لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)
آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)
TT

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)
آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)

انقضت 10 سنوات على طرح «نتفليكس» الموسم الأول من مسلسل «ذا كراون» الذي يروي حكاية العائلة البريطانية المالكة، والذي دخل تاريخ الدراما التلفزيونية ولم يخرج بعد من ذاكرة المشاهدين. وها هي ذي المنصة العالمية تراهن من جديد على سيرة إحدى العائلات الأكثر تأثيراً عبر التاريخ، آل كينيدي.

قد يعتقد كثيرون أنّ وحدها قصة الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي هي التي تستحقّ السرد، إلا أنّ قراءةً سريعة في شجرة العائلة تُثبت أنّ ثمة الكثير ليُحكى عن عائلة أصابت اللعنة أفرادها، أجداداً وآباء وأحفاداً.

لم تُعلن «نتفليكس» موعد بدء العرض، لكنّ المؤكّد أن المسلسل قيد التصوير وهو بعنوان: «كينيدي». على غرار «ذا كراون» سيُقسَّم إلى مواسم عدّة، على أن يتألّف الموسم الأول من 8 حلقات. ينطلق من حقبة ثلاثينات القرن الـ20 ليكون أول أبطاله جوزيف كينيدي الأب وزوجته روز.

يركّز الموسم الأول من المسلسل على جوزيف كينيدي الأب وزوجته روز (مكتبة جون كينيدي)

يرتكز المسلسل على سيرة جون كينيدي التي نشرها فريدريك لودجفال عام 2020. ووفق «نتفليكس»، سيتناول الموسم الأول «الصعود غير المتوقع لجو وروز كينيدي وأبنائهما التسعة، بمن فيهم الابن الثاني المتمرد جون (المعروف أيضاً بجاك)، الذي يكافح للخروج من ظل أخيه الأكبر المحبوب».

وشبّه المنتج التنفيذي سام شو قصة عائلة كينيدي بـ«الأساطير الأميركية»، مصرحاً بأنها «تقع في مكانٍ ما بين أعمال شكسبير ومسلسل (The Bold and the Beautiful)».

لا تُبالغ «نتفليكس» عندما تقول إنّ «السلسلة ستكشف عن الحياة الخاصة وقصص الحب والتنافس والمآسي التي عاشتها أكثر السلالات شهرة في أميركا». فسيرة آل كينيدي، وفق ما يرويها التاريخ، محمّلة بالنكبات ومذيّلة بالتراجيديا.

جوزيف كينيدي متوسطاً ولدَيه جون (يمين) وجو (يسار) عام 1938 (مكتبة جون كينيدي)

جوزيف «جو» كينيدي الأب

في الموسم الأول ستُسلّط الأضواء على جوزيف (جو)، والد الرئيس جون كينيدي ورأس هرم العائلة. جمع الرجل بين ريادة الأعمال والسياسة فبلغ من النفوذ ما سمح له ولعائلته بالاستمتاع بالثراء والسلطة. من «وول ستريت» إلى «هوليوود»، مروراً بـ«الكونغرس»، صعد كينيدي الأب سلّم المجتمع الأميركي حتى القمّة، إلا أنّ ذلك لم يردّ عنه ضربات القدَر التي أتت من خلال أولاده.

في مسلسل «كينيدي» يؤدّي الشخصية الممثل الألماني الآيرلندي مايكل فاسبندر.

يؤدّي الممثل مايكل فاسبندر شخصية جوزيف كينيدي الأب (ويكيبيديا - رويترز)

روز كينيدي

يروي المؤرّخون وكُتّاب سيرة آل كينيدي أنّ الأب جوزيف كان حنوناً مع أولاده ومنخرطاً في شؤونهم، ولا يتردّد في التعبير لهم عن عاطفته. في المقابل، كانت روز الأمّ «امرأة صعبة وقاسية»، وفق كاتبة سيرة العائلة باميلا كيو.

على الرغم مما أحاطها به زوجها من جاهٍ ومال ومرتبةٍ اجتماعية، «لم تكن أماً جيدة لأولادها التسعة»، تتابع كيو في حوار مع مجلة «بيبول» الأميركية. «لم تكن تحضنهم ولا تقول لهم إنها تحبهم ولا تسألهم حتى إن كانوا بخير. كانت امرأة قاسية فحسب».

تروي كيو حادثةً حصلت مع الرئيس جون كينيدي وهو طفل، عندما كان في المدرسة الداخلية «أُصيب بالمرض، وبقي 3 أشهر في مستوصف المدرسة، إلا أنّ أحداً لم يحضر لزيارته».

في الموسم الأول من المسلسل، تؤدّي شخصية روز كينيدي الممثلة الآيرلندية لورا دونيلي.

روز كينيدي تجسّدها على الشاشة لورا دونيلي (مكتبة جون كينيدي - إنستغرام)

جو كينيدي الابن

جو كينيدي، حلمُ أبيه جوزيف وأوّلُ إشارات اللعنة التي رافقت آل كينيدي على امتداد الأجيال. وُلد ابن كينيدي البكر عام 1915، وكَبُر ليصبح شاباً قويّ البنية وبهيّ الطلعة. وعلى الرغم من أنه لم يكن بذكاء شقيقه الأصغر، جون، فإنّ والده رأى فيه منذ الصغر رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. بدأ تحضيره لهذا المصير ووظّف كل إمكانياته من أجل تحقيق ذاك الهدف، إلا أنّ المصائر لا يكتبها البشر.

تدرّج جو في الجيش الأميركي حتى وصل إلى رتبة ملازم طيّار في البحريّة. حاربَ في الحرب العالمية الثانية، وفي أثناء مهمة نقل متفجّرات في الطائرة التي كان يقودها عام 1944، انفجرت الحمولة قبل أوانها فلقيَ كبير أبناء كينيدي حتفَه عن 29 عاماً.

أصيب والدُه بألمٍ كبير وخطّ حينها رسالةً إلى ابنه الثاني جون، وهي تُعدُّ وثيقةً تاريخية، وممّا جاء فيها: «كانت كل خططي مرتبطة بالشاب جو... وقد انتهى كل شيء».

يؤدّي شخصية جو كينيدي الابن في المسلسل الممثل الأميركي نيك روبنسون.

الممثل نيك روبنسون يقدّم دور جو كينيدي الابن (ويكيبيديا - إنستغرام)

جون «جاك» كينيدي

لعلّ هذه الشخصية هي أكثر مَن ينتظرُها المشاهدون. جون كينيدي، الرئيس الأميركي الذي اغتيل عام 1963 عن 46 سنة، فبكَته الولايات المتحدة والعالم. وكانت نهايته تلك لعنةً إضافية في سلسلة اللعنات التي ضربت سلالة كينيدي.

نُسجت أساطير كثيرة حول ذلك الرجل، وبقيَ عالقاً في أذهان الناس على هيئة حلمٍ تبخّر بسرعة. لكن معظم هؤلاء الناس لا يعرفون من حكاية جون كينيدي سوى نصفها الثاني، أي مجد الرئاسة ومأساة الاغتيال. لكنهم لا يعرفون النصف الأول الذي كان فيه جون «طفلاً هزيلاً وكثيرَ المرض، يمضي معظم وقته في السرير وبين الكتب»، وفق كاتبة السيرة باميلا كيو.

تلك الرسالة التي خطّها جوزيف كينيدي الأب عن فاجعة رحيل ابنه البِكر، كانت في الواقع موجّهة إلى جون. ويمكن تخيّل وقعها عليه، هو الذي جرى التعامل معه دائماً على أنه البديل وليس الأصيل. وقد ردّد جون كينيدي لاحقاً، بعد أن وصل إلى ذروة السلطة، أن والده لطالما رأى شقيقه الأكبر في عالم السياسة، مضيفاً: «انخرطت في السياسة، لأنّ جو مات».

لن يكون جون كينيدي الشخصية المحوَريّة في المسلسل، على الأقلّ في الموسم الأول منه، إلا أنه سيتسنّى للمشاهدين أن يتعرّفوا على وجهه الآخر. ويؤدّي الشخصية الممثل الأميركي الصاعد جوشوا ميلنيك.

يؤدّي جوشوا ميلنيك شخصية جون كينيدي في سنوات شبابه (رويترز - إنستغرام)

روزماري الابنة المُستبعدة

عانت روزماري كينيدي، شقيقة جو وجون، من صعوباتٍ في النموّ بسبب ولادة عسيرة. وفي سن الـ23 أُخضعت لجراحةٍ في الرأس أصابتها بإعاقة أبديّة. يُحكى أنّ والدَيها حاولا إبعادها وعدم الإتيان على ذكرها قدر المستطاع، تفادياً لفضيحةٍ قد تضرّ بطموحات جوزيف كينيدي السياسية. تؤدي الدور في المسلسل الممثلة النيوزيلنديّة ليديا بيكهام.

روزماري كينيدي الابنة المصابة بإعاقة مزمنة تؤدّيها ليديا بيكهام (مكتبة جون كينيدي - إنستغرام)

آخر جراح الوالد... كاثلين وروبرت

مع الابنة الثانية كاثلين، المعروفة بـ«كيك» كينيدي، استُكملت سلسلة اللعنات التي حلّت بالعائلة. فهي قضت في حادث تحطّم طائرة عام 1948، ما أغرق والدها في دوّامة الحزن من جديد، لا سيما أنهما كانا مقرّبَين جداً. وتؤدّي شخصيتها في المسلسل الممثلة البريطانية سورا لايتفوت ليون.

أما الفصل الخامس من التراجيديا فكُتب بعد 5 سنوات على اغتيال الرئيس جون كينيدي. قضى شقيقه روبرت اغتيالاً هو الآخر، فيما كان يقوم بحملته الرئاسية.

قضى روبرت كينيدي اغتيالاً وشقيقته كاثلين في تحطّم طائرة (مكتبة جون كينيدي)

ربما لن يتّسع الموسم الأول من مسلسل «كينيدي» لسرد كل تلك الأحداث، لكنه سيفعل على امتداد المواسم التالية. مع العلم بأنّ لعنة آل كينيدي انسحبت على الأحفاد الذين قضى بعضهم في كوارث جويّة، وحوادث رياضية، وبسبب جرعات زائدة من المخدرات.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

تراجيديا حب جون كينيدي وكارولين بيسيت تعود إلى الحياة عبر الشاشة

يوميات الشرق جون إف. كينيدي جونيور وكارولين بيسيت قصة حب عاصفة انتهت بتحطّم طائرة (منصة إف إكس هولو)

تراجيديا حب جون كينيدي وكارولين بيسيت تعود إلى الحياة عبر الشاشة

مسلسل جديد يروي قصة حب جون كينيدي الابن وكارولين بيسيت، التي انتهت بموتهما معاً في حادث تحطّم طائرة كان يقودها كينيدي.

كريستين حبيب (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب رافعاً القرار التنفيذي المتعلق بالكشف عن وثائق اغتيال الرئيس جون كيندي والسيناتور روبرت كيندي والقس مارتن لوثر كينغ (أ.ب)

تتضمن مقابلات مع المتهم... الكشف عن 60 ألف صفحة إضافية من وثائق كيندي

نشرت الحكومة الفيدرالية الأميركية مساء أمس (الأربعاء) أكثر من 60 ألف صفحة من سجلات اغتيال السيناتور روبرت كيندي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للسيناتور روبرت كينيدي خلال حديثه للصحافيين عام  1968(ا.ب)

واشنطن تفرج عن 10 آلاف صفحة من سجلات اغتيال روبرت كينيدي

أفرجت السلطات الأميركية، اليوم، عن نحو 10 آلاف صفحة من السجلات المتعلقة باغتيال السيناتور روبرت كينيدي عام 1968، من بينها ملاحظات مكتوبة بخط يد المسلح.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جزء من لوحة تصور روبرت إف كيندي (الأرشيف الوطني الأميركي) p-circle

نشر 10 آلاف صفحة من سجلات اغتيال روبرت كيندي عام 1968

أفرجت السلطات الأميركية عن نحو 10 آلاف صفحة من السجلات المتعلقة باغتيال روبرت إف كيندي عام 1968، في إطار مواصلة الكشف عن الأسرار الوطنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جون كنيدي وزوجته جاكلين (أرشيفية)

ترمب: نحو 80 ألف صفحة من ملفات كينيدي ستنشر غدا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الاثنين إن إدارته ستنشر نحو 80 ألف صفحة من الملفات المتعلقة بالرئيس السابق جون كنيدي غدا الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
TT

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)

في العصر الحالي تتضمن معظم الأفلام عناصر عديدة: أصواتاً، ألواناً، مؤثرات، موسيقى، وغيرها. لكنّ العنصر الأساسي في السينما هو الصورة المعروضة على الشاشة. تخيّل حتى لو استغنينا عن كل شيء عدا الصور، سيبقى لدينا فيلم.

يكمن فن السينما في تأطير العالم للجمهور، ومساعدتهم على رؤيته بطريقة جديدة تماماً. وهذا يعني أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية، ليس فقط في صناعة الأفلام، بل في الثقافة الإنسانية جمعاء. هذه هي الفكرة التي يطرحها المخرج تيري فريمو في فيلمه الوثائقي الرائع والساخر «لوميير... السينما!» (الذي يُعرض الآن).

يُعرف فريمو لدى عشاق السينما بصفته رئيس «مهرجان كان السينمائي». وهو أيضاً مدير معهد لوميير في ليون بفرنسا، وهو متحف يُكرّم الأخوين أوغست ولويس لوميير، اللذين يُعتبران من رواد السينما. حتى لو كنتَ من هواة السينما العاديين، فمن المحتمل أنك على دراية بإحدى أشهر الأساطير في بدايات السينما: أن الجمهور الذي شاهد فيلم الأخوين لوميير عام 1896 «وصول قطار إلى لا سيوتات»، شعر بالذهول لدرجة أنهم صرخوا وركضوا إلى مؤخرة القاعة. يقول بعض المؤرخين إن هذا ربما يكون مبالغة، لكن تأثير الأخوين على تاريخ السينما يتجاوز هذه القصة، أو أفلاماً أخرى مثل «عمال يغادرون مصنع لوميير» (1895).

كان إسهامهما الأهم بلا شك اختراع جهاز السينماتوغراف، وهو جهاز يدوي محمول قادر على تصوير الأفلام وتحميضها وعرضها. مع ذلك، يرغب فريمو في طرح فكرة أوسع: أن الأخوين لوميير - ولا سيما لويس، الذي كان العقل المبدع وراء العديد من الأعمال المنسوبة إليهما - كانا فنانين بحد ذاتهما؛ إذ طورا لغة سينمائية سيتبناها ويبني عليها عشرات المخرجين اللاحقين. حتى لو كان شخص آخر قد اخترع هذه التقنية، فإن الطرق التي استخدمت بها أفلامهما تقنيات مثل اللقطات الطويلة والتأطير الدقيق، تؤهلهما لمكانة مرموقة في تاريخ السينما.

في بداية الفيلم الوثائقي، يوضح فريمو قائلاً: «سنصنع فيلماً واحداً للوميير من عدة أفلام لهما»، وهذا في الواقع تبسيط مفرط؛ فالفيلم يجمع 100 فيلم صورها الأخوان، ولاحقاً، متعاونون معهما، وقد خضعت جميعها لعملية ترميم دقيقة. لا نرى فقط التقنيات التي طورها الأخوان، بل نشاهد صورة نابضة بالحياة للحياة في مطلع القرن العشرين، من أعمال الريف الشاقة إلى مشاهد باريس الصاخبة، مروراً بمشاهد من مختلف أنحاء آسيا. تتضمن الصور جنوداً يسيرون وآخرين يلهون، ونجارين ورياضيين وأطفالاً رضعاً... بعض اللقطات معروفة، وبعضها الآخر لم يُعرض من قبل (بما في ذلك مقطع مذهل مصور بتقنية 75 ملم لم يكن بالإمكان عرضه حتى عند تصويره عام 1900). إنه فيلم طريف وجميل وحيوي.

فريمو هو الراوي، يروي (بالفرنسية) ما نشاهده، موضحاً المحتوى والسياق، ويشير أحياناً إلى تقنيات سيكررها لاحقاً مخرجون مثل فيديريكو فيليني وجون فورد. في النهاية، ينغمس فريمو في فلسفة غاية هذا الفن، الذي يصوره كفن إنساني بأبهى صوره.

وهكذا، فإن صناعة فيلم كهذا، الذي يُعيد إحياء بعض رواد السينما الأوائل ويحتفي بهم، هو وسيلة للإيمان بالإنسانية. يقول: «السينما تُعرّفني بنفسي وتُعرّفني بالآخرين. إن رعاية مستقبلها هي رعاية لأنفسنا».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
TT

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت قبل نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده، وكان هذا الصديق يعتقد أن والده ربما عاش حياة سرية مرتبطة بعالم التجسس، لكنه لم يكن يملك دليلاً واضحاً على ذلك.

وأضاف سكاتفولد لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الفكرة أثارت فضوله منذ اللحظة الأولى، خصوصاً بعد أن كشف الابن عن وجود صندوق في علّية منزل العائلة يحتوي على أشرطة فيديو قديمة ووثائق شخصية تركها والده، وهو ما بدا نقطة انطلاق مناسبة للبحث في هذه القصة الغامضة».

ويرصد الفيلم الوثائقي «حيوات أبي» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» رحلة ابن يحاول كشف حقيقة حياة والده بعد عثوره في علّية المنزل على أرشيف مخفي يضم أشرطة فيديو ووثائق ورسائل شخصية تعود لسنوات طويلة.

ومع تصفح هذه المواد تبدأ الشكوك حول الماضي الحقيقي للأب، يقود هذا الاكتشاف الابن إلى تحقيق طويل في حياة والده، حيث تتداخل روايات عن العمل الصحافي مع ادعاءات بالانخراط في عالم الاستخبارات الدولية، لتتحول القصة بحثاً إنسانياً معقداً عن الحقيقة داخل عائلة عاشت سنوات طويلة في ظل الأسرار.

ويقول سكاتفولد إن والد بطل الفيلم كان صحافياً تلفزيونياً نرويجياً عمل لسنوات طويلة في تغطية الحروب والصراعات حول العالم، وخلال مسيرته المهنية سافر إلى مناطق عدّة، مشيراً إلى أن فريق العمل بدأ في رقمنة الأشرطة القديمة بهدف حفظها، إلا أن مشاهدة هذه المواد كشفت تدريجياً عن مشاهد بدت مثيرة للتساؤل، فقد ظهرت لقطات للأب في مواقع وظروف لا تبدو مرتبطة مباشرة بعمل صحافي؛ وهو ما دفع صناع الفيلم إلى التفكير في احتمال وجود قصة أخرى خلف هذه المواد، ومع استمرار البحث في الأشرطة والوثائق بدأت تتكشف ملامح حياة أكثر تعقيداً مما كان يتخيله أفراد العائلة أنفسهم.

احتوى الفيلم على لقطات عدة من وثائق الأب (الشركة المنتجة)

وأوضح سكاتفولد أن رحلة البحث قادتهم في النهاية إلى بلغاريا، حيث كان الأب يعيش خلال السنوات الأخيرة من حياته، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التحقيق؛ إذ حاول الفريق طرح أسئلة مباشرة حول ماضيه والظروف التي أحاطت بعمله في مناطق مختلفة من العالم، ومع مرور الوقت بدأ الرجل يتحدث عن حياته بصورة أكثر وضوحاً؛ ما فتح الباب أمام رواية مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية التي كانت لدى العائلة.

وأضاف أن الأب كشف خلال هذه الأحاديث عن أنه جُنّد في منتصف ثمانينات القرن الماضي للعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وظل يعمل في مجال الاستخبارات لما يقرب من ثلاثين عاماً، مشيراً إلى أن الفيلم يتابع رحلة الابن ديدريك في محاولة فهم هذه القصة المعقدة، ومحاولة التحقق مما إذا كانت حقيقية بالكامل أم أنها خليط من الوقائع والتفسيرات الشخصية التي أحاطت بحياة والده؟

وأوضح سكاتفولد أن الجانب الأكثر حساسية في العمل لم يكن مرتبطاً بموضوع التجسس بقدر ما كان مرتبطاً بالعلاقة الإنسانية داخل العائلة، فالقصة في جوهرها تدور حول ابن يحاول فهم والده بعد سنوات طويلة من الغموض؛ وهو ما جعل العمل يحمل بعداً عاطفياً واضحاً، مؤكداً أن هذا الجانب الإنساني كان مهماً بالنسبة إليه أثناء صناعة الفيلم؛ لأنه يمنح القصة عمقاً يتجاوز مجرد كشف أسرار مهنية أو سياسية مع حرصه منذ البداية على التعامل مع الموضوع بحذر؛ لأن القصة تمس حياة أفراد الأسرة بشكل مباشر؛ ولذلك كان من الضروري التفكير في كيفية تقديم هذه الحكاية بطريقة مسؤولة تحافظ على التوازن بين كشف الحقيقة واحترام الجانب الشخصي للعائلة.

المخرج النرويجي (الشركة المنتجة)

وأضاف المخرج أن التحقيق كشف أيضاً عن أن الأب كان يستخدم في بعض الأحيان برامج شبابية اسكندنافية غطاءً للسفر إلى دول يصعب على الأميركيين الوصول إليها في تلك الفترة، وأن هذه المعلومات دفعت فريق الفيلم إلى محاولة التحقق من طبيعة الدور الذي كان يؤديه الأب في تلك الرحلات؛ ولهذا الغرض استعان الفريق بعدد من الخبراء في مجال الاستخبارات لتحليل بعض الوثائق والمواد التي قدمها الرجل، كما حاولوا مراجعة الأحداث التاريخية المرتبطة بتلك الفترات لمعرفة ما إذا كانت روايته تتقاطع مع وقائع معروفة في عالم الاستخبارات الدولية.

وأشار إلى أن الأب قدَّم لصناع الفيلم آلاف الصفحات من الوثائق والرسائل والمواد المرتبطة بعمله، وهو ما تطلب وقتاً طويلاً لفحصها وترتيبها، مشيراً إلى أن عملية مراجعة هذه المواد كانت ضرورية لفهم القصة بشكل أكثر دقة، ولتحديد ما يمكن استخدامه داخل البناء السردي للفيلم.

وأضاف أن الفريق لم يكتفِ بالوثائق التي قدمها الأب، بل حاول الحصول على معلومات إضافية من مصادر أخرى، فقد تقدم بطلبات رسمية للحصول على بعض الوثائق وفق قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة، كما أجرى مقابلات مع عدد من الأشخاص الذين كانت لهم صلة بحياة الرجل، وشملت هذه المقابلات أفراداً من العائلة وشخصيات أخرى عملت معه خلال سنوات مختلفة.


أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
TT

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

يرحل أحمد قعبور وتبقى سيرته قابلة لقراءة تتجاوز تعداد الأعمال إلى تأمُّل معنى حضوره في لحظة عربية كثيفة التحوّلات. خبر وفاته بعد قسوة المرض، يُعيد وضع اسمه في سياق جيل حمل الأغنية إلى مساحة أبعد من الاستهلاك الفنّي، وجعل منها أداة تماسّ مع الواقع وأسئلته.

صوته لم يكن أعلى من الواقع... ربما كان أصدق منه (أ.ف.ب)

تبدو تجربة قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة. الأغنية عنده شكَّلت انعكاساً مباشراً لهذا الواقع ومحاولة لإعادة صياغته بلغة أكبر قدرةً على البقاء. اكتسب حضوره طابعاً خاصاً داخل جيله؛ إذ انشغل ببناء علاقة بالمتلقّي تبحث عن المعنى في تفاصيل تفلت غالباً من الخطابات الكبيرة.

وُلد في بيروت عام 1955، في زمن كانت فيه المدينة تعيش تأرجحها بين حداثة مُتعثّرة وتاريخ مُثقل بالصراعات. في تلك البيئة، تشكَّلت حساسيته الفنّية متأثرةً بالمسرح وبالمناخ الثقافي الذي كان يرى في الفنّ امتداداً للشأن العام. منذ بداياته، اتّجه صوته نحو الإنسان في لحظاته الصعبة، لا نحو الصورة اللامعة للفنان، فصار هذا الصوت توثيقاً للحدث ومرافقاً له، يُوازيه من دون أن يعلو عليه.

كان يغنّي كما لو أنّ واحداً فقط يستمع... فاستمع الجميع (مواقع التواصل)

انحيازه إلى القضية الفلسطينية شكَّل أحد مفاتيح فَهْم تجربته. لم يأتِ هذا الانحياز على هيئة موقف طارئ، فقد مثَّل جزءاً من وعي تشكَّل مع جيله، حيث التقت الأغنية بالنصّ الشعري والسياق السياسي. هذا ما يُفسِّر علاقته بنصوص الشاعر توفيق زيّاد التي شكَّلت مدخلاً إلى صياغة خطاب فنّي يتجنَّب المُباشرة ويبحث عن أثر أعمق في المتلقّي.

كان يقترب من الكلمات... فتقترب منا (مواقع التواصل)

«أناديكم» هي الأغنية الألصق باسمه؛ لاختصارها إلى حدّ بعيد ملامح مشروعه. هذا العمل يشتغل على تحويل النداء إلى مساحة مشتركة. التكرار فيه يعمل مثل آلية تثبيتٍ لمعنى التضامن، حيث يتحوّل الصوت الفردي إلى ما يُشبه الجماعة. ومع الوقت، خرجت «أناديكم» من إطارها الأصلي لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية، تُستعاد في سياقات مختلفة وتُحمَّل في كلّ مرّة دلالات جديدة.

في «يا رايح صوب بلادي»، يتقدَّم الغياب ليصبح موضوعاً آخر من موضوعات أحمد قعبور المركزية. فالخطاب في الأغنية يعمل على تقليص المسافة رمزياً. «الرايح» يُستدعى ليحمل معه صورة المكان إلى حيث هو، لعلَّه يُعاد توزيع الذاكرة بين مَن بقي ومَن غادر. في هذا التبادل، تتخفَّف فكرة الغياب من بُعدها النهائي وتتحوَّل حالةً قابلة للمُشاركة يتقاسمها الأفراد على اختلاف مواقعهم.

هذا البناء يمنحها أثراً إنسانياً يتجاوز سياقها المباشر. فهي تتوجَّه إلى كلّ مَن عرف معنى الابتعاد القسري أو الاختياري، وكلّ مَن اضطرّ إلى إعادة تعريف علاقته بالمكان من خلال التذكُّر. بذلك، تصبح الكلمات وسيطاً لإبقاء الرابط قائماً، عبر إعادة صياغته في الوعي وتثبيته ليكون جزءاً من الهوية الشخصية والجماعية.

تميَّز أحمد قعبور بأسلوب موسيقي يقوم على الحدّ الأدنى من العناصر، وعلى مكانة خاصة للعود، وصوت يقترب من النبرة اليومية. خيار جمالي أسهم في بناء علاقة مختلفة بالجمهور، وعبَّر في الوقت نفسه عن تواضع شخصي تجلَّى في ابتعاده عن الزخرفة والاكتفاء بما يخدم المعنى.

وإلى جانب مسيرته الفنّية، مرَّ بتجربة إعلامية من خلال عمله في «تلفزيون المستقبل»، مُقدِّماً برامج ذات طابع ثقافي شعبي، حافظ فيها على اهتمامه بالمحتوى الذي يربط الفنّ بالسياق الاجتماعي. أضاء هذا المسار الموازي جانباً آخر من شخصيته، فبدا أقرب إلى المُراقب الذي يقرأ المشهد بقدر ما يُشارك فيه.

وقدَّم أعمالاً أخرى مثل «بيروت يا بيروت» و«بيروت زهرة»، واصل فيها اشتغاله على ثيمات الخراب والنجاة. وإنما حضوره بقي مرتبطاً في الوعي العام بأعمال بعينها تحوَّلت إلى علامات.

أحمد قعبور جزء من زمن كامل حيث كانت الأغنية تطرح الأسئلة وتُعبّر عن المشاعر. تبقت من تجربته مجموعةُ أعمال، وأيضاً طريقةٌ في النظر إلى الفنّ ترى فيه مساحة للمعنى. «أناديكم» و«يا رايح صوب بلادي» وجماليات أخرى، تستمرّ في التداول؛ شاهدةً على صوت اختار أن يُخفّف حدّة الزمن ويترك أثره حيث يمكن للذاكرة أن تحتفظ به طويلاً.