البرلمان الجزائري يصادق الأربعاء على «المراجعة الدستورية التقنية»

دستور 2020 تحت مجهر 10 تعديلات لا تمس بالولايات الرئاسية... وتغييرات في بنية القضاء والانتخابات

جانب من جلسة مصادقة النواب على حزمة قوانين الإصلاحات (أرشيفية - البرلمان الجزائري)
جانب من جلسة مصادقة النواب على حزمة قوانين الإصلاحات (أرشيفية - البرلمان الجزائري)
TT

البرلمان الجزائري يصادق الأربعاء على «المراجعة الدستورية التقنية»

جانب من جلسة مصادقة النواب على حزمة قوانين الإصلاحات (أرشيفية - البرلمان الجزائري)
جانب من جلسة مصادقة النواب على حزمة قوانين الإصلاحات (أرشيفية - البرلمان الجزائري)

أعلن «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة البرلمانية العليا)، الاثنين، عن إطلاق «اللجنة البرلمانية المشتركة» لإعداد النظام الداخلي للدورة الاستثنائية لغرفتي البرلمان المرتقبة الأربعاء المقبل، بغرض التصويت على «التعديل الدستوري التقني» الذي يقترح الرئيس عبد المجيد تبون إدخاله على الدستور.

ويُعدّ هذا الإعلان ذا طابع رسمي وبروتوكولي يعكس خطوة إجرائية مهمة ضمن سير العمل التشريعي في الجزائر، إذ يتعلق باجتماع مكتبي غرفتي البرلمان، أي الهيئتين القياديتين لكل من «مجلس الأمة» بوصفه الغرفة العليا، و«المجلس الشعبي الوطني» بوصفه الغرفة السفلى؛ حيث يضم كل مكتب رئيس الغرفة ونوابه، وهم المسؤولون عن تسيير الشؤون الإدارية والسياسية داخل المؤسسة التشريعية.

البرلمان الجزائري (البرلمان)

وحسب مسودة «التعديل الدستوري التقني» الذي عرضته الرئاسة على الأحزاب مطلع العام الحالي، لإبداء الرأي، يتمحور المسعى حول تقليص نفوذ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» لصالح وزارة الداخلية، ما أثار قراءات متباينة حول استقلالية العملية الانتخابية مستقبلاً. ورغم الجدل الذي صاحب هذا التحول، فإن المشروع أغلق الباب أمام التوقعات المتعلقة بفتح الولايات الرئاسية، حاصراً التعديل في الشق التنظيمي والإداري فقط.

«تعديل لا يمس بالحقوق والحريات»

وأفاد مصدر حكومي -فضّل عدم الكشف عن هويته- بأن التعديل المقترح «يندرج ضمن مراجعة تقنية تركز على الجوانب التنظيمية وسير المؤسسات، ويهدف إلى معالجة بعض الاختلالات المرتبطة بتطبيق الدستور وتحسين الأداء المؤسساتي، دون أن يشمل الحقوق والحريات السياسية». وأضاف المصدر، أن اعتماد هذا التعديل سيتم عبر البرلمان، بوصفه أحد المسارات التي ينص عليها الدستور دون اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي.

أعضاء «المجلس الشعبي الوطني» لدى تصويتهم على «مشروع قانون تجريم الاستعمار» في 24 ديسمبر الماضي (البرلمان الجزائري)

وتندرج مراجعة الدستور ضمن الصلاحيات الأصيلة لرئيس الجمهورية، ويمكن عرضها إما على الاستفتاء الشعبي وإما مباشرة على البرلمان، بعد أخذ رأي المحكمة الدستورية، وفقاً لأحكام «المادة 221» من الدستور الذي جرى اعتماده عبر الاستفتاء في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.

وللمصادقة على التعديل، يجب أن يحظى بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء غرفتي البرلمان، أي ما لا يقل عن 437 نائباً من أصل 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني» و176 عضواً في «مجلس الأمة». وإذا تم بلوغ هذا النصاب، ينشر التعديل مباشرة في «الجريدة الرسمية»، شريطة ألا يتعارض مع أحكام المادة 223 من دستور 2020.

وتتضمن هذه المادة قائمة بـ«الثوابت» التي لا يجوز مسّها بأي تعديل دستوري، وعددها ثمانية: الطابع الجمهوري للدولة، والنظام الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية، والإسلام باعتباره دين الدولة، واللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية، واللغة الأمازيغية باعتبارها لغة وطنية ورسمية، والحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن، وسلامة التراب الوطني ووحدته، والعلم الوطني والنشيد الوطني باعتبارهما من رموز الثورة والجمهورية.

وكشفت الرئاسة عن محتوى المراجعة الدستورية في 25 يناير (كانون الثاني) 2026. وسبق هذه الخطوة جدل كبير حول رغبة مفترضة لدى الرئيس عبد المجيد تبون، لتغيير المادة التي تمنع الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين متتابعتين، علماً بأن عهدته الثانية تنتهي في 2029 ومدتها 5 سنوات.

الرئيس عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

وجرى عرض 10 مقترحات تعديل خلال اجتماع بالعاصمة، بحضور الوزير الأول سيفي غريب ومدير الديوان بالرئاسة بوعلام بوعلام، وقيادات أحزاب سياسية ومسؤولي كل الأجهزة الأمنية، إضافة إلى الرئيس بالنيابة لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات».

محاور التعديل الدستوري

وتشمل التعديلات المقترحة عدة مؤسسات أساسية في البنية الدستورية الجزائرية، منها رئاسة الجمهورية، وغرفتا البرلمان، والمجلس الأعلى للقضاء، والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

ويتعلق أول مقترح بتعديل شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، من خلال إدراج شرط يتعلق بالمستوى التعليمي للمترشح لمنصب رئيس الجمهورية، بهدف تعزيز معايير الوصول إلى أعلى منصب في الدولة.

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة التعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

أما المقترح الثاني، فيخص تنظيم مراسم أداء اليمين الدستورية، من خلال تحديد الأحكام التنظيمية المؤطرة لهذه المراسم، وتعيين الجهة التي يُؤدى أمامها اليمين بشكل صريح، بما يزيل أي غموض قانوني.

وبخصوص البرلمان، طُرحت عدة تعديلات، أبرزها تمديد عهدة رئيس «مجلس الأمة» من 3 إلى 6 سنوات، وذلك بهدف الحفاظ على الخبرة المؤسساتية وضمان استمرارية العمل البرلماني وتفادي الانقطاعات الناتجة عن التجديد الجزئي، وفق ما ورد في وثيقة تعديل الدستور بشأن هذا المقترح.

وفي السياق ذاته، يتضمن مقترح آخر إدراج حكم انتقالي يسمح بسد أي فراغ دستوري محتمل، ويوفر أساساً قانونياً للتجديد الجزئي لأعضاء «مجلس الأمة المنتخبين» خلال عهدتهم الأولى بعد السنة الثالثة، تكريساً لمبدأ «استمرارية مؤسسات الدولة».

كما جرى اقتراح تحسين الإطار التنظيمي للدورة البرلمانية العادية، من خلال تحديد افتتاحها في شهر سبتمبر (أيلول) من كل سنة، على أن تُختتم بعد مدة 10 أشهر، بما يضمن وضوحاً أكبر في أجندة البرلمان.

جانب من الحضور الحزبي في الاجتماع التشاروي حول التعديل الدستوري (الرئاسة)

وخصَّ التعديل «المجلس الأعلى للقضاء» بمقترحين؛ الأول يتعلق بإلغاء شرط الحصول على الرأي المطابق للمجلس في بعض التعيينات، خصوصاً تلك المتعلقة بالحركة السنوية لرؤساء «المجالس القضائية» (محاكم الاستئناف) ومحافظي الدولة بـ«مجلس الدولة» (أعلى هيئة في القضاء الإداري)، استناداً إلى كون رئيس الجمهورية هو نفسه رئيس هذا المجلس.

أما المقترح الثاني فيتعلق بإعادة تنظيم تركيبة «المجلس الأعلى للقضاء»، عبر حذف 3 فئات من الأعضاء، وهم المعينون من طرف رئيسي غرفتي البرلمان، وممثلو النقابات، ورئيس «المجلس الوطني لحقوق الإنسان»، مقابل إدماج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني) ضمن هذه الهيئة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شمال افريقيا أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة كأس العالم 2026... مسرح ولادة «الأوراق الرابحة» للكرة العربية

شبان برتبة نجوم... أصغر الوجوه العربية في مونديال 2026

شباب عرب يقتحمون المسرح العالمي بمونديال 2026. «الشرق الأوسط» ترصد الترتيب العمري، والأدوار التكتيكية لأصغر 9 مواهب واعدة بقيادة المصري حمزة عبد الكريم.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم» الاثنين في فرنسا تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة» وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

تواجه «دار الوثائق القومية» في الخرطوم خطراً متزايداً يهدد أكثر من 30 مليون وثيقة تؤرخ لتاريخ السودان منذ عام 1505، وذلك نتيجة الأضرار التي لحقت بالمبنى خلال الحرب.

ورغم نجاة معظم الوثائق من الحرائق التي طالت أجزاء من المبنى، فإن بقاءها وسط بيئة متضررة ومليئة بالركام والغبار يثير مخاوف جدية بشأن سلامتها على المدى الطويل.

وأكدت مديرة الدار، الدكتورة نجوى محمود، أن الأرشيف الإلكتروني فُقد خلال الحرب، مشيرة إلى إعداد خطة للتحول الرقمي وإعادة رقمنة الوثائق بهدف حمايتها من المخاطر المستقبلية.

من جهته، حذر مدير الإدارة العامة للتوثيق محمد يوسف من مخاطر موسم الأمطار المقبل بعدما خلفت القذائف فتحات في أسقف المبنى قد تسمح بتسرب المياه إلى قاعات الحفظ.

وتضم الدار وثائق نادرة، بينها أرشيف الدولة المهدية والحكم الثنائي البريطاني ـ المصري وأرشيف الصحافة السودانية. ويأمل المسؤولون في تأهيل المبنى والحفاظ على هذا الإرث الوطني الذي يمثل ذاكرة السودان عبر خمسة قرون.


هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».