي واحد بل يختلف من مجتمع إلى آخر*

وتتكامل هذه النتائج مع دراسة جينومية سابقة نُشرت في مجلة «Diabetologia» بتاريخ 1 مارس (آذار) 2025، بقيادة فيفيان شيبي (باحثة في المعلوماتية الحيوية في معهد سيدني برينر للعلوم البيولوجية الجزيئية، جامعة ويتواتر سراند، جنوب أفريقيا) ركَّزت على سمات مستوى السكر في الدم لدى سكان القارة الأفريقية، من خلال دراسات الارتباط على مستوى الجينوم (GWAS). فقد تناولت الدراسة 4 سمات رئيسية مرتبطة بخطر السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأيض، هي: مستوى الغلوكوز في الدم خلال الصيام، ومستوى الإنسولين خلال الصيام، ومقاومة الإنسولين (HOMA-IR)، ووظيفة خلايا «بيتا» في البنكرياس (HOMA-B)، وتُعد هذه السمات الأربع متغيرات كمية محورية في تحديد الاستعداد للإصابة بالمرض.

ورغم أن دراسات الارتباط الجيني السابقة حدَّدت مئات المتغيرات المرتبطة بهذه السمات، فإن القليل جداً منها شمل سكان القارة الأفريقية. وقد أظهرت هذه الدراسة أن تكرار الإشارات الجينية المعروفة كان محدوداً، ما يشير إلى وجود بنية وراثية مميَّزة لسمات مستوى السكر في الدم لدى السكان الأفارقة. ويعني ذلك أن جزءاً مهماً من الأساس الجيني للسكري قد لا يكون ممثَّلاً في النماذج العالمية الحالية.

توسيع البحوث لتعكس تنوُّع أفريقيا

وتؤكد النتائج أن السكري من النوع الثاني ليس مرضاً ذا مسار بيولوجي واحد؛ بل نتيجة تفاعل معقَّد بين الجينات والبروتينات والبيئة يختلف من مجتمع إلى آخر. كما تبرز النتائج الحاجة الملحَّة إلى توسيع البحوث الجينومية والبروتينية في أفريقيا، بما يعكس تنوُّعها الجيني والثقافي والغذائي والبيئي.

ويخطط الباحثون لتوسيع نطاق هذه الدراسات، لتشمل مجموعات سكانية أفريقية إضافية، على أمل تطوير مؤشرات تشخيصية واستراتيجيات علاجية أكثر تمثيلاً وفاعلية. ومن خلال احتضان التنوع الجيني في البحث العلمي تقترب الرعاية الصحية خطوة إضافية نحو طب دقيق يخدم الجميع بعدالة، ويمنح ملايين الأشخاص فرصاً أفضل للوقاية والتشخيص والعلاج المبكر.