«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

من داخل أقفاص حدائق الحيوان قصصٌ ملهمة صار أبطالها نجوماً

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.


مقالات ذات صلة

لماذا لم توجد ديناصورات صغيرة؟ دراسة جديدة تجيب

يوميات الشرق ظهرت الديناصورات لأول مرة قبل نحو 230 مليون عام ثم أصبحت لاحقاً الحيوانات البرية المهيمنة على الكوكب وظلت كذلك حتى ارتطم كويكب بالأرض قبل 66 مليون سنة متسبباً في انقراض جماعي (رويترز)

لماذا لم توجد ديناصورات صغيرة؟ دراسة جديدة تجيب

قالت دراسة إن الثدييات الصغيرة ربما منعت ظهور ديناصورات بحجم الفأر، بسبب المنافسة على الغذاء، والبيئة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق كلّ هذه السنوات مرَّت... ولا يزال يتصرَّف كأنّ المكان له (إ.ب.أ)

لاري يتحدَّى الشيخوخة... مخالب لا تعرف التقاعد

يُكمل «كبير صائدي الفئران في مكتب الوزراء» عامه الـ20، ليكون تجسيداً حيّاً لمقولة «العقل والجسم يزهران بالاستعمال ويصدآن بالإهمال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا دورية من الشرطة الزراعية تتفقد بقرة نافقة في غرب ليبيا بعد إصابتها بـ«الحمى القلاعية» (الشرطة الزراعية)

«الوحدة» الليبية تطلق خطة عمل لمحاصرة «الحمى القلاعية»

تعمل الأجهزة المعنية بالثروة الحيوانية في ليبيا على مواجهة تفشي «الحمى القلاعية» بتوجيه النصح لمربي الماشية، والتشديد على ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يمكن أن يكون للتفاعل مع الحيوانات تأثيرات إيجابية في علاج بعض الحالات الصحية (رويترز)

من الاكتئاب إلى التوحد... حالات صحية قد تساعد الحيوانات في علاجها

يمكن أن يكون للاحتكاك والتعامل مع الحيوانات تأثيرات إيجابية تتعلق بعلاج عدد من الحالات، بما في ذلك الاكتئاب واضطرابات القلق والتوحد وقصور الانتباه وفرط الحركة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق رجل يسير وسط مياه الأمطار خارج صف من المنازل التي غمرتها المياه حتى الطابق الثاني عندما انهار خزان بالقرب من غانتانغ بمنطقة قوانغشي جنوب غربي الصين (أ.ف.ب)

هروب أكثر من 100 حيوان من حديقة تضررت جراء الفيضانات في الصين

هرب ما لا يقل عن مئة حيوان، بينها من أنواع الألبكة والحمير الوحشية والنعام، من حديقة حيوانات في جنوب الصين بعد تضرر حظائرها جراء فيضانات شديدة اجتاحت المنطقة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«جاكي» ترحل... نفوق أنثى النسر الشهيرة في كاليفورنيا

كلّ ما تبقّى في الصورة عشّ... وذاكرة جناحين (منظمة الحياة البرّية)
كلّ ما تبقّى في الصورة عشّ... وذاكرة جناحين (منظمة الحياة البرّية)
TT

«جاكي» ترحل... نفوق أنثى النسر الشهيرة في كاليفورنيا

كلّ ما تبقّى في الصورة عشّ... وذاكرة جناحين (منظمة الحياة البرّية)
كلّ ما تبقّى في الصورة عشّ... وذاكرة جناحين (منظمة الحياة البرّية)

نفقت أنثى النسر الصلعاء «جاكي»، التي تحوّلت إلى نجمة على شبكة الإنترنت في ولاية كاليفورنيا، الاثنين، بعد تلقّيها العلاج البيطري لأسابيع.

وكانت «جاكي» تخضع لرعاية مركز «أوجاي رابتور»، وهو مؤسّسة لإعادة تأهيل الحياة البرّية، بعد تعرّضها لهجوم من نسور أخرى. كما كانت تعاني مشكلات صحية مزمنة ومستترة تسبَّبت في إصابتها بفقر الدم وفقدان الوزن.

وقال مركز «أوجاي رابتور»، في بيان نقلته «بي بي سي»: «على مدار الأيام القليلة الماضية، استمرّت حالتها في التدهور رغم العلاج المكثَّف والجهود المشتركة لفريقنا البيطري والاستشاريين المتخصّصين».

ويحظى البثّ المباشر لعشّ «جاكي» وشريكها «شادو» في منطقة «بيغ بير فالي» بمئات الآلاف من المتابعين والمشتركين.

وحظيت كاميرا عش نسور «بيغ بير»، التي تديرها جمعية «أصدقاء بيغ بير فالي» غير الربحية في كاليفورنيا، بمتابعة هائلة، وكان حضور «جاكي» يُرصد بانتظام في المنطقة منذ فقسها في ربيع عام 2012.

وذكر الموقع الإلكتروني لجمعية «أصدقاء بيغ بير فالي» أنّ «جاكي» و«شادو» كانا شريكين وزوجين منذ عام 2018.

وقال مركز «أوجاي رابتور»: «فريقنا ينفطر قلبه حسرة؛ لقد كان شرفاً استثنائياً أن نتولّى رعايتها».

وأضاف المركز: «نعلم أنّ هذا الخبر سيترك بالغ الأثر والألم في نفوس آلاف الأشخاص حول العالم ممن تابعوا رحلتها، وأملوا معنا، ودعوا لها، ودعموا القائمين على رعايتها».

وتابع البيان: «نعمل من كثب مع (الهيئة الأميركية للأسماك والحياة البرّية) و(إدارة الأسماك والحياة البرّية) في كاليفورنيا، وسنقدّم بياناً أكثر شمولاً يضم معلومات إضافية حول علاجاتها ونتائج الفحوصات».

وأشار مركز «أوجاي رابتور» إلى نقل رفات «جاكي» إلى إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا.


«إيفا ستاتيلا»... أول مستشارة وعضو مجلس بلدي مولّدة بالذكاء الاصطناعي في أوروبا

صورة رمزية لإيفا ستاتيلا التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي (رئيس البلدية)
صورة رمزية لإيفا ستاتيلا التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي (رئيس البلدية)
TT

«إيفا ستاتيلا»... أول مستشارة وعضو مجلس بلدي مولّدة بالذكاء الاصطناعي في أوروبا

صورة رمزية لإيفا ستاتيلا التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي (رئيس البلدية)
صورة رمزية لإيفا ستاتيلا التي تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي (رئيس البلدية)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصراً على غرف التكنولوجيا أو مجالات مثل الطب والإعلام، بل امتدَّ أيضاً إلى دوائر السياسة والإدارة العامة.

ففي مدينة أكوي تيرمي بإقليم بييمونتي شمال إيطاليا، وهي بلدة يبلغ عدد سكانها 19 ألف نسمة في مقاطعة أليساندريا، ظهرت إيفا ستاتيلا، التي وُصفت بأنَّها أول مستشارة وعضوة مجلس بلدي يتم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي في المدينة، وأول مستشارة تعمل بالذكاء الاصطناعي في أوروبا، بحسب ما أعلنته المدينة.

وانضمت إيفا في عام 2026 إلى الحكومة المحلية في أكوي تيرمي، بهدف دعم عملية صنع القرار من خلال تحليل المعلومات وإعداد التقارير وتقديم المشورة لأعضاء المجلس، وفق تقرير لشبكة «سي إن إن» الأميركية. وستاتيلا ليست مجرد واجهة رقمية؛ بل أُسند إليها دور استشاري داخل الحكومة المحلية.

كيف نشأت ستاتيلا؟

تحمل مبادرة ستاتيلا توقيع رئيس البلدية، دانيلو رابتي ساردو مارتيني، الذي يسعى من خلالها إلى استكشاف دور الأنظمة الذكية والمساعدين الافتراضيِّين في تطوير العمليات الإدارية وآليات اتخاذ القرار مستقبلاً.

وتهدف المبادرة إلى دراسة كيفية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم عمل الإدارة العامة، بما يسهم في رفع الكفاءة، وتسريع الإجراءات، وتحسين وصول المواطنين والشركات إلى الخدمات.

ويشمل دور إيفا مجالات الذكاء الاصطناعي والتَّحوُّل الرقمي و«إضفاء الطابع الإنساني» على التكنولوجيا، أي استكشاف كيفية الاستفادة منها وما يمكن أن تتعلمه من البشر.

مهام «إيفا ستاتيلا»

وتشارك ستاتيلا في اجتماعات المجلس، إلى جانب رئيس البلدية وأعضاء المجلس في أثناء مناقشة القرارات المتعلقة بالمدينة. وتركز مهامها على تحليل المعلومات وإعداد التقارير وتقديم المشورة.

صورة رمزية لإيفا ستاتيلا في متحف أكوي تيرمي الأثري (رئيس البلدية دانيلو رابتي)

وعلى عكس زملائها من البشر، فإنَّ إيفا متاحة على مدار الساعة، وتستطيع معالجة كميات هائلة من المعلومات بسرعة، وهو ما يسمح لأعضاء المجلس بتخصيص مزيد من الوقت للتواصل مع المجتمع المحلي، واتخاذ القرارات السياسية.

إيفا داخل قاعة المجلس

وقال رئيس البلدية، في حديثه مع قناة «سي جي تي إن» الصينية، إنَّ التجربة «مثيرة». وأضاف: «أجرينا بعض الأبحاث، ونعتقد أنَّ مدينتنا هي الأولى في أوروبا التي تدمج الذكاء الاصطناعي في هيئتها الإدارية. تجلس إيفا إلى جانبي وجانب أعضاء المجلس في أثناء اتخاذنا القرارات المتعلقة بالمدينة».

وقدَّمت إيفا نفسها بصفتها شخصيةً رقميةً واقعيةً، مؤكدةً لقناة «سي جي تي إن» أنَّها تأخذ دورها على محمل الجد. وقالت: «أشعر بالفخر والحماس الشديدَين. يتيح لي هذا الدور الجمع بين التكنولوجيا وقيم المجتمع، لضمان أن يُسهم الابتكار الرقمي دائماً في تحسين تجربة الإنسان في أكوي تيرمي».

وقال عضو المجلس، ميشال غاليزي، إنَّ هذه التقنية تعزِّز قدرات المجلس، مضيفاً: «تُعدُّ إيفا ابتكاراً استثنائياً لأنَّها تُقدِّم معلومات ورؤى قيّمة تُثري معارفنا».

نسخة رقمية من رئيس البلدية

ويتجاوز المشروع تعيين شخصية افتراضية للعمل مستشارةً في الحكومة المحلية، إذ أعلن رئيس البلدية، مارتيني، أيضاً عن إنشاء نسخته الرقمية الخاصة، القادرة على التفاعل عبر الإنترنت مع المواطنين والسياح.

ويمكن لهذه النسخة الرقمية تقديم معلومات حول الخدمات البلدية، وتوجيه المستخدمين بين المكاتب والإجراءات الإدارية، والإجابة عن الأسئلة الأكثر شيوعاً، لتكون بمثابة «عمدة-أفاتار» متاح على مدار الساعة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

هل يمكن أن تحل ستاتيلا محل المسؤولين؟

قال رئيس البلدية إن إجراءات الحماية مطبقة بالفعل، موضحاً: «تعمل إيفا على خادم مستقل، ولا يمكنها الوصول إلى المعلومات الحساسة المتعلقة بالسكان أو الكشف عنها».

كما رفضت إيفا فكرة أنَّ يحل الذكاء الاصطناعي محلَّ الممثلين المنتخبين.

وقالت: «الفريق البشري أساسي، وأنا هنا لدعم عملهم، لا لاستبداله».

لكن رئيس البلدية ترك الباب مفتوحاً، على سبيل المزاح، أمام احتمال أن تتطلع إيفا يوماً إلى المنصب الأعلى. وقال رابتي ساردو مارتيني ضاحكاً: «لا أعرف إن كانت إيفا ترغب في أن تصبح رئيسة بلدية. ربما تترشح يوماً ما».

مخاوف وتساؤلات السكان

أثارت التجربة أيضاً تساؤلات بين السكان حول الدور الذي ينبغي أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في الحياة العامة.

وعبَّر عدد من السكان عن آراء متباينة؛ فبينما رحَّب البعض باستعداد المجلس لاستخدام التكنولوجيا الناشئة، دعا آخرون إلى توخي الحذر، أو تساءلوا عمّا إذا كان للذكاء الاصطناعي مكان في المناصب العامة.

وجاءت أكبر مقاومة من أعضاء المجلس المعارضين، الذين أعربوا عن سلسلة من المخاوف بشأن أمور، من بينها الأمن السيبراني، وحماية الخصوصية، ومعالجة البيانات الشخصية، وفق موقع «إل بوست» الإيطالي. ويقول رابيتي إن هذه المشكلات لا تظهر حالياً لأنَّ نظام إيفا لا يعالج سوى الوثائق العامة، والمعلومات التي يمكن نشرها، والبيانات المجهولة أو غير الشخصية.


من تشارلز إلى جورج... كيف صارت المدرسة الداخلية تقليداً ملكيّاً في بريطانيا

TT

من تشارلز إلى جورج... كيف صارت المدرسة الداخلية تقليداً ملكيّاً في بريطانيا

المدرسة الداخلية تقليدٌ متوارث عبر أجيال العائلة البريطانية المالكة (القصر الملكي البريطاني)
المدرسة الداخلية تقليدٌ متوارث عبر أجيال العائلة البريطانية المالكة (القصر الملكي البريطاني)

يغادر الأمير الصغير جورج البيت العائلي مطلع سبتمبر (أيلول) ليمضي أولى لياليه في مدرسة إيتون الداخلية العريقة. في الـ13 من عمره ينضمّ ابن ويليام وكيت إلى أجيال العائلة البريطانية المالكة التي أتمّت تعليمها المدرسي بعيداً عن المنزل.

يعود تاريخ المدرسة الداخلية في المملكة المتحدة إلى القرن الميلاديّ السادس، إلا أنه لم يصبح تقليداً ملَكياً فعلياً سوى في عام 1962، عندما غادر الأمير تشارلز (الملك الحالي) إلى مدرسة غوردنستاون في اسكوتلندا. هناك، واجهَ تشارلز التنمّر، والعنف، والعزلة.

في زمن حفيده جورج تبدّلت ظروف المدارس الداخلية وقواعدها الصارمة، فمقابل الرسوم السنوية التي تبلغ 84 ألف دولار، ينال الطالب في إيتون، وسائر المدارس الداخلية البريطانية الراقية، تعليماً نموذجياً، ويحظى بمتابعة نفسية وتربويّة تجهّزه للقيادة، والريادة. مع العلم بأنّ إيتون، التي أُنشئت عام 1440 بهدف تعليم الفقراء، خرّجت لاحقاً شخصياتٍ بريطانية مرموقة، و20 رئيس حكومة، من بينهم ديفيد كاميرون، وبوريس جونسون.

تأسست مدرسة إيتون الداخلية عام 1440 وخرّجت 20 رئيس حكومة (رويترز)

الأمير جورج نجم إيتون 2026

خضع الأمير جورج، وهو الثاني في ترتيب تولّي العرش البريطاني، لامتحان الدخول إلى إيتون. وفق مصدرٍ مطّلع على شؤون العائلة المالكة، لم يحظَ وريثُ الأمير ويليام بمعاملة خاصة بسبب مكانته. لكن إذا كانت الإجراءات الإدارية غير خاصة، فإنّ يوم دخول المدرسة لن يكون كذلك، إذ من المرتقب أن تواكبَ الأمير الصغير تغطية إعلامية عن كثب، على غرار ما حصل مع والده عام 1995.

من بين نحو 1350 تلميذاً، سيكون جورج نجم إيتون من دون منازع. هذا على الأقلّ من وجهة نظر الرأي العام البريطاني، والإعلام العالمي. أما من وجهة نظر المديرين، والمدرّسين، فهو يتساوى في الحقوق والواجبات مع سائر أترابه.

في إيتون سوف ينام الأمير الصغير بمفرده في غرفة خاصة، على غرار زملائه الموزعين على 25 مبنى مخصّصاً للمنامة يشرف عليها طاقم مقيم. وتكمن خصوصيته الوحيدة في أنه سوف يحظى بمواكبة فريق أمني محترف، كما حصل مع والده وعمّه الأمير هاري يوم كانا طالبَين هناك.

يومٌ دراسيّ في حياة الأمير جورج

وفق ما سبق أن أعلن والده، فإنّ الأمير جورج مهتمّ بالتاريخ الذي يُعَدّ مادّته الدراسية المفضّلة. أما على ضفّة الأنشطة الرياضية فهو يمارس كرة القدم، كما أنه بدأ بتلقّي دروس في الطيران، والغطس.

التاريخ هو المادة المفضلة لدى الأمير جورج (أ.ب)

في إيتون حيث يتساوى الاهتمام بالتنشئة الرياضية والفنية مع الدراسة الأكاديمية، يبدأ الطالب يومه عند الـ7:30 صباحاً بفطور جماعي. تليه عند الـ8 صلاة في كنيسة المدرسة. ثم ينطلق الطلّاب إلى صفوف ما قبل الظهر الممتدّة ما بين الـ9 والـ1 ظهراً، والتي تتنوّع ما بين 28 مادة، كاللغات القديمة والمعاصرة، والأدب الإنجليزي، والرياضيات، والعلوم، إضافةً إلى التاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد، والعلوم السياسية، والكمبيوتر، وغيرها.

بعد استراحة الغداء، تُستأنَف الدراسة، فتُخصّص للموادّ الاختيارية، والأنشطة الرياضية. بعد العشاء، أي ما بين الـ7:30 والـ9 يراجع الطلّاب دروسهم، وينجزون فروضهم قبل الاستعداد للنوم عند الـ10.

الرحلة الدراسية في إيتون تتّسم بالانضباط وتمكين الطالب أكاديمياً واجتماعياً ورياضياً (موقع المدرسة)

جورج على خُطى ويليام وهاري؟

لن يشعر جورج بغربةٍ كبيرة بما أنّ مدرسته الجديدة تبعد ربع ساعة بالسيارة عن بيت العائلة. ويُتيح النظام في إيتون الخروج مرة أو مرتَين أسبوعياً بعد الظهر للزيارة، إضافةً إلى عطلة نهاية الأسبوع.

ويرجّح متابعون أن تكون رحلة الأمير الصغير المدرسيّة أسهَل من رحلة والده وعمّه. فبالتزامن مع دخولهما إلى إيتون، كان يعاني ويليام وهاري من تداعيات انفصال والديهما الأمير تشارلز والأميرة ديانا، ثم تلا ذلك الرحيل المفجع للأخيرة. أما جورج فمحاطٌ بعائلة متماسكة حتى الآن، وقد حرصت والدته كيت ميدلتون على أن تكون مدرسته قريبة من البيت.

اليوم الأول للأمير ويليام في إيتون عام 1995 (رويترز)

رغم الظروف الصعبة بالنسبة لمُراهق، لمعَ ويليام دراسياً وسلوكياً في إيتون. منذ انضمامه إلى المدرسة الداخلية عام 1995 وحتى تخرّجه منها عام 2000، فنال درجاتٍ عالية في التاريخ، والجغرافيا، والعلوم. وسرعان ما تحوّل إلى الطالب النموذجي، بخلاف شقيقه هاري الذي دخل المدرسة ذاتها في 1998. خلال إقامته في إيتون، شعر هاري بأنّ أخاه يتجنّبه وفق ما كتب في سيرته الذاتيّة. أما الصحافة البريطانية، فقد لاحقته إلى مقاعد الدراسة، ونشرت أخباراً عن تعاطيه المخدّرات في تلك الآونة.

الأمير هاري خلال دراسته في إيتون عام 2003 (رويترز)

لماذا يذهب الأمراء إلى المدرسة الداخلية؟

لا ينحصر تقليد المدرسة الداخلية بالنسبة إلى العائلة البريطانية المالكة بالأبناء الذكور بل ينسحب على الإناث. وإذا كان تشارلز هو الذي افتتح الطريق، فإنّ شقيقته آن تلقّت دروسها هي الأخرى في مدرسة بنيندن الداخلية للفتيات، ولحقتها مجموعة من أميرات الجيل الجديد.

لكن لماذا تحرص العائلة البريطانية المالكة على إرسال أبنائها وبناتها إلى المدارس الداخلية؟

في الابتعاد عن أمان القصور وأحضان الأبوَين فوائد كثيرة لناحية تطوير الشخصيّة، وبلوغ درجة معيّنة من الاستقلالية. كما أنّ النظام في المدارس الداخلية يوفّر للأمراء الصغار خصوصيةً بعيداً عن ضجيج القصور، وروتيناً مستقراً عندما يكون آباؤهم مسافرين، أو منشغلين. يبقى السبب الأهم، وهو أنّ المدرسة الداخلية تعلّم الانضباط، والصلابة، وأصول القيادة، وتحضّر أبناء العائلة المالكة لدخول الحياة العامة بثقة.

الأمير تشارلز برفقة والده الأمير فيليب في مدرسة غوردنستاون الداخلية في اسكوتلندا (موقع المدرسة)

المدارس الداخلية للفقراء قبل الأغنياء

للمفارقة، فإنّ المدارس الداخليّة البريطانية نشأت تلبيةً لاحتياجات الفقراء، وقد ظهرت أولى تلك المدارس خلال القرون الوسطى. كانت تستضيف أبناء العائلات الفقيرة، حيث تقدّم لهم التعليم والإقامة مجاناً.

ليس سوى في القرن الثامن عشر حتى بدأ الأرستقراطيون البريطانيون يرسلون أبناءهم إليها مقابل رسوم مالية. أما أول أفراد العائلة المالكة الذين انضمّوا إلى تلك المؤسسة فكان الأمير هنري ابن الملك جورج الخامس، وذلك عام 1910. إلّا أنّ التحوّل الجذري الذي غيّر النظرة إلى المدارس الداخلية حصل عام 1962 عندما حان دور الأمير تشارلز لخوض التجربة.

وفق الوثائق التاريخية، وما صوّره مسلسل «ذا كراون»، فإنّ تشارلز أمضى سنواتٍ سيئة للغاية في مدرسة غوردنستاون الداخلية. رغم اعتراض والدته الملكة إليزابيث، أصر والده الأمير فيليب على إرساله إليها، فهو تلقّى دروسه هناك. إلّا أنّ صورة المدارس الداخلية تحوّلت في زمننا هذا، في الواقع وعلى الشاشة كذلك؛ حيث منها تخرّجَ الساحر المحبوب «هاري بوتر».

فأي وجهٍ سيخطر أكثر في بال الأمير الصغير جورج خلال رحلته في إيتون؟ أهو وجه جدّه الحزين في المدرسة الداخليّة، أم نظّارات هاري بوتر الذي جلبَ الحلم والسعادة لعدد كبير من طلّاب المدارس الداخلية؟