ترمب يتحدث عن «هدية» إيرانية... وطهران تنفي أي مسار تفاوض

تحرك دبلوماسي متعدد الأطراف بلا اختراق واضح حتى الآن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
TT

ترمب يتحدث عن «هدية» إيرانية... وطهران تنفي أي مسار تفاوض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي اليوم (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن إيران قدّمت «تنازلاً كبيراً» للولايات المتحدة في مجال الطاقة، واصفاً ذلك بأنه تطور إيجابي، من دون تقديم تفاصيل، في وقت فتحت فيه إشارات متضاربة من واشنطن وطهران مساراً دبلوماسياً هشاً لإنهاء الحرب، من دون أن تبدد الشكوك بشأن تحوله إلى مفاوضات فعلية.

ونفت طهران إجراء أي مفاوضات مباشرة، مؤكدة أن الرسائل التي تلقتها عبر وسطاء لا تعني دخولها في مسار تفاوضي.

وأشار ترمب إلى أن هذه «الهدية» قد تكون مرتبطة بمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لنقل النفط الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إبقائه مفتوحاً.

وقال ترمب للصحافيين في المكتب البيضاوي: «لقد قدّموا لنا هدية، وقد وصلت اليوم، وكانت هدية كبيرة جداً، تساوي مبلغاً هائلاً من المال».

وأضاف: «لم تكن مسألة نووية، بل كانت مرتبطة بالنفط والغاز، وكان ما قاموا به أمراً إيجابياً للغاية».

وأكد ترمب مجدداً أنه يشعر بأن الولايات المتحدة «فازت بالفعل بالحرب»، مشيراً إلى أن وزير الدفاع بيت هيغسيث كان يشعر بخيبة أمل إزاء سرعة سير الحملة. وقال: «لم يكن بيت يريد أن تُحسم بهذه السرعة»، من دون أن يقدّم تفاصيل إضافية.

وأضاف ترمب أن الولايات المتحدة تتحدث إلى «الأشخاص المناسبين» في إيران من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الأعمال العدائية، مشيراً إلى أن الإيرانيين «يرغبون بشدة» في التوصل إلى اتفاق. وقال: «نحن في مفاوضات الآن» بشأن إيران، لكنه لم يكشف عن تفاصيل، خصوصاً حول ما إذا كان المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يخططان لإجراء محادثات هذا الأسبوع. وأشار إلى أن ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو يشاركون في هذه المفاوضات.

وساطات متعددة

وتحركت على هذا الخط دول متعددة في المنطقة أبرزها باكستان، وسط عروض لاستضافة لقاءات مباشرة أو نقل رسائل، فيما قالت مصادر إيرانية وإسرائيلية وأوروبية إن الفجوة لا تزال واسعة، وإن احتمالات التوصل إلى اتفاق سريع تبقى محدودة رغم النشاط الدبلوماسي المكثف.

وبرزت باكستان باعتبارها أبرز المرشحين لاستضافة أي لقاء مباشر. وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الثلاثاء، إن بلاده مستعدة لاستضافة محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد تأجيل ترمب ضربات الطاقة. وأضاف في منشور على منصة «إكس» أن باكستان ترحب بالجهود الجارية لمواصلة الحوار بشأن إنهاء الحرب، وأنها مستعدة، إذا وافق الطرفان، لتيسير «حوار هادف وحاسم» من أجل تسوية شاملة.

ونقلت «رويترز» عن مسؤول باكستاني أن محادثات مباشرة ربما تعقد في إسلام آباد خلال أيام. كما أفاد مسؤول باكستاني آخر بأن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إلى جانب ويتكوف وكوشنر، قد يلتقي مسؤولين إيرانيين في العاصمة الباكستانية هذا الأسبوع، وذلك بعد اتصال بين ترمب وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير.

لكن وزارة الخارجية الباكستانية التزمت الحذر، وقالت إنها «لا تزال ملتزمة بحل الصراع عبر الدبلوماسية»، داعية وسائل الإعلام إلى الامتناع عن التكهنات وانتظار الإعلانات الرسمية.

وقال ترمب، الاثنين، إن محادثات «جيدة وبناءة للغاية» جرت للتوصل إلى «حل نهائي وشامل للأعمال القتالية في الشرق الأوسط»، وإنه قرر تأجيل خطته لقصف محطات الطاقة الإيرانية خمسة أيام لإعطاء هذه الاتصالات فرصة.

لكن إيران نفت هذا الوصف. وقال رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف إنه «لم تجر أي مفاوضات مع الولايات المتحدة»، معتبراً الحديث عن ذلك «أخباراً زائفة» تُستخدم للتلاعب بأسواق المال والنفط، ولخروج واشنطن وتل أبيب من «المستنقع» الذي تواجهانه. كما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن رسائل أميركية نُقلت عبر دول «صديقة»، لكن طهران لم تجرِ محادثات خلال الأيام الماضية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر رفيعة في طهران أن إيران شددت موقفها من التفاوض منذ بدء الحرب مع تزايد نفوذ «الحرس الثوري» في عملية صنع القرار، وأنها ستطلب تنازلات كبيرة إذا تطورت الوساطات إلى مفاوضات جادة.

وبحسب المصادر التي نقلت عنها «رويترز»، فإن إيران لن تطالب فقط بوقف الحرب، بل أيضاً بضمانات بعدم شن أي هجمات مستقبلية، وتعويضات عن الخسائر الناجمة عن الحرب، وترتيبات تتصل بالسيطرة الرسمية على مضيق هرمز.

وأضافت المصادر أن طهران سترفض التفاوض على أي قيود على برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي تعتبره خطاً أحمر.

وقالت المصادر نفسها إن أي قرار نهائي سيصب في النهاية عند «الحرس الثوري»؛ في دلالة على حجم نفوذه في هذه المرحلة. كما أشارت إلى أن إيران أجرت محادثات أولية فقط مع باكستان وتركيا ومصر لبحث ما إذا كانت هناك أسس لمحادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

وفي السياق نفسه، نقلت «طهران تايمز» عن مصدر مطلع أن الإشارات الدبلوماسية الأميركية تُعد «خطة خداع»، وأن طهران لا تثق بهذه الرسائل، معتبرة أن الانتشار العسكري المعادي لم يتغير، وأن هناك مؤشرات إلى أعمال إيذائية أو برية جديدة.

وربما لا يثق الخبراء الاستراتيجيون الإيرانيون أيضاً في الاتفاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل بعد تعرض البلاد للهجوم عقب اتفاق سابق العام الماضي وبعدما شاهدوا إسرائيل أيضاً تواصل قصف لبنان وغزة بعد وقف إطلاق النار.

وذكرت المصادر الإيرانية أن المخاوف داخل إيران تحد أيضاً من مساحة المناورة المتاحة لها في المفاوضات.

وتتضمن هذه المخاوف زيادة نفوذ «الحرس الثوري»، وحالة الغموض بشأن رأس النظام لأن المرشد الجديد مجتبى خامنئي لم يظهر في أي صور أو مقاطع مصورة منذ تعيينه، والرواية العامة عن الصمود في الحرب.

قاليباف وعراقجي

تقاطعت تقارير عدة حول هوية الممثل الإيراني المحتمل في أي محادثات. فقد نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني أن واشنطن طلبت لقاء رئيس البرلمان محمد باقر قالیباف، من دون تحديد مكان، وأن المجلس الأعلى للأمن القومي لم يحسم الأمر بعد، ولم ترد طهران حتى الآن.

كما قالت ثلاثة مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن طهران سترسل قالیباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إذا تم ترتيب المحادثات. وفي المقابل، ذكرت تقارير أخرى أن المسؤولين في طهران يخشون أن تتحول أي مفاوضات مباشرة إلى «فخ»، بما في ذلك احتمال استهداف قالیباف نفسه، وهو ما أوردته «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين إيرانيين وعرب.

وقالت الصحيفة إن طهران تخشى أن يكون إعلان ترمب تأجيل ضرب البنية التحتية للطاقة مجرد محاولة لخفض أسعار النفط قبل استئناف الضربات.

وساطات متعددة

قال مسؤول أوروبي لوكالة «رويترز»، إن مصر وباكستان ودولاً خليجية تنقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة رغم عدم وجود مفاوضات مباشرة. وأضاف أن مصر وباكستان ودولاً خليجية تتحرك على خط الرسائل، بينما يجري بحث ترتيبات أوسع لخفض التصعيد.

وفي القاهرة، قالت وزارة الخارجية المصرية إن الوزير بدر عبد العاطي ناقش «المفاوضات المحتملة» بين الولايات المتحدة وإيران في اتصال هاتفي مع ويتكوف، في إطار جهود لإحياء «المسار الدبلوماسي» باعتباره السبيل الوحيد لتجنب فوضى شاملة في المنطقة. وأضافت الوزارة أن عبد العاطي أجرى أيضاً اتصالات مع وزراء خارجية تركيا وباكستان وعُمان والسعودية والإمارات وفرنسا وقبرص.

وفي مسقط، قالت الخارجية العمانية إن الوزير بدر البوسعيدي أجرى سلسلة اتصالات مع 18 من كبار الدبلوماسيين من أنحاء العالم، من بينهم وزراء خارجية إيران والسعودية ومصر والعراق وفرنسا، في إطار دعم الجهود الرامية إلى احتواء الحرب والعودة إلى الدبلوماسية.

أما قطر، فأكدت دعمها «لكل الجهود الدبلوماسية» لإنهاء الحرب، لكن المتحدث باسم الخارجية ماجد الأنصاري قال إنه «لا يوجد حالياً أي جهد قطري مباشر» يتعلق بوساطة بين الطرفين، مضيفاً أن تركيز الدوحة ينصب على الدفاع عن أراضيها والتعامل مع الخسائر الناجمة عن الهجمات.

تشكيك إسرائيلي وحذر أوروبي

قال ثلاثة مسؤولين إسرائيليين كبار، بحسب «رويترز»، إن ترمب يبدو مصمماً على التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكنهم استبعدوا أن توافق طهران على المطالب الأميركية، التي يرجح أن تشمل قيوداً على البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية.

وأضافت المصادر الإسرائيلية أن إسرائيل لم تكن طرفاً في المحادثات الأميركية - الإيرانية، وأن احتمالات نجاحها ضئيلة في ظل تمسك إيران بأوراقها الرئيسية، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية والقدرة على إغلاق مضيق هرمز.

ويشكل مضيق هرمز إحدى العقد الرئيسية في أي مسار تفاوضي. فإيران تعتبر أن السيطرة على العبور مسألة سيادية وأمنية، بينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن إعادة فتح المضيق شرط أساسي لخفض التصعيد واستقرار الطاقة العالمية.

في هذا الصدد، ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» نقلاً عن رسالة أن ‌إيران ‌أبلغت الدول ‌الأعضاء ⁠في المنظمة البحرية ⁠الدولية بأنه سيُسمح «للسفن غير المعادية» ⁠بعبور ‌مضيق ‌هرمز إذا قامت بالتنسيق ‌مع ‌السلطات الإيرانية.

وقالت مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن السيطرة الرسمية على المضيق ستكون جزءاً من أي تفاهم، في حين قال عراقجي إن حرية الملاحة لا يمكن فصلها عن حرية التجارة، وإن تجاهل أحدهما يعني عدم توقع الآخر. كما قالت طهران إن أي سفينة لا ترتبط بالولايات المتحدة أو إسرائيل يمكنها العبور بأمان بالتنسيق مع السلطات الإيرانية.

وفي البعد الاقتصادي، تطلب طهران أيضاً تخفيفاً محدداً للعقوبات. لكن المصادر أشارت إلى أن الولايات المتحدة كانت قبل الحرب تربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ إيران التزاماتها النووية وغيرها.

حتى الآن، لا تبدو هذه الاتصالات قد تجاوزت مرحلة جس النبض ونقل الرسائل. فبين إعلان ترمب وجود محادثات «مثمرة»، ونفي طهران أي تفاوض مباشر، وشروطها المشددة، وتحفظ إسرائيل على فرص النجاح، تبدو الدبلوماسية تتحرك تحت سقف الميدان لا فوقه.


مقالات ذات صلة

«يوم إنزال اقتصادي» على إيران يصطدم بتاريخ العقوبات

تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

«يوم إنزال اقتصادي» على إيران يصطدم بتاريخ العقوبات

بإعلانه «يوم إنزال اقتصادي» جديداً ضد إيران، الاثنين، يلجأ الرئيس دونالد ترمب إلى استراتيجية أخرى في محاولة لتلمس طريقه للخروج من مغامرة عسكرية.

ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
الاقتصاد منظر جوي لقاعدة شيبوشي الوطنية لتخزين النفط باليابان (رويترز)

اليابان لا تخطط لسحب كميات إضافية من احتياطات النفط في سبتمبر وأكتوبر المقبلين

صرح وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني بأن اليابان لا تخطط لسحب أي كميات إضافية من النفط الخام من احتياطاتها الوطنية في سبتمبر أو أكتوبر المقبلين

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

عراقجي والبوسعيدي يبدآن محادثات «هرمز» في طهران

بدأ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني بدر البوسعيدي، الثلاثاء، محادثات في طهران بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لاستكمال تفاهمات.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
الاقتصاد حفارات نفط تعمل داخل حقل بجمهورية تترستان في روسيا (رويترز)

النفط يواصل خسائره ويهبط بأكثر من 3 %

ازدادت خسائر أسعار النفط بأكثر من 3 في المائة، إلى أدنى مستوى في أسبوع، خلال جلسة الثلاثاء، بعد أنباء عن إعادة دبلوماسيين أميركيين إلى ⁠سفارات بالشرق الأوسط...

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)

خاص الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

حذّر رئيس الوزراء اليمني د. شائع الزنداني من أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، مؤكداً أن الدولة ستواصل بناء قدراتها لحماية شعبها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

ترمب يصعد الضغط... وطهران تتوعد بـ«هجوم»

صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

ترمب يصعد الضغط... وطهران تتوعد بـ«هجوم»

صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
صحيفة «همشهري» الإيرانية معروضة في كشك بوسط طهران تحت عنوان «العقيدة الاقتصادية الإيرانية أصبحت عسكرية» وصورة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن السلطات الإيرانية لا تدفع رواتب قطاعات واسعة من قواتها العسكرية، واتهمها بقتل محتجين وأشخاص «حتى عندما لا يكونون في احتجاجات»، وذلك بالتزامن مع تشديد واشنطن العقوبات الاقتصادية على طهران.

وجاء موقف ترمب غداة إعلان وزير الخزانة سكوت بيسنت توسيع العقوبات الأميركية على إيران في حملة تستهدف عزل اقتصادها وقطع القنوات المالية والتجارية التي تتيح استمرار تعاملها مع الأسواق الخارجية.

وتوعدت طهران بالرد على الإجراءات الهادفة إلى عزل اقتصادها، وعبرت عن ثقتها في أن شركاءها التجاريين الرئيسيين سيقاومون حملة الضغط الأميركية.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال» أن «الجمهورية الإيرانية المتداعية لا تدفع رواتب قطاعات واسعة من قواتها العسكرية، وفي الوقت نفسه تقتل المحتجين، حتى عندما لا يكونون في احتجاجات، بمستويات لم نشهدها من قبل». وأضاف: «إنها أزمة إنسانية ذات أبعاد هائلة، ويجب وقفها الآن».

وشهدت إيران زيادة في تنفيذ أحكام الإعدام منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، بعد أسابيع من احتجاجات واسعة ضد السلطات.

وبدأت الاحتجاجات أواخر ديسمبر 2025 على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، ثم اتسع نطاقها وبلغت ذروتها في 8 و9 يناير. وأعلنت السلطات الإيرانية مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، ونسبت العنف إلى «أعمال إرهابية» دبرتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وسجلت منظمات حقوقية خارج إيران حصيلة أعلى، وقالت إن قوات الأمن أطلقت النار على المحتجين. وفي وقت سابق من أغسطس، أدانت أكثر من 30 دولة في رسالة مشتركة «عمليات الإعدام المستمرة للمتظاهرين واستخدام عقوبة الإعدام» في إيران. وأُعدم منذ نشرها ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص في إيران بتهم مرتبطة بالمشاركة في الاحتجاجات.

عقوبات موسعة

وأعلنت وزارة الخزانة عقوبات جديدة على نحو 60 شخصاً وكياناً وسفينة، ووسعت نطاق العقوبات الثانوية المحتملة إلى خمسة قطاعات هي الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.

لكن الإجراءات لم تشمل مؤسسات مالية صينية تشتبه واشنطن في أنها تسهل تجارة النفط الإيرانية، ولم يحدد بيسنت الدول التي ستستهدفها العقوبات الجديدة أو موعد بدء تطبيقها عليها.

وقال بيسنت إن الدول والشركات التي تواصل التجارة مع إيران ستُمنح مهلة للامتثال للتوجيهات الأميركية، محذراً من أن الجهات التي تستمر في التعامل مع طهران قد تُستبعد من النظام المالي القائم على الدولار.

وسُئل عن سبب عدم الانتقال مباشرة إلى إجراءات أشد، فأجاب: «لماذا قد أرغب في تدمير النظام المالي العالمي؟»، مضيفاً أن واشنطن تمنح الدول والشركات وقتاً لإنهاء العلاقات التي حددتها وزارة الخزانة.

ورداً على سؤال عن البنوك الصينية، قال بيسنت: «نريد أن نوضح هنا اليوم أنه لا أحد بمنأى عن العقوبات الأميركية».

وظلت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني خلال السنوات الماضية، لكن الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، الذي أعيد فرضه في منتصف يوليو، خفض بالفعل تدفقات الخام الإيراني إلى الصين.

وقالت بكين، الثلاثاء، إن تعاونها مع إيران يجري في إطار القانون الدولي، ولا ينبغي التدخل فيه أو عرقلته، وإنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها.

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)

وأضافت وزارة الخارجية الصينية أن العقوبات ووسائل الضغط «لا تساعد في حل القضايا»، مؤكدة أن بكين ستتخذ ما يلزم لحماية مصالحها.

وكانت الصين قد استحوذت على الحصة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية خلال السنوات الماضية، ما يجعل تطبيق العقوبات الثانوية على المؤسسات التي تسهل هذه التجارة أحد أبرز الاختبارات أمام الحملة الأميركية الجديدة.

ويأتي ذلك قبل محادثات متوقعة الشهر المقبل بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ، وسط خلافات بين البلدين تشمل التجارة وصادرات المعادن الحرجة.

الخيار العسكري قائم

وبالتزامن مع تشديد الضغط الاقتصادي، أبقت إدارة ترمب خيار استئناف الضربات العسكرية ضد إيران مطروحاً. وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن واشنطن لا تستبعد العودة إلى استخدام القوة إذا اقتضت التطورات ذلك، رغم التراجع الحالي في وتيرة الأعمال القتالية.

وقال هيغسيث للصحافيين، الاثنين: «لا نستبعد بأي حال استخدام ضربات حركية، في أي مكان، في مضيق هرمز أو حول إيران».

وأضاف أنه إذا «بالغت إيران في تقدير أوراقها أو تعرضت للجيش الأميركي»، فإن الولايات المتحدة «ستفعل ما يتعين عليها فعله»، لكنه أشار إلى أن الإدارة ترى أن «الضغط الاقتصادي هو أكثر ما يؤلمهم في الوقت الراهن».

طهران تتوعد بالرد

وردت إيران على الإجراءات الأميركية بالتلويح بتحرك مضاد. وقال وزير الاقتصاد علي مدني زاده إن بلاده «على أتم الاستعداد للعقوبات الأميركية»، وإن لديها وسائلها الخاصة لمواجهتها، حسبما أوردت «رويترز» عن الإعلام الحكومي الإيراني.

وأضاف للتلفزيون الحكومي: «يريد الأعداء شن هجوم إرهابي اقتصادي علينا، لكننا أيضاً نمتلك وسائلنا الخاصة ونعرف كيف نلعب هذه اللعبة». وتابع: «يجب ألا يظنوا أن نهجنا دفاعي وأننا سنكتفي بالدفاع فقط، بل عليهم أن يتوقعوا هجوماً منا».

وقال مدني زاده إن الصين وروسيا لم «تقبلا» الإجراءات الأميركية، وتوقع أن تعارضها دول أخرى. وفي تصريح آخر، قال إن الحكومة لديها «خطة مدتها سنتان» للتعامل مع العقوبات.

ونقلت قناة «برس تي في» عن حسين محبي، المتحدث باسم «الحرس الثوري»، تعهده بتوجيه ضربات قوية للمصالح الحيوية للولايات المتحدة وممرات الطاقة إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للتهديد.

وبالتزامن، قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة نفط أصيبت، الثلاثاء، بمقذوف لم تتحدد طبيعته وتعطلت على بعد نحو تسعة أميال بحرية شمال شرقي مدينة شيصة العُمانية، عند مدخل مضيق هرمز.

ولم تعلن الهيئة الجهة المسؤولة عن الحادث. وكانت إيران قد هددت، قبل إعلان العقوبات، بالرد على أي ضغط اقتصادي أميركي وبإجراءات من شأنها زيادة تراجع صادرات النفط من الخليج العربي.

وتراجعت أسعار النفط لليوم الثاني على التوالي، مع محدودية رد فعل المتعاملين على العقوبات الجديدة، رغم استمرار القلق بشأن قدرة إيران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

وأظهرت بيانات أولية من شركة «فورتكسا» لتتبع السفن أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت خمسة ملايين برميل يومياً، الاثنين، مقارنة بأكثر من 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب.

رسالة أميركية عبر باكستان

ومع تشديد الضغوط الاقتصادية على طهران، ظهرت مؤشرات إلى استمرار الاتصالات السياسية عبر الوسطاء. وقال النائب عباس غلرو، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني، إن قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير نقل رسالة من الولايات المتحدة إلى إيران خلال زيارته طهران، الاثنين.

ونقلت وكالة «إيسنا» عن غلرو قوله إن «الهدف الرئيسي، على ما يبدو، هو إحياء العملية السياسية المتوقفة». ولم يصدر تعليق من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأميركية على مضمون الرسالة.

من جهته, قال الجيش الباكستاني، الثلاثاء، إن إسلام آباد أحرزت «تقدماً كبيراً» في أحدث محادثاتها مع طهران، وإن الاجتماعات ركزت على منع مزيد من التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز.

وكان منير قد زار طهران برفقة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، والتقى الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.

وكتب نقوي على منصة «إكس» أن بزشكيان «شارك بصراحة وجهة نظر حكومته»، وأن الجانبين أجريا «مباحثات بناءة للغاية حول القضايا ذات الصلة».

بزشكيان يستقبل عاصم منير في طهران (الرئاسة الإيرانية)

وقال مهدي طباطبائي، المسؤول في مكتب الرئيس الإيراني، إن زيارة منير «أثمرت إنجازات دبلوماسية قيمة للغاية، ستتضح نتائجها قريباً»، من دون تقديم تفاصيل.

وكانت إيران والولايات المتحدة قد توصلتا في يونيو إلى اتفاق مؤقت عُرف باسم «مذكرة إسلام آباد»، لكنه تعثر بعد ذلك، واستؤنفت الهجمات الإيرانية التي أوقفت معظم صادرات الطاقة من الخليج العربي.

وأفادت «نيويورك تايمز»، نقلاً عن وثيقة داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، بأن واشنطن قد تبدأ إعادة دبلوماسيين إلى سفارات في الشرق الأوسط بعد إجلائهم قبل الحرب وخلالها. ولم يتضح ما إذا كانت الخطوة مرتبطة بجهود الوساطة.

حرب بلا تسوية

وعلى الرغم من عدم تنفيذ الطرفين هجمات كبيرة منذ أسابيع، لا توجد حتى الآن تسوية دبلوماسية تنهي الحرب التي بدأت في 28 فبراير بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران.

وأمضت إيران عقوداً تحت وطأة عقوبات أميركية ودولية أضعفت اقتصادها، لكنها واصلت تصدير النفط عبر شبكات مالية وتجارية خارجية، قبل أن يؤدي الحصار البحري الأميركي إلى تقليص صادراتها بصورة حادة.

وأظهر استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» وانتهى الاثنين أن تأييد الأميركيين للحرب هبط إلى أدنى مستوى له منذ الأيام الأولى للصراع، وأن شعبية ترمب بلغت أدنى مستوى لها قبل انتخابات الكونغرس في نوفمبر.

وقُتل آلاف الأشخاص منذ بدء الحرب، معظمهم في إيران ولبنان، وتراجعت القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية بشدة، فيما يواجه اقتصاد البلاد ضغوطاً متزايدة، وقُتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضربات الافتتاحية للحرب.

ومع ذلك، لا تزال إيران تملك صواريخ وطائرات مسيّرة قادرة على استهداف دول مجاورة في الخليج العربي وتهديد ناقلات النفط في مضيق هرمز.

ولا يزال الوضع الدقيق للبرنامج النووي الإيراني غير معروف، بعدما استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل منشآت مرتبطة به خلال الحرب، في حين لم تُحسم بعد المفاوضات المتعلقة بمصير المواد النووية أو شروط إنهاء القتال.


«يوم إنزال اقتصادي» على إيران يصطدم بتاريخ العقوبات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

«يوم إنزال اقتصادي» على إيران يصطدم بتاريخ العقوبات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصل لإلقاء كلمة خلال فعالية للعودة إلى المدارس في حديقة الورود بالبيت الأبيض في واشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

بإعلانهما «يوم إنزال اقتصادي» جديداً ضد إيران، الاثنين، يلجأ الرئيس دونالد ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت إلى استراتيجية أخرى في محاولة لتلمس طريقهما للخروج من مغامرة عسكرية سارت على نحو سيئ. وفي أثناء ذلك، يقلبان النهج المعتاد لإكراه الخصوم على الانصياع للإرادة الأميركية.

عادة، تتعامل واشنطن مع مشكلة مثل تفكيك البرنامج النووي الإيراني عبر دبلوماسية مباشرة. وإذا لم تؤدِّ إلى نتيجة، يمزج المسؤولون معها عقوبات اقتصادية متصاعدة، مضيفين عنصراً من الإكراه. أما العمل العسكري فهو الملاذ الأخير، ولا يُلجأ إليه إلا إذا قرر الرئيس أن المخاطرة بأرواح الأميركيين تستحق الفائدة المحتملة.

لكن ترمب قفز من جولة قصيرة من الدبلوماسية مباشرة إلى شن غارات جوية، كان الهدف منها إجبار البلاد على التخلي عن مخزونها البالغ 11 طناً من اليورانيوم المخصب - بما في ذلك كمية كانت قريبة من أن تصبح جاهزة لصنع قنبلة - وربما إسقاط الحكومة.

وفشلت الهجمات في تحقيق كلا الهدفين، بكلفة بلغت 18 قتيلاً أميركياً، ومئات أو آلاف القتلى الإيرانيين، وفاتورة قدرها محللون مستقلون بأكثر من 100 مليار دولار، رغم أن تقديرات البنتاغون أقل.

والآن فقط يحاول ترمب وبيسنت تجربة كبرى أخرى، أُطلق عليها اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، ووصفها البيت الأبيض بأنها «حملة غير مسبوقة لقطع كل شريان حياة اقتصادي متبقٍ يدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

والخطة ليست غير معقولة. فكما شرحها بيسنت، تقوم على خنق كل معاملة توصل الأموال إلى طهران، حتى آخر معاملة، سواء كانت معاملات رقمية مموهة جيداً، أو عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، أو تحريك الذهب حول العالم.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يشير إلى الصحافيين خلال مؤتمر صحافي لإعلان عقوبات إضافية على إيران في مقر الوزارة بواشنطن... الاثنين 24 أغسطس 2026 (رويترز)

وقال بيسنت، الذي أصبح الوجه العلني لجهود الخنق الاقتصادي، خلال مؤتمر صحافي في وزارة الخزانة، الاثنين: «هذه عملية مستمرة للقضاء على كل خيار متبقٍّ لإيران».

لكن هذه الجهود تثير سلسلة من الأسئلة التي لم يجب عنها البيت الأبيض.

وفي مقدمتها: إذا كان من الممكن فرض عقوبات بهذا القدر من الإحكام، فلماذا لم تُستخدم قبل أن يأمر ترمب الجيش الأميركي بدخول المعركة، بما كشف نقصاً في ذخائر أساسية وحدود القوة العسكرية الأميركية؟

والآن، بعدما «مهّد» الجيش، بحسب تعبير بيسنت، الطريق للنجاح، ماذا عن الصين، التي اشترت أكثر من 80 في المائة من صادرات إيران النفطية في عام 2025؟

وهل الإدارة مستعدة للمخاطرة بمواجهة مباشرة أخرى مع بكين، التي تختلف معها بالفعل بشأن الذكاء الاصطناعي وتايوان والتوسع النووي السريع وفائض إنتاجي هائل يهدد الاقتصاد العالمي؟

لم يكن «يوم الإنزال» الأصلي، على شواطئ نورماندي، يحتاج إلى مشاركة صينية. أما «يوم الإنزال الاقتصادي» هذا فيحتاج إليها، ولا توجد حتى الآن أي إشارة إلى أنها آتية، قبل شهر من الموعد المقرر لوصول الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن في أول زيارة دولة له منذ أكثر من عقد.

وقال بيتر هاريل، الباحث الزائر في كلية الحقوق بجامعة جورجتاون، الذي كتب على نطاق واسع عن حدود العقوبات الاقتصادية، الاثنين: «سيكون هذا صعباً».

وأشار هاريل إلى أن ترمب، عندما كان يقرر في وقت سابق من هذا العام كيفية إخضاع إيران، «كان أمامه خيار أن يتشدد فعلاً مع الصينيين، وهو ما لم يكن يريد فعله بسبب أجندته الاقتصادية الخاصة مع شي، أو أن يفرض الحصار البحري على الناقلات الإيرانية».

وأضاف: «اتضح أن فرض الحصار على جميع الناقلات الإيرانية كان أسهل سياسياً من أن نقول للصينيين: (سنفرض عقوبات على شركاتكم الكبرى) إذا واصلوا تجارتهم مع إيران».

ولا تزال المسألة حساسة. وهدد بيسنت بما يسمى «العقوبات الثانوية» على جميع الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران. لكن بيسنت، سواء في مقال رأي نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» خلال عطلة نهاية الأسبوع أو في مؤتمره الصحافي الاثنين، لم ينطق بكلمة «الصين» مطلقاً.

وكان يتعمد تفادي إغضاب ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والدولة التي قد تحدد، أكثر من أي دولة أخرى، ما إذا كانت هذه الاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض تملك فرصة للنجاح.

وبالطبع، لا جديد في محاولة جعل إيران منبوذة اقتصادياً. فالجهود الجدية الأولى لفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي تعود إلى إدارة جورج دبليو بوش. وعندما كانت إدارة أوباما تحاول دفع إيران إلى المفاوضات في عام 2009، وعدت وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون بفرض «عقوبات مشلّة» ما لم تدخل البلاد في مفاوضات.

واستغرق تحقيق النتائج سنوات، لكن خبراء كثيرين يرون أن العقوبات المتصاعدة التي أعقبت ذلك ساعدت على إجبار إيران على الموافقة على الاتفاق النووي لعام 2015، الذي حدّ بشدة من أنشطتها النووية مقابل رفع العقوبات المالية والنفطية.

ومزق ترمب ذلك الاتفاق في عام 2018، معلناً أنه معيب بشدة. وفي ذلك الوقت، بدأ إعادة فرض العقوبات، وتوقع هو ووزير خارجيته مايك بومبيو أن يصبح الضغط الاقتصادي أكبر من أن يحتمله قادة إيران.

وكتب بومبيو في مجلة «فورين أفيرز» في أواخر عام 2018: «تتبع إدارة ترمب حملة (ضغط أقصى) مصممة لخنق الإيرادات التي يستخدمها النظام - وخصوصاً الحرس الثوري الإسلامي، وهو جزء من المؤسسة العسكرية الإيرانية يخضع مباشرة للمرشد الإيراني - لتمويل العنف».

وأضاف: «لكن الرئيس ترمب لا يريد انخراطاً عسكرياً أميركياً آخر طويل الأمد في الشرق الأوسط».

وكان بومبيو، الذي بات الآن على خلاف مع ترمب، يردد كثيراً من المحاور نفسها التي كررها بيسنت الاثنين.

والاستثناء هو أن الولايات المتحدة ملتزمة الآن بوجود عسكري قبالة سواحل إيران لمدة غير محددة، ولكن بالتأكيد ما دامت إيران تهدد حركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وسجل هذه العقوبات السابقة غير مثير للإعجاب: فقد واصلت إيران تصدير ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل من النفط يومياً رغمها. وقد انخفضت تلك الأرقام الآن إلى مجرد قطرات، بفضل الحصار البحري القائم حالياً.

لكن المواد النووية لم تُنقل من مواقع تخزينها المغطاة بالأنقاض منذ أن قصفت الولايات المتحدة تلك المواقع في يونيو (حزيران) 2025، بحسب ما تشير إليه صور الأقمار الاصطناعية.

ولا تزال الحكومة قائمة، وإن كانت تحت إدارة مختلفة، بعد مقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الافتتاحية للحرب في فبراير (شباط). ويتولى ابنه الآن المنصب، وهو يُعد أكثر تشدداً، رغم أنه لم يظهر أو يُسمع منه مباشرة.

ونتيجة لذلك، جاء أحد أكثر عناصر خطاب بيسنت إثارة للفضول، الاثنين، عندما عاد إلى وعد أطلقه ترمب قبل نحو ستة أشهر: بأنه سيهيئ الظروف لتغيير النظام.

وفي ذلك الوقت، كان ترمب يعتقد أن المعركة العسكرية ستستمر بضعة أيام أو أسابيع، قبل أن تقدم إيران ما سماه الرئيس «الاستسلام غير المشروط».

مارة يعبرون أمام لوحة دعائية في طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحت الماء وسط انفجارات وتحمل عبارة «انتصار عظيم! مضيق هرمز»... الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

وحض الشعب الإيراني على الانتفاض والاستيلاء على حكومته بعد انقشاع دخان القصف الأميركي. لكن ترمب تخلى سريعاً عن ذلك المسعى، وأقر في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» في يونيو بأن الشعب الإيراني ببساطة لم يكن يملك السلاح أو التنظيم اللازمين لتحقيق ذلك.

وحاول بيسنت اتباع نهج مختلف قليلاً، الاثنين. وقال بيسنت: «إلى الجنود العاديين الذين يدعمون هذا النظام: مع توقف صرف المزيد والمزيد من رواتبكم، أو الزعم بأنها تأخرت فقط، اسألوا أنفسكم إن كان قادتكم يقودون بلادكم إلى النصر أم إلى الخراب، وتذكروا أن جدار برلين سقط عندما قرر الجنود العاديون ألا يطلقوا النار على شعبهم».

وبالطبع، كانت الظروف عندما سقط الجدار مختلفة تماماً عن الظروف القائمة في إيران. فلم تكن هناك حرب خارجية نشطة دائرة، بل كان هناك فقط الضغط المتسارع للحرب الباردة.

كما أن الاتحاد السوفياتي والدول التابعة له لم ترَ أملاً يُذكر في قمع الانتفاضات المحلية، بما فيها تلك التي اندلعت في ألمانيا الشرقية وأدت إلى التشبيه التاريخي الذي استخدمه بيسنت.

ومع ذلك، فهذا هو الرهان الكبير الذي يعقده ترمب الآن. وكان قراره في فبراير الاستغناء عن نوع العقوبات الذي أُعلن عنه الاثنين، والانتقال مباشرة إلى القوة العسكرية، اعترافاً من بعض النواحي بأن العقوبات الاقتصادية تتحرك ببطء، وأن التاريخ يشير إلى أنها كثيراً ما تفشل في تحقيق أهدافها.

واليوم، عاد إلى تلك الخطة، في غياب كثير من الخيارات الأخرى القابلة للتطبيق.

* خدمة «نيويورك تايمز»


عراقجي والبوسعيدي يبدآن محادثات «هرمز» في طهران

عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)
عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي والبوسعيدي يبدآن محادثات «هرمز» في طهران

عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)
عراقجي لدى استقبال نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

بدأ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العُماني بدر البوسعيدي، الثلاثاء، محادثات في طهران بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لاستكمال تفاهمات أولية توصل إليها البلدان حول مسارات جديدة لعبور السفن.

واستقبل عراقجي البوسعيدي لدى وصوله إلى مقر وزارة الخارجية الإيرانية، قبل أن يبدأ الوزيران اجتماعاً ثنائياً، وفق صور نشرتها الخارجية الإيرانية.

وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية بأن المحور الرئيسي للمحادثات هو الاتفاق بين طهران ومسقط بشأن تحديد ممر مائي في مضيق هرمز للعبور الآمن للسفن، ومراجعة أحدث التفاهمات التي توصل إليها الجانبان في هذا الشأن. ومن المقرر أن يلتقي البوسعيدي خلال زيارته عدداً آخر من كبار المسؤولين الإيرانيين.

وتأتي المحادثات بعد أسابيع من مفاوضات فنية بين طهران ومسقط بلغت، وفق الجانب الإيراني، مرحلة متقدمة، لكنها لم تفض حتى الآن إلى اتفاق نهائي بشأن إعادة فتح المضيق بالكامل أو الرسوم وسلطة إدارة حركة السفن.

عراقجي يجري مباحثات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

وكان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قد أعلن أن زيارة البوسعيدي ستتناول «المشاورات السياسية المستمرة بين الجانبين، باعتبارهما دولتين مطلتين على مضيق هرمز، للمساعدة في تعزيز السلام والأمن في المنطقة»، إضافة إلى العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية.

وسبق الاجتماع اتصال هاتفي بين الوزيرين، الجمعة. وقالت وكالة الأنباء العُمانية إن عراقجي والبوسعيدي بحثا «سبل تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف الحوار والتفاوض، وتطورات الملاحة في مضيق هرمز».

وأضافت أن الجانبين شددا على «أهمية مواصلة المباحثات للتوصل إلى تفاهمات عملية» تدعم استئناف حرية الملاحة وانسيابها وأمن المنطقة واستقرارها.

صيغة نهائية قيد البحث

وقال بقائي، الاثنين، إن المحادثات مع سلطنة عُمان بشأن المضيق «مستمرة»، وإن الجانبين يعملان على «وضع اللمسات الأخيرة» لتثبيت مذكرة تفاهم والوصول إلى صيغة نهائية.

وكان قد أعلن في 15 أغسطس أن البلدين اتفقا على خريطة لمسار عبور السفن، وأنهما يعملان على إعداد بيان مشترك بشأن الترتيبات التي جرى التوصل إليها.

ووصف عراقجي، مطلع الأسبوع الماضي، المحادثات بأنها مسار فني منفصل تماماً عن الاتصالات المتعلقة بإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، وقال إن خبراء من البلدين، بمشاركة القوات المسلحة الإيرانية، يعملون على تحديد الممرات البحرية الجديدة.

ويقوم التصور الذي بحثه الجانبان على استبدال نظام الملاحة المعمول به منذ عقود بترتيبات تمنح إيران دوراً أوسع في إدارة حركة السفن.

وفي مرحلة انتقالية، تدخل السفن الخليج العربي عبر ممر شمالي قرب الساحل الإيراني وجزيرة لارك، وتخرج عبر ممر جنوبي قريب من الساحل العُماني.

وقالت طهران إن هذه المرحلة قد تستمر بين شهرين وأربعة أشهر أو أكثر، قبل الانتقال إلى «مسار أوسط» تتولى إيران إدارة حركة الدخول عبره، بينما تخضع حركة الخروج لتنسيق مشترك بين إيران وعُمان.

واقترحت طهران أيضاً إنشاء مركز إيراني - عُماني مشترك لتنسيق حركة السفن وتبادل المعلومات المتعلقة بالناقلات والسفن التجارية.

إعادة الفتح والرسوم

لكن إيران تفصل بين الاتفاق الفني على الممرات وبين إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

ورهن مسؤولون إيرانيون عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي برفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف العمليات العسكرية، والسماح باستئناف صادرات النفط الإيرانية.

ولا تزال الرسوم إحدى القضايا التي تبحثها الترتيبات. وكانت إيران قد طرحت خلال مراحل سابقة رسوماً تراوحت بين 5 و7 في المائة من قيمة الشحنات العابرة، بينما ناقش الجانب العُماني صيغة تقارب 3 في المائة ضمن تسوية أوسع.

سفن في مضيق هرمز قرب ساحل بندر عباس جنوب إيران، الثلاثاء 25 أغسطس 2026 (رويترز)

وأقرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، الأحد، مادة تسمح بتحصيل رسوم من سفن الدول المسموح لها بالعبور مقابل خدمات تشمل الملاحة والتأمين والسلامة والخدمات البيئية والتزود بالوقود في الظروف الخاصة.

ولا يحدد النص البرلماني نسبة من قيمة الحمولة، ولا يفرض رسماً مقابل مجرد المرور، وينص على تحصيل الرسوم بالريال الإيراني أو بأي عملة تختارها طهران.

وتعارض واشنطن منح إيران سلطة منفردة على الملاحة أو فرض رسوم إلزامية على السفن، وتتمسك بحرية المرور في المضيق.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدد بمواجهة أي ترتيبات في مضيق هرمز إذا «وقفت في طريق» الخطة الأميركية، في إشارة إلى التفاهمات التي تفاوضت عليها عُمان مع إيران.