«مجموعة السبع» تبحث «الخيار الاستراتيجي» لاحتواء صدمة أسعار النفط

مضخات نفط في مقاطعة كيرن بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)
مضخات نفط في مقاطعة كيرن بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تبحث «الخيار الاستراتيجي» لاحتواء صدمة أسعار النفط

مضخات نفط في مقاطعة كيرن بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)
مضخات نفط في مقاطعة كيرن بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

يشهد العالم، اليوم الاثنين، حالة من الترقب لاجتماع طارئ لوزراء مالية «مجموعة السبع»، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، لمناقشة تداعيات التصعيد العسكري المستمر في الشرق الأوسط، في وقت أفاد مصدر حكومي فرنسي بأن الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، في محاولة لتحقيق استقرار أسواق الطاقة التي هزتها أزمة الشرق الأوسط، سيكون أحد الخيارات المطروحة للنقاش في الاجتماع.

وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» قد ذكرت في وقت سابق أن وزراء مالية «مجموعة السبع» سيناقشون الإفراج المشترك عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية بتنسيق من وكالة الطاقة الدولية..

وقالت وزارة المالية الفرنسية إن الاجتماع، الذي سيعقد الساعة 1:30 ظهراً بتوقيت باريس (12:30 بتوقيت غرينيتش)، سيستعرض «الوضع في الخليج من منظور اقتصادي» و«أحداث الأيام الأخيرة». وأضاف المصدر الحكومي: «يُعدّ استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية أحد الخيارات المطروحة».

وتتولى فرنسا الرئاسة الدورية لـ«مجموعة الدول السبع» المتقدمة اقتصادياً، والتي تضم أيضاً كندا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

يأتي هذا الاجتماع في لحظة حرجة بعد أن سجلت أسعار النفط قفزات قياسية خلال الأيام القليلة الماضية نتيجة المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد العالمية. وتهدف الدول الأعضاء في هذا الاجتماع إلى بحث خيار الإفراج الجماعي عن كميات من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية في خطوة احترازية للحد من وتيرة ارتفاع الأسعار ومنع حدوث أزمة طاقة عالمية قد تزيد من أعباء التضخم والركود.

ما الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية؟

تعد الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية التي تملكها هذه الدول بمثابة خط الدفاع الأخير في وجه الاضطرابات الكبرى. وهي ليست مجرد مخازن تجارية عادية، بل كميات ضخمة من النفط الخام المحتفظ بها في منشآت حكومية شديدة التحصين، وغالباً ما تكون عبارة عن كهوف محلية عميقة تحت سطح الأرض توفر ظروفاً آمنة ومستدامة للتخزين لعقود.

وبموجب القواعد الدولية التي تفرضها وكالة الطاقة الدولية، تلتزم الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات تعادل 90 يوماً على الأقل من صافي وارداتها النفطية، وذلك لضمان وجود غطاء قانوني ومادي يكفل استمرار تدفق الطاقة في حالات الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الانقطاعات المفاجئة في الإنتاج.

أسباب السحب

يتمثل الهدف الجوهري من وراء السحب من هذه الاحتياطيات في إحداث تأثير مزدوج على السوق؛ الأول هو التأثير النفسي الفوري، حيث تبعث هذه الخطوة رسالة طمأنة للمستثمرين والمضاربين بأن المجتمع الدولي قادر على تعويض النقص الحالي، مما يسهم في امتصاص حالة الذعر السائدة وتهدئة الأسعار.

أما الهدف الثاني فهو التأثير الفعلي المباشر، عبر زيادة المعروض النفطي في الأسواق العالمية لتلبية الطلب الفوري وتقليل الضغوط على ممرات الشحن الحيوية التي قد تواجه مخاطر أمنية. ومع ذلك، يظل هذا الإجراء الأداة الأكثر حساسية، حيث يراه البعض حلاً مؤقتاً لا يعالج الجذور الهيكلية للأزمة، بقدر ما يوفر متنفساً زمنياً لصناع القرار.

لا يعد الإفراج عن الاحتياطيات أنه عملية لحظية كما قد يتصور البعض. ففي حالة الولايات المتحدة، التي تمتلك أكبر مخزون استراتيجي في العالم، تتطلب عملية السحب إجراءات معقدة؛ فبعد صدور القرار الرئاسي، تحتاج وزارة الطاقة إلى فترة زمنية قد تصل إلى 13 يوماً لتنفيذ عملية البيع التنافسي، واختيار العروض، وتجهيز عمليات النقل والتسليم.

وتشير البيانات لشهر فبراير (شباط) 2026 إلى أن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي يضم حوالي 415.4 مليون برميل. وتبلغ السعة التصميمية للمنشآت الأميركية نحو 714 إلى 727 مليون برميل موزعة على أربعة مواقع استراتيجية من الكهوف الملحية على طول ساحل الخليج الأميركي.

ويُعتقد أن الصين تمتلك ثاني أكبر احتياطي استراتيجي في العالم، على الرغم من أنها لا تنشر بانتظام بيانات عن طاقتها أو مخزوناتها. في عام 2024، أفادت التقارير بأن الاحتياطيات الاستراتيجية الصينية احتوت على ما يعادل واردات النفط الخام لمدة تتراوح بين 40 و50 يوماً، أي ما يقارب 290 مليون برميل عند نقطة المنتصف.

ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، امتلكت اليابان احتياطيات استراتيجية عامة تعادل واردات النفط الخام لمدة 202 يوماً في نهاية عام 2024. وبمعدل 3.37 مليون برميل يومياً، بيانات ديسمبر (كانون الأول) 2023، يصل هذا الرقم إلى حوالي 670 مليون برميل. أما المخزونات التجارية فبلغت ما يعادل واردات النفط لمدة 81 يوماً.


مقالات ذات صلة

سويسرا تنشر 4 آلاف جندي على الحدود مع استضافة فرنسا «قمة السبع»

أوروبا جندي من الجيش السويسري يستطلع عبر منظار خلال أحد التدريبات (الجيش السويسري عبر «إنستغرام»)

سويسرا تنشر 4 آلاف جندي على الحدود مع استضافة فرنسا «قمة السبع»

أعلن الجيش السويسري أنه سينشر نحو 4 آلاف جندي ​في البلاد لتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تجمع قادة العالم لحضور قمة «مجموعة السبع» في جارتها فرنسا.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا العلم الصيني أمام أحد المباني في العاصمة بكين (رويترز)

تقرير: الصين تعتمد استراتيجية تدخّل بعيد المدى في دول مجموعة السبع

أفاد تقرير لمركز أبحاث «كندي» نشر الأربعاء، بأنّ الصين تنتهج استراتيجية تدخل بعيد المدى في دول مجموعة السبع، تختلط فيها الأنشطة المشروعة والسرية.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
حصاد الأسبوع العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته في قمة «مجموعة السبع» في منتجع إيفيان الجبلي الفرنسي، بين 15 و17 يونيو (حزيران)، خبراً بروتوكولياً عادياً.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)

الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين

> أبرز ما كشفت عنه «حرب إيران» أن التصدع الأطلسي لم يعد محصوراً في ملف واحد، بل صار حصيلة تراكمات متداخلة بين الأمن والتجارة والطاقة والصين وروسيا وإيران

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر (أ.ف.ب)

مصادر: الشرع سيحضر قمة مجموعة السبع في فرنسا

قالت ثلاثة مصادر مطلعة إن سوريا ستشارك في قمة مجموعة السبع في ​فرنسا الشهر المقبل بصفة ضيف، وسيمثلها الرئيس أحمد الشرع، وهي أول مشاركة لسوريا في قمة للمجموعة

«الشرق الأوسط» (دمشق)

فخ الديون الأميركية... هل تقترض واشنطن من الغد لتمويل حروب اليوم؟

الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)
الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)
TT

فخ الديون الأميركية... هل تقترض واشنطن من الغد لتمويل حروب اليوم؟

الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)
الواجهة الغربية لمبنى الكابيتول مع المحكمة العليا على اليسار ومكتبة الكونغرس على اليمين (أ.ب)

لعقود طويلة، ظلت الولايات المتحدة محصنة ضد نظرية «التمدد الإمبراطوري الزائد» التي أطاحت بالإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ، مستندة إلى تفوقها العسكري وهيمنتها المالية المطلقة. لكن هذا الصمود بات اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى؛ بفعل تحولات جيوسياسية متسارعة، وعادة أميركية خطيرة ترسخت هذا القرن، وتقوم على «الاقتراض من الغد لتمويل حروب اليوم»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

وفي تحول هيكلي صاعق كشف عنه البنك المركزي الأوروبي مؤخراً، أطاح الذهب بسندات الخزانة الأميركية ليصبح أصل الاحتياطي الأول في العالم، حيث قفزت حصة المعدن الأصفر في احتياطيات البنوك المركزية إلى 27 في المائة بحلول نهاية العام الماضي، في مقابل تراجع حصة السندات الأميركية إلى 22 في المائة. هذا الهروب الجماعي نحو الملاذات الآمنة يتزامن مع تحذيرات علمية مرعبة أطلقها «نموذج بن وارتون للموازنة» بجامعة بنسلفانيا تؤكد أن قطار الديون الأميركية يقترب بسرعة نحو نقطة «اللانهاية» الحتمية حيث لا عودة، وفق موقع «ذي فورتشن».

هل تسقط واشنطن في «فخ ثوسيديدس»؟

في قلب العاصمة الصينية بكين وخلال استقباله للرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعة الشعب الكبرى، طرح الرئيس الصيني شي جينبينغ سؤالاً حمل دلالات تاريخية عميقة: «هل تستطيع التغلب على فخ ثوسيديدس؟». وكان شي يلمح بذكاء إلى النظرية اليونانية القديمة التي تفيد بأن القوى العظمى تسقط عندما تتجاوز التكاليف المادية والعسكرية لالتزاماتها الخارجية القدرة الإنتاجية لاقتصادها المحلي.

وتُظهر الأرقام الحالية أن خطر التمدد الزائد أصبح واقعاً داهماً؛ إذ تُقدر التكاليف المباشرة قصيرة المدى للصراع الحالي في إيران بنحو ملياري دولار يومياً. ورغم ذلك، تقدم ترمب إلى الكونغرس بطلب موازنة دفاع وطني بقيمة مذهلة بلغت 1.5 تريليون دولار، وهو ضعف الرقم المسجل عام 2020، والصادم أن هذا المبلغ لا يشمل حتى تكاليف حربه الأخيرة.

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة «إير فورس ون» أثناء رحلته من قاعدة أندروز الجوية (أ.ف.ب)

«موازنات شبحية»

تشير الباحثة ليندا بيلمز من «جامعة هارفارد» إلى أن نمط تمويل النزاعات العسكرية الأميركية شهد تحولاً غير مسبوق؛ فللمرة الأولى منذ حرب الاستقلال الأميركية، جرى تمويل تكاليف الحروب بالكامل تقريباً عبر الديون، ومن خلال ما سمته «الموازنة الشبحية» التي تفتقر إلى الرقابة والمحاسبة، مما رفع الفاتورة الإجمالية لحروب ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 8 تريليونات دولار، وفقاً لمشروع تكاليف الحرب بجامعة براون.

هذا الإسراف المالي، جنباً إلى جنب مع تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا، دفع بالدين العام الأميركي للقفز إلى مستويات قياسية تقترب من حاجز الـ 36 تريليون دولار، ليعود إلى مستوياته التاريخية المسجلة عام 1946 فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعادل تقريباً 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي حالياً.

جدار الـ 210% يهدد بالإفلاس الحتمي

في هذا السياق المتأزم، جاء تقرير «نموذج بن وارتون للموازنة» ليضع الرقم الدقيق الذي ستتحول عنده الديون الأميركية إلى قنبلة موقوتة غير قابلة للإصلاح: 210 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وفقاً للنموذج، يمثل هذا الرقم «الحد الخارجي الأقصى» للملاءة المالية الأميركية، والذي إذا تم تجاوزه، يصبح التخلف عن سداد ديون الخزانة أو العجز عن تمويل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية أمراً حتمياً. وفي حين تشير توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى إمكانية نمو الدين ليصل إلى 175 في المائة بحلول عام 2056، إلا أن «بن وارتون» يرى أن الانفجار قد يحدث قبل ذلك بكثير لعدة أسباب:

  • فاتورة الرعاية الصحية: مع الارتفاع التاريخي لتكاليف الرعاية الطبية، هناك احتمال بنسبة 25 في المائة لبلوغ الحد الأقصى للدين في غضون 14 عاماً فقط.
  • فوات الفرص التدخلية: لإنقاذ الوضع قبل فوات الأوان، ستحتاج واشنطن لفرض زيادة ضريبية دائمة ومؤلمة تصل إلى 15 نقطة مئوية كاملة على جميع دخل العمالة، وهو أمر مستبعد سياسياً.
  • التعريفات الجمركية: أكد النموذج أن سياسات ترمب لفرض تعريفات جمركية حادة (مثل تلك التي أقرت في أبريل 2025) والتي تقلل تدفق رؤوس الأموال الدولية، قد تقصر المهلة الزمنية المتاحة لأميركا بمقدار سنتين إلى أربع سنوات.

متظاهرون يقفون على جسر للمشاة حاملين لافتة كُتب عليها «أزيلوا ترمب» خلال فعالية احتجاجية بمناسبة يوم الديمقراطية في مقاطعة بالم بيتش (د.ب.أ)

الهروب الكبير

مع هروب المستثمرين الأجانب والبنوك المركزية من السندات الأميركية نتيجة المخاوف المرتبطة باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي»، و«عسكرة» الدولار عبر العقوبات المفرطة، ملأت صناديق التحوط (التي تتخذ من الملاذات الضريبية مثل جزر كايمان مقراً لها) هذا الفراغ عبر صفقات ممولة برافعة مالية ضخمة وقصيرة الأجل في سوق «الريبو».

ويحذر ويليام وايت، كبير الاقتصاديين السابق في بنك التسويات الدولية، من أن أي اضطراب يمس تمويل هذه الصناديق قد يؤدي إلى دوامة تسييل قسرية مرعبة في السوق.

بالتوازي مع ذلك، بدأت اليابان، وهي أكبر حائز أجنبي للسندات الأميركية بنحو تريليون دولار، في إعادة توجيه أموالها إلى الداخل. فمع قيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، أصبحت سندات الحكومة اليابانية أكثر جاذبية، مما تسبب في تسجيل أكبر تدفق شهري إلكتروني تاريخي نحو صناديق السندات السيادية اليابانية في مارس (آذار) الماضي، مسبباً ضعفاً شديداً في مزادات السندات الأميركية الأخيرة واضطرار الخزانة لرفع العوائد لجذب المشترين.

فخ ليز تراس الأميركي

يرى المحللون أن إدارة ترمب باتت قريبة جداً من مواجهة صدمة في سوق الديون تشبه تلك التي أطاحت برئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تراس عام 2022 بعد موازنتها غير المموّلة.

وفي حال حدوث هذا التمرد في سوق السندات، سيتعين على «الاحتياطي الفيدرالي» التدخل مجبراً لشراء الديون وإنقاذ السوق، مما يدخل البلاد في فخ «الهيمنة المادية»، حيث يعجز البنك المركزي عن رفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم خوفاً من تضخم تكلفة خدمة الدين الحكومي، مما يقود في النهاية إلى مشهد اقتصادي «ركودي تضخمي» حاد. ويشير برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «أكسفورد إيكونوميكس»، إلى أن شبح إفلاس صناديق الائتمان للضمان الاجتماعي بحلول عام 2034 قد يكون المحفز الأساسي لهذه الصدمة إذا حاولت الحكومة التغطية عليها عبر الإيرادات العامة دون إصلاحات حقيقية.

سفينة في مضيق هرمز (رويترز)

من روما نيرو إلى أميركا ترمب

في كتابه الأخير، يجري البروفسور باري إيتشنغرين، من جامعة كاليفورنيا بيركلي، مقارنة تاريخية صارخة بين العملة الأميركية في عهد ترمب، وعملة روما في زمن الإمبراطور نيرو. فبينما كان نيرو غارقاً في تمويل حروب متعددة الجبهات وتشييد مشاريع عمرانية باذخة، لم يجد مفرّاً من تخفيض نسبة الفضة في عملة «الديناريوس» لتغطية عجز إنفاقه المفرط. تلك المناورة المالية لم تكن سوى الشرارة الأولى التي أطلقت مسار التآكل التدريجي، بطيء المفعول وطويل الأجل، للهيمنة الاقتصادية التي بسطتها روما على العالم القديم.

وعلى خطى لويس الرابع عشر، ملك فرنسا الذي اعترف على فراش موته بأنه «أحب الحرب والإنفاق أكثر من اللازم»، يبدو أن ترمب مستمر في نهجه الحمائي والإنفاقي. لكن الإرث الحقيقي لهذه الحقبة سيبقى متمثلاً في جبل الديون المتراكم، والذي بدأ يقوض أركان النفوذ الأميركي في العالم، ممهداً الطريق لظهور عالم ثنائي القطب؛ أحدهما آخذ في التراجع ويقوم على الدولار المأزوم، والآخر صاعد بقوة يعتمد على الذهب واليوان الصيني عبر منصات رقمية عابرة للحدود مثل «mBridge» التي لا تعترف بالهيمنة الأميركية التقليدية.


بغداد تشكِّل فريقاً لصياغة اتفاقية نفطية جديدة مع أنقرة

حجاج مسلمون يزورون مرقد العسكريين المقدس في سامراء شمال بغداد (أ.ف.ب)
حجاج مسلمون يزورون مرقد العسكريين المقدس في سامراء شمال بغداد (أ.ف.ب)
TT

بغداد تشكِّل فريقاً لصياغة اتفاقية نفطية جديدة مع أنقرة

حجاج مسلمون يزورون مرقد العسكريين المقدس في سامراء شمال بغداد (أ.ف.ب)
حجاج مسلمون يزورون مرقد العسكريين المقدس في سامراء شمال بغداد (أ.ف.ب)

كشفت وزارة النفط العراقية، يوم الأحد، عن تشكيل فريق عمل تخصصي يتولى حالياً صياغة ومناقشة مسودة اتفاقية استراتيجية جديدة مع الجانب التركي لتنظيم عملية نقل النفط، وذلك بالتزامن مع بدء العد التنازلي لانتهاء صلاحية الاتفاقية التاريخية المبرمة بين البلدين.

وفي تصريحات خاصة لشبكة «رووداو» الإعلامية، أكَّد المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، سليم فرهود الركابي، أن الجهود المشتركة مستمرة للتوصل إلى صيغة نهائية، قائلاً: «العمل على إعداد الاتفاقية الجديدة يسير بشكل متواصل، وقد شكَّلت الوزارة فريقاً فنياً لمناقشة كافة البنود المقترحة في المسودة المشتركة».

وأشار الركابي إلى أن بغداد وأنقرة عقدتا سلسلة من الاجتماعات الثنائية الفعَّالة لتقريب وجهات النظر والوصول إلى تفاهمات متبادلة، مؤكداً أنه من المقرر عقد جولات مباحثات إضافية خلال الفترة المقبلة، ومشدداً في الوقت ذاته على ثقة الجانبين في التوصل إلى اتفاق رسمي شامل قبل الموعد النهائي المحدد.

وتكتسب هذه المباحثات صبغة استعجالية، كونها تأتي قبل أسابيع قليلة من انتهاء العمل بالاتفاقية النفطية الحالية والمقرر في 27 يوليو (تموز) المقبل.

وكانت الحكومة التركية قد مهَّدت لهذه الخطوة في 21 يوليو 2025، عقب نشر مرسوم رئاسي مهَّد له الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في الجريدة الرسمية، يقضي بإنهاء العمل بالاتفاقية النفطية الأساسية الموقَّعة بين البلدين منذ عام 1973 (والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1975)، بما تشمله من بروتوكولات ومذكرات تفاهم ملحقة، بحلول التاريخ المذكور في يوليو المقبل؛ مما يضع البلدين أمام ضرورة إقرار إطار قانوني واقتصادي جديد لضمان استدامة تدفقات الطاقة عبر الحدود.


ما المتوقع من اجتماع كبار منتجي «أوبك بلس» اليوم؟

شعار «أوبك» على مقرها في فيينا (رويترز)
شعار «أوبك» على مقرها في فيينا (رويترز)
TT

ما المتوقع من اجتماع كبار منتجي «أوبك بلس» اليوم؟

شعار «أوبك» على مقرها في فيينا (رويترز)
شعار «أوبك» على مقرها في فيينا (رويترز)

تتجه الأنظار اليوم الأحد نحو سلسلة من الاجتماعات الوزارية المكثَّفة والمتزامنة لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف «أوبك بلس»، والتي تنعقد في ظل ظروف استثنائية تشهدها أسواق الطاقة العالمية، حيث يسعى المنتجون عبر هذه المنصات المتعددة لإرساء دعائم مرحلة جديدة من التوازن واليقين الاستراتيجي.

ويشهد هذا اليوم ثلاثة اجتماعات متتالية تعكس الطابع المؤسسي الدقيق لإدارة المرحلة؛ تبدأ بمؤتمر منظمة «أوبك» الإداري، يليه عقد الاجتماع السادس والستين للجنة المراقبة الوزارية المشتركة (JMMC) المعنية بمتابعة مستويات الامتثال والتوافق وإقرار خطط التعويض الحالية، وصولاً إلى الاجتماع الوزاري الحادي والأربعين لتحالف «أوبك بلس» الأوسع، وهو الاجتماع الذي تتطلع إليه الأوساط الاستثمارية العالمية بترقب كبير.

ويأتي هذا الحراك التنسيقي مدفوعاً بزخم إيجابي وتنسيق وثيق تجسد في اللقاء الهام الذي جمع وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، مع نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك على هامش منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي قبل أيام.

وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث مع أمين عام «أوبك» هيثم الغيص خلال مشاركتهما في مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي (رويترز)

وقد عكس اللقاء تفاؤلاً كبيراً بقدرة التحالف على قيادة السوق برؤية مرنة، حيث ركزت المباحثات على النقاط الإيجابية التالية:

* تأمين إمدادات الطاقة: التأكيد السعودي على أن العالم اليوم بحاجة إلى «كل جزيء طاقة» ممكن، مما يعكس التزام المملكة والتحالف بدورهما كصمام أمان للاقتصاد العالمي.

* المرونة والجاهزية: قدرة «أوبك بلس» العالية على التكيف ومواجهة المتغيرات الجيوسياسية واللوجستية الطارئة، مع إعادة صياغة التوقعات المستقبلية للطلب بدقة لضمان استدامة الاستثمارات.

* التحضير للمستقبل: التنسيق بين القطبين يهدف إلى تهيئة الأرضية الصلبة لعودة تدفقات الإمدادات بشكل سلس وتدريجي فور زوال العوامل اللوجستية المؤقتة في المنطقة.

التوقعات والمستهدفات

وبدلاً من التركيز على التقلبات العابرة، يتوقع المراقبون أن يخرج اجتماع اليوم بتأكيد الالتزام الجماعي وإعادة ترسيخ التضامن الكامل بين الدول السبع الكبار في التحالف - السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان والجزائر وعمان - لضمان استقرار السوق على المدى الطويل من خلال إقرار سياسات إنتاجية مرنة، حيث أشارت مصادر لوكالة «رويترز» إلى أنه من المتوقع زيادة مستهدفات الإنتاج بنحو 188 ألف برميل يومياً لشهر يوليو (تموز) المقبل، وهو ما يعكس نهجاً حذراً ومدروساً يتيح خيارات التدخل السريع والتدريجي وفقاً لمعطيات السوق اليومية.

«فيتش»

ويتماشى هذا التحرك المرن مع القراءة المعمقة التي طرحتها وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني في أحدث تقاريرها، حيث أكدت الوكالة أن الإغلاق الحالي لمضيق هرمز يمثل «صدمة لوجستية مؤقتة وعابرة» ولا يعبر بأي حال من الأحوال عن تحول هيكلي أو دائم في اتجاهات سوق النفط العالمية. وحافظت الوكالة على رؤيتها الاستراتيجية بأن الإمدادات العالمية ستتجاوز حجم الطلب في المجمل خلال عام 2026، مستندة إلى غياب أي أضرار جسيمة لحقت بالبنية التحتية النفطية في المنطقة، والقدرة الفائقة على تحقيق تعافٍ سريع ومكثَّف للإنتاج في الشرق الأوسط فور إعادة فتح المضيق المتوقعة بحلول نهاية يوليو (تموز) المقبل - بافتراض فترة إغلاق فعلي تناهز خمسة أشهر.

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك مشاركاً في مؤتمر سانت بطرسبرغ الاقتصادي (رويترز)

ووفقاً لسيناريو «فيتش» الأساسي، فإن متوسط سعر خام برنت سيتأرجح حول 87 دولاراً للبرميل خلال عام 2026، مع الإشارة إلى أن غياب السعة الإنتاجية بسبب التعطل اللوجستي المؤقت سيخفض الإمدادات بنحو 2.9 مليون برميل يومياً مقارنة بعام 2025. غير أن الوكالة تتوقع ارتداداً حاداً للسوق نحو الفائض بدءاً من سبتمبر (أيلول)، ليصل حجم الفائض (التخمة النفطية) إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2026 مدعوماً بنمو قوي من المنتجين خارج «أوبك»، وهو ما سيمثل ضغطاً هبوطياً على الأسعار يعيد السوق إلى مسار التوازن الطبيعي. وتخلص «فيتش» إلى أن هذه الديناميكية تمنح خطط «أوبك بلس» فاعلية كبرى، حيث يمتلك التحالف القدرة على تجاوز الحصص السابقة وضخ كميات إضافية تضمن تلبية الطلب ومنع أي نقص هيكلي، مما يرسِّخ دور التحالف كمؤسسة استراتيجية تحول التحديات الجيوسياسية إلى فرص حقيقية لدعم أمن الطاقة ونمو الاقتصاد العالمي واستدامته.