معارك في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة... وواشنطن تطالب رعاياها بـ«الاحتماء»

جماعة تابعة لـ«القاعدة» تعلن مسؤوليتها عن الهجمات

جندي في قاعدة كاتي العسكرية خارج العاصمة باماكو خلال الاشتباكات (رويترز)
جندي في قاعدة كاتي العسكرية خارج العاصمة باماكو خلال الاشتباكات (رويترز)
TT

معارك في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة... وواشنطن تطالب رعاياها بـ«الاحتماء»

جندي في قاعدة كاتي العسكرية خارج العاصمة باماكو خلال الاشتباكات (رويترز)
جندي في قاعدة كاتي العسكرية خارج العاصمة باماكو خلال الاشتباكات (رويترز)

طلبت سفارة الولايات المتحدة الأميركية في مالي من رعاياها الابتعاد عن المناطق التي تشهد معارك ضارية بين وحدات عسكرية مالية ومجموعات مسلحة «مجهولة». وقالت السفارة إنها تتابع التقارير عن انفجارات وإطلاق نار بالقرب من كاتي ومطار باماكو، ولهذا «يجب على الأميركيين الاحتماء».

وقال شاهد من «رويترز» إنه سمع دوي انفجارين قويين وإطلاق نار متواصلاً، في وقت مبكر من صباح السبت، بالقرب من قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية، خارج العاصمة باماكو، وإن جنوداً انتشروا لإغلاق الطرق في المنطقة. كما شهدت مدينة سيفاري بوسط البلاد وبلدة كيدال ومدينة جاو في الشمال اضطرابات مماثلة في نفس التوقيت تقريباً. وقال شاهد من سيفاري: «يمكن سماع دوي إطلاق النار في كل مكان».

وفي وقت متأخر من اليوم، نقلت مجموعة «​سايت إنتليجنس» عن جماعة ‌«نصرة ‌الإسلام ​والمسلمين» التابعة ‌لتنظيم «⁠القاعدة» ​قولها، في ⁠بيان، إنها مسؤولة ⁠عن ‌هجمات ‌منسقة في ​أنحاء ‌مالي، ‌السبت، بالاشتراك ‌مع «جبهة تحرير ⁠أزواد» التي يهيمن ⁠عليها الطوارق.

صورة وزعتها «جبهة تحرير أزواد» تبين مسلحين في شوارع كيدال (أ.ب)

وقال جيش مالي إن مسلحين شنوا هجمات في العاصمة باماكو ومواقع أخرى في البلاد، صباح السبت، في هجوم منسق على ما يبدو شاركت فيه عدة جماعات. وتحدث بيان للجيش عن معارك جارية، السبت، في العاصمة وفي عدة مناطق داخلية من البلاد بين قواته و«جماعات إرهابية» هاجمت ثكنات.

وأفاد شهود عيان بوقوع هجمات متفرقة. وقال الجيش، في بيان، إن «جماعات إرهابية مسلحة مجهولة استهدفت مواقع وثكنات عسكرية معينة في العاصمة وداخل مالي فجر السبت، 25 أبريل (نيسان) 2026»، وإن الجنود «يعملون حالياً على القضاء على المهاجمين». وأضاف الجيش أن الاشتباكات لا تزال مستمرة، ودعا السكان إلى التزام الهدوء.

وتجتاح مالي، التي يحكمها مجلس عسكري، صراعات حركات تمرد وعنف مرتبطة بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش» الإرهابيين منذ أكثر من عقد، هذا بالإضافة إلى تمرد طويل الأمد يقوده الطوارق في الشمال.

مسلحون من مجموعة غير محددة الهوية في كيدال (رويترز - جبهة تحرير أزواد)

وقال محمد المولود رمضان، المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد»، وهي تحالف يقوده الطوارق، عبر منصات التواصل الاجتماعي، إن قوات الجبهة سيطرت على عدد من المواقع في كيدال وجاو. وقالت «رويترز» إنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من صحة ما ذكره المتحدث. وأفادت أربعة مصادر أمنية بأن جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة» في المنطقة، شاركت أيضاً في هجمات السبت.

ولم تعلق الحكومة ولا متحدث باسم جيش مالي على ادعاءات تحالف الطوارق. وقال أحد السكان إنه سمع دوي إطلاق نار في الساعات الأولى من صباح السبت قرب معسكر للجيش قريب من مطار باماكو يضم قوات من المتعاقدين العسكريين الروس.

الدخان يتصاعد جراء الانفجارات في كيدال (رويترز - جبهة تحرير أزواد)

وأضاف الساكن الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية: «نسمع دوي إطلاق نار باتجاه المعسكر... وليس المطار نفسه، بل المعسكر الذي يتولى تأمين المطار».

وتعتمد الحكومة بقيادة أسيمي غويتا على متعاقدين عسكريين روس من أجل الدعم الأمني، في حين أنها كانت في البداية تدفع باتجاه التعاون الدفاعي مع الدول الغربية. وسعت إلى توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة.

وقال محرر من وكالة «أسوشييتد برس» إنه سمع دوي إطلاق نار قرب مطار موديبو كيتا الدولي في باماكو عاصمة مالي، في وقت مبكر من السبت. وسمع أحد صحافيي الوكالة في باماكو دوي إطلاق أسلحة ثقيلة وبنادق آلية، قادماً من اتجاه مطار موديبو كيتا الدولي، الذي يقع على بعد نحو 15 كيلومتراً من وسط المدينة، كما شاهد مروحية تقوم بدورية فوق الضواحي القريبة. والمطار مجاور لقاعدة جوية يستخدمها سلاح الجو في مالي.

وأبلغ سكان في مدن أخرى في مالي بسماع دوي إطلاق نار وانفجارات، صباح السبت، مما يشير إلى هجوم منسق محتمل من قبل الجماعات المسلحة.

منظر للعاصمة باماكو (أ.ب)

وقال عمدة سابق لمدينة كيدال بشمال شرق البلاد لوكالة «أسوشييتد برس» إن مسلحين دخلوا المدينة، وسيطروا على بعض الأحياء، مما أدى إلى تبادل لإطلاق النار مع الجيش. وتحدث العمدة شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب مخاوف على سلامته.

وتشهد مالي الواقعة في منطقة الساحل الصحراوي منذ أكثر من عشرة أعوام نزاعاً وأعمال عنف تنفذها جماعات مسلحة وإرهابية، ويحكمها عسكريون تولوا السلطة بعد انقلابين في 2020 و2021، وتعهدوا باستعادة الأمن في بلد يسيطر فيه مسلحون على مناطق واسعة في الشمال والوسط، ويشنون هجمات على نحو متكرر تستهدف الجيش والمدنيين.

وابتعد النظام العسكري في مالي عن فرنسا وعدد من الشركاء الغربيين، كما فعلت النيجر وبوركينا فاسو اللتان يحكمهما أيضاً مجلسان عسكريان، واختار التقارب سياسياً وعسكرياً مع روسيا.

كانت مجموعة «فاغنر» التي كانت تدعم سلطات مالي منذ عام 2021، أعلنت في يونيو (حزيران) 2025 انتهاء مهمتها، لتتحول إلى منظمة خاضعة مباشرة لسيطرة وزارة الدفاع الروسية.

واتخذ النظام العسكري إجراءات قمعية ضد الصحافة والأصوات المنتقدة، وعمد إلى حلّ الأحزاب السياسية والمنظمات ذات الطابع السياسي.

صورة أرشيفية لقوات عسكرية مالية في كيدال (أ.ف.ب)

وكان المجلس العسكري تعهّد تسليم السلطة إلى المدنيين في موعد أقصاه مارس (آذار) 2024، لكنه لم يفِ بوعده. وفي يوليو (تموز) 2025 أولى النظام العسكري غويتا الرئاسة لخمس سنوات قابلة للتجديد «قدر ما يلزم»، ومن دون انتخابات.

وأفادت «رويترز» في مارس (آذار) بأن مالي والولايات المتحدة على وشك إبرام اتفاق يسمح لواشنطن باستئناف تحليق الطائرات والمسيّرات فوق المجال الجوي للبلد الأفريقي لجمع معلومات استخباراتية عن الجماعات المسلحة.

وفي سياق متصل، أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026 لتعزيز قواتها الاحتياطية ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات المسلحة. وأكد الوزير أيضاً، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه سيتم تدريب «جميع المواطنين في سن القتال» و«استدعاؤهم عند الحاجة».

ولم يتمكن المجلس العسكري الذي يحكم بوركينا فاسو بقيادة الكابتن إبراهيم تراوري منذ انقلاب سبتمبر (أيلول) 2022، من إيقاف أعمال عنف تشنها جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش» حصدت آلاف الأرواح منذ أكثر من عقد.


مقالات ذات صلة

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

أفريقيا صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

قال مصدران إن متشددين قتلوا ما يربو على 100 جندي في وسط مالي الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (دكار)
شؤون إقليمية يسمح قانون أقره البرلمان التركي بعودة عناصر حزب «العمال الكردستاني» ووقف ملاحقتهم قضائياً بشكل مشروط بعد التحقق من حل الحزب وانتهاء نزع أسلحته (أ.ف.ب)

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

هددت قيادات في حزب «العمال الكردستاني» بعدم إلقاء الأسلحة ووقف «عملية السلام» ما لم يتم منح الحرية لزعيمه عبد الله أوجلان والسماح بعودة قيادات إلى تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا أشخاص يقفون بالقرب من سيارة إسعاف وجزء متضرر من مركز للشرطة عقب هجوم انتحاري في كوهات بباكستان يوم 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ارتفاع حصيلة تفجير وهجوم مسلّح في باكستان إلى 31 قتيلاً

ارتفعت حصيلة عملية التفجير والهجوم المسلح على المقر العام للشرطة الباكستانية في كوهات بشمال البلاد إلى ما لا يقل عن 31 قتيلا بينهم 16 شرطياً.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي استقبل رئيس مجلس الشعب الدكتور عبد الحميد العواك وفداً من مجلس الشيوخ الفرنسي بحضور مكتب المجلس

مجلس الشعب السوري يقر إلغاء «محكمة الإرهاب» وإبطال قراراتها

أقر مجلس الشعب السوري، الأربعاء، إلغاء «قانون محكمة قضايا الإرهاب» رقم «22» لعام 2012، مع إبطال كل المفاعيل والآثار القانونية المترتبة عليه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

لم تعد الاضطرابات التي تواجهها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محصورة داخل حدود أقاليم متنازعة مع المركز. فمع اتساع رقعة الصراعات المسلحة في تيغراي وأمهرة وأوروميا، وتشكيل تحالف جديد يضم سبع جماعات مسلحة من مناطق وقوميات مختلفة، تعقدت أزمات الداخل الإثيوبي وتشابكت مع نزاعات حدودية مع الجيران، ما يهدد بإرباك توازنات منطقة القرن الأفريقي.

وباتت السياسة والأمن في إثيوبيا بحسب أليكس دي وال، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة السلام العالمي»، أستاذ الأبحاث في جامعة تافتس، «متشابكين إلى حد كبير» مع أوضاع الصومال وإريتريا والسودان.

وقال دي وال لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة تشهد «فسيفساء من الصراعات، يرتبط فيها كل مستوى من الصراع بالمستوى الأعلى منه، بحيث تظل جذور النزاعات محلية، بينما تساعد العوامل الخارجية في إطالتها وجعل تسويتها أكثر صعوبة».

وتأتي هذه الصورة في أعقاب إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة أخيراً تشكيل «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، بهدف تغيير الحكومة الحالية. التحالف ضم خصوماً سابقين قاتلوا على جانبي حرب تيغراي بين 2020 و2022.

ولا يعني التحالف بالضرورة وجود جبهة عسكرية متماسكة؛ إذ لا تزال بين مكوناته خلافات عميقة. وقال ماغنوس تايلور، نائب مدير مشروع القرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية» لـ«الشرق الأوسط» إن «قدرة الجماعات على العمل المشترك قد تعوقها المسافات الجغرافية والخلافات السياسية».

لكن أهمية التحالف تكمن في كونه يعكس تحولاً أوسع في الصراع، وهنا قالت هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية «GIGA» لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة التي تعاني منها الدولة الإثيوبية في إدارة نظامها الفيدرالي تتيح اندلاع صراعات إقليمية منفصلة بالتزامن»، محذرة كذلك من أن أطراف هذه الصراعات قد تتنافس فيما بينها على الموارد والتمثيل السياسية.

وفي رأي إبراهيم إدريس، الباحث في الشؤون الأفريقية والدولية، فإن تدهور العلاقة بين المركز وتيغراي بعد تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا بات يهدد «سلامة النظام الهيكلي الفيدرالي» نفسه.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المعضلة لا تتوقف عند تيغراي، لأن القوميات الثلاث الأكثر تأثيراً في مسار الدولة الإثيوبية، وهي الأمهرة والتيغراي والأورومو، بات لكل منها، بدرجات مختلفة، صراع أو خلاف مع المركز».

وتكشف انتخابات يونيو (حزيران) الماضي واحدة من أبرز مفارقات المشهد الإثيوبي. فقد حصل «حزب الازدهار» بقيادة آبي أحمد على 438 مقعداً، ما ضمن له أغلبية برلمانية واسعة، لكن الانتخابات لم تتم في جميع الدوائر؛ من بينها تيغراي وأمهرة وأوروميا.

وقالت هاجر علي إنه «رغم أن الحزب يبدو متمتعاً بأغلبية برلمانية قوية، فإن هذا لا يعني أنه قادر فعلياً على معالجة القضايا الإثنية أو الإقليمية التي تتسبب في عدم الاستقرار وتفاقمه»، ولا ترى علي فصلاً واضحاً بين «المظالم المحلية» والصراع الأوسع على مستقبل الدولة.

ويبقى ملف تيغراي الأكثر قابلية لتحويل الأزمات المتفرقة إلى أزمة أوسع. فقد أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، حرباً استمرت عامين بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي.

جنود من القوات الخاصة في أحد شوارع مدينة حميرة الإثيوبية (رويترز)

لكن الأزمة تصاعدت خلال العام الحالي، مع إعادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» بسط سيطرتها السياسية على الإقليم في مايو (أيار)، متهمة الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ الاتفاق. وهنا أوضح تايلور إن اتفاق بريتوريا «لا يزال قائماً رسمياً، لكنه لم يعد فاعلاً على أرض الواقع».

ومع ذلك، لا يعتبر تايلور أن الباب السياسي أُغلق تماماً، مشيراً إلى وجود مجال للتفاوض، من خلال جهود الاتحاد الأفريقي.

وفي أمهرة، تواجه الحكومة معضلة مختلفة. فقد قاتلت قوات «فانو» إلى جانب الجيش الفيدرالي خلال حرب تيغراي، قبل أن تتحول إلى خصم للحكومة في 2023. وقال إدريس إن «التطور الأهم هو انتقال الحركة من خلاف سياسي إلى تبني السلاح كأداة لتغيير النظام».

وفي أوروميا، الإقليم الذي ينتمي إليه آبي أحمد نفسه، الذي لعبت احتجاجاته الشعبية دوراً محورياً في التغيرات السياسية التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة، واصل «جيش تحرير أورومو» تمرده ضد الدولة، ولم تؤدِ جولات التفاوض السابقة إلى تسوية شاملة.

وفي رأي هاجر علي فإن «صراع أوروميا يوضح أن الأزمة لا يمكن اختزالها في رد فعل على سياسات السنوات الأخيرة وحدها، فالنزاع هناك ممتد منذ عقود، وجزء كبير منه يتعلق بالعلاقة بين المركز والقوى الإقليمية».

وأشار إدريس إلى «انقسامات داخل الحركة السياسية الأورومية نفسها، مع ابتعاد قوى كانت جزءاً من البيئة التي دعمت صعود آبي عن الحكومة لاحقاً».

وهكذا أصبحت الحكومة، في آن واحد، أمام تمرد أمهري، وصراع مستمر في أوروميا، وانهيار متدرج لتفاهمها مع تيغراي، لكن ما يمنح هذه الصراعات بعداً إقليمياً أكثر خطورة هو علاقتها بالجوار، فإريتريا، التي انتقلت علاقتها بآبي أحمد من المصالحة التاريخية في 2018 إلى التحالف معه خلال حرب تيغراي، أصبحت مرة أخرى في موقع الخصم.

وفي فبراير (شباط) الماضي، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي غديون تيموثيوس، إريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا، وقال تايلور إن «لإريتريا تاريخاً في دعم جماعات المعارضة الإثيوبية»، لكنه أشار إلى أن «تعاونها الحالي مع قوات تيغراي يتركز على السماح لها بالتحرك عبر الأراضي الإريترية وربما تقديم بعض المساعدات العسكرية التقنية».

وربط تايلور هذا التقارب بمخاوف أسمرة من طموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، متحفظاً على وصف «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بأنها وكيل لإريتريا»، بينما ذهب إدريس إلى أن انعكاسات أزمة الموانئ، دفعت إريتريا إلى «موقع دفاعي».

ووضع أليكس دي وال هذا المشهد في سياق تاريخي أوسع، مشيراً إلى أن القرن الأفريقي عرف، منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي، نمطاً من الحروب دعمت فيه كل دولة متمردين يقاتلون حكومة الدولة الأخرى، واستمر جانب من هذا التشابك بعد الحرب الباردة، وإن تغيرت أسبابه وتحالفاته.

جنود من القوات الخاصة في إثيوبيا (رويترز)

وقال دي وال إن جذور الأزمات تظل «محلية»، لكن التشابكات الخارجية «تبقي الصراعات مستمرة وتجعلها مستعصية ويصعب حلها».

ويبرز السودان بوصفه من أكثر حلقات هذا التشابك حساسية، إلى جانب الأزمة مع الصومال بعد الاتفاق الذي وقعته أديس أبابا مع «أرض الصومال» مطلع 2024 للحصول على منفذ بحري. وترى هاجر علي أن «التركيز على الصراعات المسلحة وحدها قد يحجب ضغوطاً أخرى يمكن أن تزيد قدرة هذه الصراعات على إضعاف الدولة»، مشيرة إلى الظروف المناخية القاسية، وتداعياتها على الأمن الغذائي والبنية التحتية والنزوح، وقالت إن «الحروب الجارية قللت من قدرة الحكومة على التعامل مع مثل هذه الأزمات».

في مواجهة هذه الضغوط، تراهن الحكومة على المؤسسات السياسية والحوار الوطني بالتوازي مع العمليات الأمنية. ويعتقد دي وال أن المشكلة أعمق من مجرد غياب طاولة مفاوضات، وقال دي وال: «نحن أمام بيئة تدفع فيها كل الضغوط نحو استمرار الحرب».

وحتى عندما تبدأ المفاوضات، وفق تقديره، فإنها غالباً ما تركز على وقف إطلاق نار أو تشكيل ائتلاف أو إبرام صفقة سياسية، بدلاً من معالجة جذور النزاع وبناء «تسوية دائمة».

ورغم تعدد الضغوط، فإن الحكومة الإثيوبية لا تزال تحتفظ بأجهزة الدولة، وقوة عسكرية كبيرة، وأغلبية برلمانية واسعة، كما أن خصومها لا يشكلون حتى الآن كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة. لكن هذا لا يلغي، تحولاً أساسياً في طبيعة الأزمة. وفي رأي دي وال فإن عكس هذا المسار يحتاج إلى «درجة أكبر بكثير من التعاون بين الدول الأفريقية، وكذلك مع دول العالم العربي والمجتمع الدولي». وخلص إلى أن «هذا التعاون غير موجود».


انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
TT

انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)

شهدت جوبا؛ عاصمة جنوب السودان، انتشاراً أمنياً كثيفاً، الثلاثاء، فيما يُرتقب أن يحلّ الرئيس سلفا كير الحكومة قبل انتخابات ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التي يخشى المجتمع الدولي أن تُغرق البلاد في مزيد من الاضطرابات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووقّع كير، الاثنين، قانوناً يسمح له بالبقاء في السلطة حتى موعد الانتخابات، وينص على إقالة نواب الرئيس، خصوصاً نواب المعارضة، من مناصبهم.

وأصدر جهاز الأمن الداخلي في جنوب السودان أمراً لكل عناصر قوات الأمن بارتداء الزي الرسمي والبقاء في حالة تأهب قصوى 3 أيام.

ولاحظ صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء، انتشاراً أمنياً مكثّفاً في شوارع جوبا، حيث أُقيمت نقاط تفتيش. وفُرض طوق أمني في محيط المجمع الحكومي، كما أُغلق بعض الطرق الرئيسية، في إجراء نادر تشهده عاصمة جنوب السودان.

وقال مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته: «طُلب مني العودة إلى المنزل. لا أعرف ما يحدث».

ومن المقرر أن تُجري جنوب السودان، التي نالت استقلالها عن السودان عام 2011، أول انتخابات لها في 22 ديسمبر المقبل.

ونبّهت «لجنة حقوق الإنسان» بجنوب السودان في تقرير خلال أغسطس (آب) الماضي، إلى أن إجراء أول انتخابات في البلاد هذه السنة قد يؤجج النزاع الذي اشتدت حدّته في الأشهر الأخيرة ويزيد من خطر ارتكاب الفظائع.

ورأت «اللجنة» أن «تنظيم انتخابات من دون استراتيجية لترسيخ الديمقراطية... قد يسهم على العكس في إعادة إشعال النزاع وزيادة خطر ارتكاب جرائم فظيعة».

في عام 2018، أفضى اتفاق سلام، وَضع حدّاً لـ5 سنوات من الحرب الأهلية الدامية، إلى تشكيل حكومة وحدة بين طرفي النزاع سلفا كير ورياك مشار، اللذين تولّى كل منهما منصبَي الرئيس ونائب الرئيس، خلال مرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي في عام 2022 بإجراء انتخابات أُرجئت مرات عدة.

وأُلقي القبض على مشار في مارس (آذار) 2025 ووُضع رهن الإقامة الجبرية.


مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)

قال مصدران إن متشددين قتلوا ما يربو على 100 جندي في وسط مالي الشهر الحالي، في حين أعلن الجيش أنه أجلى القوات من المعسكر الذي تعرّض للهجوم وأنه قصف مواقع للعدو خلال عملية انتقامية استمرت أكثر من أسبوع، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

والهجوم الذي وقع في 10 سبتمبر (أيلول) في بلدة ديورا وآخر على مطار بلدة سيفاري هما الأحدث ضمن سلسلة هجمات تشنها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» على الحكام العسكريين في مالي الذين استولوا على السلطة في انقلابين عامي 2020 و2021.

وتحالفت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» في أبريل (نيسان) مع «جبهة تحرير أزواد»، هي جماعة انفصالية يقودها الطوارق، لتنفيذ هجمات في أنحاء مالي تسببت في مقتل وزير الدفاع المالي وأصابت المطار الرئيسي، ما سلّط الضوء على عدم إحراز المقاتلين الموالين للحكومة أي تقدم في مواجهة المتمردين.

وقال مصدر أمني إن 130 جندياً قُتلوا في الهجوم الذي وقع في 10 سبتمبر في ديورا واحتُجز خلاله أكثر من 100 رهينة. وقال مصدر دبلوماسي إن نحو 120 جندياً قُتلوا.

وذكر الجيش في مالي، في بيان صدر يوم السبت: «خلال هذه العملية، التي استمرت أكثر من أسبوع، سقط للأسف بعض إخواننا المقاتلين في ساحة الشرف، بينما تكبّد المهاجمون خسائر فادحة».

وأعلنت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الأسبوع الماضي مسؤوليتها عن هجوم العاشر من سبتمبر، قائلة إنه تسبب في مقتل 150 جندياً.

قصف مطار

وفي واقعة منفصلة، أعلنت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، أمس (الأحد)، أنها قصفت أنظمة دفاع جوي في مطار سيفاري، الذي يضم طائرات عسكرية وأخرى مسيّرة. وقالت الجماعة أيضاً إنها قتلت 33 مقاتلاً من القوات الموالية للحكومة في سيفاري وفي كونا، الواقعة أيضاً في وسط مالي.

تدعم مجموعة فيلق أفريقيا شبه العسكرية الروسية جيش مالي في القتال في كلا الموقعين.