جدل داخلي في إيران بعد اعتذار بزشكيان لدول الجوار

الرئيس الإيراني حذف تصريحات من شبكات «التواصل» بعد الانتقادات

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

جدل داخلي في إيران بعد اعتذار بزشكيان لدول الجوار

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)

أثار اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للدول المجاورة عن الهجمات التي طالت بعض أراضيها، وتعهدّه بوقف استهدافها ما لم تُستخدم أراضي تلك الدول لشن هجمات على إيران، جدلاً سياسياً واسعاً داخل مؤسسات الحكم في أول مؤشر على تصدعات في هرم القيادة في طهران بعد أسبوع من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتباينت ردود الفعل بين انتقادات حادة من برلمانيين، ومواقف عسكرية وقضائية شدَّدت على استمرار استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، في وقت تمر فيه إيران بمرحلة سياسية حساسة بعد مقتل المرشد علي خامنئي.

وفي حين حاول بزشكيان تقديم اعتذاره بوصفه رسالة سياسية تهدف إلى طمأنة دول الجوار وتجنب توسيع رقعة المواجهة، اعتبر منتقدوه من التيار المحافظ المتشدد أن الخطاب ينطوي على «تنازل غير مبرر في خضم حرب مفتوحة».

وأعادت تصريحات صادرة عن قيادات عسكرية وقضائية التأكيد على أن أي قاعدة أو مصلحة أميركية أو إسرائيلية تُستخدم ضد إيران ستظل هدفاً مشروعاً، حتى لو كانت على أراضي دول أخرى في المنطقة.

وبعد مقتل خامنئي، تولَّى مجلس قيادة مؤقتاً مهامه. ويتألف المجلس من بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعضو من مجلس صيانة الدستور هو علي رضا أعرافي.

وأدَّى اعتذار بزشكيان لدول الجوار عن الهجمات المكثَّفة التي استمرت أسبوعاً على أراضيها، وتعهده بكبح مثل هذه الهجمات، إلى ⁠رد فعل غاضب سريع من قادة الأجهزة العسكرية، خصوصاً هيئة الأركان و«الحرس الثوري» والدوائر التي تخضع للمرشد الإيراني مباشرة، مما أجبره على التراجع ‌جزئياً.

وكان بزشكيان قد قال في رسالة متلفزة إن مجلس القيادة المؤقت قرر عدم استهداف دول الجوار وعدم إطلاق صواريخ عليها، إلا إذا تعرضت إيران لهجوم من أراضي تلك الدول. وأضاف: «أعتذر باسمي وباسم إيران للدول المجاورة التي هاجمتها إيران»، مؤكداً أن طهران لا تنوي الاعتداء على أي دولة.

وقال بزشكيان في رسالته إن «الحرس الثوري» تصرف خلال الأيام الماضية «بقرار ميداني» بعد مقتل قادة كبار والمرشد في بداية الحرب. وعندما كرر لاحقاً ‌تصريحه السابق على وسائل التواصل الاجتماعي، حذف الاعتذار، في تراجع محرج.

وبذلك، تحوَّل اعتذار الرئيس الإيراني من خطوة دبلوماسية لاحتواء التوتر الإقليمي إلى محور سجال داخلي يعكس تبايناً في تفسير حدود الحرب وآليات إدارتها، في أوضح مؤشر على تباين داخل مؤسسات الحكم بشأن حدود الهجمات الإقليمية وتوصيفها.

لكن موقف بزشكيان قوبل سريعاً باعتراضات داخلية. وفي غياب خامنئي، بدأ التوتر يظهر حتى داخل تلك الهيئة المحكمة. وزاد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي حدة هذا الاتجاه، حين قال إن الأدلة لدى القوات المسلحة الإيرانية تشير إلى أن «جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت علناً أو سراً في خدمة العدو، وأن هذه المناطق تُستخدم للعدوان على إيران». وأضاف أن «الهجمات الشديدة على هذه الأهداف ستستمر»، مضيفاً أن هذه الاستراتيجية قيد التنفيذ حالياً وأن الحكومة وسائر أركان النظام متفقة عليها.

وفي موازاة هذا السجال السياسي، جاء خطاب المؤسسة العسكرية أقل ميلاً إلى التهدئة. فقد أعلنت قيادة مقر «خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المشتركة باسم هيئة الأركان، أن جميع القواعد والمصالح التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في البر والبحر والجو في المنطقة ستظل أهدافاً رئيسية للقوات المسلحة الإيرانية.

وجاء في بيان القيادة أن القوات المسلحة «تحترم مصالح وسيادة الدول المجاورة ولم تقم بأي اعتداء عليها حتى الآن»، لكنها أكدت أنه في حال استمرار الإجراءات الهجومية، فإن جميع القواعد العسكرية والمصالح التابعة للولايات المتحدة و«الكيان الصهيوني» في المنطقة ستتعرض لضربات قوية من القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية.

كما قال المتحدث باسم مقر «خاتم الأنبياء» إن أي نقطة تنطلق منها الهجمات ضد إيران ستُعد هدفاً مشروعاً، مضيفاً أن أي محاولة للدخول إلى المنطقة «ستنتهي بالوصول إلى قاع الخليج»، وأن طهران «لن تتراجع» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

برلمانياً، كتب محمد منان رئيسي، نائب مدينة قُم في البرلمان، أن «الاعتذار الغريب لرئيس الجمهورية إلى الدول المجاورة يبعث على الأسف»، مخاطباً بزشكيان: «متى سيحين وقت اعتذارك للشعب الإيراني بسبب هذه المواقف المذلّة؟».

وتابع النائب أن «الحجة قامت على مجلس خبراء القيادة، وإن الإعلان عن قائد جديد أمر عاجل»، معتبراً أن «تصريحات بزشكيان المذلّة تظهر أن على مجلس الخبراء اختيار قائد جديد في أقرب وقت ممكن».

ومضى رئيسي أبعد من ذلك قائلاً: «أليس صحيحاً أن الدول المجاورة وضعت أراضيها وممتلكاتها وفنادقها في خدمة أعدائنا؟ وهل لم يكن ينبغي لقواتنا العسكرية أن تهاجم هذه القواعد وممتلكات العدو حتى تعتذر الآن بهذا الشكل المذل؟».

وكتب النائب المحافظ جلال رشيدي كوشي على منصة «إكس»: «مع كامل الاحترام، سيادة الرئيس، يقدم الاعتذار عندما يرتكب خطأ... لكننا لم نرتكب أي خطأ». واتهم النائب الرئيس الإيراني بالافتقار إلى الحزم في رسالته، معتبراً أنها بدت ضعيفة من حيث النص وطريقة التعبير وحتى لغة الجسد.

وخاطب النائب المحافظ المتشدد حميد ‌رسائي، بزشكيان على وسائل التواصل ​الاجتماعي، قائلاً: «موقفك غير احترافي وضعيف وغير مقبول».

كما بدا أن الخارجية تنأى بنفسها من اعتذار بزشكيان، إذ سارعت لإصدار بيان قالت فيه إن «دول المنطقة مطالبة بالامتناع عن وضع أراضيها وإمكاناتها في خدمة أي عدوان عسكري ضد إيران». وأوضحت أن القانون الدولي يمنع استخدام أراضي الدول بصورة مباشرة أو غير مباشرة للإضرار بدول أخرى، مشيرة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 بشأن تعريف العدوان العسكري.

وأضاف البيان أن الدول التي يُستخدم إقليمها لشن عدوان عسكري ضد دولة ثالثة تتحمل مسؤوليات قانونية دولية، بما في ذلك التعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة. كما أكدت الوزارة أن الجمهورية الإسلامية اضطرت، في إطار «حقها الأصيل والطبيعي» في الدفاع عن نفسها، إلى تنفيذ عمليات دفاعية ضرورية ومتناسبة ضد قواعد ومنشآت المعتدين في المنطقة.

وشدَّد البيان على أن العمليات الدفاعية الإيرانية تستهدف الأهداف والمنشآت والإمكانات التي تشكل مصدر ومنطلق الأعمال العدوانية ضد الشعب الإيراني، أو التي توضع في خدمة مثل هذه الأهداف. وأشار إلى أن دول المنطقة أدركت أن القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها لم تسهم في تعزيز أمن المنطقة، بل استُخدمت لدعم «المعتدين الأميركيين والكيان الصهيوني».

واختتمت وزارة الخارجية بيانها بالتأكيد على أن الجمهورية الإسلامية «حريصة على الحفاظ على العلاقات الودية مع دول المنطقة وتطويرها على أساس الاحترام المتبادل ومبدأ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها»، مؤكدة أن «العمليات الدفاعية الإيرانية ضد القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة لا ينبغي تفسيرها على أنها عداء أو خصومة مع دول الجوار».

وفي خضم هذا الجدل، دخل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على الخط، فكتب على منصة «إكس» أن السياسات الدفاعية للجمهورية الإسلامية «ثابتة» وتستند إلى «مبادئ»، مضيفاً: «ما دامت توجد قواعد أميركية في المنطقة فإن دولها لن ترى الاستقرار». كما أشار إلى أن «جميع المسؤولين والشعب متحدون حول هذا المبدأ».

في المقابل، سعت الرئاسة الإيرانية إلى احتواء الانتقادات وتوضيح موقف الرئيس. فقد قال مهدي طباطبائي، مسؤول دائرة العلاقات العامة في الرئاسة الإيرانية، رداً على الانتقادات الداخلية لاعتذار بزشكيان، إن «رسالة الرئيس واضحة: إذا لم تتعاون دول المنطقة مع الهجوم الأميركي على إيران فلن نهاجمها». وأضاف في منشور على منصة «إكس» أن «الجمهورية الإسلامية لن ترضخ للضغوط، وقواتنا المسلحة سترد بحزم، وفق قواعد الاشتباك، على أي اعتداء ينطلق من قواعد أميركية».

وقالت مصادر مقربة من القيادة الإيرانية، متحدثة من داخل البلاد، لـ«رويترز» إن التوتر بدأ يظهر بين الشخصيات البارزة التي لا تزال على قيد الحياة بعد سلسلة من أعمال القتل في الهجمات الأميركية والإسرائيلية. وتحدثت المصادر دون الكشف عن هويتها بسبب حساسية الموضوع.

ونسبت الوكالة إلى أحد المحافظين المتشددين وهو مقرب من مكتب خامنئي، الذي لا يزال نقطة ‌مركزية في الهرم القيادي، قوله إن تعليقات بزشكيان أغضبت كثيراً من كبار القادة في «الحرس الثوري».

وقال مصدر إيراني كبير آخر، وهو مسؤول معتدل سابق، إنه لا أحد سيكون قادراً ⁠على ملء مكان خامنئي، ⁠واصفاً المرشد السابق بأنه «استراتيجي بارز قاد إيران خلال كثير من الفترات الصعبة».

وقالت «رويترز» إنه من المؤكد ‌أن جميع الشخصيات البارزة في الهرم القيادي «ثابتة في التزامها بالدفاع عن الجمهورية الإسلامية ونظامها الثوري» من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن هناك انقسامات واضحة حول نهجهم الاستراتيجي.

وقال مصدران رفيعا المستوى إن القيادة الإيرانية استغلت في بعض الأحيان الخلافات بين المحافظين المتشددين والمعتدلين كوسيلة تكتيكية في المفاوضات مع الغرب، لكن الخلاف حول اعتذار بزشكيان كشف عن انقسامات حقيقية.


مقالات ذات صلة

أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

شؤون إقليمية الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إن من غير الواقعي توقع أن يحقق أي اتفاق جديد بين إدارة دونالد ترمب وطهران «تحسناً ملموساً» مقارنة بالاتفاق النووي.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
أوروبا حاملة الطائرات «شارل ديغول» (أرشيفية - رويترز) p-circle

الحاملة الفرنسية «شارل ديغول» ستبقى في الشرق الأوسط «حتى إشعار آخر»

أكد الجيش الفرنسي، الأحد، أن حاملة الطائرات «شارل ديغول» ستبقى في الشرق الأوسط «حتى إشعار آخر»، فيما تقول أميركا إن حربها مع طهران تقترب من النهاية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

رفض الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تخوين فرض التفاوض النووي داعياً إلى الاحتكام بقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية  نتنياهو خلال حضوره جلسة تصويت في الكنيست لانتخاب مراقب الدولة الجديد في القدس يوم 3 يونيو 2026 (رويترز)

تل أبيب قلقة من اتفاق واشنطن وطهران… لكنها لا تريد إغضاب ترمب

في الوقت الذي يضطر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى امتداح التفاهمات الأميركية - الإيرانية واختيار عبارات ترضي الرئيس دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف مصافحاً قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في طهران 23 مايو (رويترز)

قاليباف يربط استمرار التفاوض بالتزامات واشنطن بعد غارات بيروت

اتهم رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف الأحد، واشنطن بعدم الوفاء بالتزاماتها بعد الغارات الإسرائيلية على ضاحية بيروت.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«معهد الدراسات اليهودية»: الإسرائيليون يخشون «حرباً أهلية»

امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
TT

«معهد الدراسات اليهودية»: الإسرائيليون يخشون «حرباً أهلية»

امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)

كشف التقرير السنوي لـ«معهد الدراسات اليهودية» الذي نُشرت نتائجه الأحد، عن تصاعد المخاوف من الانقسام الداخلي داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث اعتبر أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع، أن الاستقطاب المجتمعي يمثل التهديد الأخطر الذي يواجه الدولة، فيما عبر التقرير عن وجود خشية لدى الإسرائيليين مما وصفته وسائل إعلام عبرية بـ«حرب أهلية محتملة» عدّوها «أخطر على وجودهم من الفلسطينيين، و(البرنامج) النووي الإيراني».

ووفقاً للتقرير، رأى 55 في المائة من المستطلعين أن الانقسام الداخلي يشكل الخطر الأكبر على إسرائيل، متقدماً بفارق ملحوظ على «التهديد النووي الإيراني» الذي اختاره 23 في المائة، أو الصراع مع الفلسطينيين (18 في المائة).

وقالت صحيفة «معاريف» إن التقرير أظهر أن «الإسرائيليين يخشون بشدة خطر الحرب الأهلية أكثر من الفلسطينيين والنووي الإيراني». ويتفق 6 من كل 10 إسرائيليين (60 في المائة) على وجود خطر حقيقي حالياً لإراقة الدماء والعنف الجسدي داخل إسرائيل (حرب أهلية).

وفي التقرير يعترف نحو نصف الجمهور العلماني في إسرائيل (الذي يشكل أكبر مجموعة بين اليهود)، بأنهم لم يعودوا مقتنعين بأن إسرائيل هي المكان الصحيح، والأكثر أماناً لأطفالهم وأحفادهم للعيش فيه.

وبينما تؤيّد غالبية الجمهور (80 في المائة) تجنيد «الحريديم» (اليهود المتشددين)، فإن الرفض لدى «الحريديم» لا يزال صلباً؛ إذ عبّر 79 في المائة من بينهم عن معارضة التجنيد «حتى عندما يتم تقديم أطر عمل مخصصة، ومنفصلة مصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتهم».

«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي يوم 30 يونيو 2024 (أ.ب)

وقالت وسائل إعلام إسرائليية إن التقرير يؤكد بوضوح أن العامل الرئيسي الذي يمنع الإسرائيليين من الشعور بالتقارب فيما بينهم اليوم، ليس الجنسية أو العرق أو الأصل؛ بل الانتماء إلى معسكر سياسي متنافس (يمين أو يسار).

وقالت «معاريف»: «يؤدي الاستقطاب السياسي إلى تدمير كل شيء: إذ يقيّم أنصار اليسار مدى قربهم من أنصار اليمين بدرجة 1.25 فقط، بينما يقيّم أنصار اليمين مدى قربهم من اليسار بدرجة 3.48».

بنيت يحذر من انتخاب نتنياهو مجدداً

في غضون ذلك، شن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بنيت، هجوماً شرساً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، محذراً الإسرائيليين من أن «فترة ولاية أخرى لنتنياهو ستترك إسرائيل بلا مجتمع».

وجاء تصريحات بنيت وهو المنافس الأبرز لنتنياهو في الانتخابات المقبلة والمتوقعة في أواخر العام الحالي، خلال مقابلة مع صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ندد خلالها بنهج نتنياهو في كل شيء.

واعتبر بنيت «أنه (نتنياهو) فقد ببساطة القدرة على الحكم، وعلى كسب الحروب، وعلى استعادة الأمن والنظام، وعلى دمج المتشددين دينياً في المجتمع الإسرائيلي، وعلى إصلاح مكانة إسرائيل المتضررة في العالم».

كما هاجم بنيت «الحرب المطولة» على جبهات متعددة، باعتبار أنها «لم تكن عقيدة إسرائيل»، لأنها «تستنزف المجتمع والجنود والاقتصاد، وتضر بمكانة الدولة».

ووصف بنيت الانتخابات المقبلة في إسرائيل بأنها «أهم انتخابات في تاريخ إسرائيل»، مضيفاً في حديثه مع الصحيفة بمقر حملة حزب «معاً»؛ الحزب الجديد المندمج الذي يقوده الآن مع رئيس الوزراء السابق يائير لبيد، أن إسرائيل تواجه «لحظة وجودية»، وحذر من أن ولاية أخرى في ظل الحكومة الحالية، ستترك إسرائيل بلا اقتصاد ولا مجتمع ولا مكانة دولية فاعلة.

بنيت ولبيد خلال مؤتمر صحافي مشترك بمدينة هرتسيليا الإسرائيلية مساء الأحد (إ.ب.أ)

واعتبر بنيت الذي شغل منصب رئيس الوزراء في الفترة من 2021 إلى 2022 بعد إزاحة نتنياهو، أن اعتماد نتنياهو على شريكيه في الائتلاف من اليمين المتطرف؛ إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، قد جعله عاجزاً عن العمل. كما انتقد بنيت بشدة تعامل الحكومة مع أزمة التجنيد الإجباري لليهود «الحريديم»، واصفاً نهج إسرائيل الممتد لعقود تجاه الحكم الذاتي لـ«الحريديم»، بأنه حالة «انتحار وطني بطيء».

وفيما يتعلق بعنف المستوطنين، أدان بنيت العنف ضد الفلسطينيين الأبرياء وضد الجنود «بأشد العبارات الممكنة». وأضاف: «سأعيد القانون والنظام إلى إسرائيل».

وبالنسبة للفلسطينيين، قال: «سنحمي أمن إسرائيل مع الحفاظ على كرامة الشعب الفلسطيني وسبل عيشه. لن يرحلوا، ولن نرحل نحن أيضاً. علينا أن نتحلى بالحكمة الكافية لاتخاذ خطوات تُحسّن حياتهم اليومية دون المساس بأمن المواطنين الإسرائيليين».

وتحدث بنيت عن إضعاف المجتمع الإسرائيلي عبر الحكومة الحالية حتى قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول)، عبر «الإصلاح القضائي والطريقة التي تصرفت بها الحكومة، والتي كانت بمثابة رسالة إلى نصف الشعب الإسرائيلي: نحن نحتقركم، وسننتقم منكم».


أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
TT

أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إن من غير الواقعي توقع أن يحقق أي اتفاق جديد بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وطهران «تحسناً ملموساً» مقارنة بالاتفاق النووي الذي أبرمته إدارته مع إيران قبل 11 عاماً.

وفي مقتطفات من مقابلة بُثت، الأحد، ضمن برنامج «هذا الأسبوع» على شبكة «إيه بي سي نيوز»، قال أوباما إن التوصل إلى اتفاق لا يلبي كل مطالب واشنطن يبقى أفضل من الانزلاق إلى حرب شاملة، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث أوباما عن الاتفاق النووي المبرم عام 2015، الذي انسحب منه ترمب خلال ولايته الأولى، مشككاً في «إمكان وجود اختلاف جذري أو تحسن ملموس بين أي اتفاق يتم التوصل إليه حالياً والاتفاق الذي أبرمناه في البداية». وأضاف أن اتفاقه «بقي سارياً مدة طويلة قبل انسحاب الولايات المتحدة منه».

وتأتي تصريحات أوباما بينما يلوح ترمب منذ أشهر بإمكان التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران، من دون أن توقع طهران أي وثيقة حتى الآن. ويقول ترمب إن الاتفاق المرتقب سيمنع إيران إلى الأبد من امتلاك سلاح نووي، وسيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز المغلق عملياً.

ولم تؤكد طهران بعد استعدادها للتوقيع، وقالت إن محادثات السلام مع الولايات المتحدة «لا جدوى» منها حالياً، بعد ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت. وتصر إيران على أن يشمل أي اتفاق كل جبهات النزاع.

وقال أوباما إن تعثر المسار الجديد يذكر بأن واشنطن لا تستطيع «فرض إرادتها بالقوة، أو شق طريقها نحو الحلول بالقصف» بدلاً من اعتماد دبلوماسية شاملة. وأضاف: «كان يُفترض أن نكون قد تعلمنا هذا الدرس».


الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن من يؤمن بالوحدة والتماسك الوطني، ويدّعي الالتزام بولاية الفقيه، فعليه أن يجعل قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي أساساً للتحرك، باعتبارها حصيلة رأي جميع أركان النظام، في رد مباشر على تصاعد الهجمات الداخلية ضد مسار التفاهم المحتمل مع الولايات المتحدة.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن بزشكيان قوله إن المجلس الأعلى للأمن القومي خلص إلى أن «مسار الحوار يجب أن يستمر»، مؤكداً أن قرار الحرب والتفاوض يعود إلى المجلس الذي يضم ممثلين عن مختلف مؤسسات الحكم، ومن بينهم ممثلو المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

ووجه بزشكيان انتقاداً مباشراً إلى التلفزيون الرسمي، قائلاً إن ما يُطرح أحياناً في الهيئة، بشأن الحرب والمفاوضات لا يعكس بالضرورة مواقف المجلس الأعلى للأمن القومي أو المجلس الأعلى للدفاع أو توجيهات المرشد. وحذر من محاولات «خلق انقسامات داخلية» وتعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

وأضاف أن التطورات الأخيرة أظهرت أن «لا دولة أكثر حرصاً من إيران نفسها على مصالحها»، وأن طهران «لا ينبغي أن تتكئ على أحد...». وقال: «لن ننحني أمام أي قوة، لكننا نعد أنفسنا مسؤولين ومطالبين بالرد أمام الشعب الإيراني ومطالبه المشروعة»، مشدداً على أن المقصود بالشعب «كل الإيرانيين، لا تيار أو مجموعة بعينها».

وشدد بزشكيان على أنه لا يجوز لأي فرد أو تيار أن يضع نفسه فوق آليات اتخاذ القرار الرسمية، أو أن يحاول فرض قراءته الخاصة عبر ضغط إعلامي أو سياسي. وقال إن أي مسار تفاوضي يبقى مرهوناً بموافقة المرشد الإيراني وتقديره، مؤكداً أنه يعدّ نفسه ملزماً بالقرار النهائي للنظام، حتى إذا خالف رأيه الشخصي.

وأضاف أن النقد والمطالبة «حق طبيعي للمجتمع»، لكنه اعتبر مهاجمة أشخاص كلفوا بمهام قانونية «بعيدة عن الإنصاف والمروءة». وتابع: «من المؤسف أن من يؤدون واجباتهم في إطار مهام رسمية، وبهدف حماية المصالح الوطنية وكرامة البلاد، يواجهون اتهامات مثل الخيانة أو بيع الوطن».

وربط الرئيس الإيراني بين مسار التفاوض والضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب، قائلاً إن أولوية حكومته هي تحسين معيشة الإيرانيين وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر.

وشدد على أن التفاوض لا يعني التخلي عن المبادئ أو الخضوع للضغوط، بل هو إحدى أدوات تأمين المصالح الوطنية، مؤكداً أن حكومته تسعى، عبر الحفاظ على الاقتدار الوطني، إلى «إيجاد انفراجة للبلاد وتأمين مصالح الشعب».

وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار يستقبل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي لدى وصولهما إلى إسلام آباد للمشاركة في الجولة الأولى من المحادثات الأميركية - الإيرانية في 11 أبريل الماضي (أرشيفية - الخارجية الإيرانية)

شعارات ضد قاليباف وعراقجي

جاءت تصريحات بزشكيان بعدما تحولت تجمعات مؤيدة للمرشد وتحشد لها السلطات يومياً في طهران ومشهد، إلى استعراض ضد الاتفاق المحتمل مع واشنطن، وقادتها وجوه توصف بأنها قريبة من «جبهة بايداري» الأصولية المتشددة. وفي ساحة ابن سينا بطهران، هتف محتجون ضد وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهما من أبرز الوجوه المرتبطة بمسار التفاوض.

وردد المحتجون شعارات من بينها: «عراقجي، اخجل... واترك البلاد»، و«قاليباف، عراقجي... ماذا عن دم قائدنا؟». كما تجمع عشرات الأشخاص أمام مبنى وزارة الخارجية في مشهد، احتجاجاً على تصريحات عراقجي بشأن الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة.

وبحسب مقاطع نشرتها وكالة «فارس»، رفع المحتجون شعارات ضد عراقجي، معتبرين أن التفاهم المحتمل لا يصب في مصلحة إيران، ويضعف ورقة الضغط التي تمتلكها طهران في مضيق هرمز.

وترافق ذلك مع تصعيد من نواب محافظين ومتشددين. وقال محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، الذي قال إنه اطلع على النص النهائي للاتفاق، إن توقيعه سيجعل إيران «رسمياً مستعمرة لأميركا». وأضاف أن الاتفاق ينص على فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون قيود أو رسوم، بينما تبقى «مسألة رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة غامضة».

وقال نبويان إن اليورانيوم المخصب «يجب أن يخفف» بموجب الاتفاق، متسائلاً عما إذا كان هذا النص يحقق المصالح الوطنية. كما انتقد، في تصريحات أخرى، صياغة البنود الأولى، قائلاً إنه كان يجب أن يشير النص إلى أن الولايات المتحدة هي من بدأت الحرب، لا أن يضع واشنطن وطهران على قدم المساواة.

مفاوضون تحت الهجوم

وامتد السجال إلى اتهامات بشأن غموض النص. وادعى النائب كامران غضنفري أن فريق التفاوض أبرم «اتفاقاً سرياً» مع الأميركيين يتناقض مع ما يعلنه للرأي العام، متهماً الفريق بمحاولة منع وصول النص الإنجليزي إلى الشعب والمسؤولين والنواب «حتى لا يتضح مدى تعارضه مع المصالح الوطنية والأمن القومي».

وقال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، النائب إبراهيم رضائي إنه «لا ينبغي الوقوع في خطأ حسابي»، مضيفاً أنه حتى لو كان هناك اتفاق أو تفاهم، فإن مساره يجب أن يكون «تأديب الكيان الصهيوني».

أما النائب مرتضى محمودي، فقال إن معارضة المفاوضات ونص الاتفاق «حق أكيد»، لكنه حذر من أن بعض المشاركين في التجمعات يحاولون، عبر الإهانات والهتافات ضد مسؤولين، حرف مطالب «الشعب الثوري» ومنح «تيار التسوية» فرصة للظهور بمظهر الضحية.

وفي المقابل، هاجم النائب المعتدل جلال رشيدي كوتشي معارضي الاتفاق، قائلاً إنهم «يدعون علناً إلى التمرد في الشوارع، ويهينون قادة الميدان والمفاوضات، ويضعفون النظام بكل قوة، ويهاجمون القائد الجديد بلا مبالاة». وأضاف أنهم جعلوا «كلمات ترمب حرفاً بحرف» أساساً لتحليلاتهم، لأنهم يدركون، حسب قوله، أنهم «سيُرسلون إلى مزبلة التاريخ مثل فرقان وحجتية».

وفي سجال منفصل، اتهم رشيدي كوتشي النائب نبويان بإشعال «نار الفتنة والانقسام»، وقال إنه خالف التوجيهات بعدم تحويل الخلافات إلى صراع وتفرقة، معتبراً أن إثارة الشكوك حول «قادة ميدان التفاوض» حولت النصر إلى هزيمة وأضعفت موقع إيران أمام خصومها.

قرار النظام

وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن القرار بشأن التفاهم المحتمل مع الولايات المتحدة يتخذ على مستوى «النظام والحكومة»، وإن مهاجمة المفاوضين تعني مهاجمة «قرار وطني».

ودافعت عن قاليباف وعراقجي، قائلة إن لكل منهما سجلاً في الدفاع عن «المصالح الوطنية». وأضافت أن «الدبلوماسية ليست ضد الميدان، بل استمرار للميدان»، وأن التفاوض من موقع قوة لا يعني التراجع.

وكتب عزت الله ضرغامي، وزير الثقافة الأسبق، أن موضوعاً بهذا الحجم لا يمكن أن يكون خارج الإشراف الدقيق للمرشد، داعياً إلى الحفاظ على التضامن بوصفه «السلاح الأكثر فعالية».

وقال حسن خميني، حفيد المرشد الإيراني، إن الظروف الحالية لا تحتمل «الشجار والخلاف والكلمات الحادة»، داعياً إلى الثقة بـ«الحكمة الجماعية» والقرارات الكبرى التي يتخذها كبار مسؤولي النظام. وشدد على أن الجميع يمكنهم تقديم آراء استشارية، لكن بعد اتخاذ القرار النهائي «يجب الالتزام به».

ودافع حسن خميني عن موقع قاليباف في مسار القرار والتفاوض، واصفاً إياه بأنه «قائد حرب ومن كبار مديري الجمهورية الإسلامية»، وقال إن مهاجمة كبار صناع القرار «لا طائل منه»، خصوصاً أن هذه القرارات تتم، بحسب قوله، تحت إشراف المرشد الإيراني ومصادقته.

كما سعى عضو مجلس خبراء القيادة محمد مهدي ميرباقري إلى تهدئة المخاوف، قائلاً إن المفاوضات الجارية «لن تسير بشكل ضعيف»، وإن المرشد الإيراني «يمارس إشرافاً جدياً ويصدر توجيهات حاسمة ويسيطر على المشهد». وأضاف أن فريق التفاوض الحالي «يختلف عن الفرق السابقة»، داعياً إلى عدم ضخ القلق في المجتمع.

ثلاثة تيارات معطلة

وقال موقع «خبر أونلاين» المقرب من حكومة بزشكيان إن المعارضة المنظمة للمفاوضات تقودها ثلاثة تيارات: هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وأنصار حكومة الرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي، و«جبهة بايداري» المتشددة، بشبكتها الإعلامية ونوابها في البرلمان. ورأى الموقع أن هذه التيارات لا تقدم نقداً فنياً، بل تعتمد الاتهام وتشويه الشخصيات وبث التشاؤم تجاه أي تفاعل دبلوماسي مع واشنطن.

وأشار التقرير إلى أن هيئة الإذاعة والتلفزيون تحولت عملياً إلى منصة لمعارضي التفاوض، عبر برامج بثت خطابات تصف التفاوض بأنه «حرام» أو تعبيراً عن ضعف الإيمان. كما انتقد طريقة تناول الإعلام الرسمي لتصريحات القيادة، قائلاً إن بعض المقاطع تعرض وكأن النظام يرفض أي تفاوض مطلقاً.

أما أنصار حكومة رئيسي، فيربطون أي تفاوض جديد بتجربة الاتفاق النووي السابق وحكومة حسن روحاني، رغم أن الفريق الحالي لا ينتمي تنظيمياً إلى تلك الحكومة، وأن قاليباف نفسه شخصية أصولية. ووفق التقرير، فإن الهدف لم يعد نقد مضمون التفاوض بقدر ما أصبح تصفية حسابات سياسية مع خصوم سابقين.

أما «جبهة بايداري»، فاتهمها التقرير بنشر معلومات غير مؤكدة وتحليلات تتناقض مع الروايات الرسمية، وبإعلان دعم شكلي للفريق المفاوض أحياناً، ثم مهاجمته عملياً عبر الإعلام والتصريحات.

دور «الحرس الثوري»

ورغم أن الجدل ظهر في صورة خلاف إعلامي وبرلماني، فإن خلفيته تتصل أيضاً بموازين القوة داخل النظام. ونسبت «وول ستريت جورنال» إلى مسؤولين ووسطاء قولهم إن أحمد وحيدي، قائد «الحرس الثوري»، برز بوصفه أحد مراكز القوة التي تدفع طهران إلى التمسك بخط متشدد في التفاوض مع واشنطن.

وقالت الصحيفة إن وحيدي تجاوز، خلال الحرب، مواقف أكثر اعتدالاً للرئيس بزشكيان ووزير الخارجية، اللذين دفعا باتجاه اتفاق سريع لتجنب انهيار اقتصادي تحت ضغط الحصار الأميركي.

وفي المقابل، ركز وحيدي على إعادة ترسيخ الردع الإيراني وربط الجبهة اللبنانية بالحرب، وجعل أي اتفاق مع واشنطن مشروطاً بإنهاء إسرائيل حربها مع «حزب الله».

وتولى «الحرس الثوري» فرض السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو ما جعل ورقة المضيق حاضرة بقوة في الخلاف الداخلي. فبينما يرى مؤيدو التفاهم أن فتحه مقابل رفع الحصار الأميركي يمكن أن يثبت مكاسب الحرب، يحذر معارضوه من خسارة أهم أوراق الضغط قبل حسم ملفات النووي والعقوبات والأموال المجمدة.

وقال المحلل الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مدونة عبر شبكات التواصل إن قوى متشددة محدودة «وصلت إلى مرحلة كسر العظم» في محاولتها إفشال اتفاق تحقق بعد جهود كبيرة، محذراً من أنها مستعدة لدفع البلاد نحو الفوضى وعدم الاستقرار. واعتبر أن هذه القوى لا تتحرك لخدمة النظام، بل تريد وضع النظام في خدمتها، حتى لو كان الثمن تهديد بقاء البلاد. وكتب أن منح هذه التيارات مساحة نفوذ يشبه «تربية أفعى في الكم»، لأنها قد تنقلب في لحظة الأزمة على مصالح النظام والدولة.

ورأى أن اتفاقاً متوازناً يمكن أن ينقذ إيران والمنطقة من الانزلاق إلى «ثقب أسود جهنمي».