الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

عبر قانون انتخابي جديد يشدد الرقابة لمنع الفساد من دخول الاستحقاقات المقبلة

من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)
من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)
TT

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)
من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة»، إيذاناً بقرب موعد الانتخابات التشريعية. وأعلن النص الذي تقترحه الحكومة، الحرب على ما يسمى «تغلغل المال الفاسد في السياسة»، وهو مسعى يُحيل إلى ممارسات سلبية شابت الاستحقاقات في فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019).

وزير الداخلية يعرض تعديل قانون الانتخابات على اللجنة القانونية بمجلس الأمة (مجلس الأمة)

بمجرد اعتماده يوم الثلاثاء الماضي من طرف نواب «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، خلال جلسة صاخبة، طبعها خلاف حول «المادة 221» المتعلقة بشروط الترشح لعضوية «مجلس الأمة»، عُرض، الأربعاء، مشروع القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، من وزير الداخلية سعيد سعيود، أمام أعضاء «لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات» بـ«مجلس الأمة».

وزير الداخلية في أثناء عرض مراجعة قانون الانتخابات على النواب (البرلمان)

وخلافاً لما هو مألوف في دراسة مشاريع القوانين برلمانياً، فقد شهدت العملية هذه المرة قفزة زمنية لافتة، تترجم الطابع الاستعجالي للنص، في خطوة قرأتها الصحافة على أنها استباق للمواعيد الانتخابية الوشيكة.

ويتضمن المشروع 14 مادة، تعدّل 85 مادة قائمة، وتستحدث 4 تدابير جديدة، تهدف حسب وزير الداخلية إلى «تعزيز» الإطار القانوني والمؤسساتي للانتخابات في الجزائر. ويتعلق الأمر خصوصاً بتحديث الإجراءات، وتوضيح أدوار «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» ووزارة الداخلية، و«تحسين» معايير الترشح لضمان الشفافية والنزاهة والمشاركة المواطِنة.

مادة مثيرة للجدل

بخصوص المادة 221 من المشروع التي أثارت جدلاً، فإنها تتضمن ضوابط تقنية للترشح لعضوية «مجلس الأمة»، حيث تشترط بلوغ المترشح سن 35 عاماً على الأقل، وحيازته الجنسية الجزائرية، مع إثبات وضعيته تجاه الخدمة العسكرية، إضافةً إلى شرط جوهري يتمثل في ضرورة امتلاكه صفة منتخب في مجلس بلدي أو ولائي. كما تضمنت التعديلات اشتراط المستوى الجامعي معياراً؛ لرفع جودة الأداء التشريعي، والحرص على خلوّ سجل المترشح من السوابق القضائية، أو الصلة بأوساط المال المشبوهة.

رجال أعمال من النظام السابق أُودعوا السجن بتهمة غسيل أموال (الشرق الأوسط)

غير أن هذه المادة واجهت انتقادات حادة من بعض النواب، الذين رأوا شرط «المستوى الجامعي» إقصاءً للكفاءات النضالية والخبرات الميدانية، التي لا تملك شهادات أكاديمية، مما قد يمس بالتمثيل الشعبي للمجالس، حسبهم. كما أبدى المعارضون تخوفهم من ضبابية معايير «المال الفاسد»، التي قد تُستخدم أداةً إدارية لإقصاء الخصوم السياسيين، ورأوا في تشديد شروط التزكية وجمع التوقيعات تضييقاً على الأحرار، والأحزاب الصغيرة لصالح القوى السياسية الكبرى، مما يجعل المسار نحو الغرفة العليا محاطاً بـ«بيروقراطية انتخابية»، تثير الجدل حول التوازن بين النخبوية والتمثيل الديمقراطي.

وجرى عرض النص بوصفه امتداداً للإصلاحات التي أطلقها رئيس الجمهورية، حيث يسعى إلى توفير إطار واضح وشفاف لتنظيم الانتخابات، مع التماشي مع المراجعات الدستورية، التي صوَّت عليها البرلمان في 25 مارس (آذار) الماضي. ووفقاً للوزير سعيود، فإن المجالس المنتخبة «تشكِّل حجر الزاوية في إعادة بناء المؤسسات في الجزائر»، لذلك «يجب حمايتها من تأثير المال الفاسد»، كما يتناول النص إعادة تنظيم «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» لتحسين فاعلية هياكلها وتعزيز حيادها، حسب تفسير نفس الوزير.

تقليص «كوتا» النساء

ستتولى وزارة الداخلية، وفق النص، توفير الدعم المادي واللوجيستي والبشري اللازم، بما يسمح لسلطة الانتخابات بالتركيز على مهامها الأساسية، ومنها التحضير والتنظيم والإشراف، وتسيير العمليات الانتخابية والاستفتاءات. وأوضح الوزير أن «هذا التقسيم في الأدوار يهدف إلى ضمان متابعة دقيقة ومسؤولة لكل مراحل العملية الانتخابية». كما يتضمن المشروع تدابير لمراجعة شروط الترشح.

برلمانيون يعترضون على مادة قانونية تخص الترشيحات لمجلس الأمة (البرلمان)

وسيتم، وفق النص الجديد، تقليص عدد التوقيعات المطلوبة لتقديم الترشح، كما ستقلص تمثيلية النساء في القوائم الانتخابية مع اعتماد أحكام انتقالية لبعض الانتخابات. وقد أثارت هذه التغييرات نقاشات بين النواب، الذين عبّروا عن انشغالهم إزاء تقليص حصة النساء.

وطُرح بقوة خلال النقاش موضوع «تسرب المال الفاسد إلى العملية الانتخابية»، حيث شدد بعض النواب على أهمية تعزيز آليات الشفافية والرقابة المالية لمنع أي تأثير غير مشروع، وضمان أن يترشح فقط من يحترمون التزاماتهم الجبائية والقانونية.

رفع التمثيل البرلماني للمهاجرين

حملت التعديلات بشرى سارة لأعضاء الجالية الوطنية بالخارج؛ إذ تقرر رفع عدد نواب الجالية في البرلمان في خطوة لاقت ترحيباً واسعاً.

ويتضمن النص رفع عدد ممثلي الجالية الجزائرية بالخارج إلى 12 نائباً، بدلاً من 8 نواب حالياً. وفي هذا السياق، رحب النائب فارس رحماني، ممثل المهاجرين في أميركا الشمالية والجنوبية وباقي دول العالم خارج أوروبا والمنطقة المغاربية والأفريقية، بهذا القرار، مؤكداً أن «زيادة عدد نواب الجالية من 8 إلى 12 يعد خبراً مفرحاً جداً للمغتربين، ومن شأنه أن يسهّل أكثر عملية نقل انشغالات ومطالب أفراد الجالية». ودعا المهاجرين إلى «المشاركة بقوة في الانتخابات التشريعية المقبلة لاختيار ممثليهم».

النائب ممثل المهاجرين في فرنسا (البرلمان)

من جهته، أشاد النائب عن الجزائريين في فرنسا، عبد الوهاب يعقوبي، بمبادرة رفع عدد البرلمانيين الممثلين للجالية، وكتب عبر حسابه بالإعلام الاجتماعي: «كل امتناننا لمن عرفوا كيف يستمعون لصوتنا، ويفهمون عزيمتنا على تعزيز وحدة الجزائريين، وترسيخ شعور الانتماء لدى المواطنين داخل الوطن وخارجه».

كما تضمَّن النص تسهيلات للأحزاب ولوائح الترشيحات للمستقلين، لا سيما فيما يتعلق بخفض عدد التوقيعات المطلوبة للترشح للانتخابات التشريعية، حيث تم تحديدها بـ150 توقيعاً، بدلاً من 250 داخل الجزائر، و100 توقيع بدلاً من 200 للمترشحين عن الجالية في الخارج.


مقالات ذات صلة

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

رياضة عالمية الجزائري محمد الأمين عمورة يحتفل بهدف نيس الثاني في مرمى ليل (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

سجّل المهاجم الجزائري محمد الأمين عمورة هدفاً ليمنح فريقه نيس أول انتصار له في الدوري الفرنسي لكرة القدم هذا الموسم بفوز ثمين على ليل.

«الشرق الأوسط» (نيس (فرنسا))
شمال افريقيا صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

تتواصل الأزمة الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عامين، مخلّفة تداعيات مباشرة على العلاقات الاقتصادية، أبرزها تراجع حضور المؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

عاد الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال إلى واجهة الجدل الإعلامي بتصريحات صحافية في فرنسا أعرب فيها عن رفضه القاطع للعفو الرئاسي الذي استفاد منه.

شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.