رسائل ترمب المتضاربة وضربات إيران أبقت الأكراد بعيدين عن الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

رسائل ترمب المتضاربة وضربات إيران أبقت الأكراد بعيدين عن الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

في اليوم السادس من حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، رد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، على أسئلة حول ‌تقارير تحدثت عن غزو بري وشيك تنفذه قوات كردية قائلاً إنه يعتقد أن هجوماً يشنه أكراد إيرانيون يتمركزون في العراق سيكون «أمراً رائعاً».

لكن بحلول اليوم الثامن من الحرب، غير ترمب موقفه. وقال خلال سفره في طائرة الرئاسة: «نحن لا نتطلع إلى دخول الأكراد... لقد استبعدت ذلك».

وتُظهر تقارير لوكالة «رويترز» من الحدود الإيرانية - العراقية كيف انهارت آمال الولايات المتحدة وإسرائيل في أن يهرع المقاتلون الأكراد لمساعدتهما تحت ضغط عاملين رئيسيين: الإشارات المتضاربة من أميركا وإسرائيل، وحملة ضربات عسكرية متواصلة وتهديدات من «الحرس الثوري» الإيراني للأكراد على جانبي الحدود.

وأعلن ترمب، الثلاثاء، وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين، مما فتح نافذة للمفاوضات وأثار احتمال إنهاء الحرب. لكن ذلك لن ينهي حملة الأكراد الإيرانيين الذين لجأوا إلى العراق وكرسوا سنوات من حياتهم لإطاحة حكومتهم.

في الأيام الأولى للحرب، أغرقت أجهزة الاستخبارات الإيرانية الأكراد في الداخل برسائل نصية تحذرهم من التعاون مع المرتزقة الذين ترسلهم الولايات المتحدة وإسرائيل. وتوعدت موجة ثانية من الرسائل الأكراد الإيرانيين الذين دخلوا إلى مواقع إلكترونية أجنبية.

وبحلول أواخر مارس (آذار)، قال سكان إن سيارات حكومية مزودة بأجهزة مسح جابت شوارع المدن بحثاً عن إشارات من اتصالات غير قانونية بالأقمار الاصطناعية. وأعقبت هذه الحملات بالبلدات والمدن ذات الأغلبية الكردية مداهمات للمنازل نفذها عناصر من ​«الحرس الثوري».

وفي العراق المجاور، بدأ «الحرس الثوري» حملة ضغط بمكالمة هاتفية إلى حكومة إقليم كردستان الذي يقوده الأكراد ويتمتع بالحكم الذاتي، والذي يمتلك قواته الخاصة ويستضيف فصائل كردية إيرانية مسلحة. وذكر مسؤولان كرديان أن المتصلين من «الحرس الثوري» هددوا بمهاجمة القوات الكردية العراقية بالقرب من الحدود إذا لم تنسحب في غضون ساعة واحدة.

وانسحب الأكراد العراقيون من الحدود، وأعلنوا صراحة أنهم لا يريدون الانجرار إلى الحرب، لكنهم تعرضوا رغم ذلك لهجمات إيرانية مميتة بطائرات مسيرة. وفي الوقت نفسه، قال مسلحون إن طائرات وصواريخ «الحرس الثوري» استهدفت المقاتلين الأكراد الإيرانيين في العراق، مما أسفر عن مقتل خمسة منهم وتدمير قواعد كان يُعتقد أنها آمنة.

رجلان كرديان يعاينان الأضرار بعد سقوط طائرة مسيرة على بيت في قرية شمال أربيل (أ.ف.ب)

وأمضت «رويترز» ثمانية أسابيع في إقليم كردستان العراق، حيث تحدثت إلى مقاتلين أكراد إيرانيين بالمنفى ومسؤولين عراقيين كبار، وحللت الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران والهجمات الإيرانية على الأكراد، وتحدثت عبر الهاتف إلى سكان المناطق ذات الأغلبية الكردية في إيران.

وكان لكل مجموعة أجندتها الخاصة وتجربتها الخاصة في الحرب، فقد أراد المقاتلون الأكراد الإيرانيون في المنفى إطاحة الحكومة في طهران، وأراد الأكراد العراقيون الحفاظ على الاستقرار وحكمهم الذاتي، وكان كثيرون داخل إيران يأملون ببساطة في تجنب السجن.

وحتى إعلان وقف إطلاق النار، نجحت إيران في منع القوات الكردية في العراق من الانضمام إلى الحرب. وشملت أساليبها استخدام المخبرين والاستهداف الدقيق للمكاتب والمجمعات الكردية الإيرانية في العراق، وكان آخرها يوم الاثنين. وقال قادة من أكراد العراق إن معظم الهجمات التي تعرضوا لها جاءت من فصائل من داخل العراق مدعومة من إيران. وعلى الجانب الإيراني من الحدود، قال سكان لـ«رويترز» إن «الحرس الثوري» أرسل تعزيزات في حافلات لمنع اندلاع انتفاضة.

وقال أمير كريمي، وهو قائد كردي إيراني في العراق، إن معلوماته أشارت إلى أن «الحرس الثوري» نشر رجالاً في الغابات والمساجد والمدارس وحتى في مستشفى. وقام قائد في «الحرس الثوري» بزيارة علنية للمنطقة في 22 مارس.

وقال كريمي، أواخر مارس، إنه لم يكن واضحاً له في ذلك الوقت ما الذي «يحاول الأميركيون فعله».

هجمات من الجانبين

الأكراد شعب له لغة وثقافة مميزة منتشر في تركيا وسوريا وإيران والعراق، وهم إحدى أكبر الجماعات العرقية التي ليس لها دولة في العالم. وتعرض الأكراد للاضطهاد من حكومات على مر التاريخ، ولم يحصلوا على الحكم الذاتي الرسمي إلا في العراق. ولجأ عدد من أكراد إيران، حيث يشكلون نحو 10 في المائة من سكان إيران البالغ عددهم نحو 90 مليون نسمة، إلى أشقائهم في شمال العراق.

وفي العراق، كما في سوريا، تحالف الأكراد مع الولايات المتحدة على مر السنوات، ليجدوا فقط أن آمالهم في وطن حقيقي تتحطم مراراً. وتعمل حكومة إقليم كردستان بشكل مستقل عن الحكومة المركزية في بغداد، ويرغب الأكراد العراقيون في الحفاظ على هذا الاستقلال. ووجدت مجموعة من الأكراد الإيرانيين، الذين يسعون بنشاط إلى إزاحة الحكومة، ملاذاً في العراق المجاور، حيث يعيش بعضهم منذ عقود.

كما يأمل كثيرون من الأكراد في إيران في الحصول على الحكم الذاتي، وهم هدف متكرر لقمع الحكومة. وخلال الحرب، كان يُنظر إليهم على أنهم أقرب حلفاء عسكريين محتملين لإسرائيل وأميركا داخل إيران.

ومنذ بداية الحرب وحتى نهاية مارس، أطلقت إيران وحلفاؤها ما لا يقل عن 388 صاروخاً وطائرة مسيرة على كردستان العراق، وذلك وفقاً لتحليل أجرته «رويترز» للبيانات الصادرة عن منظمة «أكليد» المعنية بمراقبة النزاعات.

واستهدفت ما ‌يقرب من نصف هذه الضربات الجماعات السياسية الكردية ‌والمقاتلين الأكراد. ووفقاً لتحليل لـ«رويترز»، شنت أميركا وإسرائيل 140 هجوماً على المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال غربي إيران.

ويعدّ هذا التحليل تقديراً متحفظاً لعدد الضربات التي أكدتها منظمة «أكليد»، والتي تستند إلى مراجعة المصادر المحلية والدولية.

ولم تعلق الحكومة الإسرائيلية على خطتها إزاء القوات الكردية. لكن في اليوم الأول ​من الحرب، دعا ‌رئيس الوزراء الإسرائيلي ⁠بنيامين نتنياهو الإيرانيين ​إلى الثورة. وقال ⁠في ذلك اليوم: «مواطنو إيران: الفرس والأكراد والأذريون والأبخاز والبلوش. حان وقتكم لتوحيد الصفوف والإطاحة بالنظام وتأمين مستقبلكم».

وأحجم البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية عن التعليق على خططهما بشأن الأكراد، وأحالت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) طلبات التعليق على القيادة المركزية الأميركية، التي أحجمت عن التعليق. ولم ترد الحكومة الإيرانية على طلبات للتعليق على معاملتها للمواطنين في المناطق ذات الأغلبية الكردية أو هجماتها في العراق.

وفي بيان صدر قبل وقف إطلاق النار، أوضحت حكومة إقليم كردستان العراق أنها لا تنوي الانجرار إلى الحرب. وقالت: «لن يُسمح تحت أي ظرف من الظروف باستخدام أراضي إقليم كردستان كنقطة انطلاق لشن هجمات أو تهديدات أو أعمال عدائية ضد أي دولة مجاورة».

ومع ذلك، قال المقاتلون الأكراد الإيرانيون، الذين قابلتهم «رويترز» قبل وقف إطلاق النار، إنهم ينتظرون اللحظة المناسبة للعودة إلى شمال غربي إيران. وفي ذلك الوقت، كان بعضهم في أنفاق محفورة في الجبال بالمناطق الحدودية.

الأكراد يستعدون وإيران تشن حملة قمع

أمضى ريباز شريفي، وهو قائد بفصيل كردي إيراني مسلح، الأشهر الأولى من الشتاء على منحدرات موحلة بشمال العراق، حيث كان يدرب مقاتلين شباناً، ويبني شبكة من المخبرين والنشطاء والمهربين عبر الحدود مع شمال غربي إيران.

والفصيل الذي ساهم في قيادته، والمعروف باسم حزب «الحرية» الكردستاني، هو واحد من عدة فصائل كردية إيرانية مقرها في العراق وتسعى لإطاحة الحكومة الإيرانية التي يقودها رجال الدين وإنشاء منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي.

ويبلغ مجموع مقاتلي حزب «الحرية» الكردستاني بضعة آلاف. ويقيم شريفي، البالغ من العمر 38 عاماً، وهو حليق الذقن ويرتدي ملابس قتالية في معظم الأوقات، في العراق منذ 22 عاماً. ويعيش الرجل في المنفى منذ انضمامه للمعارضة، وقد شجعته المقاومة الداخلية المتزايدة والتي بلغت ذروتها في احتجاجات حاشدة في يناير (كانون الثاني).

وقال شريفي في مقابلة مع «رويترز» في فبراير (شباط)، قبل بدء الحرب: «في السابق، كان علينا أن نبحث عن مجندين. الآن هم يأتون إلينا». وأضاف أن الحزب كان يدفع 300 دولار للمهربين وحرس الحدود الإيرانيين مقابل كل مقاتل يتم تهريبه إلى العراق.

كما شجع شريفي استعداد ترمب لاتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران بعدما هاجمتها الولايات المتحدة وإسرائيل جواً في يونيو (حزيران) الماضي. وأُعجب الرجل بالتعليقات التي أدلى بها ترمب لتشجيع انتفاضة داخلية إيرانية، سواء خلال احتجاجات يناير أو في بداية الحرب.

لكن شريفي كان قلقاً من استهانة أميركا بقوة الحكومة الإيرانية. فقد تعرضت جماعته لهجمات جوية إيرانية عبر الحدود على مر السنين. ويقول إنهم تعرضوا لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة في يوليو (تموز) الماضي وفي يناير خلال الاحتجاجات.

وقال: «عندما طلب ترمب من الإيرانيين السيطرة على مؤسساتهم، اعتقد الجميع أن النظام قد أصبح ضعيفاً بالفعل. لكن إيران لديها قوات كبيرة مستعدة للقتل». أما بالنسبة لتشجيع إسرائيل لانتفاضة في يناير، فقد ⁠أضاف أنه عندما قالت المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على «إكس» إنها في الشوارع مع الإيرانيين ومستعدة لمساعدتهم، «لم نر أي دليل على ذلك».

ومما زاد من الارتباك، قال ترمب، الأحد، إن الولايات المتحدة قدمت أسلحة عبر الأكراد كانت موجهة للمتظاهرين المناهضين للحكومة. وقال لشبكة «فوكس نيوز»: «أعتقد أن الأكراد أخذوا الأسلحة». وقال قادة أكبر فصيلين إن مقاتليهم ‌لم يتلقوا أسلحة أميركية.

وقال غاريث ستانسفيلد، أستاذ سياسة الشرق الأوسط في جامعة إكستر البريطانية، إن المقاتلين في المنفى قلة ولا يمكنهم الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي والاحتفاظ بها. لكنه أوضح أنهم يتمتعون بمهارات كافية تخولهم، في حال حصولهم على دعم خارجي، لاقتطاع رقعة من الأراضي داخل إيران تكفي لعمل معارضة ‌إيرانية أوسع، مما قد يخلق «نوعاً من تأثير كرة الثلج».

إشارات وضربات

عندما سقطت القنابل الإسرائيلية والأميركية على المدن الإيرانية في اليوم الأول من الحرب، أرسل شريفي رسالة مفعمة بالحماسة قال فيها: «سنذهب إلى إيران». لكنه أضاف: «لكن ليس بعد، نحتاج إلى معرفة ما هي الخطة، وما هو ​تأثير الضربات الجوية الأميركية».

ومن واشنطن في اليوم الأول، اتصل ترمب بمسعود بارزاني، زعيم الحزب الذي ‌يسيطر على كردستان العراق، وفقاً لمصدر مطلع على المكالمة.

وقال مسؤولان كرديان عراقيان آخران على علم بالمكالمة إن ترمب أشاد بالقوات المسلحة الكردية العراقية، محاولاً كسب تأييدها للحرب. وقال المسؤولان الكرديان العراقيان ومسؤول أميركي إن بارزاني أوضح أنه يريد البقاء بعيداً عن الأمر، على الرغم من أن أحداً لم يعرف ما إذا كان ترمب قد قدم طلباً محدداً أو كيف رد على عدم رغبة بارزاني في الانضمام إلى القتال.

وفي المناطق الكردية بإيران، عرض التلفزيون الحكومي رسائل في البث المحلي تحذر الناس من التواطؤ مع «المرتزقة» الأكراد أو أميركا وإسرائيل، وذلك وفقاً لما قاله أشخاص لا يزالون في المنطقة.

وخلال تلك الأيام القليلة الأولى، شنت القوات الأميركية والإسرائيلية ما لا يقل عن 20 غارة جوية في المناطق الكردية في إيران، مستهدفة ما لا يقل عن 12 مركزاً لـ«الحرس الثوري» ومراكز شرطة ومراكز حراسة حدودية ومنشآت أمنية محلية أخرى. وبدا أن الهجمات تهدف إلى إضعاف قبضة الحكومة الإيرانية على المنطقة.

وكتب شريفي في رسالة لـ«رويترز» في اليوم الثالث «لا يزال الوقت مبكراً».

وفي ذلك الوقت، قدم مسؤولون في الولايات المتحدة وإسرائيل والعراق ومن جماعات كردية إيرانية روايات متباينة حول مدى قرب هجوم كردي على إيران، ومن سيشارك فيه، ومقدار الدعم الذي تقدمه وكالة الاستخبارات المركزية وإسرائيل للأكراد للاستعداد.

وقال مسؤول كردي وقائد كردي كبير إن حكومة إقليم كردستان العراق، التي تعمل بشكل شبه مستقل عن الحكومة في بغداد، سارعت في اليوم الرابع إلى إرسال قوات إلى الحدود الإيرانية – العراقية، وذلك في مسعى لمنع الأكراد الإيرانيين من التوغل من العراق إلى إيران.

وسرعان ما وردت مكالمات هاتفية من «الحرس الثوري» في إيران تحمل رسالة صريحة: «انسحبوا في غضون ساعة، وإلا فستنهال عليكم الصواريخ».

وقالت المصادر التي كانت على علم مباشر بأحداث ذلك اليوم إن حكومة كردستان العراق احتجت، مشيرة إلى أن القوات نشرت لوقف أي نشاط عبر الحدود، وليس لتهديد إيران. وقال المصدران الكرديان إن «الحرس الثوري» لم يكترث. وقال قادة إيران إنه لن يتم التسامح مع أي وجود مسلح على الحدود. وتراجع الأكراد العراقيون.

وفي صباح اليوم التالي، أرسل شريفي رسالة يائسة من مكان قريب. وقال لـ«رويترز»: «لقد تعرضنا للتو لقصف بصواريخ باليستية إيرانية، ولقي مقاتل واحد حتفه، وأصيب ‌ثلاثة آخرون».

وكان الهجوم دقيقاً، إذ أصاب المنزل الذي كانت جماعته تستخدمه كمكتب، وحيث كان شريفي قد تحدث إلى مراسلي «رويترز» قبل أسبوعين.

وفي الأيام التالية، استُهدفت قوات شريفي وعشرات من فصائل أخرى في أنحاء شمال العراق. وأسفرت الضربات، في مجملها، عن مقتل ما لا يقل عن خمسة مقاتلين من فصائل كردية مختلفة على مدى عدة أيام، وألحقت أضراراً بالقواعد التي كانوا يعتقدون أنها مموهة جيداً في بلدات صغيرة وعلى سفوح الجبال النائية.

وقال كريم برويزي، القائد بفصيل آخر وهو الحزب «الديمقراطي الكردستاني» الإيراني: «كان الإيرانيون يعرفون أين تقع قواعدنا. لديهم مخبرون يتتبعون تحركاتنا».

عالقون بين ترمب وإيران

لم تتوقف ⁠التهديدات الإيرانية ضد الأكراد العراقيين عند هذا الحد.

وقال مصدران مقيمان في الولايات المتحدة على دراية بالاتصالات مع الأكراد لـ«رويترز» إن إسرائيل كانت تعمل منذ فترة على توطيد العلاقات مع الفصائل الكردية الإيرانية في المنفى. وقال المصدران إن الإسرائيليين لم يحددوا للقوات الكردية ما سيكون دورها.

وفي اليوم السادس من الحرب، رد ترمب على أسئلة «رويترز» حول تقارير تفيد بغزو بري وشيك ينفذه أكراد إيرانيون.

وقال ترمب: «أعتقد أن من الرائع أنهم يريدون القيام بذلك، وأنا أؤيد ذلك تماماً». وأضاف أن هدف الأكراد يجب أن يكون «الانتصار».

وفي ذلك اليوم، وجه الإيرانيون تحذيراً شخصياً إلى الحكومة في كردستان العراق.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

وقال الزعيم الكردي العراقي البارز: «زارنا أحد كبار المسؤولين» في إيران، رافضاً الكشف عن هوية المبعوث. والرسالة الجديدة هي: «تغيرت هيكلية القيادة والسيطرة في إيران».

فلم يعد كبار الضباط في طهران يصدرون بالضرورة أوامر مباشرة بعد الآن. وأوضح الزعيم الكردي العراقي أنه بدلاً من ذلك، أصبح قادة «الحرس الثوري» في الميدان وحلفاؤهم من الفصائل بالعراق يعملون بمفردهم، وهذا يعني أنه في حالة وقوع هجوم إيراني، فإن أي نداءات من قادة الأكراد العراقيين إلى «الحرس الثوري» في طهران من أجل ضبط النفس قد لا يكون لها أي تأثير. ولم يذكر المسؤول كيف رد الأكراد العراقيون، لكنه قال إن الزيارة كشفت عن مدى ضعفهم.

وخلال الأيام القليلة التالية، شن الإيرانيون هجمات واسعة النطاق.

وضرب الإيرانيون مجمعاً قال مسؤولون محليون ودبلوماسي غربي إنه كان يضم موظفين من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في شرق العراق. ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية التعليق.

وأصابت ضربة أخرى دار ضيافة سابقة تابعة للأمم المتحدة في السليمانية. واستهدفت هجمات أخرى قاعدة عسكرية تضم قوات أميركية في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، مما أسفر عن مقتل جندي فرنسي، وأصابت قوات الأمن التابعة للإقليم شبه المستقل. وأعلنت حكومة أربيل في 24 مارس أن رشقة من ستة صواريخ باليستية إيرانية قتلت ستة مقاتلين أكراد عراقيين وأصابت 30 آخرين.

وقال الزعيم الكردي العراقي رفيع المستوى وعدد من المسؤولين الأمنيين الآخرين إن معظم الضربات التي استهدفت كردستان العراق خلال الحرب كانت هجمات بطائرات مسيرة شنتها فصائل عراقية مدعومة من «الحرس الثوري». وقالوا إن هذه القوات كانت تعمل في إطار هيكل قيادة وسيطرة لا مركزي يضم قادة من «الحرس الثوري» متمركزين في العراق ويتصرفون بمبادراتهم الخاصة.

وقال الزعيم الكردي ومسؤولان كرديان آخران إن معظم الطائرات المسيرة تُصنع في العراق.

وفي واشنطن، تلقى المشرعون الأميركيون تحذيرات من وزير خارجية تركيا حيث تقوم حركة انفصالية كردية.

وحض وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الولايات المتحدة على معارضة أي مشاركة للمقاتلين الأكراد في عملية عبر الحدود. وذكر مصدر مطلع أن فيدان حذر من أن هذا قد يثير اضطرابات جديدة ليس فقط في إيران، بل أيضاً في تركيا وحتى سوريا. ولم ترد تركيا على طلب للتعليق.

بعد أيام قليلة من تغيير ترمب موقفه، غادر شريفي الجبال لقضاء عطلة وتوجه بسيارة مصفحة إلى أربيل، عاصمة كردستان العراق. وجلس في أحد المقاهي، لكنه لم يسترخِ لفترة طويلة. فسرعان ما رن هاتفه بخبر مفاده أن مقاتليه استُهدفوا بطائرة مسيرة أخرى، على الرغم من أن هذه الطائرة لم تنفجر.

بدلاً من التخطيط لعمل عسكري في إيران، كان شريفي يمضي وقته في تجنب الغارات الجوية، بما في ذلك غارتان في الأسبوع الأول من أبريل (نيسان)، ومحاولة تجاوز الحجب شبه الكامل للإنترنت في إيران للحصول على آخر المستجدات من داخل البلاد.

وقال إن نقل المقاتلين بين إيران والعراق أصبح مستحيلاً، حتى عند عرض أجر أعلى قدره 500 دولار للمهربين وحرس الحدود. فقد أدى تزايد وجود «الحرس الثوري» الإيراني في المناطق الكردية بإيران إلى إغلاق الحدود.

كرديات من أعضاء حزب «العمال الكردستاني» في جبال قنديل قرب الحدود العراقية - الإيرانية - التركية (أ.ف.ب)

وقال شريفي إن المسلحين الأكراد تمكنوا قبل الحرب من إرسال أجهزة ستارلينك إلى نشطاء داخل إيران، الذين كانوا ينقلون المعلومات ​بشكل دوري عبر الحدود حول تحركات «الحرس الثوري» وقوات الأمن المحلية. وقال إنه في إحدى الوقائع، نبه أحد العناصر المحلية القوات الكردية المتمركزة في العراق بقدوم صاروخ، مما أتاح الوقت الكافي لهم للاحتماء.

ووفقاً لشريفي وبرويزي وسكان ​المنطقة ذات الأغلبية الكردية بإيران، فقد تعرض الإيرانيون أيضاً لضربات على جانبهم من الحدود.

وقالوا إن الغارات الجوية دمرت عدداً من مراكز «الحرس الثوري» والشرطة المحلية في المنطقة. وأدت الهجمات إلى نزوح قوات الأمن الإيرانية المحلية، حيث فر بعضهم إلى مناطق جبلية نائية، بينما نام آخرون في سياراتهم لتجنب الاستهداف. وقالوا إن عائلات أعضاء «الحرس الثوري» غادرت منازلها.

وقال قادة الأكراد الإيرانيين في المنفى إن الدلائل تشير إلى ضعف الحكومة الإيرانية. لكنهم أضافوا أنه حتى الحكومة الضعيفة يمكنها قتل المتظاهرين، مما يخيف معظم الناس من اتخاذ أي إجراء.

وقال شهود في قرية خارج مدينة بانه الإيرانية، بالقرب من الحدود الإيرانية العراقية، لـ«رويترز» إنهم شاهدوا قافلة من 50 حافلة مليئة برجال من «الحرس الثوري» تتحرك في 22 مارس، متجهة نحو الحدود.

وقال القادة الأكراد الإيرانيون إنه دون اندلاع انتفاضة في إيران، فإن الغزو سيكون مخاطرة كبيرة. لذا فهم ينتظرون على الجانب العراقي من الحدود، مستعدين لفرصة جديدة.

ولم يمنح وقف إطلاق النار شريفي سبباً كبيراً للأمل.

وقال شريفي: «ما زلنا تحت احتلال الجمهورية الإسلامية. إذا تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فسوف نُقتل ونُعدم».


مقالات ذات صلة

تركيا: اتهامات للحكومة بالمماطلة في «السلام» مع الأكراد

شؤون إقليمية انسحبت مجموعة من مسلحي حزب «العمال الكردستاني» من تركيا في 26 أكتوبر 2025 لتأكيد الالتزام بدعوة زعيم الحزب عبد الله أوجلان للسلام (رويترز)

تركيا: اتهامات للحكومة بالمماطلة في «السلام» مع الأكراد

تواجه الحكومة التركية اتهامات من الجانب الكردي بالتردد والممطالة في اتخاذ خطوات لدفع «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من حزب «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

رسالة جديدة من أوجلان: الديمقراطية بديلاً للسلاح في مستقبل الأكراد

طالب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان الأكراد باتباع نهج الديمقراطية لحل مشاكلهم الداخلية وفي مفاوضاتهم مع الدول

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أطفال يحتفلون بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الـ106 أمام ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

تركيا: هجمات المدارس تخيم على احتفالات «عيد السيادة الوطنية والطفولة»

خيَّم الهجومان الداميان اللذان وقعا في مدرستين بجنوب تركيا، مؤخراً، على احتفالها بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الذي وافق الذكرى 106 لتأسيس البرلمان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني)، نصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، وبمن فيهم مكتومو القيد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)

تركيا: أوجلان يطلب التشاور مع قيادات «الكردستاني» بشأن «قانون السلام»

طلب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان تمكينه من التشاور مع قيادات الحزب في شمال العراق بشأن مشروع قانون في إطار «عملية السلام» في تركيا

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقتل 14 عنصراً من «الحرس الثوري» الإيراني جراء انفجار بقايا قنابل

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
TT

مقتل 14 عنصراً من «الحرس الثوري» الإيراني جراء انفجار بقايا قنابل

تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)
تصاعد الدخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أرشيفية-رويترز)

قُتل 14 جندياً إيرانياً، خلال عمليات تفكيك ذخائر غير منفجرة في محافظة زنجان بشمال غربي إيران، وفق ما أفادت وسائل إعلام محلية، الجمعة.

ونقلت وكالة «فارس» عن «الحرس الثوري» قوله: «عقب غارات جوية للعدو باستخدام قنابل عنقودية وألغام جوية، تلوّثت أجزاء من محافظة زنجان، بما في ذلك نحو 1200 هكتار من الأراضي الزراعية، بالقنابل».

وأضافت أن خبراء من «الحرس الثوري» كانوا يعملون على تنظيف هذه المناطق، وتمكّنوا من إبطال مفعول أكثر من 15 ألف قطعة ذخيرة.

وأشارت إلى أنه «خلال إحدى هذه المهمات، اليوم، استُشهد 14 وأُصيب اثنان بجروح».

واتهمت إيران، في وقت سابق، الولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام ذخائر عنقودية، وهي قنابل تنفجر في الجو وتُطلق ذخائر صغيرة قد لا ينفجر بعضها، ما يخلّف خطراً قد يستمر لعقود.

في المقابل، اتهمت إسرائيل إيران باستخدام هذا النوع من الذخائر في ضرباتها الصاروخية على مدن إسرائيلية.

ولم تنضمّ إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى أكثر من 100 دولة وقّعت اتفاقية عام 2008 تحظر استخدام الذخائر العنقودية ونقلها وإنتاجها وتخزينها.


خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

خيارات ترمب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً: اختبار دستوري وصراع مستمر

ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
ترمب يجيب عن أسئلة الصحافة في البيت الأبيض يوم 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دخلت المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر التباساً من الحرب نفسها. فبعد أكثر من شهرين على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، لم يعد السؤال في واشنطن مقتصراً على ما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قادرة على فرض شروطها على طهران، بل بات يشمل أيضاً ما إذا كانت قادرة على مواصلة الضغط العسكري والبحري من دون تفويض جديد من الكونغرس.

فمهلة الستين يوماً التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب، تحولت إلى اختبار دستوري وسياسي، بينما تحاول الإدارة تقديم وقف إطلاق النار باعتباره فاصلاً قانونياً يوقف العدّاد، أو نهاية لمرحلة قتالية يمكن بعدها إطلاق عملية جديدة باسم آخر.

لكن محللين يرون أن هذا التخريج لا يلغي جوهر الأزمة: الحرب لم تنته سياسياً، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً أو معطلاً، والحصار البحري مستمر، والمفاوضات لا تتقدم. وبين من يرى أن النظام الإيراني لن يتراجع إلا بضربة عسكرية جديدة، ومن يعتقد أن ترمب فقد اهتمامه بالحرب ويفضل خنق طهران اقتصادياً بعيداً عن العناوين اليومية، تبدو الخيارات الأميركية مفتوحة على 3 مسارات: إعادة تسمية العملية، تثبيت الحصار، أو استئناف الضربات.

وقف النار كحيلة قانونية

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تقول إدارة ترمب إن وقف إطلاق النار الذي بدأ في 7 أبريل (نيسان)، ثم جرى تمديده، يعني عملياً أن الأعمال القتالية التي بدأت في 28 فبراير قد انتهت. وبذلك، لا ترى الإدارة نفسها ملزمة بطلب تفويض فوري من الكونغرس أو بتقديم مبررات لتمديد العمليات 30 يوماً إضافية.

وزير الحرب بيت هيغسيث، ذهب أبعد من ذلك، حين قال أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ إن فهمه هو أن وقف إطلاق النار «يوقف أو يعلّق» ساعة الستين يوماً.

هذا الطرح أثار اعتراضاً حاداً من الديمقراطيين وتشكيكاً من بعض الجمهوريين. فالمسألة، في نظر المعارضين، ليست ما إذا كانت القنابل تسقط يومياً، بل ما إذا كانت القوات الأميركية لا تزال منخرطة في أعمال عدائية.

والحصار البحري، وفق القانون الدولي، عمل حربي. لذلك اعتبر السيناتور الديمقراطي تيم كين، أن وقف إطلاق النار لا يعني غياب الأعمال العدائية، ما دامت البحرية الأميركية تمنع السفن من دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.

أما السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي انضمت إلى جهود تقييد صلاحيات ترمب، فشددت على أن مهلة الستين يوماً «ليست اقتراحاً، بل مطلباً».

إزاء ذلك، يبدو أن البيت الأبيض لا يريد مواجهة تصويت صريح على الحرب، لكنه لا يريد أيضاً أن يظهر كمن تراجع. ولذلك يحاول تحويل النزاع من حرب مفتوحة إلى عملية ضغط مستمرة، بما يسمح له بالقول إن المرحلة الأولى انتهت، من دون أن يتخلى عن أدوات القوة.

تسمية جديدة

رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين في جلسة استماع بالكونغرس 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أحد الخيارات المطروحة داخل الدوائر الجمهورية هو إطلاق عملية جديدة باسم جديد، منفصلة عن «الغضب الملحمي»، بحسب ريتشارد غولدبيرغ، الذي شغل منصب مدير مكافحة أسلحة الدمار الشامل الإيرانية في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترمب الأولى.

الفكرة هنا ليست شكلية فقط، فإذا أعلنت الإدارة أن الحرب الأولى انتهت بوقف إطلاق النار، فيمكنها أن تقدم أي تحرك لاحق باعتباره مهمة جديدة لـ«الدفاع عن النفس» أو لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لا استمراراً للحرب السابقة.

يقول مراقبون إن هذا المسار يمنح ترمب مساحة مناورة قانونية وسياسية. فهو يستطيع القول إن الهدف لم يعد إسقاط القدرات الإيرانية أو فرض استسلام نووي شامل، بل فتح ممر دولي حيوي ومنع طهران من ابتزاز سوق الطاقة العالمية.

لكن هذا الطرح يحمل أخطاراً واضحة: الكونغرس قد يرى في تغيير الاسم محاولة التفاف على قانون صلاحيات الحرب، لا تحولاً حقيقياً في طبيعة المهمة. فإذا كان الحصار مستمراً، وإذا كانت القوات الأميركية تشتبك أو تستعد للاشتباك، فإن تغيير اللافتة لا يغير مضمون الصراع.

مع ذلك، يرى هؤلاء أن البيت الأبيض قد يجد في هذه الصيغة مخرجاً مناسباً. فهي تسمح بتهدئة الجبهة القانونية مؤقتاً، وتخفف الضغط على الجمهوريين المترددين، وتمنح الإدارة فرصة لإعادة تعريف أهدافها بعد أن تبين أن الحرب السريعة لم تنتج استسلاماً إيرانياً، ولا فتحت هرمز، ولا أسقطت النظام.

الحصار بحراً أقل كلفة سياسياً

السفينة الأميركية القتالية «غابرييل غيفوردز» (أرشيفية - أ.ب)

الخيار الأكثر انسجاماً مع ترمب هو الحصار. فالرئيس الأميركي طالما فضّل أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات والخنق المالي، على الحروب الطويلة ذات الكلفة البشرية والسياسية. وهنا يكتسب تعليق باراك بارفي، الباحث في معهد «نيو أميركا» أهمية خاصة.

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «عندما تصمت المدافع لفترة طويلة يصبح من الصعب إحياؤها. ترمب لا يزيد القوات، بل يسرّحها. لقد فقد الاهتمام بالحرب. لكنه وجد عصا يضرب بها إيران في شكل الحصار. خنق خصومه اقتصادياً أكثر جاذبية من قصفهم، وينقل الصراع خارج العناوين».

هذا التقدير يضيء جانباً مهماً في تفكير الإدارة؛ فالحصار يضغط على إيران يومياً، ويكلفها مئات ملايين الدولارات، ويمنح ترمب ورقة تفاوضية، من دون أن يفرض عليه الظهور كرئيس ينزلق إلى حرب شرق أوسطية جديدة. كما أنه يسمح له بالقول إنه لا يشن حرباً، بل يحمي حرية الملاحة ويمنع إيران من إعادة بناء قوتها.

لكن الحصار وحده قد لا يكفي؛ فالنظام الإيراني أثبت في تجارب سابقة قدرته على تحمّل كلفة اقتصادية عالية إذا كان بقاؤه السياسي على المحك. كما أن إطالة الحصار قد تضرب الاقتصاد العالمي، وتبقي أسعار الطاقة تحت الضغط، وتزيد غضب الحلفاء إذا فشلت واشنطن في فتح هرمز.

وهنا يصبح الحصار أداة استنزاف مزدوجة: يرهق إيران، لكنه يرهق أيضاً الإدارة الأميركية إذا لم ينتج تسوية.

العودة إلى الضربات

مشهد للأضرار التي لحقت بمبنى سكني إثر تعرضه لقصف في طهران 29 مارس (د.ب.أ)

لذلك، يدفع بعض الصقور في الإدارة الأميركية نحو استئناف العمليات العسكرية، وحجتهم أن النظام الإيراني لا يتفاوض تحت الضغط الاقتصادي فقط، وأن الحصار لا يهدد بقاءه بما يكفي.

ووفق مارك ثيسن، كبير كتّاب الخطابات الأسبق للرئيس جورج دبليو بوش، تحتاج واشنطن إلى «جولة أخيرة» من الضربات تستهدف من تبقى من القيادة العسكرية والقدرات الصاروخية والبحرية، قبل إعادة فتح مضيق هرمز من موقع قوة.

ويرى محللون أن هذا الطرح يبدو جذاباً لمن يريد «نصراً حاسماً»، لكنه محفوف بالأخطار. فإذا استأنف ترمب الضربات من دون تفويض واضح، فسيعمّق الأزمة الدستورية مع الكونغرس. وإذا ردت إيران باستهداف منشآت الطاقة في الخليج أو القوات الأميركية، فقد تتوسع الحرب مجدداً.

وإذا فشلت الضربات في إجبار طهران على التراجع، فستجد الإدارة نفسها أمام حرب أطول مما وعدت به، وكلفة مالية وسياسية أكبر.

لذلك قد يكون الخيار المرجح مزيجاً من المسارات الثلاثة: إعلان قانوني بانتهاء الأعمال القتالية الأولى، إطلاق مهمة جديدة لحماية الملاحة، وتوسيع الحصار مع إبقاء التهديد العسكري قائماً.

وبهذا يستطيع ترمب تجنب تفويض صعب في الكونغرس، ومواصلة الضغط على إيران، والحفاظ على صورة الرئيس الذي لم يتراجع.


حرب إيران... بين التصعيد وطاولة التفاوض

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

حرب إيران... بين التصعيد وطاولة التفاوض

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران، يوم الجمعة، فيما يتواصل التصعيد على الأرض في ظل الحشود العسكرية واستمرار الحصار البحري وإغلاق مضيق هرمز.

وقالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا): «قدّمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، مساء الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية». كما أشارت مصادر إلى وجود مؤشرات على تقدم المفاوضات رغم استمرار حالة الغموض.

وأفاد موقع «أكسيوس» بأن إيران سلّمت الوسطاء في باكستان مقترحاً جديداً لعرضه على واشنطن. كما نقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن مصادر باكستانية، أن إيران قدّمت مقترحاً معدلاً للسلام، موضحة أن الوسطاء الباكستانيين طلبوا من إيران مقترحاً جديداً بعدما رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب المقترح السابق الذي ركّز على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري، وتأجيل قضية النووي إلى مرحلة لاحقة.

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن باكستان ستبقى الوسيط الرسمي للمحادثات مع أميركا. وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنه من غير الواقعي توقع نتائج سريعة من المحادثات، مشيراً إلى أن طهران تسعى إلى الوصول إلى مسار يمكن من خلاله «التأكيد على انتهاء خطر الحرب بشكل كامل».

ترمب: إيران تريد اتفاقاً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب على أسئلة الصحافة خلال حفل توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وفي واشنطن، أكد الرئيس الأميركي أن «إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق» مع الولايات المتحدة، معتبراً أن «الإيرانيين يتفاوضون من موقف ضعف، وأن القيادة الإيرانية في وضع سيئ للغاية». وقال ترمب لصحافيين في البيت الأبيض إن «الحصار على إيران يخنقها... فهي لا تجني أي أموال من النفط نتيجة الحصار، وإن الاقتصاد الإيراني ينهار».

وأضاف ترمب: «لدينا مشكلة لأنه لا أحد يعرف من هم القادة في إيران... نحن نتعامل مع الصف الثالث في طهران بعد مقتل قادة الصفين الأول والثاني. أنا وعدد قليل من يعلم تفاصيل المحادثات مع إيران».

وفي مقابلة مع «نيوز ماكس»، أكد ترمب أن بلاده انتصرت بالفعل في إيران، لكنها تريد الفوز بفارق كبير، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن المكاسب العسكرية غير كافية وحدها، وأنه يجب الحصول على ضمانات من طهران بعدم امتلاك النووي أبداً. كما جدد الرئيس الأميركي التأكيد على أن إيران باتت ضعيفة للغاية عسكرياً واقتصادياً، وستحتاج نحو 20 عاماً لإعادة البناء.

خطط عسكرية طموحة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

وبالموازاة، قال مسؤولان أميركيان لموقع «أكسيوس» إن الرئيس الأميركي تلقى إحاطة حول خطط عسكرية جديدة ضد إيران. وأوضح المسؤولان أن قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة قدّما لترمب لمدة 45 دقيقة، تفاصيل عن الخطط الجديدة المحتملة لعمليات في إيران.

ومع انتهاء مهلة الستين يوماً التي حددها البيت الأبيض، كشفت تقارير مطلعة عن عزم إدارة الرئيس ترمب المضي قدماً في خطة عسكرية واقتصادية طموحة لتوسيع نطاق الحصار البحري في منطقة الخليج، في خطوة تهدف إلى ممارسة «الألم الأقصى» لإجبار طهران على قبول شروط وقف إطلاق النار، وفقاً لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

وتتمحور الاستراتيجية الجديدة حول تحويل «الاعتراض الجزئي» للسفن إلى إغلاق تام ومستدام «لمضيق هرمز أمام الملاحة الإيرانية، مع التركيز على توسيع نطاق الحظر الذي لن يقتصر على ناقلات النفط فحسب، بل تشير الخطط إلى نية واشنطن اعتراض كافة السفن التجارية المتجهة من الموانئ الإيرانية وإليها، لضمان قطع شريان الإمدادات بالكامل.

من جهة أخرى، أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي، يوم الجمعة، أن طهران لا تزال منفتحة على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، لكنها لن تقبل أن «تملى» عليها سياسات تحت التهديد. وقال إيجئي في مقطع فيديو نشره موقع ميزان، التابع للسلطة القضائية: «لم تتهرب الجمهورية الإسلامية قط من المفاوضات... لكننا قطعاً لا نقبل الإملاءات». وأضاف: «نحن لا نريد الحرب بأي شكل من الأشكال. لا نريد الحرب، ولا نريد استمرارها»، لكنه شدّد على أن إيران «ليست مستعدة على الإطلاق للتخلي عن مبادئها وقيمها في مواجهة هذا العدو الخبيث من أجل تجنب الحرب أو منع استمرارها».

وشدّد محسني إيجئي على أن الولايات المتحدة لم تحقق «أي شيء» خلال الحرب، مضيفاً أن طهران لن «تتنازل» في المفاوضات. وأتى موقف رئيس السلطة القضائية غداة الرسالة التي كتبها المرشد مجتبى خامنئي، التي قال فيها إن الولايات المتحدة تكبدت «هزيمة مخزية» في الحرب. وأضاف خامنئي أن القدرات «النووية والصاروخية» للجمهورية الإسلامية تشكل «ثروة وطنية يجب حمايتها».

التخلي عن «الشروط العشرية»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

وتراهن واشنطن على أن توسيع الحصار سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من البنية التحتية التجارية الإيرانية، خاصة في ظل انقطاع الاتصالات والأزمات الاقتصادية الداخلية، ما سيجعل طهران مضطرة للتخلي عن شروطها في «الخطة العشرية» التي قدّمتها إلى واشنطن في جولة المفاوضات السابقة، وقبول المطالب الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي والنشاط الإقليمي.

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.

في الأثناء، أعلن مسؤول كبير ​في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت متأخر من مساء ‌الخميس، ​أن ‌الأعمال القتالية ⁠بين ​الولايات المتحدة ⁠وإيران، التي بدأت في فبراير قد «انتهت»، وذلك ⁠لأسباب تتعلق بقانون ‌صلاحيات ‌الحرب. وقال المسؤول، شارحاً وجهة نظر الإدارة: «فيما يتعلق بقانون صلاحيات الحرب، فإن الأعمال ‌القتالية التي ‌بدأت يوم السبت 28 فبراير قد ​انتهت».

مسيرات فوق إيران

دخان قصف يتصاعد في سماء طهران يوم الأول من أبريل (أ.ف.ب)

قالت السلطات الإيرانية إن أنظمة دفاعها الجوي تصدّت، فوق العاصمة طهران، مساء الخميس لمسيّرات وطائرات صغيرة لم يُعلن عن مصدرها، وذلك عشية انتهاء مهلة الستين يوماً التي يتوجّب بعدها نظرياً أن يطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تفويضاً من الكونغرس لمواصلة الحرب.

وقال وكالتا «تسنيم» و«فارس» الإيرانيتان إن «أصوات الدفاع الجوي توقفت بعد نحو 20 دقيقة من التصدي لأجسام جوية صغيرة».

من جهة أخرى، أفاد مسؤول أميركي ومصادر مطلعة بأن إيران تستغل وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة لإخراج أسلحتها المخبأة. وذكرت المصادر أن النظام كثّف جهوده لاستخراج الصواريخ والذخائر الأخرى التي كان قد أخفاها تحت الأرض، أو تلك التي طمرت تحت الأنقاض جراء الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، وفقاً لما ذكرت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية. وتعتقد الولايات المتحدة أن النظام يسعى لإعادة بناء قدراته في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ سريعاً، ليكون مستعداً لشن هجمات في أنحاء الشرق الأوسط في حال قرّر الرئيس ترمب استئناف العمليات العسكرية.

وكان وزير الدفاع الأميركي، بيت هيجسيث، قد قال في وقت سابق، إن لدى واشنطن مؤشرات على محاولات إيرانية لترميم قدراتها العسكرية، موجهاً حديثه لطهران من البنتاغون: «نحن نعلم ما هي الأصول العسكرية التي تنقلونها، وإلى أين تنقلونها».