الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

عقب حديث عن «تبعية قنوات وضغوط على صحافيين»

وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
TT

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)
وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، لم تنقسم ليبيا سياسياً وعسكرياً فحسب، بل تشكلت مع الوقت خريطة إعلامية موازية، توزعت وترسخت فيها القنوات التلفزيونية والمنصات الإخبارية بين «معسكرات متصارعة»، في ظل نفوذ سلطات الأمر الواقع والمجموعات المسلحة، والاستقطاب السياسي الحاد، حسب شهادات دولية ومحلية.

وبين شرق البلاد وغربها، باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين، وتراجع هامش العمل المهني المستقل»، في مشهد تصفه منظمة «مراسلون بلا حدود» بأنه يقترب من «ثقب أسود للمعلومات» منذ 2011.

وعشية «اليوم العالمي لحرية الصحافة»، بدا المشهد في العاصمة طرابلس مرآة لحجم الأزمة، مع تنظيم مركز مهتم بحرية الصحافة، السبت، معرضاً بعنوان «صدى الحقيقة»، وثّق عبر الصور والرسوم الكاريكاتيرية والفن التشكيلي «شهادات وانتهاكات مرتبطة بواقع الصحافة الليبية منذ 2011، في ظل الانقسام الذي يرسم خريطة النفوذ الإعلامي».

الإعلام يرسم خرائط النفوذ

يقول رئيس «المركز الليبي لحرية الصحافة»، محمد الناجم، إن «الصراع بين الجبهات في بلد يعيش انقساماً بين حكومتين يزداد رسوخاً مع سيطرة الرأسمال السياسي، المدفوع من طرفي النزاع، دون حوكمة تحيد الإعلام عن هذا الصراع». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن بعض صفحات التواصل الاجتماعي ساهمت أيضاً في «تأجيج النزال بين الجبهات، وتشويه الخصوم عبر دعاية مضللة».

معرض فني بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة في طرابلس اليوم السبت (المركز الليبي لحرية الصحافة)

من جهتها، أوضحت «مراسلون بلا حدود»، في تقريرها السنوي، الأسبوع الماضي، أن هذا الواقع الإعلامي يعكس بوضوح حالة الاستقطاب السياسي والعسكري بين شرق ليبيا وغربها، حيث «باتت القنوات التلفزيونية امتداداً لخرائط النفوذ بين الأطراف المتنازعة على السلطة، أكثر من كونها منصات إعلامية مستقلة».

ويتفق نقيب الصحافيين في غرب ليبيا، منصور الأحرش، مع هذا التوصيف، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن انعكاسات الصراع بين الجبهات «تترسخ في المشهد الإعلامي الليبي مع مرور الوقت»، مشيراً إلى أن الاستقطاب جعل البلاد «بيئة غير مؤهلة لممارسة إعلامية وصحافية مستقلة».

وعلى الأرض، يبدو الانقسام الإعلامي واضحاً بين شرق البلاد وغربها بقنوات، بعضها يبث من داخل ليبيا والآخر من خارجها، وفق خريطة رصدها «المركز الليبي لحرية الصحافة».

ففي الشرق، حيث تتمركز القوى المتحالفة مع «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، تبرز قنوات مثل «ليبيا الحدث» و«المسار» و«الحدث الليبي»، ووفق هؤلاء الإعلاميين، فإن «خطاب تلك القنوات يميل إلى دعم هذا المعسكر السياسي والعسكري»، حسب المركز.

أما في غرب البلاد، حيث تتمركز حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، فتبرز وفق «المركز الليبي لحرية الصحافة»، قنوات مثل «التناصح» و«سلام» و«ليبيا الوطنية»، التي «تعكس سردية سياسية مقابلة، تركز على شرعية السلطة في طرابلس وتنتقد خصومها في الشرق».

صراع إعلامي وسط واقع منقسم

هذا الواقع المنقسم، الذي تتصارع فيه وسائل إعلام محلية، يؤكده الإعلامي الليبي، محمد القرج، الذي سبق أن عمل في إحدى تلك القنوات، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حرية العمل الصحافي في ليبيا باتت «محل شكوك» في بيئة وصفها بأنها «خصبة للاستقطاب بين أطراف الانقسام السياسي، والمجموعات المسلحة والنافذين ورجال الأعمال»، مشيراً إلى أنه لمس بنفسه الكثير من مظاهر هذا الصراع.

الصديق الصور خلال استقبال رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الليبية عبد الباسط أحمد أبودية ديسمبر الماضي (وكالة الأنباء الليبية)

أما في شرق ليبيا، ورغم الرقابة الذاتية التي تمارسها بعض وسائل الإعلام، فإن الصورة لا تختلف كثيراً، حسب «مراسلون بلا حدود»، التي أشارت إلى استمرار المطالبات الحقوقية بالإفراج عن الصحافي والمدون، الصالحين الزوالي، المحتجز منذ نحو 18 شهراً لدى جهاز الأمن الداخلي في بنغازي، بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 بمدينة إجدابيا.

ورغم وجود بعض وسائل الإعلام المحلية والصحف، التي تحاول تقديم نفسها باعتبارها أكثر مهنية وتوازناً، فإن مراقبين يرون أن «حدة الاستقطاب السياسي والأمني تجعل الحياد الإعلامي مهمة شديدة التعقيد».

وفي مشهد لافت، حرصت السلطات في شرق وغرب ليبيا على تنظيم منتديين إعلاميين في طرابلس وبنغازي العام الماضي، لكن الأحرش اعتبرهما «منتديات بتمويل حكومي لتجميل الصورة، أكثر من كونها مساحة لعرض تحديات المهنة»، وفق تعبيره، مشيراً إلى أن «الكيانات النقابية لم تُدعَ للمشاركة فيهما».

وتراجعت ليبيا مرتبة واحدة في مؤشر حرية الصحافة، الصادر عن «مراسلون بلا حدود»، لتبقى ضمن المنطقة الفاصلة بين الوضع «السيئ» و«الخطر». وحسب المنظمة «يعمل كثير من الصحافيين تحت نفوذ جماعات مسلحة، أو سلطات أمر واقع»، بينما يضطر آخرون إلى «مواءمة خطوطهم التحريرية مع القوى المسيطرة، ما يحد من تنوع المحتوى واستقلاليته، في ظل ضعف الضمانات القانونية لحرية التعبير وسلامة الصحافيين».

ودفع هذا الوضع عدداً من الصحافيين إلى مغادرة البلاد، وفق رواياتهم، ومن بينهم الإعلامي والمذيع الليبي خليل الحاسي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يرى العودة إلى ليبيا ممكنة حالياً، بعد 11 عاماً قضاها خارج البلاد، عاداً عودة أي صحافي استقصائي يطمح إلى المهنية باتت «مخاطرة غير محسوبة، في ظل استمرار الانقسام السياسي، واتساع رقعة الاستقطاب ونفوذ الميليشيات»، حسب تعبيره.

ومع إقرار تقارير دولية ومحلية بوجود تحسن نسبي منذ انتهاء الحرب، التي شنها المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني على طرابلس عام (2019-2020)، يرى بعض الصحافيين الليبيين أن هناك مبالغة أحياناً في توصيف واقع الترهيب. ومن بينهم الصحافي، أحمد الحضيري، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن التواصل مع حكومتي الشرق والغرب للحصول على المعلومات «لا يزال ممكناً»، مع إقراره بأن بعض وسائل الإعلام المستقلة تتجنب الاقتراب من الملفات الحساسة.

وأكد الحضيري أن «الإعلام يشهد تطوراً سريعاً عالمياً، في وقت لم تواكب فيه القوانين الليبية هذا التحول، خصوصاً فيما يتعلق بحرية التعبير والعمل الصحافي، ما يستدعي إصلاحاً تشريعياً».

لكن نقيب الصحافيين في غرب ليبيا يرى أن «الحل يتجاوز الإصلاحات القانونية»، ويتمثل، حسبه، في «توحيد الحكومتين في شرق وغرب البلاد، والوصول إلى دستور توافقي، وإقرار جماعي باحترام حرية الإعلام».


مقالات ذات صلة

رفض شعبي متصاعد في ليبيا لتدشين «إقليم رابع»

شمال افريقيا عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» في 8 يونيو (المجلس البلدي لمصراتة)

رفض شعبي متصاعد في ليبيا لتدشين «إقليم رابع»

تخوفاً من تقسيم ليبيا، عبَّر محتجون من مدينة بني وليد بشمال غربي البلاد عن رفضهم لتدشين إقليم رابع تحت مسمى «الوُسطى»، كما أقدموا على إغلاق مقر بلديتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا طاقم سفينة بحث وإنقاذ يطلق قارباً مطاطياً بوسط البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا في عملية إنقاذ لمهاجرين يوم 10 أغسطس 2025 (رويترز)

العثور على جثث 15 مهاجراً شرق العاصمة الليبية طرابلس

قال أطباء في العاصمة الليبية طرابلس، الاثنين، إن الأمواج جرفت جثث ما لا يقل عن 15 مهاجراً إلى الشاطئ في مدينة ساحلية شرق المدينة.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا عقيلة صالح يتوسط الحضور خلال افتتاح المؤتمر العام الثاني البرلماني الآسيوي - الأفريقي في بنغازي يوم الاثنين (وكالة الأنباء الليبية)

عقيلة صالح يدعو البرلمانات الأفرو - آسيوية لمواجهة التحديات العالمية المتسارعة

افتتح رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح مؤتمر المجلس البرلماني الآسيوي - الأفريقي الذي تستضيفه مدينة بنغازي للمرة الأولى.

خالد محمود (القاهرة)
الاقتصاد مقر مؤسسة النفط الليبية في طرابلس (رويترز)

المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا توقع اتفاقات لتقاسم الإنتاج مع شركات أجنبية

وقعت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا اتفاقات لتقاسم الإنتاج مع عدد من الشركات العالمية بعد الجولة الأولى لمنح تراخيص في البلاد منذ نحو 20 عاماً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)

لقاء ماكرون مع صدام حفتر في الإليزيه يعيد فرنسا إلى قلب المشهد الليبي

تسعى فرنسا إلى التموضع بقوة في قلب الأحداث الليبية، وذلك عبر تكثيف زيارات دبلوماسييها إلى ليبيا، وأخيراً استقبال الرئيس ماكرون الفريق صدام حفتر في الإليزيه.

علاء حموده (القاهرة)

رفض شعبي متصاعد في ليبيا لتدشين «إقليم رابع»

عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» في 8 يونيو (المجلس البلدي لمصراتة)
عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» في 8 يونيو (المجلس البلدي لمصراتة)
TT

رفض شعبي متصاعد في ليبيا لتدشين «إقليم رابع»

عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» في 8 يونيو (المجلس البلدي لمصراتة)
عمداء بلديات في غرب ليبيا خلال اجتماع للإعلان عن إطلاق «إقليم الوسطى» في 8 يونيو (المجلس البلدي لمصراتة)

تصاعد الرفض الشعبي في ليبيا لمقترح تدشين «إقليم الوسطى» إثر إغلاق محتجين من بني وليد، بشمال غربي البلاد، مقر بلديتهم تنديداً بالانضمام إلى الإقليم.

وفي الثامن من الشهر الجاري، أعلن رؤساء 9 بلديات، تمتد من غرب البلاد إلى شمالها، إنشاء ما يُسمى «إقليم الوسطى» بغرض «التنسيق والتكامل فيما بينهم»، وهو الأمر الذي يزيد المخاوف من تقسيم البلاد، علماً بأن ليبيا مقسمة تاريخياً إلى ثلاثة أقاليم هي: طرابلس، وبرقة، وفزان.

وتضم البلديات التي أعلنت عن مبادرتها الفردية: مصراتة، والخمس، وزليتن، وبني وليد، وترهونة، وتينيناي، والمردوم، ومسلاتة، وقصر الأخيار.

وأقدم المحتجون من مدينة بني وليد على إغلاق مقر بلديتهم مساء الأحد، وسط تجاذبات بين الشرطة وعشرات من المحتشدين أمام المقر.

وانضم عقيلة الجمل، رئيس المجلس الاجتماعي لـ«قبائل ورفلة»، إلى الرافضين لتدشين إقليم رابع باسم «الوُسطى»، وقال إن «مشروع الإقليم مرفوض. وحتى ما يسمى بالأقاليم الثلاثة مرفوضة. ليبيا الآن في مرحلة من الخلافات السياسية».

ونقلت صفحات ليبية عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي عنه قوله: «موقفنا واضح من كل المشاريع التي تسعى لتقسيم ليبيا وإضعافها»، مشيراً إلى عقد اجتماع مع أعضاء البلديات لمناقشة الأزمة، بهدف التوصل إلى قرار.

وبرر رؤساء البلديات الراغبين في تدشين «إقليم الوسطى» الأمر بأنه يستهدف «التعاون والتكامل» بين البلديات لخدمة كل المناطق وسكانها.

لكن الأمر لم يخلُ من جدل ورفض واسعين في المجتمع الليبي الذي يتخوف من اتساع رقعة المطالبين بإنشاء أقاليم جديدة تصب جميعها في تقسيم البلاد إدارياً، والتي تعاني أساساً من انقسام سياسي منذ عام 2014.

وكان عميد بلدية بني وليد، عبد الحفيظ الرايس، قد عقد اجتماعاً موسعاً مساء الأحد مع أعضاء المجلس البلدي في إطار ما وُصِف بأنه «متابعة مستمرة لسير العمل داخل البلدية ومناقشة العديد من الملفات والقضايا الخدمية والأمنية».

وأكد الاجتماع، بحسب المكتب الإعلامي للبلدية، على «وحدة الصف، وأن المدينة تتسع لكل أبنائها دون استثناء»، مشدداً «على أن من حق كل مواطن من أبناء بني وليد التعبير عن رأيه بكل حرية؛ شريطة أن يكون ذلك بالطرق السلمية والقانونية التي تضمن الحفاظ على السلم الأهلي والممتلكات العامة والخاصة».

وانتهى رئيس البلدية إلى أنه «في حالة تواصل دائم ومستمر مع جميع القيادات الاجتماعية والشبابية والمشايخ والأعيان في المدينة لتوحيد الرؤى وتجاوز التحديات بروح المسؤولية الوطنية».

يُشار إلى أن البلديات التي أعلنت عن تدشين «إقليم الوسطى» شهدت أعمالاً مماثلة خلال الأيام الماضية، تمثلت في مظاهرات احتجاجية واحتشاد أمام مقار البلديات تعبيراً عن رفض هذه الخطوة.


السجن 7 سنوات لوزير السكن الجزائري السابق عبد الوحيد طمار

محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)
محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)
TT

السجن 7 سنوات لوزير السكن الجزائري السابق عبد الوحيد طمار

محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)
محكمة القطب الجزائي المختص في قضايا الفساد بالجزائر (الإذاعة الحكومية)

أصدرت محكمة العاصمة الجزائرية المتخصصة في قضايا الإجرام المالي والفساد، الاثنين، حكماً بالسجن 7 سنوات حبساً نافذاً على وزير السكن السابق عبد الوحيد طمار، وغرامة مالية قدرها مليون دينار جزائري (حوالي 7500 دولار)، بتهمة الفساد التي طالت أكثر من 30 وزيراً من المرحلة السابقة.

كما ألزم «القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي امحمد» الوزير السابق بأن يدفع للوكيل القضائي للخزينة العمومية مبلغاً قدره 100 ألف دينار جزائري (حوالي 746 دولاراً) تعويضاً عن الأضرار الملحقة.

وكانت الخزينة العمومية قد طالبت بـ 200 مليون دينار كتعويض، فيما التمس ممثل النيابة العقوبة القصوى (10 سنوات سجناً نافذاً).

عبد الوحيد طمار (متداولة)

وواجه الوزير السابق طمار تهماً تتعلق بـ«تبييض الأموال وعائدات الإجرام في إطار جماعة إجرامية منظمّة».

وتستند خلفيات المتابعة القضائية إلى محرّر توثيقي يفتقر للتوقيع أتاح لأبناء وزير الإسكان السابق السفر إلى إسبانيا للدراسة.

وتفجرت القضية قبل ثلاثة أسابيع فقط من مغادرة طمار السجن مطلع 2020، بعد استيفائه عقوبة دمج أحكام سابقة (3 و4 سنوات سجناً) في قضايا فساد أخرى.

وخلال استجوابه من طرف القاضي، نفى طمار التهم بالكامل، مؤكداً أنه في الحبس الاحتياطي منذ 22 شهراً دون إبلاغه رسمياً بالتهم.

كما واجه رئيس المحكمة المتهم بوثيقة تفيد بحصوله على «رقم تعريف ضريبي» من إسبانيا يُستخدم عادة لفتح حسابات أو شراء عقارات، متسائلاً عن مصدر تمويل دراسة أبنائه. ونفى طمار امتلاكه أو عائلته لأي حسابات أو عقارات بالخارج، مستدلاً بوثيقة رسمية من مدير البنك الإسباني تؤكد عدم وجود أي رصيد أو عقد باسمه حتى مارس (آذار) 2025، وأن خالة الأولاد هي المتكفلة بإقامتهم.

في المقابل، طالب دفاع طمار بالبراءة، داحضاً شرعية الإجراءات لغياب كاتب الضبط في الجلسة الأولى، ومندداً بما وصفه بـ«التوقيت المريب» لتحريك القضية قبل أسابيع من الإفراج عنه، ومتابعته بجريمة «إطلاق تنظيم إجرامي» في حين مثل أمام القاضي بمفرده.

حصاد المحاكمات الكبرى

وأطلق القضاء، في أعقاب تنحي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة تحت ضغط الحراك الشعبي عام 2019، سلسلة ملاحقات قضائية غير مسبوقة ضد رموز العهد السابق، شملت ما يقرب من 40 مسؤولاً حكومياً رفيع المستوى، من بينهم رؤساء حكومات ووزراء سابقون أُدينوا في قضايا فساد متعددة، في حين لا تزال بعض الملفات قيد النظر أمام أروقة المحاكم والقطب الجزائي المتخصص في الجرائم الاقتصادية والمالية.

تنحي الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجل بسجن عشرات الوزراء (الشرق الأوسط)

ووضع القضاء ثلاثة رؤساء حكومات سابقين خلف القضبان بعد إدانتهم بأحكام سالبة للحرية في ملفات فساد ثقيلة جرى دمج عقوباتها لاحقاً، وهم أحمد أويحيى، وعبد المالك سلال، ونور الدين بدوي الذي قاد آخر حكومة في عهد بوتفليقة، بينما شهدت الفترة اللاحقة استمرار ملاحقة الطواقم الوزارية التي عملت تحت إشرافهم.

وتعدت قائمة الملاحَقين 30 وزيراً سابقاً ووزيراً منتدباً تولوا حقائب مهمة، وُجهت إليهم تهم تتمحور حول «تبديد الأموال العمومية، ومنح امتيازات غير مبررة لرجال أعمال، وإساءة استغلال النفوذ والوظيفة، وغسل الأموال».

رئيس الحكومة الجزائري السابق عبد المالك سلال (الشرق الأوسط)

وتتوزع أبرز هذه الأسماء لتشمل في قطاع الصناعة عبد السلام بوشوارب، الهارب والصادرة بحقه أحكام غيابية وأوامر قبض دولية، إلى جانب يوسف يوسفي، وعمارة بن يونس، ومحمد بن مرادي؛ وفي الأشغال العمومية والنقل عمار غول وعبد الغني زعلان؛ وفي الموارد المائية حسين نسيب وأرزقي براقي، بالإضافة إلى جمال ولد عباس وسعيد بركات في قطاع التضامن الوطني.

كما طالت المتابعات عبد الوحيد طمار في السكن، ومحمد لوكال في المالية، وهدى إيمان فرعون في البريد والاتصالات، وخليدة تومي في الثقافة، إلى جانب السعيد بوتفليقة الذي حوكم بصفته مستشاراً وشقيقاً للرئيس الراحل والممسك الفعلي بكواليس القرار، علاوة على مسؤولين آخرين في قطاعات السياحة، والصحة، والبيئة.

رئيس الحكومة الجزائري السابق أحمد أويحيى (الشرق الأوسط)

وتوبع بعض المسؤولين، وفي مقدمتهم أويحيى وسلال وطمار، في 5 إلى 6 قضايا منفصلة، لتستقر أحكامهم النهائية النافذة بين 7 و15 سنة سجناً بعد استنفاد كافة طرق الطعن والدمج القانوني.

«القائمة الرمادية»

في سياق متصل، واصلت الجزائر جهودها لتطوير ترسانتها القانونية ضد غسل الأموال بهدف الخروج من «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي الدولية (جافي) المدرجة فيها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024. وضمن هذا المسعى، دخل حيز التنفيذ رسمياً تنظيم جديد صاغته وزارة المالية ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 25 مايو (أيار) 2026، يحدد تدابير صارمة ملزمة للمؤسسات المصرفية والمالية والبريد.

وفي هذا الصدد، أعلن «المجلس الوطني للمحاسبة» التزامه بمرافقة الخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات لتطبيق هذا التنظيم، الذي يفرض عليهم ستة التزامات أساسية، أبرزها: تدابير اليقظة تجاه الزبائن، تحديد هوية المستفيد الفعلي، رصد العمليات المشبوهة، والتبليغ عن الشبهة، إلى جانب حفظ المستندات وتفعيل الرقابة الداخلية. كما يعتزم المجلس إطلاق برامج تكوينية للمنتسبين، مذكراً بصفته سلطة ضبط ورقابة بموجب قانون الوقاية من تبييض الأموال ومكافحته.


العثور على جثث 15 مهاجراً شرق العاصمة الليبية طرابلس

طاقم سفينة بحث وإنقاذ يطلق قارباً مطاطياً بوسط البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا في عملية إنقاذ لمهاجرين يوم 10 أغسطس 2025 (رويترز)
طاقم سفينة بحث وإنقاذ يطلق قارباً مطاطياً بوسط البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا في عملية إنقاذ لمهاجرين يوم 10 أغسطس 2025 (رويترز)
TT

العثور على جثث 15 مهاجراً شرق العاصمة الليبية طرابلس

طاقم سفينة بحث وإنقاذ يطلق قارباً مطاطياً بوسط البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا في عملية إنقاذ لمهاجرين يوم 10 أغسطس 2025 (رويترز)
طاقم سفينة بحث وإنقاذ يطلق قارباً مطاطياً بوسط البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا في عملية إنقاذ لمهاجرين يوم 10 أغسطس 2025 (رويترز)

قال أطباء في العاصمة الليبية طرابلس، الاثنين، إن الأمواج جرفت جثث ما لا يقل عن 15 مهاجراً إلى الشاطئ في مدينة ساحلية شرق المدينة.

وقال مركز طب الطوارئ والدعم التابع لوزارة الصحة إن الجثث جرفتها الأمواج إلى مدينة الخمس على مسافة 118 كيلومتراً تقريباً شرق طرابلس.

وأضاف المركز أنه تم دفن جميع الجثث، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

ونشر المركز صوراً على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يظهر فيها مسعفون يرتدون سترات واقية بيضاء، ويحملون الجثث في أكياس بلاستيكية باللونين الأسود والأبيض، بالإضافة إلى صور أخرى التُقطت في أثناء عمليات الدفن. ومنذ اندلاع انتفاضة في 2011، أصبحت ليبيا طريق عبور في شمال أفريقيا لمئات الألوف من المهاجرين الفارين من الصراعات والفقر، معظمهم من جنوب الصحراء الكبرى، حيث يغامر الكثيرون بالشروع في رحلات تحفها المخاطر عبر الصحراء أو البحر المتوسط.