الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

عقب حديث عن «تبعية قنوات وضغوط على صحافيين»

وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
TT

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، لم تنقسم ليبيا سياسياً وعسكرياً فحسب، بل تشكلت مع الوقت خريطة إعلامية موازية، توزعت وترسخت فيها القنوات التلفزيونية والمنصات الإخبارية بين «معسكرات متصارعة»، في ظل نفوذ سلطات الأمر الواقع والمجموعات المسلحة، والاستقطاب السياسي الحاد، حسب شهادات دولية ومحلية.

وبين شرق البلاد وغربها، باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين، وتراجع هامش العمل المهني المستقل»، في مشهد تصفه منظمة «مراسلون بلا حدود» بأنه يقترب من «ثقب أسود للمعلومات» منذ 2011.

وعشية «اليوم العالمي لحرية الصحافة»، بدا المشهد في العاصمة طرابلس مرآة لحجم الأزمة، مع تنظيم مركز مهتم بحرية الصحافة، السبت، معرضاً بعنوان «صدى الحقيقة»، وثّق عبر الصور والرسوم الكاريكاتيرية والفن التشكيلي «شهادات وانتهاكات مرتبطة بواقع الصحافة الليبية منذ 2011، في ظل الانقسام الذي يرسم خريطة النفوذ الإعلامي».

الإعلام يرسم خرائط النفوذ

يقول رئيس «المركز الليبي لحرية الصحافة»، محمد الناجم، إن «الصراع بين الجبهات في بلد يعيش انقساماً بين حكومتين يزداد رسوخاً مع سيطرة الرأسمال السياسي، المدفوع من طرفي النزاع، دون حوكمة تحيد الإعلام عن هذا الصراع». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن بعض صفحات التواصل الاجتماعي ساهمت أيضاً في «تأجيج النزال بين الجبهات، وتشويه الخصوم عبر دعاية مضللة».

معرض فني بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة في طرابلس اليوم السبت (المركز الليبي لحرية الصحافة)

من جهتها، أوضحت «مراسلون بلا حدود»، في تقريرها السنوي، الأسبوع الماضي، أن هذا الواقع الإعلامي يعكس بوضوح حالة الاستقطاب السياسي والعسكري بين شرق ليبيا وغربها، حيث «باتت القنوات التلفزيونية امتداداً لخرائط النفوذ بين الأطراف المتنازعة على السلطة، أكثر من كونها منصات إعلامية مستقلة».

ويتفق نقيب الصحافيين في غرب ليبيا، منصور الأحرش، مع هذا التوصيف، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن انعكاسات الصراع بين الجبهات «تترسخ في المشهد الإعلامي الليبي مع مرور الوقت»، مشيراً إلى أن الاستقطاب جعل البلاد «بيئة غير مؤهلة لممارسة إعلامية وصحافية مستقلة».

وعلى الأرض، يبدو الانقسام الإعلامي واضحاً بين شرق البلاد وغربها بقنوات، بعضها يبث من داخل ليبيا والآخر من خارجها، وفق خريطة رصدها «المركز الليبي لحرية الصحافة».

ففي الشرق، حيث تتمركز القوى المتحالفة مع «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، تبرز قنوات مثل «ليبيا الحدث» و«المسار» و«الحدث الليبي»، ووفق هؤلاء الإعلاميين، فإن «خطاب تلك القنوات يميل إلى دعم هذا المعسكر السياسي والعسكري»، حسب المركز.

أما في غرب البلاد، حيث تتمركز حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، فتبرز وفق «المركز الليبي لحرية الصحافة»، قنوات مثل «التناصح» و«سلام» و«ليبيا الوطنية»، التي «تعكس سردية سياسية مقابلة، تركز على شرعية السلطة في طرابلس وتنتقد خصومها في الشرق».

صراع إعلامي وسط واقع منقسم

هذا الواقع المنقسم، الذي تتصارع فيه وسائل إعلام محلية، يؤكده الإعلامي الليبي، محمد القرج، الذي سبق أن عمل في إحدى تلك القنوات، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حرية العمل الصحافي في ليبيا باتت «محل شكوك» في بيئة وصفها بأنها «خصبة للاستقطاب بين أطراف الانقسام السياسي، والمجموعات المسلحة والنافذين ورجال الأعمال»، مشيراً إلى أنه لمس بنفسه الكثير من مظاهر هذا الصراع.

الصديق الصور خلال استقبال رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الليبية عبد الباسط أحمد أبودية ديسمبر الماضي (وكالة الأنباء الليبية)

أما في شرق ليبيا، ورغم الرقابة الذاتية التي تمارسها بعض وسائل الإعلام، فإن الصورة لا تختلف كثيراً، حسب «مراسلون بلا حدود»، التي أشارت إلى استمرار المطالبات الحقوقية بالإفراج عن الصحافي والمدون، الصالحين الزوالي، المحتجز منذ نحو 18 شهراً لدى جهاز الأمن الداخلي في بنغازي، بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 بمدينة إجدابيا.

ورغم وجود بعض وسائل الإعلام المحلية والصحف، التي تحاول تقديم نفسها باعتبارها أكثر مهنية وتوازناً، فإن مراقبين يرون أن «حدة الاستقطاب السياسي والأمني تجعل الحياد الإعلامي مهمة شديدة التعقيد».

وفي مشهد لافت، حرصت السلطات في شرق وغرب ليبيا على تنظيم منتديين إعلاميين في طرابلس وبنغازي العام الماضي، لكن الأحرش اعتبرهما «منتديات بتمويل حكومي لتجميل الصورة، أكثر من كونها مساحة لعرض تحديات المهنة»، وفق تعبيره، مشيراً إلى أن «الكيانات النقابية لم تُدعَ للمشاركة فيهما».

وتراجعت ليبيا مرتبة واحدة في مؤشر حرية الصحافة، الصادر عن «مراسلون بلا حدود»، لتبقى ضمن المنطقة الفاصلة بين الوضع «السيئ» و«الخطر». وحسب المنظمة «يعمل كثير من الصحافيين تحت نفوذ جماعات مسلحة، أو سلطات أمر واقع»، بينما يضطر آخرون إلى «مواءمة خطوطهم التحريرية مع القوى المسيطرة، ما يحد من تنوع المحتوى واستقلاليته، في ظل ضعف الضمانات القانونية لحرية التعبير وسلامة الصحافيين».

ودفع هذا الوضع عدداً من الصحافيين إلى مغادرة البلاد، وفق رواياتهم، ومن بينهم الإعلامي والمذيع الليبي خليل الحاسي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يرى العودة إلى ليبيا ممكنة حالياً، بعد 11 عاماً قضاها خارج البلاد، عاداً عودة أي صحافي استقصائي يطمح إلى المهنية باتت «مخاطرة غير محسوبة، في ظل استمرار الانقسام السياسي، واتساع رقعة الاستقطاب ونفوذ الميليشيات»، حسب تعبيره.

ومع إقرار تقارير دولية ومحلية بوجود تحسن نسبي منذ انتهاء الحرب، التي شنها المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني على طرابلس عام (2019-2020)، يرى بعض الصحافيين الليبيين أن هناك مبالغة أحياناً في توصيف واقع الترهيب. ومن بينهم الصحافي، أحمد الحضيري، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن التواصل مع حكومتي الشرق والغرب للحصول على المعلومات «لا يزال ممكناً»، مع إقراره بأن بعض وسائل الإعلام المستقلة تتجنب الاقتراب من الملفات الحساسة.

وأكد الحضيري أن «الإعلام يشهد تطوراً سريعاً عالمياً، في وقت لم تواكب فيه القوانين الليبية هذا التحول، خصوصاً فيما يتعلق بحرية التعبير والعمل الصحافي، ما يستدعي إصلاحاً تشريعياً».

لكن نقيب الصحافيين في غرب ليبيا يرى أن «الحل يتجاوز الإصلاحات القانونية»، ويتمثل، حسبه، في «توحيد الحكومتين في شرق وغرب البلاد، والوصول إلى دستور توافقي، وإقرار جماعي باحترام حرية الإعلام».


مقالات ذات صلة

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

شمال افريقيا الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

كان الاحتفال بالذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي، الأحد، مسرحاً لسجال بين معسكري الانقسام في الشرق والغرب الليبي.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع سابق لمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس مع عيسى في طرابلس (المصرف المركزي)

أزمة جديدة تواجه «المركزي الليبي» مع اعتذار محافظه عن منصبه

واجه مصرف ليبيا المركزي أزمة جديدة، الاثنين، بعدما تقدم محافظه ناجي عيسى بطلب رسمي إلى رئيسي مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» للاعتذار عن عدم الاستمرار في منصبه.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مشروع عمارات الناصرية بمدينة سبها الليبية بعد استكمال أعمال الصيانة في يوليو الماضي (ديوان الحكومة المكلفة من البرلمان بالمنطقة الجنوبية)

أزمة سكن متفاقمة في ليبيا تختبر وعود «الوحدة» و«الاستقرار»

تسابقت السلطات في شرق ليبيا وغربها خلال الآونة الأخيرة على طرح تعهدات ومبادرات سكنية لمواجهة أزمة إسكان مزمنة تراكمت على مدى عقود.

جاكلين زاهر (القاهرة )
رياضة عالمية الزامبي لاميك باندا لاعب ليتشي (رويترز)

ليتشي يشكو باندا إلى «فيفا» بعد ظهوره مع السويحلي الليبي

دخل نادي ليتشي في نزاع قانوني ضد لاعبه الزامبي لاميك باندا.

«الشرق الأوسط» (ليتشي (إيطاليا))
شمال افريقيا الطائرة بعد سقوطها في بلدة لوكربي الاسكوتلندية (أ.ف.ب)

مخاوف ليبية من طلب دفع تعويضات جديدة في قضية «لوكربي»

تزايدت المخاوف في ليبيا من احتمال مطالبة أطراف أميركية بتعويضات جديدة في قضية تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية عام 1988

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
TT

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)

كشف السجال العلني بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، بشأن حدود دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، جانباً من التباينات المحيطة بالترتيبات المرتقبة للمرحلة الانتقالية في ليبيا.

لكن هذا السجال ألقى بظلال تساؤلات جديدة حول انعكاساته على مبادرة أميركية يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تستهدف توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، والدفع نحو الانتخابات.

وكان الاحتفال بالذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي، الأحد، مسرحاً لهذا السجال بين معسكري الانقسام في الشرق والغرب الليبي، بعدما أكد الدبيبة أن توحيد المؤسسة العسكرية «أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل»، لكنه شدد على أن يتم ذلك «دون تدخل العسكريين في السياسة أو صناعة الحكومات»، حفاظاً على إرادة الليبيين.

في المقابل، سارع حفتر إلى تأكيد أن الجيش الوطني «لن يسمح للسياسة بأن تعبث بمصير المواطن»، وأنه «لن يخلي موقعه من الساحة حتى تستقر الأمور»، في رسالة بدت أكثر وضوحاً بشأن الدور الذي يريده الجيش خلال المرحلة القادمة، بل ذهب حفتر إلى الحديث عن التمسك بموقع الجيش في «مركز دائرة صنع القرار»، حفاظاً على «مكتسبات القوات المسلحة».

وعلى وقع هذه التصريحات بدا لمراقبين أن التباين بين الرجلين يتجاوز الخلاف حول وظيفة المؤسسة العسكرية، بل قد يكشف عن منغصات تعترض مسار مبادرة بولس، ضمن صراع أوسع على قواعد تقاسم النفوذ وشكل الدولة المقبلة.

غير أن المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي يدرج ما حدث بين السلطتين في شرق ليبيا وغربها ضمن «مناوشات تفاوضية لا تعكس الأفعال على الأرض»، متوقعاً أن تتضح ملامحها أكثر مع بدء وضع المبادرة الأميركية موضع التنفيذ.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة يسعى من خلال تحركاته إلى «رفع سقف التفاوض والحصول على مميزات أكثر»، خصوصاً أن تفاصيل المبادرة لم تظهر بعد إلى العلن، لافتاً إلى أن رئيس حكومة الوحدة يتجنب الحديث عنها بشكل مباشر.

ويرى الأوجلي أن رسائل حفتر «دائماً ما تحمل مضامين ضمنية للداخل والخارج»، مفادها أن «الجيش الوطني» لن يقف مكتوف الأيدي أمام تصريحات الدبيبة وتحركاته، لكنه مستعد للحوار مع الأطراف التي ترى أن التوافق مصلحة وطنية.

وتستهدف مبادرة بولس، وفق ما يتداول في أوساط سياسية ليبية، توحيد السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء الانتخابات، بينما تشير التسريبات إلى مقترح يقضي بوجود الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل تولي صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني، رئاسة المجلس الرئاسي.

ويكتسب الحديث عن موقع الجيش في هذه المبادرة أهمية إضافية في ضوء تصريحات بولس نهاية الشهر الماضي، عندما تحدث عن «مؤشرات مهمة» على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، بعد زيارة وفد من الكونغرس إلى ليبيا، وما واكبها من إعلان ليبي عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة في سرت، ومركز تدريب موحد للقوات الجوية في مصراتة.

كما سبق وتحدث بولس عن قيادة جوية مندمجة، وأشاد بالتعاون العسكري بين الشرق والغرب، معيداً التذكير بنجاح ليبيا في أبريل (نيسان) الماضي في استضافة أحد محاور تدريب «فلينتلوك 2026» الذي ضم قوات من شرق البلاد وغربها.

خليفة حفتر في احتفالية الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (الجيش الوطني الليبي)

ومن المنظور العسكري، لم يستبعد مدير «المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية» أشرف بوفرده أن يكون هذا التصعيد الكلامي في سياق «التسريبات المتداولة بشأن مبادرة بولس التي تتضمن مقترحاً لإعادة هيكلة القيادة العامة للجيش الوطني، وصولاً إلى حلها ضمن صيغة تقود إلى تشكيل مؤسسة عسكرية ليبية موحدة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الطرح يواجه، بحسب المتداول، رفضاً من خليفة حفتر، الذي يدعو العسكريين في المنطقة الغربية إلى الالتحاق بقواته، إلا أن بوفرده يعتقد أن هذا الموقف لن يؤثر في مسار المبادرة أو فرص استمرارها.

ومع هذا السجال بين معسكري الانقسام في ليبيا، فإن مبادرة بولس لا تزال مرشحة للتبلور خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وفق تقديرات الباحث في الشؤون الليبية جلال حرشاوي، الذي أشار إلى «ضرورة عدم أخذ تصريحات الدبيبة وحفتر على ظاهرها، وربطها فقط بالمواقف المعلنة أمام الليبيين».

ويذكّر حرشاوي بأن حفتر سبق أن قال خلال استقباله مشايخ وأعيان مدينة ترهونة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «القيادة العامة للجيش ليست هي من يتخذ القرار الحاسم بشأن الأزمة السياسية، بل الشعب»، وهي لغة تكررت منذ عام 2014 وما قبله.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدبيبة ينتهج بدوره السلوك نفسه، عبر الإعلان عن رفض الحكم العسكري والتشديد على أولوية السلطة المدنية، معتبراً أن الخطاب المعلن قد لا يعكس بالضرورة كامل ما يدور في الكواليس، أو طبيعة التفاوض الجاري بين الأطراف.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الرجلين، من منظور مراقبين، أقرب إلى تثبيت مواقع تفاوضية منها إلى إعلان مواقف نهائية، خصوصاً أن شكل التسوية المرتقبة لم يحسم بعد، وأن تفاصيل المبادرة الأميركية لا تزال غير معلنة بصورة رسمية، فيما تستمر الاتصالات بشأنها بعيداً عن الأضواء.


كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
TT

كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)

مع ما تشهده الأسواق المصرية من ضغوط اقتصادية متزايدة، جاءت بيانات التضخم التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الاثنين، لتؤكد تصاعد وتيرة هذه الضغوط.

فقد أعلن الجهاز المركزي ارتفاع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 14.9 في المائة خلال يوليو (تموز)، مقابل 14.3 في المائة خلال يونيو (حزيران). وسجل المعدل على مستوى البلاد 13 في المائة مقارنة بشهر يوليو من العام الماضي 2025.

هذه الأرقام الرسمية لم تعد مجرد مؤشرات صماء، وإنما تحولت إلى واقع يومي يُعيد رسم الخريطة الاستهلاكية والمالية للأسر التي تجد نفسها مجبرة على التكيف مع تكلفة معيشية تتصاعد باستمرار.

ويقول سعيد، الذي يقطن في محافظة المنوفية بدلتا النيل، لـ«الشرق الأوسط»: «المطالب المنزلية لا تنتهي، فأوجه الإنفاق لا تقتصر على السلع الغذائية فقط، وإنما امتدت لتشمل خدمات النقل، والدروس الخصوصية، والدواء، وغيرها، مما جعلني وزوجتي دائماً في حساب مستمر للأولويات، وتقديم احتياج على آخر».

وعبَّر اختصاصي البصريات أحمد سعيد عن واقعه المعيشي بقوله: «لم يعد الأمر مجرد الاستغناء عن الكماليات، بل أصبح معركة يومية لتوفير الأساسيات؛ فما كنا نشتريه بالأمس ونراه متاحاً، بات اليوم يتطلّب إعادة حسابات دقيقة في ميزانية البيت».

تغيُّر السلوكيات الاستهلاكية

تشهد السلوكيات الاستهلاكية للمواطنين تحولات جذرية فرضها الأمر الواقع، حيث اضطرت الغالبية العظمى من الأسر إلى التخلي التدريجي عن النمط الاستهلاكي التقليدي، وتقليص الكماليات، وتأجيل خطط شراء سلع بعينها.

ولجأت ربات البيوت إلى البحث عن بدائل أرخص ثمناً للمنتجات الغذائية الأساسية، والاستغناء عن العلامات التجارية الكبرى لصالح السلع المحلية أو الأقل سعراً.

ويقول الخبير الاقتصادي، أشرف غراب، إن ارتفاع معدل التضخم وفق النسب الأخيرة يعكس استمرار الضغوط السعرية العالمية والمحلية على سلة قائمة السلع والخدمات الخاصة بالمستهلك. ويوضح أن هذه الزيادة تستدعي من الأسر المصرية إعادة تقييم أولويات الإنفاق الشهري، مع التركيز بشكل أكبر على السلع والخدمات الأساسية مثل الغذاء والصحة والتعليم والنقل، مقابل ترشيد الإنفاق على البنود غير الضرورية والكمالية إلى حين حدوث استقرار في مستويات الأسعار.

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع التضخم يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءةً واقتصاداً لتلبية احتياجاتها اليومية، ويتمثّل ذلك في التحول نحو المنتجات المحلية ذات القيمة مقابل السعر، والمقارنة بين العروض قبل الشراء، والاعتماد على الشراء بالجملة للسلع المعمرة، وتقليل الهدر الغذائي داخل المنازل، وزيادة الإقبال على الأسواق الشعبية والمنافذ الثابتة والمتغيرة التي تقدم أسعاراً تنافسية، إلى جانب الاستفادة من المبادرات التي تهدف إلى توفير السلع بأسعار مناسبة، وهو ما يُسهم في تخفيف أثر الارتفاع على الدخل المتاح للأسر.

كما يشير إلى وجود تحولات واضحة في سلوكيات المستهلكين، فهناك ميل متزايد نحو التخطيط المسبق للمشتريات وإعداد قوائم محددة بدلاً من الشراء العشوائي، وزيادة الوعي بأهمية الادخار الوقائي بوصفه وسيلة للتعامل مع تقلبات الأسعار.

إعادة ترتيب الأولويات

ولم تقتصر موجات التقشف وإعادة ترتيب الأولويات على سلة الغذاء والسلع الأساسية فحسب، وإنما امتدت لتلتهم طقوساً ترفيهية سنوية راسخة. فعلى سبيل المثال، يروي أحمد رأفت، وهو مُعلم وأب لثلاثة أطفال يعيش في محافظة الجيزة، كيف اضطر هذا العام إلى تغيير خططه الصيفية بالكامل متخلّياً عن عادة التوجه إلى الشواطئ كما كان يحدث كل صيف.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «زيادة تكاليف المصايف من إيجارات ومواصلات جعلتنا نلغي فكرة السفر تماماً هذا العام، فالمال الذي كنت أدخره لأسبوع المصيف بات مطلوباً لتغطية أعباء المعيشة الأساسية، وفواتير الخدمات المتصاعدة خاصة الكهرباء، لذا فالسفر أصبح مؤجلاً إلى أجل غير مسمى».

بينما يقول الخبير الاقتصادي، مصباح قطب، إن الواقع المعيشي في مصر يشهد تحولات قاسية في ظل موجات الغلاء المتعاقبة منذ عام 2022، التي أدت إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية لجميع الشرائح، ولا سيما الطبقة المتوسطة والفقيرة.

ويضيف: «أفرزت هذه الأزمات الاقتصادية استراتيجيات بقاء يومية تعتمد على الاختصار والبدائل، حيث لجأت الأسر إلى تقليص الكميات المشتراة من السلع الأساسية، وتغيير الأنماط الاستهلاكية بالانتقال إلى منتجات أقل سعراً، وصولاً إلى إجراءات أكثر قسوة تشمل سحب النقود من المدخرات السابقة لتغطية النفقات الجارية».

ويشير إلى اضطرار بعض العائلات لاتخاذ قرارات بالغة الصعوبة، مثل إخراج الأبناء من التعليم لدمجهم في سوق العمل، أو التراجع عن تلقي الرعاية الصحية المنتظمة والاكتفاء بالبدائل المتاحة، بوصفها محاولة للحفاظ على استقرارها المالي في وجه التحديات والظروف المعيشية.


إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
TT

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي، خصوصاً بعد نشر «تسريبات» في الصحافة أوحت بأن الرئيس عبد المجيد تبون قد يتجه إلى سحبها بذريعة أن وزير التربية لم يعرضها على مجلس الوزراء.

وأعادت هذه القضية إلى الواجهة صراعاً قديماً بين أنصار التيار العروبي المحافظ، والتيار الفرنكفوني الذي يملك نفوذاً قوياً في أهم مؤسسات الدولة.

فبعد أن كشف وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، عما يُسمى «تعديلات بيداغوجية» في اجتماع عقده مع مفتشي التعليم في الأسبوع الأول من أغسطس (آب) الحالي، يتصاعد الجدل يومياً متخذاً شكل كرة ثلج جرَت معها خصومات آيديولوجية قديمة تداخلت فيها اللغة والدين والثقافة والهوية وأثر الوجود الاستعماري الفرنسي (1830 - 1962) على هذه العناصر.

بين الدعم ومطالب الحوار

شمل الإصلاح إدراج اللغة الإنجليزية بدءاً من السنة الثالثة الابتدائية، وتأجيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة، إلى جانب إعادة تنظيم بعض المواد في مرحلة التعليم الثانوي، ولا سيما مادة الفلسفة لمترشحي البكالوريا في الشعب العلمية.

وزير التربية الجزائري محمد صغير سعداوي (الوزارة)

وبمجرد أن باتت هذه التغييرات رسمية حتى انطلقت سجالات وملاسنات على منصات الإعلام الاجتماعي والبرامج التلفزيونية.

وتفجر الجدل بشكل خاص عقب مقابلة أجراها أحمد تيسا، خبير مناهج التعليم والمستشار السابق لوزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريت (2015 - 2019)، مع قناة تلفزيونية خاصة، تساءل فيها عن جدوى بعض خيارات الوزارة، وتحديداً ما يتعلق بمكانة الفلسفة والتربية الإسلامية واللغة الفرنسية.

ومنذ ذلك الحين، توالت ردود الفعل بوتيرة متسارعة حتى داخل الأوساط السياسية، وسط اتساع الفجوة بين أنصار الإصلاح، والدعاة إلى تنظيم مؤتمر وطني يسبق التنفيذ، والمتحفظين على بعض خيارات الوزارة.

وأبدت الأحزاب الإسلامية والمحافظة تأييداً واسعاً للتوجهات المعلنة من قبل الوزارة؛ حيث عبَّر الأمين العام لـ«حركة النهضة» محمد ذويبي في تصريحات للصحافة عن دعم «لا مشروط» لمسعى وزارة التربية، مُرحباً بالإصلاحات التي تهدف، حسبه، إلى «رفع العائق اللغوي» الذي يكبل الكفاءات الجزائرية ويعزز انفتاحها على البحث العلمي والتواصل الدولي، وهو ما يقصد به اللغة الفرنسية.

الأمين العام لحركة النهضة محمد ذويبي (إعلام حزبي)

وأكد رئيس «جبهة الجزائر الجديدة» جمال بن عبد السلام في مؤتمر صحافي أمس الأحد، أن الإبقاء على اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية «يخدم فرنسا بالدرجة الأولى، وأن هذه اللغة أضحت متجاوزة في مجالات العلوم والمعرفة والتكنولوجيا».

في المقابل، طالبت زعيمة «حزب العمال» المعارض، لويزة حنون، خلال اجتماع مع كوادر الحزب، بتأجيل مشروع الإصلاح و«فك الخناق عنه» بفتح نقاش وطني تحت إشراف رئيس الجمهورية.

وتعد حنون مادة الفلسفة محوراً أساسياً يرفض حزبها تقليص حجمه الزمني أو اختزاله في كيفية التوزيع بين الشعب.

أما بشأن اللغات، فتدعو إلى مقاربة تقوم على التكامل بين العربية والتنظيم اللغوي للأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، مشددة على أن «الاستبدال المتسرع للغة بأخرى لا يمكن أن يتم دون توفير الشروط البيداغوجية اللازمة».

اجتماع لوزير التربية مع أطر الوزارة (الوزارة)

من جهته، حذر رئيس حزب «جيل جديد»، الأخضر أمقران، في مقال نشره موقع «كل شيء عن الجزائر»، من اختزال النقاش القائم حول قرارات وزارة التربية الوطنية، سواء ما يتعلق بمكانة اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية أو مراجعة بعض المواد، في مجرد «جدل عابر على شبكات التواصل الاجتماعي».

تبادل رشقات سياسية

وتدخل القيادي الإسلامي المعروف الرئيس السابق لـ«حركة مجتمع السلم»، عبد الرزاق مقري، في الجدل عبر منشور بحسابه بالإعلام الاجتماعي، الاثنين، مهاجماً بحدة «التيار العلماني وخدّام فرنسا». وتساءل: «ما الذي حرّك هؤلاء فجأة هذه الأيام؟ هل وقع شيء على المستوى الرسمي حفّزهم؟ أم أن فرنسا وعدتهم بشيء ما؟»؛ في إشارة إلى رافضي تقليص دور اللغة الفرنسية في الطور التعليمي الابتدائي.

كما تساءل: «لماذا يكره هذا التيار اللغة العربية؟ ما الذي يحمله على الدفاع عن لغة أجنبية، أهلها يتركونها في مجالات العلم والازدهار والتطور، حدود انتشارها في العالم محدود وتتقهقر يوماً بعد يوم؟»، مضيفاً: «هذا التيار لا وجود شعبي له، فهو لم يستطع المنافسة في أي استحقاق انتخابي، ومع ذلك يؤثر في قرارات مهمة... لماذا؟!».

القيادي الإسلامي عبد الرزاق مقري (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفتح المنشور نقاشاً بين مؤيد ومعارض.

وقال نسيم براهيمي، العضو في حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الداعم لسياسات الرئيس، مخاطباً القيادي الإسلامي: «بما أنك تتهم الذين يختلفون معك وترميهم بالخيانة والعمالة لدولة أخرى، لا ينبغي أن تلوم من يتهمك بالولاء لتركيا»؛ في إشارة إلى انتماء مقري لتيار الإخوان.

وفي حين يترقب المتخاصمون «تحكيم» الرئيس تبون لحسم القضية، نشرت صحيفتا «الخبر» و«لوسوار دالجيري»، الأحد، مقالين بمضمون واحد، يؤكدان على أن أي تعديل أو إصلاح هيكلي يمس أي قطاع في الدولة سواء التربية، أو الاقتصاد، أو غيرهما، لا يُصبح نافذاً أو معتمداً رسمياً إلا بعد مناقشته، وتمحيصه، وإقراره في اجتماع مجلس الوزراء الذي يترأسه رئيس الجمهورية شخصياً.

وفُهم من ذلك أن الإصلاح المثير للجدل لا يعدو عن كونه مبادرة من وزير التربية، لم تثبت من طرف السلطات العليا للبلاد.