العراق: انطلاق مشاورات لتوزيع حقائب الوزارة الجديدة

30 يوماً شاقاً أمام المكلف تشكيلها رغم الدعم السياسي

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
TT

العراق: انطلاق مشاورات لتوزيع حقائب الوزارة الجديدة

لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)
لحظة تكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (رئاسة الجمهورية)

نجحت قوى «الإطار التنسيقي» في طرح علي الزيدي، مرشحاً لرئاسة الوزراء بعد يومين من دخول البلاد حالة الخرق الدستوري، بعد بانتهاء الفترة المحددة لرئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة الأكبر.

وأمام الزيدي فترة اختبار حاسمة تمتد لـ30 يوماً لاختيار الكابينة الوزارية لطرحها أمام البرلمان لنيل ثقته. وإذا ما نجح في ذلك سيكون ضمن لائحة رؤساء الوزراء الثمانية الذين تسنموا المنصب منذ عام 2004.

وقال أعضاء من «الإطار التنسيقي»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشاورات الأولية لتحديد ملامح الحكومة وتوزيع الحقائب بدأت بالفعل»، لكنهم استبعدوا أن «يكون الطريق معبداً أمام الزيدي».

وقام رئيس الجمهورية نزار آميدي بتكليف الزيدي مساء الاثنين، بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ومجموعة من قادة الكتل السياسية.

وقال «الإطار التنسيقي» في بيان: «بعد تدارس أسماء المرشحين، جرى اختيار علي الزيدي، ليكون مرشح كتلة (الإطار التنسيقي)، بوصفها الكتلة الأكبر في مجلس النواب، لشغل منصب رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة».

وفي إشارة إلى أنهما كانا وراء اختيار الزيدي للتكليف لأنهما سبق أن تقدما للترشيح لمنصب رئاسة الوزراء، ثمّن «الإطار التنسيقي» «المواقف التاريخية المسؤولة لرئيس ائتلاف (دولة القانون) نوري المالكي، ورئيس ائتلاف (الإعمار والتنمية) السيد محمد شياع السوداني، عبر التنازل عن الترشيح لرئاسة وتشكيل الحكومة المقبلة».

ويمتلك تحالف «الإعمار والبناء» الذي يقوده السوداني نحو خمسين مقعداً في البرلمان وهو التحالف الأكثر تمثيلاً، في حين يتجاوز ائتلاف المالكي سقف الثلاثين مقعداً.

المكلف تشكيل الحكومة العراقية علي الزيدي (واع)

دور حاسم

في المقابل، تميل بعض الأوساط السياسية للاعتقاد بأن رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان كان له دور في اختيار علي الزيدي لرئاسة الحكومة.

ورغم نجاح القوى الإطارية في تجاوز حالة الانسداد السياسي الممتدة لأكثر من 5 أشهر من تقديمه مرشحها، غير أن بعض المراقبين لا يستبعدون أنها اختارت الزيدي لتلافي الحرج والانتقادات الشعبية واسعة النطاق التي تعرضت لها خلال الأسابيع والأشهر الماضية نتيجة عدم اتفاقها على اختيار شخصية للمنصب التنفيذي الأول.

وحسب بعض المراقبين، فان ترشيح الزيدي سيمنحها ما لا يقل عن 60 يوماً إضافية لاختيار مرشح جديد في حال لو لم ينجح الزيدي في إنتاج حكومته.

وفي فبراير (شباط) 2020 كلّف رئيس الجمهورية الأسبق برهم صالح السياسي محمد توفيق علاوي، قبل أن يخفق الأخير في مهمته ويقدم اعتذاره. وفي الشهر التالي من العام نفسه عاد برهم صالح ليكلف السياسي والنائب عدنان الزرفي الذي أخفق هو الآخر في إنجاز مهمة تشكيل الحكومة.

دعم سياسي

وحصل المرشح الجديد علي الزيدي على دعم ومباركة معظم القوى السياسية الممثلة في البرلمان والحكومة، وضمنها القوى الكردية ممثلة برئيس إقليم كردستان نيجرفان برزاني رغم انسحاب ممثلي الحزب «الديمقراطي» الكردستاني في البرلمان والحكومة الأسبوع ما قبل الماضي.

ولم يُعرف شيء عن الموقف الأميركي حيال المرشح الجديد، وهو الموقف المنتظر الأهم من بين بقية المواقف، ويتساءل كثيرون عن شروط القبول الأميركي خاصة مع عقوبات أميركية سابقة بمنع تعامل مصرف «الجنوب» الذي يملكه بالدولار الأميركي.

في مقابل ذلك، رحبت المملكة المتحدة، وفرنسا وألمانيا، الثلاثاء، بتكليف علي الزيدي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. وأعربت السفارة البريطانية في العراق، عن تمنياتها للزيدي «النجاح في تشكيل حكومة جديدة بسرعة».

إلى ذلك، أكد رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني «حرصه على دعم الزيدي لإنجاح مهمته في تشكيل الحكومة الجديدة، وتعزيز مبدأ التداول السلمي للسلطة وفق الآليات الدستورية والديمقراطية»، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب جهوداً مضاعفة من جميع الأطراف لتجاوز التحديات وتحقيق المصلحة العامة وإرساء الاستقرار في عموم العراق.

وحول عملية اختيار رجل أعمال من خارج منظومة الأحزاب والقوى السياسية الشيعية، قال مصدر قيادي في «الإطار التنسيقي» يبدو أن «الأمر يتعلق بتغيير الواجهة السياسية أو عملية تدوير كاملة؛ نظراً للتحديات القائمة وضمنها الضغوط الأميركية المتواصلة».

ويضيف، أن «القوى الإطارية أرادت ربما تقديم انطباع جديد للقوى الإقليمية والدولية بإمكانية التقديم نحو مسار جديد بعيداً عن البنى والشخصيات التقليدية المنتمية إلى الأحزاب والقوى السياسية من خلال طرح مرشح من خارجها».

ويقرّ المصدر بـ«صعوبة المهمة التي يواجهها السعدي، خاصة مع عدم استناده إلى أي حزب او كتلة برلمانية وازنة، لكن علاقاته الممتدة والجيدة مع معظم القوى السياسية قد تساعده على النجاح في مهمته».

السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

انتقادات شعبية

شعبياً، لم يمر اختيار علي الزيدي لرئاسة الوزراء من دون طرح الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، بالنظر إلى أنه لم يمارس العمل السياسي سابقاً ولم يشارك في انتخابات برلمانية سابقة، فضلاً عن الأقاويل التي تدور حول استحواذ شركاته على عقود تغذية للجيش في وزارة الدفاع، وعقود البطاقة الغذائية في وزارة التجارة، إلى جانب العقوبات الأميركية ضد مصرفه التجاري.

وطرح الكثير من الكتاب والمراقبين أسئلة وعلامات استفهام مماثلة حول المرشح الجديد، ورأى الكاتب والرئيس السابق لـ«شبكة الإعلام العراقية» محمد عبد الجبار الشبوط، أن «المشكلة هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بمنهج كامل في إدارة السلطة. حين يُختزل منصب رئيس الوزراء إلى تسوية داخلية بين قوى متنافسة، بدل أن يكون نتيجة تفويض سياسي واضح أو تنافس برامجي علني، فإن العملية السياسية تفقد معناها الحقيقي، وتتحول نظاماً مغلقاً يُدار خارج إرادة الناخبين».

وأضاف، أن «أي رئيس حكومة لا يستند إلى قاعدة سياسية حقيقية، ولا يحمل برنامجاً معلناً تمكن محاسبته عليه، سيكون عاجزاً منذ اللحظة الأولى عن ممارسة السلطة الفعلية. إذ كيف تمكن إدارة دولة معقدة مثل العراق، بكل تحدياتها الاقتصادية والأمنية والخدمية، من دون رؤية واضحة؟ وكيف تمكن مساءلة حكومة لا يعرف المواطن ما الذي تعهدت به أصلاً؟».

وخلص الشبوط للقول، إن «الأخطر من ذلك أن هذا النوع من التكليف يكرّس نمطاً خطيراً من الحكم، يقوم على إنتاج رئيس وزراء ضعيف».

الاجتماع الذي انتهى باختيار الزيدي رئيساً للحكومة العراقية (الإطار التنسيقي)

«الإفلات من العقوبة»

من جهته، حذَّر المرصد العراقي لحقوق الإنسان، الثلاثاء، رئيس مجلس الوزراء المكلّف علي الزيدي من حصر البرنامج الحكومي الجديد بالمحاصصة وتقاسم المناصب، مؤكداً أن الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة يبدأ بالكشف عن قتلة المتظاهرين، وحسم ملف المغيبين، وإنهاء الإفلات من العقاب.

وقال المرصد، في بيان، إن تكليف الزيدي يأتي في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في تاريخ العراق الحديث، في ظل تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة.

وأضاف أن أي برنامج حكومي لا يضع حماية الإنسان العراقي وكرامته وحرياته في صلب أولوياته، سيكون عاجزاً عن إحداث تغيير حقيقي، مهما حمل من وعود سياسية أو اقتصادية.

وأكد أن الزيدي، بوصفه مكلّفاً تشكيل الحكومة ومنحدراً من خلفية حقوقية، مطالب بإثبات أن العدالة ليست مجرد خطاب سياسي، بل سياسة دولة قادرة على مواجهة مراكز النفوذ التي عطّلت القانون لسنوات.


مقالات ذات صلة

الشرع يدعم العراق لحصر السلاح وبناء جيش قوي

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في دمشق الأربعاء (إعلام حكومي)

الشرع يدعم العراق لحصر السلاح وبناء جيش قوي

أكد الرئيس السوري، أحمد الشرع، دعمه جهود رئيس الحكومة العراقية في حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أنهما أمام فرصة تاريخية لبناء دولتين قويتين.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

الزيدي يعفي عشرات المستشارين لـ«ترشيق الحكومة»

أفيد في بغداد، الثلاثاء، بأن رئيس الوزراء علي الزيدي أعفى عشرات المسؤولين العاملين بصفة مستشار في مكتبه.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي قوات عراقية منتشرة في سنجار مطلع ديسمبر 2020 (رويترز)

دمج «قوات حماية سنجار» في الأجهزة الرسمية العراقية

أعلنت الحكومة العراقية فك الارتباط العسكري «المستقل» لقوات حماية سنجار «اليبشة»، ودمجها في الأجهزة الرسمية ونقل المسؤولية الأمنية إلى السلطة الاتحادية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس مجلس محافظة ميسان مصطفى دعير المحمداوي (مواقع تواصل)

مذكرة قبض بحق رئيس «مجلس ميسان» جنوب العراق

أصدرت محكمة عراقية أمر قبض بحق رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير المحمداوي؛ بسبب رفضه إغلاق معبر حدودي مع إيران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رجل يلوّح بالعلم العراقي في ساحة التحرير ببغداد (أ.ف.ب)

دعوات عراقية لإحياء ذكرى «احتجاج تشرين»

حشد ناشطون عراقيون خلال الأسبوعين الماضيين لمظاهرة شعبية، غداً الأحد، بالتزامن مع الذكرى السابعة لـ«حراك تشرين».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

دمشق تستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ضربات على الجنوب السوري

خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)
خلال تشييع أشخاص قُتلوا في غارة جوية أردنية على بلدة الطف في محافظة درعا جنوب سوريا يوم 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية السورية، الأربعاء، استدعاء السفير الأردني في دمشق للاحتجاج على غارات جنوب البلاد، الثلاثاء، أوقعت 7 قتلى بينهم أطفال، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشنّ سلاح الجو الأردني، الثلاثاء، غارات على جنوب سوريا، قالت عمّان إنها أوقعت أكثر من 20 قتيلاً من عناصر تنظيم «داعش»، ردّاً على إطلاق نار في كنيسة بالكرك جنوب الأردن، أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 25 آخرين، وفق السلطات الأردنية.

وأكّدت السلطات الأردنية أن مهاجمي الكنيسة الثلاثة، وهم أردنيون، كانوا مرتبطين بتنظيمات متمركزة في الجنوب السوري؛ حيث شنّت غاراتها.

وأعلنت «الخارجية السورية»، مساء الأربعاء، استدعاء السفير الأردني وتسليمه «مذكرة احتجاج على خلفية القصف الأردني الذي طال مواقع مدنية في محافظة درعا».

وجاء ذلك بعد ساعات من إعادة سوريا فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، إثر إغلاقه بُعيد الضربات الأردنية التي طالت، وفق الدفاع المدني السوري، قرية في محافظة السويداء و3 قرى في محافظة درعا، موقعة 7 قتلى بينهم امرأة و3 أطفال، وفق دمشق.

وشكّلت الضربات التي أثارت غضباً واسعاً في سوريا واحدة من كبرى الأزمات في العلاقات بين البلدين منذ وصول السلطات السورية الجديدة إلى الحكم إثر إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعدما تبادلا الزيارات الرسمية مراراً.

وفي محاولة للتهدئة، أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ليل الثلاثاء اتصالاً بنظيره السوري أسعد الشيباني أكد فيه، وفق بيان مشترك، «احترام الأردن الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها»، وأعرب خلاله عن «بالغ الأسف والألم على سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء».

وكانت دمشق قد ندّدت بالغارات الأردنية وعدّتها «انتهاكاً واختراقاً غير مقبول للأجواء السورية دون أي تنسيق مسبق».

وأكّدت أن «هذا التصرّف الميداني أمر مرفوض جملة وتفصيلاً... لكونه يمثل خرقاً صريحاً لمبادئ حسن الجوار والسيادة الوطنية السورية». إلا أن الأردن أكّد الثلاثاء أنه نسّق الضربات مع دمشق.

وقال وزير الاتصال الحكومي والناطق باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، الثلاثاء، إن عمليات القصف «استهدفت مواقع لتنظيم (داعش)، بعد أن نفد صبر الأردن إزاء تحركات هذه التنظيمات الإرهابية واستهدافها الأمن الوطني».

وخلال الاتصال الهاتفي، اتفق الصفدي والشيباني، وفق البيان المشترك، على «تشكيل لجنة أمنية مشتركة للوقوف على جميع تفاصيل وحقائق العمليات الأخيرة ومتابعة تداعياتها، وتطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري للتعامل مع التهديدات الإرهابية».

وسبق أن شنّ الأردن غارات على جنوب سوريا استهدفت شبكات لتهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب مشاركته في غارات ضمن «التحالف الدولي» الذي قادته الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق.


بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
TT

بغداد ودمشق تؤسسان لمنظومة علاقات تضمن الاستقرار

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال استقباله في قصر الشعب بدمشق الأربعاء (أ.ب)

تشير المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو بناء شراكة استراتيجية، تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. وقالت مصادر في دمشق إن زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى دمشق، الأربعاء، شكلت «منعطفاً جوهرياً»، في إطار العلاقات بين البلدين على المدى المنظور، وعلى المدى البعيد، وفي حال تحققت الأهداف التي بنيت عليها الزيارة.

وتكمن أهمية الزيارة كونها الأولى لرئيس حكومة اتحادية في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وأتت تتويجاً «لتحسن تدريجي في العلاقات السياسية والتنسيق الأمني بين الطرفين، عكسته سلسلة زيارات متبادلة على مستوى وزراء الخارجية ومسؤولي أجهزة الاستخبارات»، بحسب الباحث في «مركز جسور للدراسات» عبد الوهاب عاصي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التقارب ترافق مع الاتفاق على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك في يونيو (حزيران) الماضي، وتطوير التعاون الميداني في مكافحة الإرهاب والتهريب عبر الحدود، فضلاً عن التعاون في ملف سجناء «تنظيم داعش»، ونجاح تجربة نقل الفيول العراقي بالصهاريج إلى بانياس لتصديره.

لقاء الشرع - الزيدي بحضور وزراء الخارجية والعدل والطاقة والمالية السوريين ومن الجانب العراقي نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الاقتصاد ووزراء الخارجية والمالية والنفط والعدل وعدد من المسؤولين

تمنح زيارة الزيدي، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، دعماً سياسياً على مستوى رئاسة البلدين لمسارات تعاون، اختبر الطرفان جدواها عملياً، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بما يعكس تنامي قدرة المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة على بناء الثقة وتوسيع العلاقة بين بغداد ودمشق. وفق الباحث عاصي.

وتجمع البلدين؛ سوريا والعراق، قواسم مشتركة، كما يتناقضان في قضايا متباعدة، وفق رئيس «مركز دراسات النهضة» بدمشق عبد الحميد توفيق، الذي وصف زيارة الزيدي بـ«المنعطف الجوهري». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه من القواسم المشتركة إمكانية تصنيف البلدين «بؤرتي توتر في الإقليم والمنطقة، وأيضاً نقطتي استقطاب للقوى الإقليمية والدولية». ويمكن للتوتر في المنطقة أن يؤجل كثيراً تواصلهما، كما قد يؤجل كثيراً تناقضهما. لكن هناك قوى إقليمية وقوى دولية ذات مصلحة في عودة العلاقات بين البلدين الجارين إلى حالة من الاستقرار والهدوء، بما يخدم مصالح الجميع، سواء قوى إقليمية (تركيا) أو قوى دولية (خاصة الولايات المتحدة الأميركية) التي تلوّح بالخروج من المنطقة على الصعيدين الأمني والعسكري لاحقاً.

عمال يملأون شاحنات صهريجية عراقية بالبنزين في محطة بانياس النفطية بمحافظة طرطوس السورية (د.ب.أ)

في السياق، أفادت مصادر قريبة من الحكومة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، بمناقشة زيارة الوفد العراقي عدداً من الملفات الحيوية، في دمشق، في مقدمتها ملف النفط والطاقة، وتأمين منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأبيض المتوسط في سوريا، وتوقيع مذكرات تفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب «حديثة - بانياس» الاستراتيجي. ومن المتوقع تنفيذ المشروع مع شركات إقليمية ودولية كبرى، أبرزها شركة «شيفرون» الأميركية.

كما جرى بحث العلاقات التجارية، في ظل ما تشهده الحدود السورية ـ العراقية من تنامٍ سريع في حركة النقل، مع عبور أكثر من 140 ألف شاحنة (بين استيراد وتصدير وترانزيت) من العراق إلى سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية.

يذكر أن سوريا والعراق تشتركان بحدود تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، يعدّ ضبطها الركيزة الأساسية للاستقرار الجيوسياسي الإقليمي. وتناولت المباحثات سبل تحقيق بيئة آمنة للمشاريع الاستثمارية الواعدة. إضافة إلى بحث ملف الأمن المائي والزراعي والمساحات الزراعية المشتركة التي تُقدّر بنحو 80 إلى 100 مليون دونم.

زار رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي الجامع الأموي في دمشق ورافقه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)

وتسعى الحكومتان؛ السورية والعراقية، إلى تطوير مسارات ربط لوجستي ممتدة من ميناء الفاو العراقي وصولاً إلى ميناء طرطوس السوري، في خطوة تهدف إلى ربط أسواق الخليج العربي بالأسواق الغربية عبر الأراضي السورية.

ورغم أهمية التطورات الإيجابية المتسارعة في العلاقات الاقتصادية السورية ـ العراقية، فإنها تتركز على الشق التجاري، بحسب ما قالته مصادر اقتصادية في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، رأت في ذلك تقارباً أو تعاوناً فرضته التوترات الإقليمية وأزمة مضيق هرمز، في حين يجب على بلدين جارين بتاريخهما وجغرافيتهما المشتركة أن يدعما هذا التعاون والتنسيق بتكامل اقتصادي، يشمل القطاعات الإنتاجية، في إطار التنمية المستدامة التي يحتاجها البلدان. وأشارت المصادر إلى أن التحديات السياسية الإقليمية والدولية كانت تاريخياً عائقاً أمام تطوير بناء تكامل الاقتصادي مستدام بين البلدين.

الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في مطار دمشق الأربعاء في أول زيارة يقوم بها إلى دمشق (الرئاسة السورية)

الباحث عبد الحميد توفيق تحدث عن وجود «منغصات كثيرة قد تعترض إنجاز العلاقات بين الجانبين، كما هو مأمول أو بوقت مبكر، منها ما يتصل بالعراق، وهو إيران ذات المصلحة بعدم استقرار العلاقات السورية ـ العراقية، ومحاولتها إبقاء أذرعها في البلد (عاملة فاعلة) حتى تحقق أهدافها، في ظل ما تتعرض له من حصار واحتمالات حرب تلوح مؤشراتها في المنطقة. أما المنغصات المتصلة بالجانب السوري فهو إسرائيل التي تسعى دائماً إلى خلق حالة توتر وعدم استقرار في سوريا على كل المستويات».

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (أ.ف.ب)

ويمكن للجانب الاقتصادي أن يشكل حاضنة أساسية ورافعة لتطوير العلاقات السياسية بين البلدين، بحسب الباحث عبد الحميد توفيق، وأيضاً للجانب الأمني «لاشتراك البلدين بتحديات أمنية كثيرة، وامتلاكهما القدرة على الفعل معاً»، لافتاً إلى أن «تنظيم داعش» يشكل تهديداً للبلدين، مشيراً هنا إلى وجود عناصر من «تنظيم داعش» مسجونين في العراق وفي سوريا، ما يعدّ «معضلة كبيرة، في ظل رفض بعض الدول الأوروبية الموافقة على استعادتهم. ما يبقيهم قنبلة موقوتة في البلدين».

وخلال الزيارة، كان ملف المعتقلين السوريين في العراق، ويتجاوز عددهم 3 آلاف معتقل، في مقدمة الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، إذ طلب الجانب السوري تصنيفهم قانونياً تمهيداً لإعادتهم إلى بلادهم. وطرح الجانب العراقي استئناف الحج الديني إلى المقامات الشيعية وتأمين سلامة الزوار.

وبحسب المعطيات، تظهر دمشق وبغداد جدية في تغليب دبلوماسية المصالح المشتركة وصياغة منظومة أمنية واقتصادية كفيلة بضمان الاستقرار في العلاقات. ويقول الباحث عبد الحميد توفيق إن «الآفاق واعدة، طالما أن الإرادة السياسية متوفرة»، وطالما هناك «قوى إقليمية عربية ودولية لها مصلحة في استقرار العلاقات بين البلدين مستقبلاً».


قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
TT

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قال الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه مَن يحكم إسرائيل، مؤكداً في الوقت نفسه أنه سيواصل مواجهة «العدوان»، وذلك غداة انتخابات محتدمة في الدولة العبرية لم تسفر عن فائز واضح، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتقدّم معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد فرز أكثر من 85 في المائة من الأصوات، بفارق طفيف، لكنه ظل دون الأغلبية في انتخابات الثلاثاء، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي دفع إسرائيل إلى شن حرب على قطاع غزة، بالإضافة إلى خوضها حربين مع «حزب الله» في لبنان في عامَي 2024 و2026 وكذلك مع إيران.

وقبل أسبوع من انعقاد الانتخابات، توعّد نتنياهو بأن إسرائيل لن تتردد في ضرب أعدائها «في اللحظة التي يصبح فيها ذلك ضرورياً».

وقال قاسم في بيان: «لا يعنينا مَن يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب. لكن فليعلم أنَّه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله، وعليه أن يخرج من أرضنا».

وأكّد قاسم كذلك أن «المقاومة مستمرة... وستواجه العدوان عليها وعلى لبنان، ولا محلَّ للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمراً».

وإثر حرب مدمرة خاضها «حزب الله» وإسرائيل لأكثر من عام وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أقرّت الحكومة اللبنانية خطة لنزع سلاح الحزب، نصّت على حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وكلّفت الجيش بتنفيذها.

لكن «حزب الله»، الذي يرفض نزع سلاحه، انخرط مجدداً في المواجهة بشنه مطلع مارس (آذار) هجمات على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ما أعاد لبنان إلى الحرب.

وردّت إسرائيل بقصف مكثف على لبنان، واحتلال قسم من أراضيه، ما أسفر عن مقتل أكثر من 4300 شخص، وفق السلطات.

وكانت حدة الأعمال العدائية في لبنان قد تراجعت منذ أواخر يونيو (حزيران) بفضل مذكرة تفاهم إيرانية - أميركية، واتفاق إطار أبرم بين حكومتي لبنان وإسرائيل في يونيو (حزيران) 2026.

مع ذلك، تواصل إسرائيل شنّ ضربات، قائلة إنها تستهدف بنى تحتية لـ«حزب الله» في الجنوب اللبناني. ولم يعلن الحزب مسؤوليته عن أي هجمات منذ إبرام اتفاق الإطار.