ضغوط توقف هجمات فصائل عراقية على سفارة واشنطن

«الناتو» يعدل مهمته في بغداد... وبولندا تسحب جنودها

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
TT

ضغوط توقف هجمات فصائل عراقية على سفارة واشنطن

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)

دخلت الأزمة الأمنية المتصاعدة في العراق منعطفاً حذراً، مع تراجع ملحوظ في وتيرة الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد خلال اليومين الماضيين، في خطوة تعكس مزيجاً من الضغوط السياسية والقضائية الداخلية، إلى جانب رسائل تحذيرية أميركية، وفق ما أفادت به مصادر عراقية مطلعة.

يأتي هذا التطور في سياق إقليمي بالغ الحساسية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير (شباط) الماضي، والتي انعكست تداعياتها بشكل مباشر على الساحة العراقية، بصفتها إحدى ساحات النفوذ والتماس غير المباشر.

ضغوط متعددة المسارات

وقالت المصادر إن تحركات مكثفة قادتها أطراف سياسية فاعلة خلال اليومين الماضيين هدفت إلى احتواء التصعيد، ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع، قد تهدد الاستقرار الداخلي، خصوصاً في ظل أوضاع اقتصادية دقيقة.

وأوضحت أن قيادات حكومية وسياسية مارست ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة على قادة الفصائل المسلحة لوقف الهجمات الصاروخية، وهجمات الطائرات المسيّرة، محذّرة من تداعياتها على السيادة، والأمن الوطني.

وأشارت المصادر إلى أن المؤسسة القضائية دخلت على خط الأزمة عبر التلويح بملاحقات قانونية بحق المتورطين، وهو ما شكّل عامل ضغط إضافياً باتجاه التهدئة.

في المقابل، نقلت واشنطن عبر قنوات رسمية رسائل وُصفت بأنها «حازمة»، تضمنت تهديدات بخيارات تصعيدية في حال استمرار استهداف بعثاتها الدبلوماسية، ومصالحها في العراق.

«الناتو» يغادر بغداد

في تطور لافت، قال حلف شمال الأطلسي إنه يعمل ​على «تعديل» وضع مهمته في العراق، وذلك رداً على تقرير إعلامي أفاد بأن الحلف بدأ في ‌سحب أفراده ‌من ​البلاد ‌بسبب ⁠الصراعات العسكرية ​الدائرة في ⁠الشرق الأوسط. ونقلت «رويترز» عن المتحدثة باسم حلف شمال الأطلسي أليسون هارت: «يمكننا تأكيد أننا ‌نعدّل ‌وضعنا في سياق ​مهمة ‌حلف شمال الأطلسي ‌في العراق. ونعمل بالتنسيق الوثيق مع الحلفاء، والشركاء». وأضافت: «سلامة وأمن أفرادنا أمر ‌بالغ الأهمية، ولهذا السبب سنمتنع عن تقديم ⁠تفاصيل ⁠إضافية حول هذا الموضوع. وسيستمر الحوار السياسي، والتعاون العملي بين حلف شمال الأطلسي والعراق، عبر أمور منها مهمة حلف شمال الأطلسي ​في ​العراق».

من جهته، أعلن ​وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك كاميش الجمعة ‌إجلاء ‌قوات ​بلاده ‌من ⁠العراق مع ​استمرار الصراع ⁠في الشرق الأوسط. وكتب كاميش على ⁠منصة «إكس» «نظراً لتدهور ‌الوضع ​الأمني ‌في ‌منطقة الشرق الأوسط، وبعد تحليل الظروف ‌العملياتية، والتهديدات المحتملة، تم اتخاذ ⁠قرار ⁠بنقل الوحدة العسكرية البولندية من العراق».

أفراد من قوات «الحشد الشعبي» يحضرون جنازة في النجف الأربعاء (أ.ب)

تفاهمات غير معلنة

تشير المعطيات إلى وجود تفاهمات أولية غير معلنة بين الأطراف العراقية، تهدف إلى خفض التصعيد، وتقوم على امتناع الفصائل عن استهداف السفارة الأميركية، وقاعدة الدعم اللوجيستي في مطار بغداد.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الأوسط» عن أن اجتماعات منفصلة عُقدت داخل المنطقة الخضراء في بغداد، حيث التقى مسؤولون عراقيون بممثلين عن فصائل مسلحة، كما عقد المسؤولون العراقيون اجتماعاً آخر مع القائم بالأعمال الأميركي؛ لبحث آلية تحول دون تصعيد المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة.

في هذا السياق، أعلنت «كتائب حزب الله» هدنة لمدة خمسة أيام، مشروطة بعدم استهداف مواقعها، في خطوة عُدَّت اختباراً عملياً لإمكانية تثبيت التهدئة.

وكانت «كتائب حزب الله» قد طرحت جملة شروط لتعليق هجماتها، من بينها وقف ما وصفته بالهجمات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت، والتزام واشنطن بعدم استهداف مناطق سكنية داخل العراق، إضافة إلى تقليص نشاط عناصر الاستخبارات الأميركية خارج السفارة.

غير أن مصادر أشارت إلى أن الجانب الأميركي لم يقدّم حتى الآن رداً واضحاً على هذه الشروط؛ ما يبقي الهدنة في إطار هش، وقابل للانهيار.

ميدانياً، شهدت العاصمة بغداد هدوءاً نسبياً، مع اختفاء أصوات الطائرات المسيّرة، والصواريخ التي كانت تتكرر يومياً خلال شهر رمضان، في مؤشر على نجاح جزئي للجهود السياسية.

لكن هذا الهدوء يتزامن مع استمرار الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية ضد أهداف مرتبطة بالفصائل في مناطق متفرقة من البلاد، من غرب العراق إلى شماله، وصولاً إلى جنوب بغداد.

وكانت مصادر غربية أكدت أن واشنطن ستواصل نهجها القائم على توجيه ضربات إلى الفصائل المدعومة من إيران، رداً على هجماتها في العراق. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن العمليات العسكرية ستتواصل بهدف تحييد التهديدات، في ظل تصاعد التوترات الأمنية.

من جهته، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، خلال إحاطة في البنتاغون، إن مروحيات الهجوم الأميركية من طراز «AH-64» تستهدف تلك الجماعات بهدف «التأكد من قمع أي تهديد في العراق ضد المصالح أو القوات الأميركية».

مقر السفارة الأميركية داخل «المنطقة الخضراء» في بغداد (أ.ف.ب)

خسائر «الحشد الشعبي»

في غضون ذلك، أعلن هادي العامري، الأمين العام لـ«منظمة بدر»، سقوط أكثر من 160 قتيلاً وجريحاً في صفوف «الحشد الشعبي» جراء الضربات الأخيرة، مندداً بما وصفه بـ«الاعتداءات الأميركية–الإسرائيلية».

ويعكس هذا التصعيد تعقيداً إضافياً؛ إذ تصرّ الحكومة العراقية على عدّ «الحشد الشعبي» مؤسسة رسمية، في حين يؤدي تداخل بنيته مع الفصائل المسلحة إلى جعله هدفاً مشروعاً للضربات، وفق قواعد الاشتباك التي تعتمدها الولايات المتحدة، وحلفاؤها.

دولياً، تتزايد الضغوط على بغداد لضبط الجماعات المسلحة. فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السلطات العراقية إلى اتخاذ إجراءات واضحة لمنع استهداف البعثات الدبلوماسية، مؤكداً أن ذلك «لا يخدم استقرار العراق».

في موازاة ذلك، أعلن محافظ أربيل أوميد خوشناو أن عاصمة إقليم كردستان تعرضت لنحو 300 هجوم جوي وصاروخي منذ بداية التصعيد، مؤكداً أن الإقليم «ليس طرفاً في الصراع»، وأن استهدافه «غير مبرر».

ورغم مؤشرات التهدئة، لا تزال مواقف بعض الفصائل تتسم بالتصعيد. فقد أكد أكرم الكعبي، الأمين العام لـ«حركة النجباء»، أن «المقاومة» مستعدة لجميع السيناريوهات، عادَّاً أن الضربات الجوية لن تثنيها، بل ستزيدها إصراراً.

وتعكس التطورات الراهنة توازناً دقيقاً بين مساعي الاحتواء ومخاطر الانفجار. فبينما تقول الحكومة العراقية إنها تسعى إلى تجنيب البلاد التحول إلى ساحة صراع مفتوح، تبقى هشاشة التفاهمات، واستمرار الضربات المتبادلة، وخطاب التصعيد عوامل تهدّد بإعادة إشعال المواجهة في أي لحظة.


مقالات ذات صلة

بعثة «الناتو» تنسحب «مؤقتاً» من العراق مع استمرار حرب إيران

المشرق العربي صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)

بعثة «الناتو» تنسحب «مؤقتاً» من العراق مع استمرار حرب إيران

سحب حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعثته بشكل «مؤقت» من العراق، وذلك على وقع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مقر السفارة الأميركية بالعراق داخل «المنطقة الخضراء» في بغداد (أ.ف.ب)

اتصالات في بغداد لوقف استهداف السفارة الأميركية

أفضت اتصالات حكومية - سياسية في العراق إلى «عرض صيغة اتفاق» بشأن إيقاف الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي حريق يتصاعد خارج مقر السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد (أ.ف.ب)

استهداف منشأة دبلوماسية أميركية بالقرب من مطار بغداد

كشفت مصادر أمنية اليوم الأربعاء عن استهداف منشأة دبلوماسية أميركية بالقرب من مطار بغداد بصواريخ كاتيوشا وسماع صفارات الإنذار من المنشأة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

قفزت أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية في جلسة دراماتيكية واحدة يوم الأربعاء، مدفوعة باستهداف قلب البنية التحتية للغاز في إيران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
المشرق العربي لقطة عبر نهر دجلة لجانب من السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

العراق يؤكد «استتباب الأمن» رغم استمرار الهجمات المتبادلة

من دون أن تتمكن السلطات الأمنية في العراق من وقف الهجمات المتبادلة بين واشنطن والفصائل المسلحة، تصر على أن «الأوضاع مستتبة» في البلاد.

فاضل النشمي (بغداد)

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
TT

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)

أعلن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» أنه يعمل على «تعديل» وضع مهمته في العراق، في خطوة تعكس انسحاباً مؤقتاً لبعض قواته مع تصاعد التوتر الإقليمي.

وأكدت المتحدثة باسمه، أليسون هارت، الجمعة، أن الحلف «يعدّل وضعه في العراق... ويعمل بالتنسيق الوثيق مع الحلفاء»، مؤكدة أن «سلامة وأمن أفراد الحلف أمر بالغ الأهمية».

في السياق ذاته، أعلن ​وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، إجلاء ‌قوات ​بلاده ‌من ⁠العراق «بعد تحليل الظروف ‌العملياتية، والتهديدات المحتملة».

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع ضغوط سياسية مكثفة داخل بغداد لوقف هجمات الفصائل، عبر رسائل حكومية وتحذيرات قضائية وتهديدات أميركية «حازمة».

وتحدثت مصادر عن تفاهمات أولية لخفض التصعيد، ترافقت مع هدنة كانت أعلنتها «كتائب حزب الله» لخمسة أيام، وسط هدوء نسبي ميدانياً، غير أن مصادر أشارت إلى أن الجانب الأميركي لم يقدّم حتى الآن رداً واضحاً عليها؛ مما يبقي الهدنة في إطار هش وقابل للانهيار، مع استمرار الضربات الجوية التي استهدفت مقار تابعة لـ«الحشد الشعبي».


اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
TT

اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوساطات لوقف إطلاق النار مع لبنان، باندفاعة في الميدان، تمثلت في هجمات برية متزامنة على أربعة محاور، في محاولة لتشتيت القوة المدافعة التي تتصدى للتوغلات من خلال توسعة رقعة الهجوم، والضغط بالنار على لبنان قبل أي محادثات.

وعلى وقع تعزيزات إسرائيلية تتدفق إلى الحدود مع لبنان، جدد الجيش الإسرائيلي الهجمات على محوري الخيام والطيبة، واستأنف تحركاته على محور مارون الراس وعيترون في محيط مدينة بنت جبيل، فيما افتتح محوراً جديداً في القطاع الغربي باتجاه بلدة الناقورة.

وترافق التوغل مع قصف جوي ومدفعي عنيف استهدف عشرات البلدات في العمق اللبناني، وأصابت إحدى الهجمات مركزاً للدفاع المدني.

وبينما لم تثمر زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو إلى تل أبيب أي ليونة إسرائيلية تجاه الوساطة الفرنسية، تنشر «الشرق الأوسط» مضمون الورقة الفرنسية التي تتحدث عن ثلاث مراحل، ولا تشير صراحة إلى اعتراف لبناني بإسرائيل. وينص البند الأول على تأكيد «دولة لبنان التزامها احترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل»، في حين ينص البند الثاني على «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل»، لكن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما».


الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
TT

الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

لا يبدو من تصريحات وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو بعد الزيارة السريعة التي قادته الخميس والجمعة إلى لبنان وإسرائيل أنه نجح في دفع الجانب الإسرائيلي إلى تليين موقفه، والقبول بالوساطة الفرنسية لخفض التصعيد بين لبنان و«حزب الله»، توصلاً إلى اتفاقية تتخطى القرار الدولي 1701، واتفاقية وقف الأعمال العدائية لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

فالوزير الفرنسي لم يخف الهدف من جولته إذ أعلن، عقب لقائه نظيره الإسرائيلي الجمعة، أنه جاء إلى المنطقة «للبحث مع شركائنا في سبل التوصل إلى حل سياسي يتيح توفير رد مستدام للتحديات الأمنية الجماعية التي تسببت بتصعيد غير مسبوق» في إشارة للحرب القائمة بين إسرائيل و«حزب الله». وبكلام أوضح، فإن بارو كان يسعى للترويج لـ«الخطة» التي اقترحتها باريس لإيجاد حل نهائي بين بيروت وتل أبيب. وبطبيعة الحال، كرر بارو الموقف الفرنسي من الحرب الدائرة، والتي دفع إليها «القرار غير المسؤول وغير المقبول لـ(حزب الله) في الانضمام إلى الاعتداءات الإيرانية على إسرائيل بحيث فضل دعم النظام الإيراني على استقرار وأمن لبنان ما جره إلى حرب لا تريدها السلطات (اللبنانية)، ولا الشعب اللبناني».

الوزير جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة بعد انتهاء زيارته لإسرائيل (أ.ب)

حتى اليوم، ما زالت باريس تنفي أنها قدمت «خطة» للحل في لبنان، وهو ما أكده الرئيس إيمانويل ماكرون ليل الخميس-الجمعة، من بروكسل، بعد اجتماع لقادة دول الاتحاد الأوروبي بقوله: «إنه «لا يوجد أي مقترح فرنسي على الإطلاق يتضمن» اعتراف لبنان بإسرائيل، مضيفاً: «هذا غير موجود». وبصراحة متناهية، اعتبر الرئيس الفرنسي أن «موضوع المفاوضات المباشرة يتطلب جاهزية الوفود وإعراب الجانب الإسرائيلي عن موافقته (بعد) أن أعلن الرئيس عون بوضوح عن جاهزيته، واستعداده للقيام بذلك». وانتقد ماكرون العملية العسكرية الإسرائيلية «غير مقبولة بموجب القانون الدولي».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الخميس في بروكسل على هامش القمة الأوروبية (رويترز)

حقيقة الأمر أن ماكرون نفى وجود «خطة» فرنسية تتضمن «اعتراف» لبنان بإسرائيل. وبنفيه هذا، لا يجانب الرئيس الفرنسي الحقيقة لأن تعبير «الاعتراف» بإسرائيل غير وارد فيها. لكن هناك بالفعل خطة فرنسية نقلت إلى الأطراف المعنية «لبنان، إسرائيل، الولايات المتحدة» وحصلت عليها «الشرق الأوسط» وهي موجودة بالإنجليزية تحت مسمى «معايير لاتفاق بين لبنان وإسرائيل-ورقة فرنسية غير رسمية». وهذه «الورقة» أشير إليه بـ«Non Paper»، وهو المفهوم المستخدم في الأمم المتحدة بشكل خاص، والذي يعني مقترحاً قابلاً للتعديل.

إشكالية الاعتراف اللبناني بإسرائيل

تتحدث «الخطة» الفرنسية عن ثلاث مراحل لا تشير صراحة إلى «الاعتراف». ذلك أن البند الأول من المرحلة الأولى الممتدة لشهر واحد من الخطة ينص على «بند الاعتراف الأول» وفيه ما حرفيته: «تؤكد دولة لبنان التزامها باحترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل». وبعده وردت فقرة ثانية تتحدث عن «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل». بيد أن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما البعض». وإعلان «انتهاء حالة الحرب» و«اتفاق عدم الاعتداء» لا يعنيان، قانونياً، «الاعتراف» بدولة إسرائيل، إذ لا حديث عن تبادل السفراء مثلاً... ولا شك أن باريس تعي الصعوبات التي تحول دون ذلك. والإشكال واقع في «عنوان» البند الأول، وليس في مضمونه. ويرجح أن صياغته الغامضة بهذا الشكل يراد منها «إغراء» إسرائيل بقبول المقترح الفرنسي، والسير في المفاوضات السياسية المباشرة التي تطالب بها منذ أشهر، والتي كانت تريدها بديلاً عن آلية مراقبة وقف إطلاق النار «الميكانيزم» التي أطلقت في نوفمبر عام 2024. ولا شك أن ما نشره موقع «أكسيوس» قبل أسبوع، وفيه الحديث صراحة عن «الاعتراف» أثار الإشكالية المشار إليها.

رفض أميركي

اللافت في الورقة الفرنسية أنها توحي بدعم أميركي للخطة، إذ نصت على أن «لبنان وإسرائيل يجتمعان على مستوى كبار المسؤولين، ثم على المستوى السياسي في باريس، للاتفاق على إعلان سياسي مشترك، بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا». والحال أن مصدراً فرنسياً أكد الخميس أن مجلس الأمن الذي اجتمع قبل يومين في جلسة لمناقشة الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل لم يفضِ إلى أي نتيجة، لأن واشنطن ترفض أن يعمد إلى التصويت على قرار، أو حتى إصدار بيان، وأن ما تريده راهناً «توفير الوقت» لإسرائيل من أجل «إتمام المهمة» التي تقوم بها، أي القضاء على «حزب الله».

وبحسب هذا المصدر، فإن واشنطن تترك لإسرائيل حرية التصرف، مع استثناء يتناول البنى التحتية الرئيسة، مثل المطار، والمرفأ. وأكدت مصادر أخرى أن إسرائيل ما زالت حتى اليوم ترفض حتى مشاركة باريس في رعاية المفاوضات السياسية المباشرة مع الولايات المتحدة، وبالتالي مقترحها. ولم يعرف ما إذا كان بارو قد نجح في اجتماع الساعتين الذي عقده مع نظيره جدعون ساعر في دفع تل أبيب إلى تليين موقفها الرافض حتى اليوم.

خيام النازحين اللبنانيين على شاطئ مدينة بيروت (أ.ف.ب)

خطة واضحة وشاملة ولكن...

لا تكتفي الخطة الفرنسية بالمسائل الأمنية، بل تريد أن تكون شاملة لكل جوانب الوضع اللبناني، إذ تشير في مرحلتها الثالثة إلى «استكمال ترسيم الحدود البرية بحلول نهاية عام 2026 بين لبنان وإسرائيل، وكذلك بين لبنان وسوريا، وذلك بمساعدة فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والأمم المتحدة» و«تقديم دعم دولي لتعزيز أمن وسلامة الحدود اللبنانية-السورية». أما انسحاب إسرائيل «التدريجي» من الأراضي الجديدة التي احتلتها منذ معاودة الحرب في مارس (آذار) 2026 فسيتم بعد شهر، وبالتوازي بين تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء نزع سلاح «حزب الله». أما الانسحاب من المواقع الخمسة التي تحتلها منذ العام 2024 فسيحصل خلال المرحلة الثانية، أي بعد توقيع إعلان انتهاء حالة الحرب بين البلدين، مع نشر قوات من «تحالف المتطوعين» على الحدود للإشراف على ذلك. وتتضمن الخطة العديد من الالتزامات اللبنانية، ومنها التنفيذ الكامل لكافة مندرجات القرار 1701، ومنع استخدام أراضيه لمهاجمة إسرائيل، ونزع سلاح «حزب الله»، وتكليف «اليونيفيل» بالتأكد من ذلك جنوب الليطاني، فيما تتولى قوة من «تحالف المتطوعين» التأكد من نزع السلاح في المناطق اللبنانية الأخرى شرط حصوله على انتداب دولي.

ولا تشير الخطة إلى الدول التي يمكن أن تنضم إلى «تحالف المتطوعين» الذي يتعين عليه التحضير لما بعد مرحلة رحيل «اليونيفيل» عن لبنان مع بداية العام 2027، وتتحدث الخطة الفرنسية عن مؤتمر لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، وآخر لإعادة الإعمار للمناطق المعنية «بعد إعادة سيطرة الدولة عليها». واللافت أن الخطة تشير أيضاً إلى «التزامات لبنان باستكمال الإصلاحات المالية المطلوبة» بما في ذلك «قانون الفجوة المالية»، وتقديم مساعدات للنازحين.