صندوق النقد الدولي يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الرهان على الذهب

الارتفاع القياسي يعكس مكاسب تقييم أكثر من تراكم الحيازات... وتحذير من مخاطر السيولة والشراء المحلي

تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الرهان على الذهب

تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)
تُجهز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)

أعاد صندوق النقد الدولي فتح ملف الذهب في احتياطيات البنوك المركزية عبر تقرير موسع أصدره مؤخراً، مسلطاً الضوء على التحولات العميقة التي شهدتها الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة. وحذّر الصندوق في ورقته التحليلية من إفراط البنوك المركزية في الاعتماد على الذهب كبديل للأصول الأجنبية السائلة، مؤكداً أن الصعود الحاد لحصته في الاحتياطي العام يرجع في المقام الأول إلى «مكاسب تقييم الأسعار» وليس إلى تراكم مادي حقيقي للمعدن النفيس.

وفقاً للبيانات الصادرة، قفزت حصة الذهب النقدي في ميزانيات البنوك المركزية من 10 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2019 إلى أكثر من 22 في المائة بحلول أغسطس (آب) 2025. ورغم أن هذا الصعود عزز ظاهرياً مؤشرات كفاية الاحتياطي الدولي، غير أن الصندوق يرى أن جزءاً كبيراً من هذه المكاسب قد يكون مؤقتاً وعرضة للتبخر مع أي تقلبات حادة في الأسعار العالمية.

قفزة تاريخية بالتقييم لا بحجم الشحنات

كشفت الحسابات التحليلية الواردة في التقرير عن مفارقة نوعية؛ فبين عامي 2018 و2025، ارتفعت القيمة السوقية لإجمالي حيازات الذهب لدى البنوك المركزية بنحو 3.2 تريليون دولار، لتصل إلى 4.5 تريليون دولار، وهو ما يمثل قفزة بنسبة 268 في المائة. ومع ذلك، فإن الحجم الإجمالي الفعلي للذهب المادي المخزن لم يرتفع سوى بنسبة ضئيلة بلغت نحو 8.5 في المائة فقط.

وبيّن التقرير أن نحو ثلثي هذه الزيادة في القيمة الصافية تعود إلى بنوك مركزية لم تغير كميات الذهب المادي لديها على الإطلاق، بل استفادت بالكامل من رالي الأسعار التاريخي. وفي المقابل، فإن البنوك التي نشطت في الشراء الفعلي رفعت أحجام حيازاتها بنسبة 36 في المائة، وجاء الجزء الأكبر من هذه المشتريات مدفوعاً بقرارات استراتيجية لبنوك مركزية في دول غير منتجة للذهب تسعى لتنويع أصولها، وليس بدافع الاحتفاظ التلقائي بالإنتاج المحلي.

امرأة هندية تجرب حلياً ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (إ.ب.أ)

تفكك الارتباط التقليدي

أعاد خبراء الصندوق تقييم الخصائص الحمائية للذهب، مؤكدين أن قدرته على التحوط وتوفير الأمان تظل مشروطة ومرتبطة بطبيعة الصدمات الاقتصادية؛ حيث أثبت الذهب فاعلية مستقرة في التحوط ضد «مخاطر أسعار الفائدة» والانخفاض الجزئي لقيمة الدولار الأميركي.

غير أن المفاجأة الكبرى تكمن في تلاشي الخصائص الحمائية التقليدية للمعدن الأصفر منذ جائحة «كوفيد-19». ففي السابق، كانت تراجعات الأسواق تنجم عن مخاوف النمو، مما يخفض الفائدة الحقيقية ويدعم الذهب. أما منذ عام 2022، فقد أصبحت التراجعات مدفوعة بـ«التشديد النقدي وصدمات التضخم المرتبطة بجانب العرض»، وهي عوامل ترفع أسعار الفائدة الحقيقية وتضغط سلباً على الذهب.

وأظهرت التقديرات الإحصائية أن توزيع عوائد الذهب يظل متماثلاً حول الصفر تقريباً خلال صدمات السوق الحادة وتقلبات مؤشر الجيوسياسية ومؤشر الخوف (VIX)، مما ينفي امتلاكه لخصائص ملاذ آمن مطلق أو كوني في أوقات الأزمات المتطرفة.

معضلة السيولة ومخاطر العقوبات

رغم تمتع سوق الذهب العالمي بسيولة عميقة تصل في لندن وحدها إلى متوسط يومي يبلغ 134 مليار دولار، فإن الصندوق وضع خطاً فاصلاً بين القيمة السوقية الدفترية والقدرة الفعلية على تسييل الأصل عند الطوارئ:

* شريحة السيولة مقابل الاستثمار: يوصي التقرير بإبعاد الذهب تماماً عن شرائح السيولة المخصصة للدفاع الفوري عن العملة الوطنية، وحصره فقط في الشرائح الاستثمارية طويلة الأجل نظراً لتقلباته العالية.

* معضلة التخزين والمخاطر السيادية: يبرز الذهب كأداة للتحوط ضد مخاطر العقوبات وتجميد الأصول لكونه لا يمثل التزاماً على أي دولة أجنبية. لكن الصندوق يشير إلى معادلة عكسية معقدة؛ فإذا تم تخزين الذهب في الخزائن المحلية لضمان الحماية من التدخل الخارجي، فإنه يصبح «شبه عاجز عملياً عن التحول إلى سيولة فورية» للتدخل في أسواق الصرف أو السداد الدولي.

*حسم نسب الخصم: اقترح الصندوق تطبيق نسب خصم مخاطر تتراوح بين 6 في المائة إلى 12 في المائة على القيمة السوقية للذهب عند احتساب كفاية الاحتياطيات لمواجهة الصدمات المتطرفة، وهي نسبة تعادل ضعف الخصم المطبق على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات.

سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة في متجر برو أوروم لتجارة المعادن الثمينة في ميونيخ (د.ب.أ)

مخاطر هيكلية وشبه مالية

أفرد تقرير صندوق النقد الدولي مساحة واسعة للتحذير من مغبة إطلاق برامج الشراء المحلي للذهب (DGPs)، لا سيما تلك التي تركز على شراء الذهب غير النقدي (الخام أو غير المصفى) مباشرة من المناجم أو من قطاع التعدين التقليدي والمنقبين الصغار.

ووصف الصندوق هذه العمليات بأنها «أنشطة شبه مالية» تقع خارج نطاق المهام الأساسية للبنوك المركزية المتمثلة في الاستقرار النقدي والمالي. وتخلق هذه البرامج مخاطر متعددة تشمل:

* مخاطر الحوكمة والنزاهة المالية: تتطلب عمليات الشراء من المناجم التقليدية تطبيق ضوابط صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لضمان عدم تسلل أموال غير مشروعة أو مهربة إلى الاحتياطيات الرسمية للدولة، وهي مهمة ترهق الهياكل الرقابية للمصارف المركزية.

* استنزاف الميزانيات العمومية: يتحمل البنك المركزي تكاليف إضافية باهظة تشمل الفحص، والتصفية، والنقل الدولي للحصول على اعتماد لندن للمقاييس، والتأمين. وغالباً ما تشكل هذه الأنشطة دعماً مضمناً للمناجم المحلية يتحمله البنك المركزي على حساب استقلاليته المالية.

* التشويش على السياسة النقدية: يضخ شراء الذهب محلياً سيولة بالعملة الوطنية مباشرة في الاقتصاد، مما يؤدي إلى توسيع القاعدة النقدية. وفي حال ضعف القدرة على امتصاص هذه السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة المكلفة، فإن ذلك يؤدي حتماً إلى صعوبة التحكم في معدلات التضخم أو يضطر البنوك إلى بيع النقد الأجنبي لامتصاص السيولة، مما يغير هيكل الاحتياطي بشكل غير مدروس.

يخلص صندوق النقد الدولي إلى ضرورة تجنب برامج شراء الذهب غير النقدي محلياً بشكل كامل، أو نقل هذه المهام بالكامل إلى جهات حكومية ومؤسسات عامة متخصصة تكون أكثر قدرة على إدارة المخاطر التجارية والمالية. وأكد الصندوق أن تنويع الاحتياطيات يجب أن يستند إلى أطر توزيع الأصول الاستراتيجية المدروسة بدقة، بعيداً عن برامج الدعم المحلي أو الانصياع للضغوط السياسية الرامية لتسييل المكاسب الدفترية المؤقتة.


مقالات ذات صلة

محافظ بنك إنجلترا: منحنى السوق يعكس «علاوة مخاطرة» مرتبطة بالتضخم

الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

محافظ بنك إنجلترا: منحنى السوق يعكس «علاوة مخاطرة» مرتبطة بالتضخم

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، يوم الثلاثاء، إن منحنى السوق لتوقعات أسعار الفائدة يعكس إضافة المستثمرين «علاوة مخاطرة» نتيجة مخاوفهم من ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مشاة يسيرون أمام مبنى البنك المركزي الأسترالي وسط سيدني (رويترز)

«المركزي الأسترالي» يناقش رفع الفائدة وسط استمرار ضغوط التضخم

قال نائب محافظ البنك المركزي الأسترالي، الثلاثاء، إن البنك المركزي سيناقش مبررات رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه للسياسة النقدية هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
تحليل إخباري إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

تحليل إخباري «بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

قد يختار «بنك اليابان» رفع سعر الفائدة بمقدار محدود هذا الشهر، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء مخاطر التضخم وتجنب إحداث صدمة في الاقتصاد والأسواق...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني في صورة توضيحية (رويترز)

الين يقترب من أعلى مستوياته هذا العام مع تنامي رهانات رفع الفائدة

واصل الين الياباني مكاسبه خلال تعاملات الثلاثاء، مقترباً من أعلى مستوى له مقابل الدولار هذا العام، مع زيادة المستثمرين رهاناتهم على رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد صاحب متجر بقالة يعد أوراق الروبية الهندية في أحمد آباد (رويترز)

السندات الهندية تتحرك في نطاق ضيق مع ارتفاع أسعار النفط

تحركت السندات الهندية في نطاق ضيق خلال التعاملات المبكرة يوم الثلاثاء، في حين تراجعت الأسهم، مع استمرار الضغوط على الأسواق.

«الشرق الأوسط» (مومباي)

مقترح «اتحاد المطورين»... هل يضبط «فوضى» السوق العقارية بمصر؟

جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)
جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)
TT

مقترح «اتحاد المطورين»... هل يضبط «فوضى» السوق العقارية بمصر؟

جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)
جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)

أثار مقترح الحكومة المصرية تدشين «اتحاد المطورين العقاريين» تساؤلات بشأن ضبط «فوضى» السوق، عقب شكاوى عديدة خلال الشهور الماضية.

وقالت وزيرة الإسكان، راندة المنشاوي، إن الوزارة تعمل على إعداد مشروع قانون لإنشاء اتحاد المطورين العقاريين، تمهيداً لاستكمال الإجراءات التشريعية اللازمة لعرضه وإصداره، بما يسهم في وضع إطار تنظيمي واضح لممارسة نشاط التطوير العقاري وتعزيز انضباط السوق، وفق بيانٍ، مساء الاثنين.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد انتقد خلال احتفالية المولد النبوي في 26 أغسطس (آب) الماضي التأخير في تسليم الوحدات العقارية للمواطنين، موجهاً بتدخل الدولة في ذلك وتطبيق القانون على المخالفين. وقال السيسي آنذاك: «كل من أخذ مالاً هو ملتزم بتنفيذ هذا التعاقد في التوقيت المحدد بالعقد، وغير ذلك سنتخذ الإجراءات القانونية حفاظاً على حقوق الناس ومصداقية الدولة».

وأشاد الباحث الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، بخطوة تدشين اتحاد المطورين العقاريين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاتحاد سينظم العلاقة بين المطور العقاري من جهة، والمواطن والحكومة من جهة ثانية.

وأضاف: «أي خطوة لضبط السوق العقارية وحل أزمات التأخيرات مرحب بها»، معتبراً أن الحكومة أدركت حجم الأزمة وتتدخل بأمور تنظيمية.

وتوقع عبد النبي أن تصب هذه التوجهات في صالح كبار المطورين العقاريين، أصحاب الملاءات المالية الضخمة، والمشاريع الكبيرة، في حين ستؤدي إلى خروج كثيرين من صغار المطورين المُتعثرين من السوق.

جانب من العاصمة الجديدة شرق القاهرة (شركة العاصمة الجديدة)

لكن المسوق العقاري، أنس الكيلاني، يرى أن الأزمة ليست مقتصرة على صغار المطورين، وقال: «رغم الأزمات التي شهدتها السوق العقارية في ظل قرارات التعويم والتي ضاعفت تكلفة المشاريع، استطاع بعض صغار المطورين تجاوزها وتسليم مشاريعهم في وقتها، فيما تعثر بعض كبار المطورين خصوصاً في ظل حجم مشاريعهم الضخمة».

وتوالت شكاوى، وصلت حد مشاجرات بين أصحاب وحدات ومطورين، بعد اكتشاف بيع الوحدة نفسها لأكثر من شخص، أو لتأخر مواعيد التسليم، بالإضافة إلى تحذيرات لمشترين من مطورين عقاريين، بعضهم من كبار المطورين.

وقال الكيلاني لـ«الشرق الأوسط»: «أي محاولة رسمية لضبط السوق محل ترحيب وتقدير، خصوصاً أن السوق خسرت العديد من الفرص الاستثمارية في الفترة الماضية بسبب أزماتها التي يضخِّمها بعض المنتفعين».

وتُعد سوق العقارات المصرية من أكثر الأسواق نمواً وتطوراً خلال العقد الأخير، مدفوعة بتوجهات رسمية لتوسعتها بعدد من المشاريع الضخمة، في مقدمتها مشروع العاصمة الجديدة.

وبلغ حجم سوق العقارات في مصر 18.04 مليار دولار في عام 2023، وسط توقعات بأن يتجاوز 30 مليار دولار في عام 2028 بمعدل نمو سنوي 10.96 في المائة، وفق ما نقله مركز معلومات مجلس الوزراء عن مؤسسة «موردور إنتلجنس» العالمية.

وسيضع مشروع قانون «اتحاد المطورين» معايير وضوابط واضحة للانضمام إلى اتحاد المطورين العقاريين، «بما يضمن أن يضم الشركات الجادة والقادرة على تنفيذ مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين»، وفق بيان وزارة الإسكان.

بنايات في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وأكدت وزيرة الإسكان أن الشركات التي يثبت تعثرها وعدم التزامها بتنفيذ تعاقداتها أو تسليم الوحدات للمواطنين وفقاً للمواعيد والالتزامات المتفق عليها، لن تتوافر فيها معايير الانضمام إلى الاتحاد.

وتابعت: «هدفنا بناء سوق عقارية أكثر انضباطاً وشفافية، ودعم المطور الجاد وحماية حقوق المواطنين، ووضع معايير واضحة لممارسة نشاط التطوير العقاري»، مؤكدة في الوقت نفسه أن تنظيم السوق لا يستهدف تقييد نشاط المطورين، بل وضع قواعد عادلة تضمن المنافسة بين الشركات الجادة، وتعزز الثقة بالقطاع العقاري، وتحافظ على حقوق المواطنين.

ولا يوجد مدى زمني محدد لصدور هذا القانون؛ إذ إنه عقب صياغته كمشروع قانون من الحكومة يُعرض على مجلس النواب ليأخذ دورته البرلمانية لحين الموافقة عليه.


السياحة الترفيهية في السعودية مرشحة للنمو 93 % خلال 2030

حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)
حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الترفيهية في السعودية مرشحة للنمو 93 % خلال 2030

حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)
حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)

من المتوقع أن تنمو السياحة الترفيهية الدولية في المملكة بنسبة 93 في المائة بين عامي 2025 و2030، متجاوزةً معدلات النمو المتوقعة في منطقة الشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي، وذلك وفقاً لتقرير جديد صادر عن «توريزم إيكونوميكس» بعنوان: «المملكة العربية السعودية: قوة سياحية عالمية صاعدة»، وقد جرى عرضه اليوم خلال فعاليات معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض.

وفي كلمته خلال اليوم الافتتاحي، كشف ديف غودجر، المدير الإداري لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «توريزم إيكونوميكس»، أن السياحة الترفيهية الدولية في المملكة، مقيسةً بعدد الليالي السياحية التي قضاها الزوار، من المتوقع أن تنمو بأكثر من ثلاثة أضعاف المعدل العالمي البالغ 30 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، متجاوزةً بذلك منطقة الشرق الأوسط التي سجلت معدل نمو بلغ 64 في المائة.

ويستند هذا التوقع إلى فترة من التوسع السياحي الكبير، فبين عامي 2019 و2025، حقق السفر الدولي إلى السعودية نمواً ملحوظاً بنسبة 67 في المائة، مقارنةً بـ20 في المائة في منطقة الشرق الأوسط و5 في المائة على مستوى العالم، حيث ساهمت المملكة بنحو ثلاثة أرباع نمو السفر الدولي في المنطقة خلال تلك الفترة، كما زادت الرياض حصتها في سوق السفر الدولي العالمي.

الزوار الدوليون

وأوضح ديف غودجر، المدير الإداري لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «توريزم إيكونوميكس»: «برزت المملكة سريعاً كواحدة من أكثر اقتصادات السياحة ديناميكية في العالم، حيث ساهمت بنحو 15 في المائة من نمو السفر العالمي منذ عام 2019، واستحوذت على ثلاثة أرباع نمو السياحة في الشرق الأوسط». وواصل: «مع اقتراب عدد الزوار الدوليين من نصف إجمالي الليالي التي يقضونها في المملكة، لم يعد هذا الأمر مجرد قصة إقليمية، بل أصبح محركاً سياحياً قوياً قائماً على التصدير، مدعوماً بالاستثمار المستدام، وتطوير الوجهات السياحية، وطموحاً واضحاً لتصبح المملكة قوة سياحية عالمية رائدة».

ويُظهر تحليل شركة «توريزم إيكونوميكس» أيضاً ارتفاع حصة الصين من إنفاق السياح الدوليين في قطاع السياحة الترفيهية من 9 في المائة عام 2019 إلى 28 في المائة عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 31 في المائة بنهاية العقد.

ويُعزز هذا الاحتمال لجذب السياح الدوليين ذوي الإنفاق الأعلى بحثٌ أجرته شركة «دراغون تريل إنترناشونال»، الشريك البحثي الرسمي لمعرض سوق السفر العالمي - سبوت لايت الرياض 2026»، وفي إطار شراكتها مع المعرض، أصدرت شركة «دراغون تريل» تقريراً خاصاً بعنوان: «السياحة الصينية إلى المملكة العربية السعودية: تقرير خاص 2026»، يجمع بين أبحاث المستهلكين وقطاع السياحة لدراسة تطور السياحة الصينية إلى المملكة وتحديد شرائح السوق وأنماط السفر التي تُقدم أقوى إمكانات النمو.

كما أظهرت دراسة أجرتها أن السعودية تُعدّ بالفعل من بين أبرز الوجهات السياحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي يُروّج لها وكلاء السفر الصينيون؛ إذ يُروّج أكثر من نصف وكلاء السفر الذين شملهم الاستطلاع 52 في المائة حالياً للمملكة، فيما اعتبرها 32 في المائة منهم من بين الوجهات السياحية ذات الإمكانات المستقبلية الأكبر لجذب السياحة الصينية.

المغامرات والأنشطة الخارجية

ويُمثّل قطاع السياحة الفاخرة فرصةً واعدةً للغاية، حيث أشار 42 في المائة من وكلاء السفر الصينيين الذين شملهم الاستطلاع إلى أن المسافرين من ذوي الثروات الكبيرة والباحثين عن الرفاهية هم الشريحة الأكثر قابليةً للتعافي والنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتتوافق التجارب التي يبحث عنها هؤلاء المسافرون أيضاً مع تنوّع المقومات السياحية المتنامية في المملكة.

ووفقاً لاستطلاع شمل وكلاء سفر صينيين، أشار 54 في المائة منهم إلى أن الطبيعة والمناظر الطبيعية تحظى بجاذبية خاصة لدى عملائهم، تليها المغامرات والأنشطة الخارجية بنسبة 45 في المائة، ثم المتاحف والمعالم الثقافية بـ41 في المائة، والتفاعل مع السكان المحليين بنسبة 41 في المائة، والمنتجعات الفاخرة 37 في المائة.

الطلب الفندقي

وتتجلى الفرصة طويلة الأجل أيضاً في قطاع الضيافة في المملكة العربية السعودية، حيث قدمت شركة «إس تي آر» المتخصصة العالمية في بيانات الضيافة ومعاييرها، أبحاثاً وتوقعات حصرية إلى معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض، مما يسلط الضوء على الطلب الفندقي القوي وتوقعات الأداء في جميع أنحاء المملكة.

كما تتوقع شركة «إس تي آر» نمو إيرادات الغرف المتاحة في الرياض بنسبة 18.6 في المائة في عام 2027، حيث من المتوقع أن يتجاوز الطلب المتزايد من الشركات والاستشارات العرض الفندقي الجديد، ومن المتوقع أن يستمر نمو إيرادات الغرف المتاحة خلال السنوات الأربع التالية مع توسع العاصمة في قطاعي الأعمال والترفيه بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وفي جدة، ساهم الطلب المحلي والدولي القوي، باعتبارها وجهة سياحية صيفية شهيرة وممراً رئيسياً للحج والعمرة، في دعم الأداء خلال النصف الأول من عام 2026. ومع ذلك، لا يزال النمو السريع في المعروض الفندقي عاملاً مهماً، حيث من المتوقع افتتاح أكثر من 2300 غرفة جديدة في عام 2027، ومن المتوقع أيضاً أن تستفيد كل من الرياض وجدة من زيادة الطلب على سياحة المؤتمرات والمعارض في العام المقبل.

فرص اقتصادية وتجارية

من جهتها، صرحت دانييل كورتيس، المديرة الإقليمية لمحفظة شركة «آر إكس» في دولة الإمارات العربية المتحدة، قائلةً: «تُظهر الرؤى التي تم استعراضها خلال معرض سوق السفر العالمي - سبوت لايت الرياض، أن التحول الذي يشهده قطاع السياحة في المملكة يُترجم بصورة متزايدة إلى فرص اقتصادية وتجارية ملموسة، وقد حققت المملكة بالفعل نمواً لافتاً في أعداد الزوار، فيما تتمثل المرحلة المقبلة في البناء على هذا الزخم من خلال استقطاب الطلب ذي القيمة العالية، وضمان امتداد فوائده لتشمل مختلف مكونات منظومة السياحة».

الجدير بالذكر أن التسجيل مفتوح الآن للزوار لحضور معرض «سوق السفر العالمي - سبوت لايت الرياض»، حيث تمت دعوة أبرز متخصصي السفر لحجز مكانهم في الدورة الافتتاحية للحدث والتواصل مباشرة مع أحد أسرع أسواق السياحة نمواً في العالم.


«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
TT

«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

أبقت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية على التصنيف السيادي طويل الأجل لتونس عند «بي -» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرةً إلى أن الاقتصاد التونسي يتمتع بتنوع نسبي وقوة في مؤشرات نصيب الفرد من الناتج والتنمية البشرية، إلى جانب قوة عاملة متعلمة ومتانة في الوضع الخارجي رغم الصدمات، في مقابل ارتفاع الدين الحكومي والعجز المالي واحتياجات التمويل الكبيرة.

وقالت «فيتش» إن التصنيف يعكس كذلك هشاشة المالية العامة أمام الصدمات الخارجية، لا سيما تقلبات أسعار السلع، نتيجة ارتفاع تكلفة الدعم، فضلاً عن محدودية خيارات التمويل المتاحة للحكومة.

وتتوقع الوكالة اتساع عجز الحساب الجاري التونسي إلى 3.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنةً بمستويات أقل في الفترة السابقة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتب عليه من زيادة عجز الميزان التجاري.

يأتي ذلك رغم تحسن إيرادات صادرات زيت الزيتون، التي ارتفعت 44 في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، إلى جانب استمرار الأداء القوي لقطاع الخدمات.

وتتوقع «فيتش» أن يتراجع عجز الحساب الجاري إلى أقل من 2.5 في المائة من الناتج خلال عامي 2027 و2028، على افتراض انخفاض أسعار النفط العالمية. إلا أنها حذرت من أن الحساب الجاري التونسي سيظل شديد الحساسية أمام أي ارتفاع مطول في أسعار النفط.

تراجع ضغوط التمويل الخارجي

وترى الوكالة أن انخفاض آجال استحقاق الدين الخارجي الحكومي، بالتزامن مع استمرار تدفقات التمويل من الشركاء الثنائيين ومتعددي الأطراف، سيؤدي إلى تراجع صافي تدفقات التمويل الخارجي إلى نحو 1.4 في المائة من الناتج في 2026، مقارنةً بمستوى قياسي بلغ 3.6 في المائة في 2024.

ومن المتوقع أن تستقر هذه التدفقات عند نحو 1 في المائة من الناتج خلال عامي 2027 و2028.

وأشارت «فيتش» إلى أن تونس سددت بالكامل سند اليورو الوحيد القائم بقيمة 700 مليون يورو، والذي استحق في يوليو (تموز) 2026، بدعمٍ من قروض قدمها البنك المركزي.

وأضافت أن استعادة الحكومة قدرة أكبر من المتوقع على الاقتراض من الأسواق التجارية، وهو ما تتوقع الوكالة أن يبدأ مجدداً خلال 2026، يمكن أن تسهم في خفض صافي تدفقات التمويل الخارجي بصورة كبرى.

أشخاص يتسوقون في المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

الاحتياطيات تظل متماسكة

وتتوقع «فيتش» تراجع الاحتياطيات الدولية إلى ما يعادل 3.3 أشهر من المدفوعات الخارجية الجارية خلال 2026، نتيجة اتساع عجز الحساب الجاري.

لكنها تتوقع أن يسمح تقلص العجز اعتباراً من 2027، بارتفاع الاحتياطيات تدريجياً إلى ما يعادل 3.7 شهر من المدفوعات الخارجية في 2028، مقارنةً بمتوسط يبلغ 4.1 شهر للدول المصنفة عند مستوى «بي».

وفي المقابل، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تونس إلى نحو 2 في المائة من الناتج في 2025، مدفوعةً باستثمارات في مشروعات الطاقة المتجددة والأنشطة الصناعية، وأظهرت هذه التدفقات قدرة على الصمود أمام الصدمات السياسية والخارجية.

عجز مالي مرتفع

وتتوقع «فيتش» اتساع العجز المالي إلى 6.4 في المائة من الناتج في 2026، مقارنةً بمتوسط يبلغ 3.3 في المائة للدول المصنفة عند مستوى «بي».

وعزت الوكالة ذلك بصورة رئيسية إلى ارتفاع تكلفة دعم الوقود، التي تتوقع أن تزيد بنحو 0.8 نقطة مئوية من الناتج خلال العام.

ولا تتوقع «فيتش» تنفيذ إصلاحات مالية جوهرية في المدى القريب، كما ترى أن الحكومة أنهت جهود خفض الإنفاق الجاري، ولا سيما فاتورة الأجور.

ورغم توقع تراجع العجز تدريجياً حتى 2028، فإنه سيظل شديد التأثر بأسعار النفط. ووفق تقديرات الوكالة، فإن عجز 2028 سيكون أعلى بنحو 1.4 نقطة مئوية من توقعاتها الحالية إذا بقي سعر النفط عند 87 دولاراً للبرميل حتى ذلك العام.

الدين عند 85 % من الناتج

وتتوقع الوكالة ارتفاع الدين الحكومي التونسي بشكل طفيف إلى 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، على أن يظل قريباً من هذا المستوى حتى 2028، وهو ما يزيد بشكل واضح على متوسط 55 في المائة للدول المصنفة عند «B».

وأشارت إلى أن نحو 40 في المائة من إجمالي الدين مقوم بالعملات الأجنبية، مما يجعل المالية العامة أكثر عرضة لمخاطر تقلبات أسعار الصرف.

احتياجات تمويل كبيرة

وعلى الرغم من توقع تراجع احتياجات التمويل المالي، فإنها ستظل مرتفعة، إذ تقدر «فيتش» احتياجات التمويل، باستثناء إعادة تمويل الديون قصيرة الأجل، بنحو 13.5 في المائة من الناتج في 2028، مقارنةً بمتوسط 8.9 في المائة للدول المصنفة عند «بي».

ولفتت الوكالة إلى أن البنك المركزي التونسي قدم للحكومة قروضاً من دون فائدة بقيمة 7 مليارات دينار تونسي في كلٍّ من 2024 و2025، فيما تتضمن موازنة 2026 قرضاً مخططاً بقيمة 11 مليار دينار، بما يعادل 6.1 في المائة من الناتج المتوقع.

وترى «فيتش» أن تمويل البنك المركزي للحكومة مرشَّح للتوقف في 2027، في ظل غياب استحقاقات خارجية كبيرة، وهو ما سيؤدي، وفق تقديراتها، إلى ارتفاع صافي الاقتراض المحلي من 1.7 في المائة من الناتج في 2026 إلى 6.5 في المائة في 2027، بما قد يفرض ضغوطاً كبرى على القطاع المالي المحلي.

ضغوط على الدينار

وأشارت «فيتش» إلى أن سعر الصرف الحقيقي الفعلي للدينار التونسي ارتفع 24 في المائة بين 2019 و2025، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، نتيجة استقرار سعر الصرف الاسمي أمام العملات الرئيسية وارتفاع التضخم المحلي مقارنةً بالشركاء التجاريين.

وفي محاولة للحد من الطلب على العملات الأجنبية والحفاظ على الاحتياطيات، اتخذ البنك المركزي في مايو (أيار) 2026 إجراءات تقيّد الوصول إلى التمويل المخصص للواردات غير الأساسية.

وتقدر الوكالة أن تراجع احتياجات التمويل الخارجي خلال 2027 و2028، بالتزامن مع احتواء التضخم، سيحد من مخاطر حدوث انخفاض حاد وغير منظم في قيمة الدينار، لكنها تتوقع استمرار الضغوط على العملة.

التضخم والنمو

في المقابل، ترى «فيتش» أن الضغوط التضخمية ستظل محدودة نسبياً، مع امتصاص جزء كبير من أثر ارتفاع أسعار النفط العالمية من خلال دعم أسعار الوقود، إضافةً إلى مساهمة الظروف المناخية المواتية خلال موسم الزراعة الربيعي في الحد من مخاطر ارتفاع أسعار الغذاء على المدى القصير.

وتتوقع الوكالة ارتفاع متوسط التضخم إلى 5.7 في المائة خلال 2026، قبل تراجعه إلى نحو 5 في المائة حتى 2028، مقارنةً بمتوسط بلغ 8.3 في المائة خلال الفترة 2022-2024.

في الوقت نفسه، تتوقع «فيتش» أن يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 2 في المائة سنوياً خلال الفترة 2026-2028.

اضطرابات اجتماعية

وقالت الوكالة إن موجات الحر الأخيرة تسببت في اضطرابات بإمدادات الكهرباء والمياه، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة، وهو ما أسهم في اندلاع احتجاجات في عدد من المدن الكبرى.

ورغم أن «فيتش» ترى أن المخاطر السياسية لا تزال محدودة، فإنها تعد المخاطر المالية مرتفعة، في ظل احتمال لجوء الحكومة إلى زيادة المخصصات الاجتماعية والتوظيف في القطاع العام استجابةً للضغوط الاجتماعية.