بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

وسط تحديات الطاقة العالمية

رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)
TT

بعد 8 سنوات من المفاوضات... أستراليا والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقية تجارة حرة شاملة

رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في البرلمان الأسترالي (إ.ب.أ)

أبرم الاتحاد الأوروبي وأستراليا، يوم الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرة شاملة طال انتظارها، بعد مفاوضات استمرت 8 سنوات، في خطوة تعكس سعي الجانبين لتعزيز الشراكة الاقتصادية والدفاعية في ظل تصاعد حالة عدم اليقين في التجارة العالمية.

وجاء توقيع الاتفاق بالتزامن مع زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى أستراليا، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى مواجهة تحديات متزايدة في قطاع الطاقة، على خلفية الحرب في الشرق الأوسط.

وتُعدّ هذه الاتفاقية الأحدث ضمن جهود بروكسل لتنويع شراكاتها التجارية، في ظل الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة والصين. وقد نجح الجانبان في تجاوز نقاط خلاف رئيسية، لا سيما تلك المتعلقة باستخدام الأسماء الجغرافية الأوروبية، وحصص صادرات لحوم الأبقار الأسترالية إلى الأسواق الأوروبية.

وفي خطابها أمام البرلمان الأسترالي، وصفت فون دير لاين العالم بأنه «أكثر قسوة ووحشية»، مشددة على أهمية التعاون بين الجانبين للحد من الاعتماد المفرط على مورّدين محددين، في إشارة ضمنية إلى الصين.

وقالت: «لا يمكننا الاعتماد بشكل مفرط على أي مصدر لهذه المكونات الحيوية، ولهذا يحتاج بعضنا إلى بعض»، مضيفة: «أمننا هو أمنكم، ومن خلال شراكتنا الأمنية والدفاعية الجديدة، سندعم بعضنا بعضاً».

ووُصفت الاتفاقية بأنها «صفقة عادلة» تحقق مكاسب متبادلة للشركات في كلا الجانبَيْن، مع توقعات بزيادة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى أستراليا بنحو الثلث خلال عقد.

وعلى صعيد الأرقام، صدّرت شركات الاتحاد الأوروبي سلعاً إلى أستراليا بقيمة 37 مليار يورو (42.9 مليار دولار) خلال العام الماضي، إلى جانب خدمات بقيمة 31 مليار يورو في عام 2024. في المقابل، تتوقع أستراليا أن تضيف الاتفاقية نحو 7.8 مليار دولار أسترالي (5.4 مليار دولار) إلى ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.

وتبقى الصين أكبر سوق لصادرات أستراليا، في حين تُعدّ الولايات المتحدة أكبر مصدر للاستثمار فيها. إلا أن كانبرا كثّفت جهودها لتنويع أسواقها منذ النزاع التجاري مع بكين عام 2020، الذي أدى إلى تعطّل صادرات زراعية لعدة سنوات، إلى جانب تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة.

وبالمثل، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى توسيع شبكة شراكاته التجارية في ظل القيود الصينية والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة.

وقد طغت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على زيارة فون دير لاين، مع ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مما أعاد تسليط الضوء على هشاشة أمن الطاقة العالمي.

وفي هذا السياق، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية الصراع بأنه «تذكير صارخ» بنقاط ضعف أوروبا، داعية إلى وقف فوري للأعمال العدائية في ظل الوضع «الحرج» الذي تواجهه سلاسل إمداد الطاقة عالمياً.

كما تأثرت أستراليا، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الوقود، بضغوط أزمة الطاقة العالمية، ما يعزّز أهمية هذه الشراكة الجديدة في مواجهة التحديات المستقبلية.

أبرز ما تجب معرفته عن الاتفاقية التجارية

كانت المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة قد انطلقت عام 2018، قبل أن تنهار في 2023 بسبب تمسّك الاتحاد الأوروبي بموقفه الرافض لتوسيع وصول المنتجات الزراعية الأسترالية، ولا سيما لحوم الأبقار والأغنام، إلى أسواقه.

وتأتي اتفاقية الثلاثاء بوصفها حلاً وسطاً بين الطرفَين؛ فبموجبها، سترتفع حصة لحوم الأبقار الأسترالية المسموح بدخولها إلى الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من عشرة أضعاف مستواها الحالي خلال العقد المقبل.

وتبلغ الحصة الجديدة 30 ألفاً و600 طن، منها 55 في المائة من اللحوم المعتمدة على الأعلاف الطبيعية تدخل معفاة من الرسوم الجمركية، في حين تُفرض رسوم مخفضة بنسبة 7.5 في المائة على 45 في المائة منها. وسيتم تطبيق ثلث هذه الحصة خلال السنوات الخمس الأولى، قبل بلوغ المستوى الكامل لاحقاً.

ويُعدّ هذا الرقم أقرب إلى مطلب الاتحاد الأوروبي البالغ 30 ألف طن، مقارنة بمطلب أستراليا الذي بلغ 40 ألف طن، وهو ما شكّل نقطة خلاف محورية خلال المفاوضات.

زيادة الإنتاج والجدل الزراعي

من المتوقع أن يثير الاتفاق استياءً واسعاً لدى نقابات المزارعين الأوروبيين. فقد حذّرت منظمة «كوبا-كوجيكا» سابقاً من أن الاتفاق قد يفرض «عبئاً غير متناسب» على المزارعين داخل الاتحاد.

في المقابل، لم يُخفِ المزارعون الأستراليون خيبة أملهم؛ إذ يرى رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين، هاميش ماكنتاير، أن الاتفاق لم يحقق تقدماً ملموساً مقارنة بالعرض الذي رفضته كانبرا في عام 2023، مضيفاً أن الوصول إلى الأسواق لا يزال دون المستوى المطلوب.

كما ينص الاتفاق على تخصيص حصة تبلغ 25 ألف طن من لحوم الأغنام والماعز الأسترالية، يتم إدخالها تدريجياً على مدى سبع سنوات.

ورغم هذه التحفظات، وصف تيم هاركورت، كبير الاقتصاديين في جامعة سيدني للتكنولوجيا، الاتفاق بأنه «إيجابي للغاية» للمصدرين الأستراليين بشكل عام.

أورسولا فون دير لاين تخاطب أعضاء «النواب» و«الشيوخ» خلال جلسة مشتركة في مبنى البرلمان في كانبرا (إ.ب.أ)

حقوق التسمية والمؤشرات الجغرافية

شكّلت حقوق التسمية إحدى أبرز نقاط الخلاف، في ظل تمسّك أوروبا بحماية المؤشرات الجغرافية لمنتجاتها الغذائية. وبموجب الاتفاق، سيسمح لأستراليا باستخدام بعض الأسماء الجغرافية مثل «فيتا» و«غرويير»، شريطة أن يكون المنتجون قد استخدموا هذه التسميات لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

في المقابل، سيتعيّن على بعض المنتجات تغيير أسمائها، مثل «أوزو» و«فونتينا» الأستراليين.

تعزيز نفاذ الصادرات الأوروبية

سيحصل المزارعون الأوروبيون والشركات على فرص أوسع لدخول السوق الأسترالية، مع إلغاء الرسوم الجمركية على صادرات رئيسية تشمل الجبن، والفواكه، والخضراوات، والشوكولاتة.

ووفقاً لرئيسة المفوضية الأوروبية، فإن هذه الخطوة ستوفر نحو مليار يورو سنوياً للمزارعين الأوروبيين من الرسوم الجمركية.

الرسوم على المركبات

كان الاتحاد الأوروبي يسعى إلى إلغاء ضريبة السيارات الفاخرة في أستراليا، التي تبلغ 33 في المائة على المركبات التي تتجاوز سعراً معيناً، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل.

وبدلاً من ذلك، نص الاتفاق على رفع الحد الأدنى الخاضع لهذه الضريبة إلى أكثر من 120 ألف دولار أسترالي للسيارات الكهربائية، مما يعفي نحو 75 في المائة من السيارات الكهربائية الأوروبية.

كما سيتم إلغاء الرسوم الجمركية البالغة 5 في المائة على جميع واردات السيارات الأوروبية، في خطوة تهدف إلى خفض التكاليف وتعزيز الطلب على المركبات الكهربائية، دعماً لأهداف الحياد الكربوني.

المعادن الحيوية

يشمل الاتفاق أيضاً جانباً استراتيجياً يتعلق بالمعادن الحيوية اللازمة للتقنيات النظيفة، مثل توربينات الرياح وبطاريات السيارات الكهربائية.

وفي ظل هيمنة الصين على إنتاج هذه المعادن وتهديدها بتقييد الإمدادات في سياق التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، تسعى أوروبا إلى تنويع مصادرها.

وبموجب الاتفاق، ستحصل دول الاتحاد الأوروبي على وصول أفضل إلى موارد أستراليا من الألمنيوم والليثيوم والمنغنيز، مع إلغاء الرسوم الجمركية على صادرات هذه المعادن.


مقالات ذات صلة

نشاط المصانع اليابانية يعود للنمو بعد انكماش دام 11 شهراً

الاقتصاد بركان ساكوراجيما في محافظة كاجوشيما جنوب غربي اليابان (أ.ف.ب)

نشاط المصانع اليابانية يعود للنمو بعد انكماش دام 11 شهراً

أظهر مسح للقطاع الخاص أن نشاط الصناعات التحويلية في اليابان عاد إلى النمو في يونيو (حزيران) الجاري بعد انكماش دام نحو عام.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تضرب اقتصادات الخليج

خفَّض صندوق النقد الدولي توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خلال إطلاق تقرير صندوق النقد الدولي عن «آفاق الاقتصاد العالمي» في واشنطن (أ.ف.ب)

الحرب تدفع صندوق النقد الدولي لخفض توقعاته للشرق الأوسط بنسبة حادة

خفَّض صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، توقعاته للنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل حاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عامل يسير بجوار لفائف الصلب في شركة «سالزغيتر إيه جي» شمال ألمانيا (د.ب.أ)

بين مطرقة الإنتاج الصيني ورسوم ترمب... أوروبا تضاعف جمارك الصلب الأجنبي

اتفق مشرِّعو الاتحاد الأوروبي، يوم الاثنين، على مضاعفة الرسوم الجمركية على الصلب الأجنبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد هوي كا يان مؤسس شركة «إيفرغراند» الصينية في مؤتمر صحافي سابق عام 2017 (رويترز)

مؤسس «إيفرغراند» الصينية يُقرُّ بالذنب في قضية احتيال

أقرَّ مؤسس مجموعة «إيفرغراند» الصينية (أكبر شركة تطوير عقاري مديونيةً في العالم) بالذنب، في تهم تشمل إساءة استخدام الأموال، والاحتيال في جمع التبرعات.

«الشرق الأوسط» (بكين)

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
TT

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)

وسط الصورة القاتمة التي رسمها «صندوق النقد الدولي» بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 3.1 في المائة جراء الصراعات الجيوسياسية، برزت السعودية نموذجاً استثنائياً للصمود في منطقة الخليج.

فبينما تسببت «حرب إيران» في اختناق ممرات التجارة وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية، نجحت الرياض في تحييد تلك المخاطر بفضل خطوط الأنابيب البديلة التي تربط شرق المملكة بغربها عبر البحر الأحمر، وهو ما مكّنها من تجاوز إغلاق مضيق هرمز وضمان تدفق النفط للأسواق العالمية من دون انقطاع، ووضعها في صدارة دول المنطقة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة لعام 2026، مع آفاق واعدة ترتفع إلى 4.5 في المائة في عام 2027.

وتترنح اقتصادات مجاورة تحت وطأة انكماش حاد وتعطل مرافقها الطاقوية، حيث يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 8.6 في المائة، في مراجعة هي الأقسى للمنطقة بفارق 14.7 نقطة مئوية عن تقديرات يناير (كانون الثاني) الماضي، نتيجة توقف منشأة رأس لفان الحيوية.


الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة أثبتت قدرة فائقة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية والمحافظة على استقرارها المالي، مشدداً على مضي المملكة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعظيم دور القطاع الخاص بوصفه شريكاً استراتيجياً في التنمية.

جاء ذلك خلال مشاركة الجدعان، الثلاثاء، في اجتماع الطاولة المستديرة الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية في العاصمة واشنطن، بمشاركة نخبة من قيادات القطاع الخاص، وذلك على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026.

وأوضح الجدعان أن البيئة الاستثمارية في المملكة ترتكز على الشفافية والاستقرار، مما عزز ثقة المستثمرين الدوليين ودعم تدفق الاستثمارات الأجنبية بشكل مستدام.

وأشار إلى أن الاقتصاد السعودي يزخر بفرص استثمارية قيّمة في قطاعات حيوية؛ كالخدمات اللوجيستية، والتقنية، والصناعة، وذلك رغم حالة عدم اليقين التي تخيّم على الاقتصاد العالمي.

ووجّه الجدعان رسالة للمستثمرين بأن التركيز على الأسس الاقتصادية طويلة المدى هو المفتاح الحقيقي للاستفادة من التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.

وأكد الدور الريادي للمملكة بوصفها شريكاً موثوقاً في دعم الاستقرار الاقتصادي العالمي، مستندة في ذلك إلى سياسات مالية متزنة ورؤية تنموية طموحة ترسّخ مكانتها بوصفها مركز جذب استثماري رائداً على خريطة الاقتصاد الدولي.


أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
TT

أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)

ضاعفت أزمات سلاسل الإمداد بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي. وسط محفزات للمزارعين بهدف زيادة معدلات توريد المحصول من بينها صرف المستحقات خلال 48 ساعة وتذليل العقبات خلال عمليتي الحصاد والتوريد.

وأعلنت وزارة الزراعة الاستعدادات النهائية لبدء موسم حصاد وتوريد القمح المحلي بجميع المحافظات. وقال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، الثلاثاء، إن «الدولة تستهدف تسلم نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي من المزارعين خلال موسم الحصاد الحالي، بما يسهم بشكل مباشر في تضييق الفجوة الاستيرادية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للدولة».

وأشار وزير الزراعة المصري في بيان، إلى أن الموسم الحالي شهد قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح لتتخطى حاجز الـ3.7 مليون فدان بزيادة قدرها 600 ألف فدان على العام الماضي، ولفت إلى أن «الجهود البحثية المكثفة التي بذلتها المراكز التابعة للوزارة ساهمت في رفع كفاءة الفدان ليتراوح متوسط الإنتاجية ما بين 18 إلى 20 إردباً، وذلك نتيجة استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة وتطبيق أحدث الممارسات الزراعية».

وأكد «حرص الدولة على دعم الفلاح المصري وتشجيعه وضمان العائد المناسب له وتحسين مستوى دخله»، كما أشار إلى زيادة سعر توريد القمح هذا العام إلى 2500 جنيه للإردب (الدولار يساوي 52.5 جنيه) وذلك بتوجيه من الرئيس السيسي لدعم المزارعين مع التوجيه بالصرف الفوري للمستحقات المالية للمزارعين والموردين، وبحد أقصى 48 ساعة، لافتاً إلى أن «استقبال القمح المحلي سيبدأ من 15 أبريل (نيسان) الحالي ويستمر حتى انتهاء الموسم في 15 أغسطس (آب) المقبل».

اجتماع برئاسة السيسي لمتابعة «منظومة الأمن الغذائى» الأحد الماضي (الرئاسة المصرية)

وبحسب أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي، محمد على إبراهيم، فإن «الحرب الإيرانية قد تكون ممتدة، وهناك أزمة في الأسمدة، وكل من (منظمة الفاو) و(برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) تحدثا عن مشاكل في تدفقات الغذاء ولا سيما القمح». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من المفترض أن تستبق مصر هذه التطورات، وهذا هو موسم حصاد القمح وسيتبعه موسم زراعة جديد، لذا من المناسب جداً رفع أسعار التوريد كما حدث».

ووفق اعتقاد إبراهيم فإن «الجهود الحكومية الموجودة خلال موسم القمح الحالي جيدة؛ لكن لابد من البناء عليها بشكل أكبر». ويفسر: «مثلاً تتم المقارنة ما بين سعر التوريد المحلي وسعر التوريد الدولي، ثم البدء في التسعير بشكل مناسب من أجل تنمية الزراعة ما يقربني كدولة من الاكتفاء الذاتي».

وسجلت واردات مصر من القمح ثاني أعلى مستوى تاريخي لها بنهاية العام الماضي وبانخفاض نسبته 12.7 في المائة على أساس سنوي، بحسب بيانات رسمية. وأوضحت البيانات أن «إجمالي واردات القمح خلال عام 2025 بلغ نحو 12.3 مليون طن مقارنة بنحو 14.1 مليون طن خلال 2024».

حول المحفزات الحكومية للمزارعين في موسم القمح الحالي. يرى أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي أن «رفع أسعار التوريد مهم جداً، فضلاً عن آليات الصرف السريع للمزارعين وحل أي مشاكل تواجههم». ويلفت إلى أن » آثار الحرب الإيرانية سوف تستمر حتى لو انتهت، لذا لابد من الاستعداد الحكومي لهذه الفترات المقبلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع».

جولة ميدانية لمسؤولين في وزارة الزراعة (وزارة الزراعة)

ووجه وزير الزراعة المصري، الثلاثاء، بـ«ضرورة الجاهزية القصوى وتوفير جميع الآلات والمعدات اللازمة لمساعدة المزارعين في عمليات الحصاد الآلي»، مؤكداً «أهمية صيانة المعدات وتوزيعها بشكل عادل على مختلف المحافظات لضمان سرعة نقل المحصول إلى الصوامع والشون وتسهيل عملية التوريد ومنع التكدس». كما وجه بـ«تذليل أي عقبات تواجه عمليات التوريد بما يضمن استقرار السوق المحلية وتأمين مخزون استراتيجي آمن من المحصول».

في سياق ذلك، نشر «المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، إنفوغرافاً أشار فيه إلى زيادة المساحة المزروعة بالقمح خلال الموسم الحالي. وذكر أن «هذا التوسع الكبير جاء مدعوماً بجهود بحثية مكثفة من المراكز والمعاهد التابعة لوزارة الزراعة». وأكد أن «هذا التطور يعكس نجاح استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة، إلى جانب التوسع في تطبيق الممارسات الزراعية الحديثة، بما يعزز من إنتاجية المحصول ويدعم جهود تحقيق الأمن الغذائي».

مزراعون وسط حقل قمح الشهر الماضي (وزارة الزراعة)

وقال محافظ الفيوم، محمد هانئ غنيم، إن «محصول القمح يمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التي ترتكز عليها جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائي»، مشيراً إلى «حرص الدولة على تقديم مختلف أوجه الدعم والتيسيرات اللازمة للمزارعين بهدف التوسع في المساحات المنزرعة وزيادة الإنتاجية». وأضاف في تصريحات، الثلاثاء، أن «تحقيق معدلات توريد مرتفعة من محصول القمح يسهم في تقليل الفجوة الاستيرادية وتعزيز الاكتفاء الذاتي من القمح».