حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

الكرملين: بوتين لم يطلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا... لكنه رحب بالفكرة

المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
TT

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

تكشف الحرب الأميركية على إيران، بعد أربعة أسابيع من انطلاقها، عن وجه آخر أقل ظهوراً من مشاهد القصف والتصريحات السياسية: استنزاف سريع لمخزونات الذخائر الدقيقة الهجومية والدفاعية، في وقت تحاول فيه واشنطن خوض حرب في الشرق الأوسط من دون دفع ثمن استراتيجي في أوروبا وآسيا.

لكن الأرقام التي بدأت تتسرب من داخل المؤسسة العسكرية الأميركية توحي بأن هذا التوازن يزداد صعوبة، وأن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت الحملة على إيران تحقق أهدافها، بل ما الذي تستهلكه من قدرة أميركية على الردع في مسارح أخرى، ولا سيما أوكرانيا. وتزداد حساسية هذا المشهد مع تقارير نشرتها «واشنطن بوست» و«رويترز» عن بحث البنتاغون تحويل مساعدات مخصصة لكييف إلى الشرق الأوسط، ومع الزيارة النادرة لوفد من المشرعين الروس إلى واشنطن للمرة الأولى منذ سنوات، بما تحمله من إشارات سياسية مقلقة لكييف تتجاوز بعدها البروتوكولي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

استنزاف الذخائر

حسب «واشنطن بوست»، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ «توماهوك» ضد إيران خلال أربعة أسابيع فقط، وهو رقم كبير بالنسبة إلى سلاح باهظ الكلفة وبطيء التصنيع؛ إذ قد تصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى 3.6 مليون دولار، بينما قد يستغرق إنتاجه نحو عامين، في وقت لا تتجاوز فيه الطاقة الصناعية الحالية نحو 600 صاروخ سنوياً. وهذا يعني أن التعويض لن يكون سريعاً ولا سهلاً.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

هذه الأرقام لا تعكس مجرد خيار عملياتي، بل تكشف عن طبيعة الحرب نفسها. فـ«التوماهوك» هو السلاح المفضل عندما تريد واشنطن ضرب أهداف بعيدة ودقيقة من دون المخاطرة المباشرة بطياريها. لكن الإفراط في استخدامه يحول المكسب التكتيكي إلى عبء استراتيجي، خصوصاً مع تقديرات أشارت إلى أن مخزون البحرية الأميركية قبل الحرب ربما تراوح بين 3100 و4500 صاروخ، بما يعني أن ما استُهلك قد يقترب من ربع المخزون الإجمالي وفق بعض التقديرات. وهذه ليست مسألة محاسبية، بل قضية تمس الجاهزية لأي مواجهة لاحقة، سواء في آسيا أو في أزمة أخرى مفاجئة.

ولا يقتصر الضغط على الذخائر الهجومية. «رويترز» تحدثت أيضاً عن إطلاق أكثر من 1000 صاروخ اعتراض جوي من أنظمة «باتريوت» و«ثاد» للتصدي للهجمات الإيرانية المضادة. وهذه الأنظمة تحديداً من أكثر ما تحتاج إليه أوكرانيا اليوم في مواجهة الضربات الروسية على المدن والبنية التحتية. وهنا يتضح أن الحرب على إيران لا تستنزف مخزوناً أميركياً عاماً فقط، بل تستنزف الفئات الأكثر حساسية من الذخائر التي يصعب تعويضها سريعاً ويشتد عليها الطلب عالمياً.

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي 24 مارس الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تدفع جزءاً من الفاتورة

هذا هو السياق الذي يجعل بحث البنتاغون تحويل بعض الأسلحة المخصصة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط أمراً بالغ الدلالة. «واشنطن بوست» كانت قد أفادت بأن النقاش داخل وزارة الدفاع يشمل خصوصاً صواريخ الاعتراض الجوي التي كانت تُشترى لكييف عبر برنامج «قائمة أولويات احتياجات أوكرانيا»، وهو الترتيب الذي موّلته دول أوروبية لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا حتى بعد تقليص إدارة ترمب معظم المساعدات الأمنية المباشرة.

صحيح أنه لم يُتخذ قرار نهائي بعد، وصحيح أن الأمين العام لـ«ناتو» مارك روته قال إن الإمدادات الحيوية ما زالت تتدفق، لكن مجرد فتح هذا النقاش يعني أن المنافسة بين الجبهات أصبحت واقعة. فواشنطن لم تعد تتحدث عن زيادة الإنتاج فقط، بل عن إعادة توزيع النقص. والرئيس دونالد ترمب نفسه أقرّ، عندما سئل عن إمكان نقل ذخائر من أوكرانيا إلى مسرح آخر، بأن الولايات المتحدة «تفعل ذلك طوال الوقت». وهذا الإقرار مهم لأنه ينزع عن الفكرة صفة التسريب العابر، ويجعلها جزءاً من منطق إدارة الموارد في زمن الحرب المفتوحة.

جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 18 مارس الحالي (أ.ب)

ومن زاوية كييف، الخطر لا يكمن فقط في خسارة شحنة أو اثنتين، بل في تبدل الأولوية الأميركية نفسها. فأوكرانيا تحتاج إلى صواريخ الاعتراض بشكل يومي تقريباً، في حين تسعى أوروبا إلى سد الفجوة عبر التمويل أكثر من التصنيع. وإذا بدأت واشنطن تسحب من الخط المخصص لكييف لتغذية حربها ضد إيران أو لإعادة ملء مخزوناتها، فإن أوكرانيا ستشعر بأن الحرب في الخليج أصبحت تملي إيقاع صمودها في وجه روسيا.

موسكو تراقب لحظة الارتباك

في هذا التوقيت، جاءت زيارة وفد من المشرعين الروس إلى واشنطن، وهي الأولى منذ سنوات، لتضفي على المشهد بعداً سياسياً أكثر حساسية. وعُدت الزيارة مؤشراً إلى دفء نسبي في العلاقات الأميركية - الروسية مقارنة بالسنوات التي تلت غزو أوكرانيا عام 2022، وتشمل لقاءات مع مسؤولين ومشرعين أميركيين على مدى يومين.

ووصف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الرحلة بأنها خطوة مهمة نحو تطبيع العلاقات المتوترة.

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)

ويهدف الوفد المكون من خمسة نواب روس إلى استعادة الاتصالات البرلمانية، وفقاً لما صرح به نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما الروسي. وقال فياتشيسلاف نيكوف لوكالة الأنباء الرسمية «تاس» في واشنطن إن اجتماعات مع مسؤولين في الإدارة الأميركية مخطط لها الجمعة.

وتتولى النائبة الجمهورية آنا بولينا لونا، المؤيدة للرئيس دونالد ترمب والناقدة للمساعدات الأميركية لأوكرانيا، استضافة الوفد الروسي. وأضاف نيكوف أن المناقشات مع المشرّعين الأميركيين ركزت على إنشاء مجموعة برلمانية مشتركة وإمكانية زيارة متبادلة لموسكو في مايو (أيار). وتم رفع العقوبات الأميركية مؤقتاً عن عضو بارز في حزب روسيا الموحدة الحاكم للسماح بالزيارة.

فني من شركة أوكرانية مختصة بإنتاج المسيَّرات خلال عرضها داخل موقع غير محدد بأوكرانيا 19 مارس الحالي (أ.ف.ب)

قد لا يكون من الدقة ربط الزيارة مباشرة بقرارات الذخائر، لكن التزامن مهم. فموسكو ترى، على الأرجح، أن الولايات المتحدة منشغلة بحرب مكلفة في الشرق الأوسط، وأن أوكرانيا قد تصبح أقل أولوية كلما طال أمد القتال مع إيران. أما كييف وحلفاؤها الأوروبيون، فيقرأون المشهد من زاوية أكثر قتامة: روسيا لا تستفيد فقط من احتمال تراجع الإمدادات إلى أوكرانيا، بل تستعيد أيضاً مساحة سياسية في واشنطن في لحظة ارتباك أميركي متعدد الجبهات.

صورة وزَّعتها البحرية الأميركية لصاروخ «توماهوك» 5 مارس الحالي (أ.ف.ب)

في المحصلة، لا تكمن أهمية استنزاف «التوماهوك» في كونه نقصاً فنياً قابلاً للعلاج بالإنتاج وحده، بل في أنه يكشف عن حدود القدرة الأميركية على خوض حروب مكثفة ومتزامنة من دون تكلفة استراتيجية على شركائها وردعها العالمي. فحين تبدأ الذخائر التي تحمي أوكرانيا في منافسة الذخائر التي تُستخدم في إيران، تصبح الحربان مترابطتين عملياً، حتى لو تباعد المسرحان. وحين يزور مشرعون روس واشنطن في هذا المناخ، تبدو الرسالة السياسية مقلقة: موسكو تراقب لحظة إعادة ترتيب الأولويات الأميركية، وكييف تخشى أن تكون هي أول من يدفع الثمن.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال ترؤسه اجتماعاً بالكرملين (أ.ب)

بوتين «لم يطلب تبرعات» للحرب

أفاد موقع ‌«ذا بيل» الإلكتروني الإعلامي نقلاً عن مصادر لم يسمها بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طلب من ​رجال الأعمال المقربين من الدولة التبرع لميزانية المجهود الحربي. وقال الموقع إن بوتين التقى كبار رجال الأعمال الروس في اجتماع مغلق، الخميس. ونشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أيضاً تقريراً مشابهاً ‌عزت ‌فيه المعلومات إلى ثلاثة مصادر ​مطلعة.

ونقل ‌ذا ⁠بيل ​عن المصادر ⁠القول إن بوتين ناقش تمويل الجيش واستمرار الحرب. وقال ‌الموقع أيضاً إن الملياردير ​سليمان كريموف تعهد ‌خلال اجتماعه مع بوتين بالتبرع بمائة مليار ‌روبل (1.23 مليار دولار). لكن نفى المتحدث باسم ​الكرملين دميتري بيسكوف، الجمعة، صحة التقارير. وقال بيسكوف إن أحد رجال ⁠الأعمال ⁠المشاركين في الاجتماع اقترح التبرع بأموال للدولة، ورحب بوتين بهذه المبادرة.


مقالات ذات صلة

ترمب يؤكد: روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف الناتو

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع لسؤال أحد الصحافيين في مكتب البيضاوي (أ.ب)

ترمب يؤكد: روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف الناتو

أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا «لن تهاجم» أراضي دول حلف (الناتو)، داحضاً تقارير إعلامية بشأن قلق واشنطن من إقدام موسكو على خطوة من هذا القبيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي بشار الأسد الرئيس السابق الملتجئ إلى موسكو مع شقيقه ماهر«لأسباب إنسانية«

الإعدام لمخبر في النظام السابق… وموسكو: قبلنا الأسد لأسباب إنسانية

ثبوت مسؤوليته عن جرائم ‌‏جسيمة خلال عهد النظام البائد، من بينها الإخفاء القسري، وسلب الحرية، والتدخل ‌‏في القتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والسلب بالعنف.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
شمال افريقيا من البناء الداخلي لـ«محطة الضبعة النووية» بمصر (وزارة الكهرباء المصرية)

توافق مصري - روسي على توسيع المشروع النووي يدحض مزاعم «العيوب الفنية»

توافقت مصر وروسيا على «توسيع المشروع النووي»، ومحادثات مرتقبة بشأن بناء وحدتين إضافيتين في «محطة الضبعة»..

عصام فضل (القاهرة )
المشرق العربي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو يوم 15 أكتوبر 2025 (أرشيفية - وكالة الأنباء الألمانية)

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال محادثة هاتفية مع نظيره السوري، أحمد الشرع، الموقف المبدئي الداعم وحدة الجمهورية وسيادتها وسلامة أراضيها...

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الأوكراني المقال ميخائيلو فيدوروف (رويترز) p-circle

وزير الدفاع المقال: أوكرانيا بحاجة إلى تغييرات لتجنب الهزيمة في الحرب

قال وزير الدفاع الأوكراني المقال ميخائيلو فيدوروف لوكالة «رويترز» إن بلاده تخسر على ‌ما يبدو الحرب ضد روسيا تدريجياً.

«الشرق الأوسط» (كييف)

«إيباك» تنفق الملايين في انتخابات أميركا... ودعم إسرائيل يتحول إلى عبء

شخص يغادر مقر انتخابات مقاطعة ميامي-ديد في فلوريدا (إ.ب.أ)
شخص يغادر مقر انتخابات مقاطعة ميامي-ديد في فلوريدا (إ.ب.أ)
TT

«إيباك» تنفق الملايين في انتخابات أميركا... ودعم إسرائيل يتحول إلى عبء

شخص يغادر مقر انتخابات مقاطعة ميامي-ديد في فلوريدا (إ.ب.أ)
شخص يغادر مقر انتخابات مقاطعة ميامي-ديد في فلوريدا (إ.ب.أ)

يواصل «إيباك»، أبرز لوبي مؤيّد لإسرائيل في الولايات المتحدة، إنفاق أموال طائلة على انتخابات التجديد النصفي الأميركية المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني)، رغم تزايد حدّة الانتقادات لدوره السياسي وتحوّل دعمه، الذي كان يُعدّ سابقاً مكسباً انتخابياً، إلى عبء على بعض المرشحين، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

فقد أنفقت «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية» (إيباك) عشرات ملايين الدولارات عبر ذراعها الانتخابية الرئيسية «مشروع الديمقراطية المتحدة» (UDP)، وهو لجنة عمل سياسي فائقة (Super PAC) يُسمح لها بإنفاق مبالغ غير محدودة للتأثير في الانتخابات شرط أن تعمل بشكل مستقلّ عن المرشحين.

ووفقاً لبيانات منظمة «أوبن سيكريتس» المتخصصة في تمويل الحملات الانتخابية، أنفق المشروع 54 مليون دولار على انتخابات الكونغرس، ما جعله أكبر جهة خارجية إنفاقاً خلال الدورة الانتخابية الحالية.

وبلغ إجمالي إنفاق شبكة المانحين المؤيدين لإسرائيل 71 مليون دولار، لتحتلّ المرتبة الثانية بعد قطاع العملات المشفرة.

وفي حين يعكس هذا الإنفاق الضخم استمرار نفوذ «إيباك» في واشنطن، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على تنامي الاعتراضات على السياسة الأميركية تجاه إسرائيل كما على تأثير جماعات الضغط الثرية في الانتخابات.

وركّزت المنظمة جانباً كبيراً من إنفاقها على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، دعماً لمرشحين مؤيدين لإسرائيل، وسعياً إلى إقصاء منتقدي المساعدات العسكرية الأميركية غير المشروطة للدولة العبرية.

وعلى الرغم من نجاحها في إيصال عدد كبير من المرشحين الفائزين، فإن بعض تدخلاتها شهدت إخفاقات مكلفة.

- أموال كثيرة... ونتائج محدودة

في ولاية ميشيغن، أنفقت «إيباك» وجماعات حليفة لها نحو 30 مليون دولار لإقصاء الطبيب عبد الرحمن السيد المحسوب على الجناح التقدّمي للحزب الديمقراطي من الانتخابات التمهيدية، من دون جدوى.

وتمكّن مرشّحون تقدميون من هزيمة منافسين مدعومين من «إيباك» في انتخابات الكونغرس في كاليفورنيا وإلينوي ونيويورك، حيث تحوّل حجم الإنفاق نفسه إلى مادة للهجوم السياسي.

ويقول إيلاي كليفتون من معهد «كوينسي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن 97 في المائة من المساهمات الكبيرة التي حصل عليها «مشروع الديمقراطية المتحدة» في ميشيغن جاءت من خارج الولاية، بينما أبرز مموّليه من المليارديرات الجمهوريين.

ويضيف: «إنها جماعة مصالح خاصة تعمل خارج الأطر الحزبية التقليدية، وتركّز أساساً على تعزيز مصالح دولة أجنبية».

على أن التحفّظ على دور المنظمة لم يَعُد يقتصر على الديمقراطيين، إذ أفادت وسائل إعلام أميركية بأن مقرّبين من مايك روجرز، مرشح الجمهوريين لمقعد مجلس الشيوخ في ميشيغن، طلبوا من «إيباك» عدم نشر إعلانات تُظهر دعمها له، خشية أن يستفيد خصومه من هذا الارتباط، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة العربية الأميركية.

- تحوّل في المزاج الأميركي

يعكس هذا الحذر تحوّلات أوسع في الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل بعد سنوات من الحرب في غزة واتّساع رقعة الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة «كوينيبياك» في يونيو (حزيران) أن 48 في المائة من الناخبين الأميركيين يعتقدون أن واشنطن تدعم إسرائيل أكثر ممّا يجب، بينهم 66 في المائة من الديمقراطيين، وهي أعلى نسبة تسجّلها الدراسة منذ تسع سنوات.

وتبرز هذه التحوّلات بصورة جليّة داخل الجناح التقدّمي للحزب الديمقراطي، والذي يسلّط بعض مرشّحيه الضوء خصوصاً على العلاقات القوية التي تجمع «إيباك» برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

لكن الانتقادات لا تقتصر على التقدميين الديمقراطيين، بل امتدّت أيضاً إلى تيّار «أميركا أولاً» داخل الحزب الجمهوري، والذي يهاجم أركانه الدعم الذي توفّره واشنطن لإسرائيل، محمّلين جماعات الضغط المؤيدة لها مسؤولية دفع الولايات المتحدة للانخراط بشكل أعمق في صراعات خارجية.

مع ذلك، يواصل النفوذ المالي لـ«إيباك» النمو، إذ تشير بيانات «أوبن سيكريتس» إلى أن المنظمة نفسها ضخّت نحو 30 مليون دولار في «مشروع الديمقراطية المتحدة»، فيما لا يزال الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل يحظى بتأييد واسع داخل الكونغرس.

غير أن الانتخابات التمهيدية أظهرت أن الإنفاق القياسي لا يضمن الفوز دائماً، وأن التأييد الذي كان يُعدّ يوماً ورقة رابحة أصبح في بعض الدوائر عبئاً على المرشحين.

ويقول كيسي كينيدي، الشريك المؤسس لمنصة «تراك إيباك» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لهذا السبب تحديداً، تتجنّب المنظمة الحديث عن السياسة الخارجية الأميركية أو إسرائيل في إعلاناتها الانتخابية».

ويضيف: «إيباك تدرك أن صورتها أصبحت سلبية، وكلما زاد إنفاقها زاد النفور لدى الناخبين من مختلف التوجهات السياسية».


«حصالة النقود تحطمت»... حرب إيران تدفع البحرية الأميركية لأزمة مالية حادة

حاملة الطائرات الأميركية «CVN-72» (موقع البحرية الأميركية)
حاملة الطائرات الأميركية «CVN-72» (موقع البحرية الأميركية)
TT

«حصالة النقود تحطمت»... حرب إيران تدفع البحرية الأميركية لأزمة مالية حادة

حاملة الطائرات الأميركية «CVN-72» (موقع البحرية الأميركية)
حاملة الطائرات الأميركية «CVN-72» (موقع البحرية الأميركية)

أدت حرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران إلى دفع الجيش الأميركي، لا سيما البحرية، إلى أزمة مالية حادة، إذ اضطرت البحرية إلى تحويل أموال من مخصصات رواتب أفرادها ومصادر أخرى لتغطية تكاليف الحرب، وفق وثائق حصلت عليها صحيفة «الغارديان» ومقابلات أجرتها مع مسؤولين في البحرية ومتعاقدين ومحللين دفاعيين.

وتلقي العملية الأميركية - الإسرائيلية، التي استنزفت مخزونات الذخائر الأميركية، بظلالها الثقيلة على موازنات مختلف قطاعات الجيش الأميركي. وحذرت مذكرة للبنتاغون بشأن تمويل البحرية، حسب «الغارديان»، من وجود «عجز في حسابات الرواتب»، نتيجة قيام الوزارة بـ«الاستيلاء» على أموال مخصصة لها لتمويل العمليات القتالية.

وقال هارلان أولمان، الضابط المتقاعد في البحرية الأميركية، إن الحسابات المالية آخذة في النفاد، مضيفاً: «حصالة النقود تحطمت». وأولمان عضو في اللجنة الوطنية المعنية بمستقبل البحرية، لكنه أوضح أنه لا يتحدث باسم اللجنة.

وقال مسؤول ومتعاقد مع البحرية إن أعمال الصيانة غير الطارئة للمنشآت الموجودة على البر أُرجئت بسبب أزمة السيولة.

حاملة الطائرات الأميركية «CVN-72» (موقع البحرية الأميركية)

الحرب تستنزف موازنات البحرية الأميركية

عندما بدأت إدارة ترمب الحرب في 28 فبراير (شباط)، فرضت سريعاً ضغوطاً على الموازنات القائمة للجيش الأميركي، لا سيما موازنة البحرية التي لم تشارك في إطلاق الموجة الأولى من الهجمات فحسب، بل تولت لاحقاً مسؤولية تنفيذ حصار بحري واسع النطاق، وفق «الغارديان».

وطلب البيت الأبيض في نهاية المطاف من الكونغرس تمويلاً طارئاً لتغطية تكاليف الحرب، لكن فرص إقرار الطلب تبدو ضعيفة في ظل عدم شعبية الحرب.

وقال مسؤول في البحرية، أُطلع على الطريقة التي تخطط بها القوات البحرية لمعالجة العجز المالي، للصحيفة، إن الأموال يجري نقلها بين البنود «بطرق مبتكرة».

وأوضح أنه «تمت سرقة أموال الرواتب لدفع تكاليف الطوارئ في الخارج، ويجري تعويضها بأموال لم تُنفق. إنهم يعوضون أموال الرواتب حتى نحصل على ما يكفي من المال في رواتبنا».

وتبلغ موازنة البحرية الأميركية لعام 2026 نحو 300 مليار دولار، وهي مقسمة إلى مخصصات مختلفة يقرها الكونغرس لتلبية احتياجات تشمل الموظفين، وبناء السفن، وشراء أنظمة أسلحة محددة، و«العمليات والصيانة» التي تغطي إدارة الأسطول وقواعده على أساس يومي.

ويفرض القانون قيوداً على إمكانية إعادة توزيع الأموال بين هذه البنود المختلفة.

تحذيرات داخل الكونغرس من أزمة مالية

ووفق «الغارديان»، ظهرت القضية من حين إلى آخر خلال بعض جلسات الاستماع في الكونغرس.

وقالت السناتورة سوزان كولينز خلال جلسة للجنة المخصصات في مجلس الشيوخ في 21 يوليو (تموز): «أُبلغت بأن بعض أفرع الجيش تواجه تحديات تتعلق بالقدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية على المدى القريب».

وقال أحد العاملين في اللجنة إن البحرية كانت من بين القوات التي كانت كولينز تشير إليها.

لكن متحدث باسم البحرية نفى استنزاف أموال الصيانة والعمليات.

وقال في بيان إن «وزارة البحرية تدير مواردها بنشاط للوفاء بالتزامات الرواتب الحالية في مواعيدها»، مضيفاً أنها «تواصل العمل بشكل وثيق مع الكونغرس لمعالجة المتطلبات التشغيلية المستمرة والحفاظ على أفرادها وجاهزيتها طوال السنة المالية».

النقص المالي ليس سراً

وفي داخل البحرية، لا تمثل أزمة السيولة سراً، وقال تود هاريسون، محلل شؤون الدفاع في «معهد أميركان إنتربرايز» المحافظ: «إنهم ببساطة لا يتحدثون عنها علناً».

وأضاف للصحيفة: «أشتبه في أن هذا قرار متعمد من القيادات المدنية في البنتاغون، بدءاً من الوزير، لأسباب سياسية. إنهم لا يريدون أن يبدوا وكأنهم يضرون بالجاهزية العسكرية المستقبلية بسبب حرب تتحول بصورة متزايدة إلى عبء سياسي».

البحرية كانت تتوقع الأزمة منذ مايو

كان الجيش الأميركي يدرك أن الأزمة قادمة. وفي منتصف مايو (أيار)، حذر الأميرال داريل كاودل، رئيس العمليات البحرية، الكونغرس، من أن الضائقة المالية ستظهر في يوليو.

وقال كاودل: «موازنة السنة المالية 2026 لم تتضمن عملية (إبيك فيوري)».

وأضاف: «أخشى أن أضطر إلى البدء في اتخاذ قرارات في فترة يوليو بشأن كيفية تشكيل القوات. وقد يؤدي ذلك إلى اختلافات في الطريقة التي أجري بها التدريبات والعمليات الروتينية، للتأكد من أن لدي الأموال اللازمة لمواصلة الجهود الحربية لعملية (إبيك فيوري)».

وكان وزير الدفاع بيت هيغسيث قد ضغط على الكونغرس للحصول على تمويل طارئ، وقال في يوليو: «نواجه عجزاً حرجاً» من دون هذا التمويل.

لكن الصحيفة اعتبرت أن التحدي الرئيسي في الوقت الراهن يتمثل في تمويل حرب لا تبدو لها نهاية واضحة.

وقال ضابط عسكري سابق يعمل حالياً لدى شركة متعاقدة مع البحرية، وقد أُطلع على أوجه العجز المالي: «لقد انتهوا. أطلقوا كل أسلحتهم، وحطموا كل سفنهم، ونفدت أموالهم».


محكمة أميركية تعرقل مجدداً أمر ترمب التنفيذي بشأن الاقتراع عبر البريد

أرشيفية لموظفة تنظر إلى بطاقة اقتراع عبر البريد خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية في مكتب انتخابات مقاطعة كلارك في فانكوفر بواشنطن (أ.ب)
أرشيفية لموظفة تنظر إلى بطاقة اقتراع عبر البريد خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية في مكتب انتخابات مقاطعة كلارك في فانكوفر بواشنطن (أ.ب)
TT

محكمة أميركية تعرقل مجدداً أمر ترمب التنفيذي بشأن الاقتراع عبر البريد

أرشيفية لموظفة تنظر إلى بطاقة اقتراع عبر البريد خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية في مكتب انتخابات مقاطعة كلارك في فانكوفر بواشنطن (أ.ب)
أرشيفية لموظفة تنظر إلى بطاقة اقتراع عبر البريد خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية في مكتب انتخابات مقاطعة كلارك في فانكوفر بواشنطن (أ.ب)

أصدرت محكمة أميركية، اليوم، حكماً يعرقل مجددا الأمر التنفيذي للرئيس الأميركي دونالد ترمب، بشأن الاقتراع عبر البريد في حكم من المرجح استئنافه على وجه السرعة.

وعطلت هذه الخطوة الأمر التنفيذي للمرة الثانية قبل نحو أسبوع واحد فقط من الموعد المقرر لإرسال أولى بطاقات الاقتراع عبر البريد لانتخابات التجديد النصفي التي تقترب بسرعة.

وفرضت القاضية في المحكمة الجزئية الأميركية إنديرا تالواني حظرا لمدة 14 يوما على تنفيذ الحكومة للأمر في قضية قد تعود مجددا إلى المحكمة العليا، والتي كانت قد ألغت يوم الاثنين حكما سابقا لها كان يمنع دخول أمر ترمب حيز التنفيذ.

وكتبت تالواني في حكمها: «الولايات المدعية لا تملك الوقت ولا الأموال لتصميم بطاقات اقتراع بريدية جديدة، وطلب الموافقة على التصاميم الجديدة، وأمر إنتاج بطاقات الاقتراع البريدية، وتحديث أنظمة إدارة الانتخابات الخاصة بها، وتدريب مسؤولي الانتخابات على استخدام بوابة خدمة البريد الأمريكية وتحميل بيانات المواطنين إلى البوابة، كل ذلك قبل انتخابات التجديد النصفي».