الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

فاقم حالتي الذعر والريبة حيال الكتب المولَّدة بواسطته

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


مقالات ذات صلة

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

ثقافة وفنون هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات

أليكس ويليامز
ثقافة وفنون سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نيتشه

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم.

خالد الغنامي
ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس


سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
TT

سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».


«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا
TT

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء لتكشف الأحداث تدريجياً عن شبكة صادمة من المصالح الاقتصادية والقرارات البيروقراطية التي تحكم مؤسسات رعاية المسنين حيث تُختزل حياة الإنسان لتصبح مجرد رقم.

بأسلوب ساخر ولاذع، لا يكتفي النص، الذي ترجمته نهى مصطفى، بتقديم لغز بوليسي بل يطرح نقداً اجتماعياً حاداً يعري الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الحديث مع فئة أصحب الشيخوخة ممن هم الأكثر هشاشة ليبرهن على أن الوعي والرغبة في العدالة والقدرة على المقاومة سمات لا تزول بتقدم العمر.

تجري أحداث الرواية في دار رعاية خاصة وفاخرة للمسنين تعرف باسم «سان صت جروف» وتُسوّق بوصفها مكاناً مثالياً لقضاء سنوات الشيخوخة الأخيرة في رفاهية وطمأنينة وتعيش فيه الصديقتان سيري وإرما اللتان ينقلب فجأة عالمهما المريح بسبب واقعة موت مشبوهة.

هنا تعقد الصديقتان العزم على معرفة ما حدث بالضبط ولماذا، فتبدآن تحقيقاتهما الخاصة وتشكلان جمعية «سيدات اللافندر للتحقيقات» لتكتشفا أنه خلف واجهة «سانست جروف» الهادئة تختبئ الكثير من الأسرار الخطيرة التي لا تخطر ببال.

وُلدت مينا ليندجرين عام 1963 وهي صحافية وكاتبة، حققت روايتها «جريمة في دار المسنين»، التي نُشرت تحت عنوان «الموت في سان صت جروف» نجاحاً باهراً في فنلندا خصوصاً بعد أن تبعها الجزء الثاني منها «الهروب من صان ست جروف» والجزء الثالث «النهاية في سان صت جروف». استوحت المؤلفة فكرة هذه السلسلة بعد بحثها في موضوع معاملة كبار السن في فنلندا لصالح إحدى المجلات.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كل صباح تستيقظ سيري كيتونين لتدرك أنها لا تزال على قيد الحياة، تنهض من سريرها ببطء ثم تغتسل وترتدي ملابسها وبعدها تتناول إفطاراً خفيفاً. يستغرق ذلك بعض الوقت لكنها لا تكترث، فالوقت كله ملكها، تقرأ الصحيفة بتركيز وتصغي للبرامج الإذاعية الصباحية فهذا يمنحها شعوراً بأنها ما زالت تنتمي إلى هذا العالم. غالباً ما تذهب في جولة قصيرة بالترام في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً لكنها لم تشعر اليوم برغبة في الخروج.

كانت الإضاءة الساطعة للغرف المشتركة في دار التقاعد (صن ست جروف) تعطي المكان أجواء أشبه بغرف الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. استلقى عدد من النزلاء على الأرائك في انتظار موعد تناول طعام الغداء.

فجأة شعرت سيري بالحزن ستفتقد تيرو كثيراً لدرجة أن معدتها بدأت تؤلمها، كيف يموت مثل هذا الشاب المعافى في حين لا يموت من يبلغ من العمر أربعة وتسعين عاماً؟ كانت سيري قد قرأت في الجريدة أنه بمجرد أن تبلغ التسعين من العمر تتوقف عملية الشيخوخة، هذا فظيع لأنه يعني أن الأشخاص المسنين مثلها قد تأخروا حتى على موعد وفاتهم.

في البداية كان الجميع يموتون، الأصدقاء والأزواج ثم لم يعد أحد يموت. كان اثنان من أبناء سيري قد ماتا بالفعل، ابنها الأكبر بسبب الإفراط في شرب الكحول والأصغر بسب الإفراط في تناول الطعام. كان الصغير طفل العائلة المدلل، فتى وسيماً ورياضياً، لكنه أخذ يأكل بكثرة ولا يفعل شيئاً سوى العمل. يقود السيارة إلى كل مكان يذهب إليه، يأكل البيتزا ورقائق البطاطس ويدخن السجائر. هذا ما يطلق عليه انعدام الحافز، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يؤثر على الشخص عندما يصل إلى مستوى معيشي مرتفع لدرجة أنه يموت بسببه في الخامسة والستين، بحد أقصى».