«العليا» الأميركية تنظر في طلب ترمب رفض لجوء المهاجرين

كوستاريكا توقع اتفاقاً مبدئياً مع واشنطن لاستقبال المرحلين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

«العليا» الأميركية تنظر في طلب ترمب رفض لجوء المهاجرين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

باشرت المحكمة العليا الأميركية، الثلاثاء، النظر في قضية تمس جوهر سياسة الهجرة في عهد الرئيس دونالد ترمب، وما إذا كانت الحكومة الفيدرالية تملك صلاحية إغلاق أبواب اللجوء في وجه المقبلين إلى الحدود إذا ارتأت أن طاقتها الاستيعابية بلغت حدها.

وتدور القضية حول ما يُعرف بسياسة «التقنين»، التي تخول مسؤولي الهجرة أن توقف طالبي اللجوء على الحدود، ورفض معالجة طلباتهم إلى أجل غير مسمى، متى رأوا أن المعابر الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك لا تتحمل مزيداً من الأعباء. وتسعى إدارة ترمب إلى إحياء هذه السياسة التي ألغاها سلفه الرئيس السابق جو بايدن عام 2021، فيما قضت محكمة استئناف فيدرالية بأنها تتعارض مع القانون الفيدرالي.

جدل قديم

ولم تنشأ هذه السياسة مع ترمب، لأن مسؤولي الهجرة بدأوا في تطبيق مبدأ رفض طالبي اللجوء على الحدود منذ عام 2016 في عهد باراك أوباما، في خضم موجة هجرة واسعة. غير أن السياسة اكتسبت طابعاً رسمياً عام 2018 خلال الولاية الأولى لترمب، حين مُنح مسؤولو الحدود صلاحية صريحة لتعليق معالجة طلبات اللجوء كلما قدّروا عدم قدرتهم على استيعاب المزيد.

وتتمحور القضية القانونية حول تساؤل دقيق في ظاهره، لكنه بالغ الأثر: هل يعد طالب اللجوء الموقوف على الجانب المكسيكي من الحدود «وصل» بالفعل إلى الأراضي الأميركية؟ إذ ينص القانون الفيدرالي على أن كل مهاجر «يصل إلى الولايات المتحدة» يحق له التقدم بطلب لجوء ويجب تفتيشه من مسؤولي الهجرة.

أرشيفية لمبنى المحكمة العليا الأميركية (أ.ف.ب)

وأجابت محكمة الاستئناف الفيدرالية التاسعة في سان فرانسيسكو على هذا التساؤل عام 2024 بالإيجاب، مؤكدة أن القانون يُلزم تفتيش جميع طالبي اللجوء الواصلين إلى المعابر الحدودية المخصصة، حتى لو لم يعبروا الحدود بعد. في المقابل، تتمسك إدارة ترمب بأن عبارة «الوصول إلى» تعني «الدخول الفعلي إلى مكان محدد، لا مجرد الاقتراب منه»، وأن «الأجنبي الموقوف في المكسيك لا يعد واصلاً إلى الولايات المتحدة».

وتأتي هذه القضية في سياق سلسلة من المعارك القضائية التي تخوضها إدارة ترمب في ملف الهجرة، وأيّدت المحكمة العليا مواقف الإدارة في عدد منها، إذ أجازت ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة غير بلدانهم الأصلية، وأقرّت إلغاء الوضع القانوني المؤقت لمئات الآلاف من المهاجرين الفنزويليين.

وتنتظر المحكمة خلال الأسابيع المقبلة في قضايا أخرى لا تقل حساسية، أبرزها النظر في مدى دستورية توجيه ترمب بتقييد حق المواطنة بالولادة، فضلاً عن مسعى الإدارة إلى سحب الحماية القانونية المؤقتة من أكثر من 350 ألف هايتي ونحو 6100 سوري يقيمون على الأراضي الأميركية. ويتوقع صدور الحكم في هذه القضية بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

ترحيل إلى كوستاريكا

في غضون ذلك، أعلنت الرئاسة الكوستاريكية في بيان توقيع اتفاقية مبدئية مع إدارة الرئيس ترمب، بما يسمح لكوستاريكا باستقبال المهاجرين الذين تُرحّلهم الولايات المتحدة من دول أخرى. وأوضحت أن كوستاريكا مخوّلة باتخاذ القرار النهائي بشأن قبول المهاجرين، مع توقع نقل ما يصل إلى 25 شخصاً أسبوعياً إلى البلاد. وأكدت أن واشنطن «ستقدم الدعم المالي اللازم»، بينما ستوفر المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، الغذاء والسكن.

ومن جهة أخرى، عثرت السلطات المكسيكية الاثنين على 229 مهاجراً في شاحنة كانت تعبر ولاية فيراكروز بشرق البلاد، في أول حالة من نوعها منذ أشهر، مما ينذر بارتفاع محتمل في الهجرة منذ تولي الرئيس ترمب منصبه.

عمال أميركيون يبنون جداراً حدودياً بين مدينتي إل باسو وسيوداد خواريز في جزء من مشروع تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وصرح نائب وزير خارجية ولاية فيراكروز، خوسيه مانويل بوزوس، بأنهم عثروا على المهاجرين محشورين في شاحنة أُبلغ عن سرقتها، بعدما بدأوا بالاستغاثة من ساحة حجز تابعة للشرطة. وأضاف أن معظم المهاجرين من أميركا الوسطى، وأن 17 منهم قاصرون، وأن عدداً منهم يعانون من الجفاف.

على مر السنين، استخدم مهربو المهاجرين كل أنواع المركبات لنقل الأجانب عبر المكسيك، وغالباً ما تكون هذه المركبات مكتظة، وفي ظروف سيئة، ومعرضة لخطر الموت، على غرار حادث مميت بجنوب المكسيك عام 2021، أو عندما قضى 53 مهاجراً بعد تركهم داخل شاحنة في سان أنطونيو بتكساس عام 2022.


مقالات ذات صلة

ترمب: قد أجتمع مع نتنياهو بعد أيام

شؤون إقليمية الرئيس دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البرلمان الإسرائيلي يوم 13 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ب)

ترمب: قد أجتمع مع نتنياهو بعد أيام

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة ‌مع ‌موقع «​أكسيوس»، ⁠السبت، ​إن رئيس ⁠الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ⁠طلب ‌منه عقد ‌اجتماع ​في ‌البيت ‌الأبيض.

«الشرق الأوسط»
الولايات المتحدة​ أميركيون يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (أ.ف.ب)

أميركا في عيدها الـ250: احتفال بالاستقلال أم صراع على الهوية؟

بعد قرنين ونصف القرن من الانتصارات والمآسي، والعبودية والحرية، والحرب الأهلية والحروب العالمية، تشير استطلاعات أميركية عدة إلى أمة منقسمة حول واقعها ومستقبلها.

إيلي يوسف (واشنطن)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو رئيس «فيفا» يواجه اعتراضات بسبب علاقته بالرئيس ترمب (أ.ب)

موجة اعتراض من أوروبا تظهر في مواجهة تسييس «فيفا»

بصوت خافت قادم من أوروبا، تستمر موجة الاعتراض ضد تسييس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والمُتجسّد في ولاء جياني إنفانتينو للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الولايات المتحدة​ ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

أكد الملك تشارلز الثالث السبت، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستواصلان الدفاع عن «القيم المشتركة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البرلمان الإسرائيلي 13 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ب)

خبيرة: حرب إيران كشفت عن تباين رؤى نتنياهو وترمب الجيوسياسية

ترى محللة سياسية أن العلاقة بين ترمب ونتنياهو هبطت لأدنى مستوى لها على الإطلاق، في ظل جهود الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب على إيران ولبنان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السلطات الإندونيسية تحدد الجماعة المسلحة المسؤولة عن مقتل طيار أميركي في بابوا

أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
TT

السلطات الإندونيسية تحدد الجماعة المسلحة المسؤولة عن مقتل طيار أميركي في بابوا

أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)
أفراد من شرطة إندونيسيا (رويترز)

أكدت قوة إنفاذ القانون التابعة لعملية «سلام كارتينز» في إندونيسيا، أن الجماعة الإجرامية المسلحة المسؤولة عن مقتل الطيار الأميركي نيكولاس إف. جوسيلين هي «جماعة باكوسيب».

وتعد الجماعة فصيلاً متمرداً جديداً يقوده شخص يُدعى إم. مبالينجا، بحسب وكالة «أنتارا» الإندونيسية للأنباء.

وقال رئيس قوة المهام، مفوض الشرطة إيجي إيرا أدهيناتا، اليوم (السبت): «استناداً إلى عدد من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، تدعي (مجموعة باكوسيب) أنها جزء من الشبكة التي يقودها إلكيوس كوباك في منطقة ياهوكيمو».

وأوضح أنه عقب الهجوم الذي وقع الخميس وأسفر عن مقتل الطيار، باشرت قوة المهام تحقيقاً شاملاً تضمن استجواب الشهود وإجراء مقابلات وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف.

ولا تزال السلطات تحقق في طبيعة العلاقة الدقيقة بين «جماعة باكوسيب» والفصيل الذي يقوده إلكيوس كوباك.

وأضاف: «استناداً إلى عملية تحديد الهوية، تأكدنا أن منفذ الهجوم هو إم. مبالينجا».

ولا يزال المحققون يعملون على تحديد الدافع وراء الهجوم، إلا أن تسجيلاً متداولاً على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر الجماعة المسلحة وهي تهدد أي طائرة تعمل في المنطقة التي أعلنتها منطقة لعملياتها.

وكانت الجماعة المتمردة في إقليم بابوا الواقع بأقصى شرق إندونيسيا قد أعلنت أول من أمس مقتل طيار أميركي إثر استهداف الطائرة الصغيرة التي كان يقودها أثناء هبوطها في مدرج يقع في منطقة نائية بالإقليم، بعد أن «انتهك الحظر» الذي فرضته الجماعة على الرحلات الجوية المدنية في المنطقة التي تعتبرها مسرحاً لعملياتها. ونجا باقي ركاب الطائرة. وقد أعلن الجيش الإندونيسي استعادة جثة الطيار.


ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
TT

ترمب يحذّر من «هجوم» على الهوية الأميركية في عيد استقلالها الـ250

الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يلوّح للحشد بعد إلقاء كلمة في تجمع انتخابي عند النصب التذكاري الوطني في ماونت راشمور (أ.ف.ب)

دخلت الولايات المتحدة، السبت، عامها الـ250، في ذكرى تاريخية تتزامن مع مرحلة من الانقسام الوطني العميق. وتأتي ذكرى الاستقلال أيضاً في خضم موجة حر شديدة، وضعت نحو 160 مليون أميركي تحت تحذيرات من درجات حرارة مرتفعة أو قصوى؛ ما أربك خطط المسيرات والحفلات الشعبية في عدة مدن وبلدات حول البلاد، كما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن درجات الحرارة الحارقة لم تُثنِ الرئيس دونالد ترمب، من تصدّر برنامج الاحتفالات. ويعتزم ترمب تنظيم تجمع سياسي ضخم، مساء السبت، على غرار حملاته الانتخابية في «ناشونال مول» بالعاصمة واشنطن، ترافقه عروض جوية عسكرية، وما وصفه بأنه «أكبر عرض للألعاب النارية» في العالم. وقال مستبقاً الاحتفالية: «ستبلغ الحرارة نحو 107 درجات فهرنهايت، أي 41 درجة مئوية، وسأذهب وسألقي خطاباً طويلاً جداً، فقط لأثبت أنني أستطيع فعل أي شيء».

الرئيس الأميركي يستعد لإلقاء خطاب في ماونت راشمور يوم 3 يوليو (رويترز)

وفي وقت متأخر من الجمعة، زار الرئيس النصب الوطني في ماونت راشمور، حيث ألقى خطاباً تحت أنظار الرؤوس الغرانيتية العملاقة لأربعة من أسلافه البارزين.

وبينما أشاد ترمب بـ«الاستثنائية الأميركية»، وأثنى على قادة البلاد السابقين، حذّر من أن الهوية الأميركية «تتعرّض لهجوم متجدد». واستهدف في كلمته «الراديكاليين والمتطرفين» في الداخل، قائلاً إن هناك «عودة للخطر الشيوعي في بلادنا».

وهذا موضوع كرّره ترمب مراراً في الأسابيع الأخيرة، مع تحقيق الجناح اليساري المناهض للمؤسسة داخل الحزب الديمقراطي سلسلة انتصارات في الانتخابات التمهيدية الأميركية. وصوّر الرئيس صعود اليسار قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) على أنه اندفاع لـ«الشيوعيين»، و«تهديد» كبير للبلاد. وقال ترمب، الجمعة، إن السنوات الأخيرة شهدت محاولة لـ«انتزاع الروح الأميركية منا، وإبعادنا عن تاريخنا».

وبالنسبة إلى الأميركيين، تمثل احتفالات الذكرى الـ250 لحظة للتأمل بقدر ما هي مناسبة للاحتفال. فبعد قرنين ونصف القرن من الانتصارات والمآسي، والعبودية والحرية، والحرب الأهلية والحروب العالمية، تشير استطلاعات عدة إلى أمة منقسمة حول واقعها والاتجاه الذي تسير فيه. وأظهر استطلاع لجامعة «كوينيبياك» أن 61 في المائة من الأميركيين يرون أن الولايات المتحدة لا ترقى إلى مستوى القيم الواردة في إعلان الاستقلال، رغم أن الآراء حول ذلك منقسمة أيضاً؛ إذ يرى معظم الجمهوريين أنها ترقى إليها، بينما يرى معظم الديمقراطيين أنها لا تفعل.

خلاف حول السردية

بعد قرنين ونصف القرن على إعلان الاستقلال، لا تبدو الولايات المتحدة في الرابع من يوليو (تموز) 2026 منشغلة فقط بالاحتفال بتاريخها، بل بتحديد مَن يملك حق روايته؛ فالذكرى التي كان يفترض أن تشكل محطة جامعة تحولت إلى مرآة لانقسامات البلاد: بين وطنية تقوم على القوة والرموز العسكرية والولاء للقيادة، وأخرى تربط حب الوطن بالدستور والمساواة والنقد؛ وبين من يرى أميركا أمة ذات جذور مسيحية، ومن يتمسك بهوية مدنية متعددة الأديان والأعراق.

وقد وضعت إدارة دونالد ترمب الرئيس في قلب المشهد، عبر عروض عسكرية وموسيقى وطنية وألعاب نارية واحتفال وصفه بأنه «أكبر تجمع لترمب»؛ ما دفع الديمقراطيين إلى البحث عن صيغة تعارضه من دون أن تبدو معارضة للبلاد نفسها.

أنصار الرئيس الأميركي يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (رويترز)

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست»، ليست المنافسة على العَلم والنشيد والجيش جديدة في السياسة الأميركية؛ فمنذ ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، نجح الجمهوريون بدرجات متفاوتة في ربط هويتهم الحزبية بصور القوة الوطنية، بينما عانى الديمقراطيون من اتهامات مزمنة بأنهم أقل حماسة للرموز الأميركية. الجديد في الذكرى الـ250 هو أن هذا الخلاف لم يعد يدور حول مقدار الاعتزاز بالبلاد، بل حول تعريف الاعتزاز نفسه.

بالنسبة إلى ترمب وحلفائه، تظهر الوطنية في الاستعراض: الطائرات العسكرية، والحشود، والأعلام، والألعاب النارية، واستعادة سردية أميركا القوية التي لا تعتذر عن تاريخها. أما الديمقراطيون، فيحاولون تقديم مفهوم مضاد يربط الوطنية بحماية المؤسسات، وخدمة المجتمع، والمساواة أمام القانون، والاعتراف بأخطاء الماضي بدل محوها.

ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترمب كلمة خلال احتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في ماونت راشمور بمدينة كيستون (رويترز)

ويعكس ذلك مأزقهم السياسي؛ فمقاطعة الاحتفالات التي يهيمن عليها ترمب قد تسمح للجمهوريين باتهامهم بازدراء المناسبة، بينما قد تجعلهم المشاركة مجرد ضيوف في عرض صُمم لتعظيم خصمهم.

لهذا اختار حكام وقادة ديمقراطيون التركيز على احتفالات الولايات، ومراسم التجنيس، والمتاحف، والعمل التطوعي. ففي فيرجينيا، على سبيل المثال، رُبطت فعاليات الرابع من يوليو باحتفال في مونتيسيللو يتضمن مراسم تجنيس لمواطنين جدد، ودعوة المواطنين إلى تجديد التزامهم بقيم المواطنة ومسؤولياتها. ويشير استطلاع أوردته «واشنطن بوست» إلى أن 18 في المائة فقط من الأميركيين يرون الحزب الديمقراطي «وطنياً جداً»، مقابل 31 في المائة يقولون ذلك عن الجمهوريين. وهذه فجوة تفسر لماذا أصبحت الذكرى اختباراً انتخابياً بقدر ما هي مناسبة تاريخية.

الجمهورية والزعيم

كان التخطيط الأصلي للذكرى يقوم على برنامج مدني واسع تشرف عليه «أميركا 250»، وهي هيئة غير حزبية أنشأها الكونغرس، تتمحور رؤيتها حول التاريخ والخدمة والمجتمعات المحلية، لكن الهيئة لم تحصل، بحسب «بوليتيكو»، إلا على 25 مليون دولار من أصل 150 مليوناً أقرها الكونغرس. ونتيجة ذلك، تقلص حجم برامجها، بينما تقدمت «فريدوم 250» المتحالفة مع البيت الأبيض لتشغل الفراغ، وتستحوذ على أبرز المنصات واللقطات.

أميركيون يشاركون في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا يوم 3 يوليو (أ.ف.ب)

هذا التحول يتجاوز الخلاف الإداري والمالي؛ فهو ينقل مركز الاحتفال من المجلس التشريعي إلى الرئاسة، ومن سردية وطنية موزعة بين الولايات والمؤسسات إلى مشهد شديد التمركز حول شخص الرئيس. وكان الرئيس قد أنشأ في يناير (كانون الثاني) 2025 فريقاً خاصاً لتنظيم الاحتفال. وأعاد من خلاله إحياء مشروع «الحديقة الوطنية للأبطال الأميركيين». أما الصفحة الرسمية لـ«فريدوم 250»، فتقدم الذكرى بوصفها عاماً من الاحتفالات الهادفة إلى تجديد الحب للتاريخ الأميركي، والصلاة من أجل البلاد، وإعادة تكريسها «أمة واحدة تحت الله».

في المقابل، واصلت «أميركا 250» نشاطات أقل صخباً وأكثر انتشاراً، بينها حفلات محلية، وكبسولة زمنية، وبرامج طلابية، ومبادرة «أميركا تمنح»، التي أعلنت تجاوز 10 ملايين ساعة من الخدمة التطوعية.

وهنا تظهر روايتان متوازيتان: وطنية تُرى من منصة ضخمة في واشنطن، ووطنية تُمارس في الأحياء والمدارس والجمعيات. الأولى تعتمد الصورة والقوة والحشد، والثانية تراهن على المشاركة المدنية بوصفها التعبير العملي عن الانتماء.

إيمان وهوية

المعركة الثالثة تتعلق بالسؤال الأقدم: هل الولايات المتحدة أمة مسيحية أم جمهورية مدنية تضمن حرية الأديان؟

بحسب موقع «أكسيوس»، دفعت فعاليات مرتبطة بالبيت الأبيض نحو الصلاة وطلب «الهداية الإلهية»، وبرزت فيها أصوات مسيحية محافظة. وفي المقابل، انتقد قادة دينيون ومؤرخون غياب تمثيل واضح للمسلمين وبعض الطوائف اليهودية والبروتستانتية والكنائس السوداء. وفي مواجهة ذلك، أطلقت مبادرة «إيمان 250» تجمعات محلية تضم كنائس ومساجد ومعابد، لدراسة نصوص أميركية مختلفة، والاحتفال بالحرية الدينية، لا بهوية عقائدية واحدة.

تمثيل تاريخي خارج قصر فيرساي في باريس يوم 4 يوليو (أ.ف.ب)

هذا الصراع ليس هامشياً؛ لأن الدين بات جزءاً من الاستقطاب الحزبي. ويظهر مسح لمعهد أبحاث الدين، شمل أكثر من 22 ألف بالغ خلال 2025، أن 56 في المائة من الجمهوريين يصنّفون ضمن مؤيدي القومية المسيحية. وبذلك، يصبح استحضار عبارة «أمة واحدة تحت الله» رسالة سياسية موجهة إلى قاعدة انتخابية محددة، وليس مجرد تذكير بروحانية عامة.

لكن الآباء المؤسسين أنفسهم لا يقدمون إجابة مريحة لأي من الطرفين؛ فقد تأثروا بأفكار التنوير، مع حضور متفاوت للدين في تصوراتهم، وصاغوا نظاماً يمنع قيام كنيسة رسمية، ويحمي حرية المعتقد؛ لذلك، لا يدور الخلاف الحالي حول الماضي وحده، بل حول من يدخل اليوم في تعريف «الأميركي الحقيقي».

وطنية تبحث عن جامع

بحسب «مؤسسة سميثسونيان»، تكشف المقارنة مع الذكرى المئوية الثانية عام 1976 مقدار التغير. آنذاك، كانت البلاد خارجة من حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت واستقالة رئيس، أي إنها لم تكن أقل انقساماً أو قلقاً. ومع ذلك، نجحت الاحتفالات نسبياً في صنع فسحة مشتركة، عبر مهرجان للفنون الشعبية استمر 12 أسبوعاً، وشارك فيه ممثلون من جميع مناطق البلاد وقبائل أميركية أصلية ومنظمات عمالية ودول أجنبية.

جانب من فعاليات نظمتها البحرية الأميركية لإحياء الذكرى الـ250 للاستقلال في نيويورك يوم 4 يوليو (أ.ب)

أما في 2026، فتجري الذكرى داخل بيئة إعلامية مجزأة، وثقة منخفضة بالمؤسسات، وحملات انتخابية دائمة، تجعل كل رمز قابلاً للتحويل إلى سلاح حزبي. وحتى مشاعر الفخر الوطني لم تعد تستند إلى معنى واحد؛ فقد وجد مركز «بيو» أن الأميركيين يذكرون الحريات المدنية والتاريخ والإنجازات ومؤسسات البلاد بطرق مختلفة، بينما لا يرى سوى 6 في المائة أن زعيماً أو حزباً سياسياً يمثل مصدر فخرهم الوطني.

لذلك، يبقى تعلق الأميركيين بالرابع من يوليو أعمق من الولاء لحكومة أو رئيس. إنه تعلق بوعد غير مكتمل: الحرية، وإمكان الصعود، والقدرة على تصحيح الأخطاء، وفكرة أن البلاد مشروع يستطيع كل جيل إعادة تعريفه.

لكن الذكرى الـ250 تكشف أن الخلاف الأميركي لم يعد يدور حول الاحتفال بالبلاد فقط، بل حول معنى الوطنية نفسها. وبهذا أصبحت اختباراً لقدرة الأميركيين على الحفاظ على مناسبة وطنية مشتركة، رغم اختلافهم الحاد حول التاريخ والهوية ومستقبل البلاد.


الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
TT

الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

أكد الملك تشارلز الثالث السبت، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستواصلان الدفاع عن «القيم المشتركة»، وذلك في رسالة وجهها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب والشعب الأميركي بمناسبة الذكرى الـ250 للاستقلال.

وكتب الملك في الرسالة التي نُشرت على «إكس»، أنه بينما يتطلع البلدان «إلى الـ250 عاماً المقبلة، فأنا على يقين من أننا سنواصل الدفاع عن قيمنا المشتركة»، بما فيها الحرية وسيادة القانون.

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)

وكان الملك، البالغ 77 عاماً، قد قام برفقة الملكة كاميلا، بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة استمرت أربعة أيام في نهاية أبريل (نيسان). وحظيت هذه الزيارة التي هدفت إلى رأب الصدع في العلاقات بين واشنطن ولندن، بإشادة من وسائل الإعلام البريطانية والأميركية.

وقال الملك السبت، إنه يعتقد أن «الرابط بين شعبينا... سيزداد قوة مع مرور الوقت».