خطر الحرب يطارد التعافي.. «صندوق النقد» يخفِّض توقعات نمو الاقتصاد العالمي

حذَّر من تباطؤ أوسع في آسيا... وأزمة الطاقة تلاحق القارة العجوز

غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)
غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

خطر الحرب يطارد التعافي.. «صندوق النقد» يخفِّض توقعات نمو الاقتصاد العالمي

غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)
غورينشاس يتحدث خلال مؤتمر صحافي لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (إ.ب.أ)

خفَّض صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، توقعاته للنمو العالمي لعام 2026، محذِّراً من أن الحرب في الشرق الأوسط تُهدد بتعطيل مسار التعافي الاقتصادي العالمي، عبر اضطراب أسواق السلع الأساسية وارتفاع الأسعار.

وتوقع الصندوق، في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر خلال اجتماعاته الربيعية في واشنطن، أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1 في المائة هذا العام. ويمثل هذا التقدير تراجعاً عن توقعات يناير (كانون الثاني) التي كانت تشير إلى نمو قدره 3.3 في المائة، قبل اندلاع الأعمال العدائية، عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، والتي دفعت طهران إلى الرد وأشعلت تصعيداً أوسع في المنطقة.

وقال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، بيير-أوليفييه غورينشاس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كنا نتوقع رفع توقعات النمو لعام 2026 إلى 3.4 في المائة لولا الحرب».

وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة جاء نتيجة مباشرة للنزاع، في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لشحنات الطاقة، إضافة إلى تشديد الإجراءات العسكرية في المنطقة.

ويتوقع الصندوق أن يرتفع التضخم العالمي إلى 4.4 في المائة هذا العام، بزيادة 0.6 نقطة مئوية عن تقديرات يناير. وأوضح غورينشاس أن مسار تراجع التضخم مرشح للاستئناف لاحقاً، بعد أن شهد العالم تباطؤاً تدريجياً في ضغوط الأسعار خلال السنوات الماضية.

وحدات تخزين النفط والغاز والوقود بمحطة نافيغيتور في غرايز- بريطانيا (إ.ب.أ)

غير أن هذه التوقعات تفترض أن النزاع سيكون محدوداً زمنياً، مع صدمات مؤقتة في أسواق الطاقة. وحذَّر غورينشاس قائلاً: «يجب أن نقلق بشدة من احتمال تحوُّل هذا الوضع إلى أزمة طاقة كبرى».

وفي سيناريوهات أكثر تشاؤماً؛ حيث تبقى أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة، قد يتراجع النمو العالمي إلى 2.5 في المائة أو حتى نحو 2 في المائة. وأضاف غورينشاس: «منذ عام 1980، لم يتجاوز النمو العالمي مستوى 2 في المائة إلا في 4 مناسبات تقريباً»؛ مشيراً إلى أزمات كبرى أبرزها الأزمة المالية العالمية في 2008، وجائحة «كوفيد-19».

كما أشار الصندوق إلى أن هذه الصدمة تأتي بعد أقل من عام على تغيرات واسعة في السياسات التجارية الأميركية، ما زال أثرها ممتداً على النظام التجاري العالمي.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

تأثيرات متفاوتة

ورغم أن التعديلات على التوقعات العالمية تبدو محدودة، شدَّد صندوق النقد الدولي على أن التأثيرات الأشد تتركز في الشرق الأوسط والاقتصادات الهشة. وأوضح أن «الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية ستتأثر بنحو مضاعف مقارنة بالاقتصادات المتقدمة».

وأشار غورينشاس إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة قد ينعكس بزيادة حادة في أسعار الغذاء، ما يضغط بشكل خاص على الدول المستوردة للطاقة ذات الدخل المنخفض. وبالنسبة للاقتصاد الأميركي، ما زال يُتوقع أن يرتفع النمو إلى 2.3 في المائة هذا العام، رغم التعديل الطفيف نحو الأسفل، مع استفادة محدودة من ارتفاع أسعار الطاقة.

حذر من تباطؤ أوسع في آسيا

وفي جانب آخر، خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني هذا العام إلى 4.4 في المائة، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية. وأشار التقرير إلى أن الصادرات التي تُعد المحرك الرئيسي للنمو الصيني، ما زالت تُظهر قدراً من الصلابة؛ لكن الآفاق المستقبلية للاقتصاد لا تزال ضعيفة. وتوقع الصندوق أن يتباطأ النمو في الصين إلى 4 في المائة بحلول عام 2027، نتيجة «تحديات هيكلية» تشمل تباطؤ قطاع العقارات، وتراجع القوة العاملة، وانخفاض عوائد الاستثمار، وتباطؤ نمو الإنتاجية.

وتوقع أن يواصل بنك اليابان رفع أسعار الفائدة تدريجياً بوتيرة أسرع قليلاً من التقديرات السابقة، مع تباطؤ النمو الاقتصادي الياباني إلى 0.7 في المائة في 2026 و0.6 في المائة في 2027، بعد نمو بلغ 1.2 في المائة في 2025. كما أشار إلى أن التحفيز الحكومي وتخفيف تكاليف الطاقة سيحدَّان من تأثير ضعف الطلب الخارجي، بينما يتوقع أن يقترب التضخم من هدف 2 في المائة بحلول نهاية 2027.

كما خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات آسيا الناشئة والنامية إلى 4.9 في المائة في 2026، مقارنة بـ5 في المائة سابقاً، في تباطؤ ملحوظ بعد تسجيل نمو بلغ 5.5 في المائة في العام الماضي. وحذَّر من أن الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط ستؤثر على عدد من اقتصادات جنوب وجنوب شرقي آسيا، من خلال تراجع تدفقات السياحة والتحويلات المالية، ما ينعكس سلباً على الطلب المحلي.

في المقابل، رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الهندي إلى 6.5 في المائة هذا العام، بزيادة 0.1 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة؛ مشيراً إلى أن خفض الرسوم الجمركية الأميركية من 50 في المائة إلى 10 في المائة ساهم في تخفيف آثار الصدمة الجيوسياسية.

لافتة «خارج الخدمة» معروضة على محطة وقود في رومانفيل بالقرب من باريس (إ.ب.أ)

خفض توقعات نمو منطقة اليورو

كما خُفِّضت توقعات منطقة اليورو إلى 1.1 في المائة مقارنة بـ1.4 في المائة في العام الماضي، وبانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن تقديرات يناير، وأشار الصندوق إلى أن مصدِّري منطقة اليورو يواجهون أيضاً ضغوطاً إضافية نتيجة قوة اليورو مقابل الدولار والعملات الرئيسية، ما يقلل تنافسية الصادرات الأوروبية في الأسواق العالمية.

وعلى مستوى الاقتصادات الرئيسية، من المتوقع أن يتباطأ النمو في ألمانيا إلى 0.8 في المائة هذا العام، متأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة التي تضغط على قطاعها الصناعي كثيف الاستهلاك للطاقة.

وفي فرنسا، خُفِّضت التوقعات إلى 0.9 في المائة، أي أقل بـ0.3 نقطة مئوية عن تقديرات يناير، بينما جرى تعديل توقعات إسبانيا إلى 2.1 في المائة رغم بقائها من بين الأقوى أداءً في المنطقة بدعم قطاع السياحة. كما خفَّض الصندوق توقعاته لنمو إيطاليا إلى 0.5 في المائة، ليستقر عند مستوى العام الماضي دون تغيير يُذكر.

ناقلات مواد كيميائية ونفط تُفرغ حمولتها في وحدات تخزين الغاز والوقود بمحطة نافيغيتور في غرايز- بريطانيا (إ.ب.أ)

بريطانيا تتلقى أكبر خفض في توقعات النمو

في السياق نفسه، خفَّض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني، في أكبر مراجعة هبوطية بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى؛ مشيراً إلى نمو لا يتجاوز 0.8 في المائة في عام 2026، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.3 في المائة. وعزا هذا التراجع إلى تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي أدت في بدايتها إلى تضاعف أسعار الغاز الطبيعي، وهو مصدر طاقة رئيسي للاقتصاد البريطاني، إضافة إلى بطء وتيرة خفض أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا نتيجة صدمة أسعار الطاقة.

ورغم عدم توقع انفلات التضخم، حذَّر الصندوق من مخاطر ترسخ توقعات ارتفاع الأسعار مجدداً، في ظل استمرار أثر موجات التضخم السابقة على سلوك المستهلكين والشركات. وقال غورينشاس: «إذا حدث ذلك، فقد نشهد تضخماً أكثر استدامة ينعكس في ارتفاع توقعات الأسعار». وفي هذه الحالة، قد تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، حتى في ظل صدمة سلبية مستمرة على جانب العرض.


مقالات ذات صلة

محافظ بنك الفلبين يحذّر من تكرار الأزمة المالية الآسيوية وسط صدمات الطاقة

الاقتصاد محافظ البنك المركزي الفلبيني إيلي ريمولونا يتحدث في إحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والنك الدوليين في بانكوك (رويترز)

محافظ بنك الفلبين يحذّر من تكرار الأزمة المالية الآسيوية وسط صدمات الطاقة

دعا محافظ البنك المركزي الفلبيني، إيلي ريمولونا، الاقتصادات الآسيوية إلى تعزيز استعداداتها لمواجهة الأزمات المالية.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد لاغارد تلوح لوسائل الإعلام لدى وصولها لحضور اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في لوكسمبورغ (أرشيفية - د.ب.أ)

لاغارد تدعو فرنسا إلى معالجة أزمتها المالية داخلياً وسط ترقب رفع الفائدة مجدداً

دعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، فرنسا إلى معالجة أزمة ديونها من خلال ضبط أوضاع المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد غورغييفا تجيب على الأسئلة خلال جلسة إحاطة المدير العام حول أجندة السياسة العالمية في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدوليين في بانكوك (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي يحذّر من اتساع الاختلالات المالية ويدعو إلى إصلاحات عاجلة

دعا صندوق النقد الدولي الحكومات إلى التحرك سريعاً لمعالجة الاختلالات المالية واحتواء تصاعد الديون.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد غورغييفا خلال جلسة إحاطة المديرين العامين حول أجندة السياسة العالمية خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد ومجموعة البنك الدوليين في بانكوك (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: تداعيات الهجمات على السعودية قد تطال العالم

حذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من أن التطورات الأمنية الأخيرة في السعودية قد تخلّف تداعيات سلبية تمتد إلى مختلف أنحاء العالم.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في «اجتماعات الخريف» للبنك الدولي وصندوق النقد الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تعوّل على البنك الدولي لدعم أولوياتها التنموية

تعّول مصر على تعزيز تعاونها مع البنك الدولي لدعم أولوياتها التنموية والاقتصادية في ظل التحديات الإقليمية الراهنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

محافظ بنك الفلبين يحذّر من تكرار الأزمة المالية الآسيوية وسط صدمات الطاقة

محافظ البنك المركزي الفلبيني إيلي ريمولونا يتحدث في إحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
محافظ البنك المركزي الفلبيني إيلي ريمولونا يتحدث في إحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
TT

محافظ بنك الفلبين يحذّر من تكرار الأزمة المالية الآسيوية وسط صدمات الطاقة

محافظ البنك المركزي الفلبيني إيلي ريمولونا يتحدث في إحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والنك الدوليين في بانكوك (رويترز)
محافظ البنك المركزي الفلبيني إيلي ريمولونا يتحدث في إحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والنك الدوليين في بانكوك (رويترز)

دعا محافظ البنك المركزي الفلبيني، إيلي ريمولونا، الاقتصادات الآسيوية إلى تعزيز استعداداتها لمواجهة الأزمات المالية، محذراً من أن تدفقات رؤوس الأموال الكبيرة التي اجتذبتها المنطقة قبل أزمة أواخر التسعينات لا ينبغي أن تُفسَّر باعتبارها دليلاً على نمو مستدام، في وقت تواجه فيه اقتصادات آسيا مخاطر جديدة مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات التجارية العالمية.

وقال ريمولونا، خلال جلسة نقاش نظمها صندوق النقد الدولي بشأن آفاق اقتصادات رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، على هامش الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، إن تدفقات الاستثمارات الكبيرة إلى المنطقة سبقت الأزمة المالية الآسيوية التي اندلعت عام 1997، بعدما وصفتها مؤسسات دولية آنذاك بأنها «المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا».

وأضاف أن الأزمة أظهرت أن تلك الطفرة لم تكن بالضرورة معجزة اقتصادية مستدامة، داعياً دول المنطقة إلى تذكّر دروسها وتكثيف الجهود للوقاية من تكرار مثل هذه الأزمات.

في المقابل، قال مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في صندوق النقد الدولي، كريشنا سرينيفاسان، إن الصندوق أحرز تقدماً في تطوير أدوات تقييم مواطن الضعف المالي وانتقال تداعيات الصدمات بين الاقتصادات، بما في ذلك وضع أطر للتعامل مع تقلبات تدفقات رؤوس الأموال وتحديد الظروف التي قد تستدعي التدخل في أسواق الصرف الأجنبي.

وأشار سرينيفاسان إلى أن اقتصادات «آسيان» تعاملت بقدر من الصمود مع التوترات التجارية الناجمة عن الرسوم الجمركية الأميركية، لكنه حذّر من أن اعتماد بعض دول المنطقة الكبير على واردات النفط والغاز يجعلها أكثر عرضة لتداعيات صدمات الطاقة.

الطاقة وسلاسل الإمداد

من جهته، عدّ نائب وزير المالية الياباني للشؤون الدولية، أتسوشي ميمورا، صدمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب ارتفاع التضخم، من أبرز المخاطر قصيرة الأجل التي تواجه آفاق المنطقة.

وشدد على ضرورة أن تكون إجراءات الدعم المالي الموجهة لتخفيف أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على الأسر والشركات محددة الأهداف، ومصممة وفق الاحتياجات، ومؤقتة، بما يحد من الضغوط على المالية العامة.

ودعا ميمورا دول «آسيان» إلى زيادة الاستثمارات لتنويع سلاسل الإمداد الخاصة بالمعادن الحيوية والطاقة، في ظل المنافسة المتزايدة مع الصين، مؤكداً استعداد اليابان لدعم هذه الجهود.

كما حث اقتصادات المنطقة على تعزيز الاستثمار في الابتكار والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى موقعها في سلاسل إمداد التحول الرقمي بفضل إنتاجها معادن حيوية تدخل في صناعات التكنولوجيا.

وتضم رابطة «آسيان» 11 دولة، هي بروناي وكمبوديا وتيمور الشرقية وإندونيسيا ولاوس وماليزيا وميانمار والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام.


الصادرات الصينية تقفز 36.3 % وتدفع الفائض التجاري نحو مستوى قياسي

امرأة تتسوق في مركز تسوق في بكين (إ.ب.أ)
امرأة تتسوق في مركز تسوق في بكين (إ.ب.أ)
TT

الصادرات الصينية تقفز 36.3 % وتدفع الفائض التجاري نحو مستوى قياسي

امرأة تتسوق في مركز تسوق في بكين (إ.ب.أ)
امرأة تتسوق في مركز تسوق في بكين (إ.ب.أ)

قفزت الصادرات الصينية في سبتمبر (أيلول) بأكثر من المتوقع، لتضع البلاد على مسار تسجيل فائض تجاري سنوي قياسي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية، وسط استمرار اعتماد بكين على الأسواق الخارجية لتعويض ضعف الطلب المحلي.

وأظهرت بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية، الأربعاء، ارتفاع الصادرات بنسبة 36.3 في المائة على أساس سنوي، متجاوزة توقعات المحللين الذين استطلعت «بلومبرغ» آراءهم بزيادة قدرها 25.7 في المائة. كما ارتفعت الواردات بنسبة 31 في المائة، ليسجل ثاني أكبر اقتصاد في العالم فائضاً تجارياً بلغ 133.5 مليار دولار خلال الشهر، وهو الأكبر منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

وبذلك ارتفع الفائض التجاري التراكمي للصين منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر إلى 938.1 مليار دولار، ما يضعه على مسار تجاوز المستوى القياسي البالغ 1.2 تريليون دولار المسجل خلال العام الماضي.

ويعكس الأداء القوي للصادرات استمرار اعتماد بكين على الطلب الخارجي لتحقيق مستهدف النمو الاقتصادي السنوي الذي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة، في ظل ضعف نسبي للطلب المحلي، إذ لم ترتفع مبيعات التجزئة سوى 0.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس.

ضغوط تجارية متزايدة

وتثير طفرة الصادرات الصينية ردود فعل متزايدة لدى شركائها التجاريين الرئيسيين، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يسعيان إلى الحد من الاختلالات التجارية مع بكين.

وارتفعت الشحنات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 39.6 في المائة خلال سبتمبر، مقارنة بمستويات منخفضة في الشهر نفسه من العام الماضي، بعدما تراجعت التجارة بين البلدين إثر فرض رسوم جمركية عقابية متبادلة.

كما زادت الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 25.3 في المائة، بينما ظلت الواردات من دول التكتل مستقرة، ما دفع الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد إلى مستويات جديدة.

ووصف مسؤولون أوروبيون العجز التجاري للتكتل مع الصين، الذي يتجاوز مليار يورو يومياً، بأنه «غير مستدام»، متعهدين بالعمل على إعادة التوازن للعلاقات التجارية.

وفي هذا السياق، توصل مسؤولون تجاريون صينيون وأوروبيون الأسبوع الماضي إلى اتفاق للحد من صادرات السيارات الهجينة الصينية إلى أوروبا. لكن محللين يرون أن الاتفاق يغطي حصة محدودة من التجارة الثنائية، مع احتمال أن توسّع بروكسل القيود لتشمل قطاعات استراتيجية أخرى.

وقال نغوين هوانغ نام، الخبير الاقتصادي المعني بالصين في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس»، إن توسيع القيود الأوروبية قد يكون تأثيره محدوداً على الاقتصاد الصيني، وفق تقديرات المؤسسة.


ارتفاع البنزين والغذاء يهدد بتسارع التضخم الأميركي إلى 3.6 %

شخص يتسوق في سوبر ماركت في مانهاتن (أ.ف.ب)
شخص يتسوق في سوبر ماركت في مانهاتن (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع البنزين والغذاء يهدد بتسارع التضخم الأميركي إلى 3.6 %

شخص يتسوق في سوبر ماركت في مانهاتن (أ.ف.ب)
شخص يتسوق في سوبر ماركت في مانهاتن (أ.ف.ب)

تترقب الأسواق، الأربعاء، صدور بيانات التضخم الأميركية لشهر سبتمبر (أيلول)، وسط توقعات بتسارع ارتفاع أسعار المستهلكين إلى 3.6 في المائة على أساس سنوي، من 3.4 في المائة في أغسطس (آب)، مدفوعاً بزيادة أسعار البنزين والغذاء، في وقت قد يمنح فيه التباطؤ المتوقع للتضخم الأساسي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» مجالاً للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه هذا الشهر.

وتوقّع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 0.6 في المائة خلال سبتمبر، بعد زيادته 0.4 في المائة في أغسطس (آب)، بما يرفع معدل التضخم السنوي إلى 3.6 في المائة، مقارنة بـ3.4 في المائة في الشهر السابق. وكان من المتوقع أن تسهم أسعار البنزين بنحو ثلاثة أعشار نقطة مئوية في الزيادة الشهرية، بعدما قفزت 7.1 في المائة خلال سبتمبر، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

كما يُرجّح أن تكون أسعار الغذاء قد ارتفعت 0.2 في المائة على الأقل، بعد زيادات شهرية بلغت 0.1 في المائة خلال كل من الشهرين السابقين.

في المقابل، يُتوقع أن يتباطأ ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، إلى 0.2 في المائة خلال سبتمبر، من 0.3 في المائة في أغسطس، مع تراجع أثر الزيادة السابقة في أسعار خدمات الهاتف المحمول. لكن هذا التباطؤ المحتمل لا يعني بالضرورة انحسار الضغوط المعيشية، إذ تظل أسعار الوقود والغذاء الأكثر حضوراً في الإنفاق اليومي للأسر.

وقال سونغ وون سون، أستاذ المالية والاقتصاد في جامعة لويولا ماريماونت، إن المستهلكين يشعرون مباشرة بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، مشيراً إلى أن الأسر الأقل دخلاً تتحمل العبء الأكبر من هذه الزيادات.

وتأتي البيانات في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى قطاعات أخرى، مع توقعات بزيادة أسعار تذاكر الطيران، واستمرار الضغوط على أسعار الخدمات، واحتمال انعكاس ارتفاع أسعار الديزل على تكاليف نقل السلع وأسعارها في المتاجر.

الفائدة تحت الاختبار

وتكتسب بيانات التضخم أهمية خاصة بالنسبة إلى السياسة النقدية، بعدما رفع «الفيدرالي» سعر الفائدة القياسي الشهر الماضي بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، في أول زيادة منذ ثلاث سنوات، مع الإشارة إلى احتمال مواصلة رفع تكاليف الاقتراض خلال الأشهر المقبلة.

لكن ضعف نمو الوظائف في سبتمبر، إلى جانب قراءات أبطأ من المتوقع للتضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي خلال يوليو (تموز) وأغسطس، قلّصا احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر (تشرين الأول). وكانت الأسواق تسعّر احتمالاً يبلغ نحو 22 في المائة لزيادة الفائدة خلال اجتماع يومي 27 و28 أكتوبر، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».

وقال سكوت أندرسون، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «بي إم أو كابيتال ماركتس»، إن بقاء الزيادة الشهرية في التضخم الأساسي عند مستوى 0.2 في المائة قد يكون كافياً لإبقاء الفائدة دون تغيير في أكتوبر، لكنه لن يحسم النقاش بشأن الحاجة إلى زيادات أخرى لاحقاً. وكانت توقعات الاقتصاديين تشير إلى احتمال رفع الفائدة مجدداً في ديسمبر (كانون الأول).

زيادة مرتقبة لمستفيدي الضمان الاجتماعي

وتمتد أهمية بيانات سبتمبر إلى ملايين المتقاعدين والمستفيدين من الضمان الاجتماعي، إذ تُستخدم بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لأصحاب الأجور في المدن والعاملين في الوظائف المكتبية خلال الربع الثالث لتحديد الزيادة السنوية في الإعانات لعام 2027.

وتتوقع رابطة كبار السن، وهي إحدى أكبر المنظمات الأميركية المعنية بهذه الفئة، زيادة تكاليف المعيشة للمستفيدين بنسبة 3.5 في المائة في 2027، مقارنة بـ2.8 في المائة خلال 2026. ومن شأن هذه الزيادة أن ترفع متوسط الإعانة الشهرية للمتقاعدين بنحو 67.90 دولار إلى 2007 دولارات.