رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
TT

رمضان في غزة... زينة بين الأنقاض والخيام وسط صعوبات معيشية (صور)

أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)
أنوار تتلألأ وأطفال يلهون في خان يونس بغزة قبل ساعات من استقبال شهر رمضان الكريم (إ.ب.أ)

في إحدى خيام دير البلح بوسط قطاع غزة، تحاول الأسر الاحتفاظ بلمسة الفرح لشهر رمضان رغم صعوبات الحياة اليومية. جوانة (11 عاماً) وشقيقتها تيمة، بمساعدة والدتهما صفاء الحسنات، صنعن زينة رمضان من الورق المقوى المستخرج من كراتين المساعدات الغذائية، فيما استخدمن المناديل الورقية لتشكيل ورد أبيض حول هلال كارتوني.

تقول صفاء الحسنات لـ«الشرق الأوسط»، وهي أم لأربعة أطفال: «استقبال شهر رمضان في غزة، والقيام بأجوائه رفاهية صعبة المنال، في ظل أوضاع إنسانية ومعيشية صعبة، فالفانوس تحول لقصاصات ورق معتمة بلا ضوء، خصوصاً في ظل وجود آلاف السكان في خيام مهترئة لا تقي برد الشتاء أو حر الصيف».

هلال مصنوع من الورق وزينة من المناديل في خيمة صفاء الحسنات بدير البلح (الشرق الأوسط)

وتوقفت الحرب في قطاع غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد أسابيع من القصف والدمار، خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة. ومع أن الهدوء النسبي منح السكان فرصة لالتقاط الأنفاس، فإن القطاع لا يزال يواجه صعوبات معيشية حادة؛ إذ يعاني الأهالي نقصاً حاداً في السلع الأساسية، وانقطاعاً متكرراً للكهرباء، وأزمة في مياه شرب نظيفة، بالإضافة إلى تدمير المنازل والبنية التحتية، مما يضاعف من تحديات الحياة اليومية.

فتاة تحمل فانوساً استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

والكهرباء محدودة في غزة، لذا يعتمد الأطفال على بطارية صغيرة لتشغيل الزينة الرمضانية، في حين تحاول الأسر التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية؛ عبر الاعتماد على الزينة الورقية والمواد المتاحة لتوفير مسحة فرح للأطفال.

نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار

تقول صفاء الحسنات: «أهالي قطاع غزة للأسف يستقبلون رمضان بالألم والفقد وصعوبة المعيشة... الاحتلال الإسرائيلي يتعنت في إدخال المساعدات للسكان. الأوضاع المعيشية كارثية. الآلاف من السكان فقدوا عملهم وزادت معدلات البطالة، وبات أكثر من 90 في المائة من السكان يعتمدون على المؤسسات الدولية في تلبية احتياجاتهم الأساسية».

فلسطينيون يعلقون الزينة فوق أنقاض منازلهم المدمرة استعداداً لاستقبال شهر رمضان المبارك في خان يونس (إ.ب.أ)

تشكو الأم كذلك زيادة مستمرة لأسعار السلع في غزة، وتقول صفاء الحسنات: «للأسف ما زالت الأسعار مرتفعة، خصوصاً ما يتعلق بالاحتياجات الضرورية للسكان، هذا إن وجدت، حيث إن الاحتلال تعمّد إدخال الكماليات من حاجيات السكان ومتطلباتهم؛ مثل السكريات والدهون والكربوهيدرات، وقلّل من السلع الأساسية كاللحوم والخضراوات والفواكه المهمة وغاز الطهي، لذا فما هو متوفر سعره غالٍ قياساً بالأوضاع الاقتصادية للسكان ومصادر دخلهم المحدود».

وشهدت أسعار السلع الأساسية في غزة ارتفاعاً حاداً، حيث سجل مؤشر أسعار المستهلك في قطاع غزة زيادة قياسية بنسبة 43.21 في المائة في مايو (أيار) الماضي، مقارنة بشهر أبريل (نيسان) من العام نفسه، نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي ومحدودية دخول الشاحنات التجارية التي نقلت السلع إلى القطاع، مما أدى إلى نقص حاد في الدجاج واللحوم والفواكه ومنتجات الألبان والبيض، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.

توقفت الحرب واستمرت المعاناة

وعن تغير الاستعداد للشهر الكريم مقارنة بالأعوام السابقة، تقول الأم الأربعينية: «بالطبع اختلف، فالخيام هي ملجأ السكان للعيش بلا أمان بسبب استمرار القصف رغم إعلان وقف النار، وموائد العائلات باتت حزينة بسبب المقاعد الفارغة لأصحابها الذين رحلوا، فضلاً عن عدم مقدرة السكان على تلبية احتياجات رمضان من مأكل ومشرب مثل كل عام قبل الحرب».

مظاهر من الاستعداد لشهر رمضان في خان يونس بغزة (إ.ب.أ)

وتقول صفاء الحسنات إن هذا العام خفت حدة القصف الذي طال القطاع، لكنه لم يتوقف، وتتابع: «رمضان العام الماضي بدأته إسرائيل باستئناف الحرب التي كانت أشد من السابق، فضلاً عن إغلاق المعابر بشكل كامل، كما اختلف في عدد القبور التي يمكن زيارتها من قبل السكان، فالأعداد فاقت التصور».

ويتفق معها المصور الحر عطية درويش (38 عاماً)، ويقول: «رمضان يختلف من حيث المشاعر والظروف. فقبل الحرب، رغم الحصار، كانت الحياة أكثر استقراراً نسبياً. أما اليوم، فيحمل رمضان طابعاً إنسانياً أعمق، تسوده مشاعر الفقد والصبر».

بين المنازل المدمرة يعلق فلسطينيون الزينة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

ويستطرد درويش أن المظاهر الرمضانية في قطاع غزة تغيرت بعد الحرب، إذ أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الضرورية، وتراجعت مظاهر الزينة والولائم الكبيرة، كما أن التجمعات العائلية قد تكون أقل بسبب ظروف السكن والنزوح.

الاعتماد على المساعدات الإنسانية

ويرصد درويش استقبال الأهالي لشهر رمضان في غزة بمزيج من الارتياح الحذر والألم؛ فوقف إطلاق النار منح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن آثار الحرب ما زالت حاضرة في البيوت المهدّمة، وفقدان الأحبة، وصعوبة الأوضاع المعيشية. رغم ذلك، يحرص كثيرون على إحياء أجواء الشهر بروح إيمانية عالية وشعور بالتكافل.

ويقول درويش: «الأوضاع لا تزال صعبة؛ نسبة كبيرة من الأسر تعاني تراجع الدخل أو فقدانه، مع استمرار تحديات الكهرباء والمياه والخدمات. كما أن عملية إعادة الإعمار بطيئة، ما ينعكس على الاستقرار اليومي للعائلات».

أوضاع معيشية صعبة تمر بقطاع غزة لم تمنع سكانها من الاستعداد لاستقبال شهر رمضان (إ.ب.أ)

وعن توفر السلع الأساسية، يقول درويش: «يتوفر جزء كبير من السلع، لكن ليس دائماً بالكميات الكافية أو بالأسعار المناسبة للجميع. بعض الأصناف قد تشهد نقصاً مؤقتاً، خصوصاً اللحوم وبعض المواد المستوردة، في حين تتوافر الخضراوات والمواد الأساسية بشكل أفضل نسبياً، وتشهد بعض السلع الأساسية ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة بسبب تكاليف النقل وقلة المعروض في فترات معينة». ويختتم درويش حديثه بأن الأسر في غزة تركز على الأساسيات إن وجدت، إذ إن كثيراً من العائلات يعتمد على المساعدات الإنسانية.

متمسكون بالأمل رغم غياب الأحبة

تحاول أسرة أسماء مصطفى، وهي معلمة في غزة، أن تتغلب على حزن الفقد بقليل من الفرح استعداداً لاستقبال شهر رمضان. تقول المعلمة إن «الأسرة فقدت ابن شقيقتي وسيم (14 عاماً)، بعدما قُتل على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال أيام المجاعة والحصار في معبر زكيم أثناء بحثه عن «خبز» في يوليو (تموز) الماضي».

وتضيف أسماء مصطفى، التي تسكن في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط» أنها كانت قبل الحرب تعتاد تعليق الزينة خارج شرفة منزلها، لكن الأمر اقتصر هذا العام على زينة بسيطة داخل المنزل. وتتابع: «بحثت عن فوانيس لابنتيّ سارة (10 سنوات) وسندس (9 سنوات) ولم أجد، فاكتفينا بالزينة». وقد علقت الزينة أمام صورة وسيم في غرفتيهما.

صورة للطفل وسيم الذي قتله جيش الاحتلال الإسرائيلي في يوليو الماضي (الشرق الأوسط)

وتتابع أسماء مصطفى (39 عاماً): «نستقبل رمضان بقلوب مثقلة بالجراح والفقد. موائد الإفطار باتت تضم مقاعد فارغة أكثر من كل عام؛ إذ أصبح لدينا شهداء، لكننا ما زلنا نتمسك ببقايا طقوس صغيرة، وكأننا نعيش على الأمل والدعاء في الشهر الفضيل».

سارة (10 سنوات) وسندس (9 سنوات) بعد تعليق الزينة استعداداً لشهر رمضان في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (الشرق الأوسط)

وتؤكد الأم أن سكان الخيام في غزة، رغم الدمار والخراب، يتحلون بإصرار على البقاء والحياة، مضيفة: «أغلب الناس فقدوا مصادر دخلهم، وغالبية السكان تعتمد على المساعدات الغذائية. الاحتياجات الأساسية أصبحت أمنيات تُرجى، ونحن نستعد لرمضان بما يتوفر».

ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، قتل 601 شخص، إلى جانب 1607 حالات إصابة، جراء القصف الإسرائيلي في القطاع، وفقاً لوزارة الصحة بغزة.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

خاص (من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب) p-circle

«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

كشفت 4 مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن جولة الإعادة لانتخاب رئيس المكتب السياسي للحركة بالقطاع أُوقفت بعد فشل الحسم في الجولة الأولى التي أُجريت قبل أسابيع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستضيف مائدة مستديرة حول التعافي المبكر في غزة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

المطالبات المصرية بـ«الانتقال سريعاً» إلى التعافي المبكر في غزة تواجه تحديات

مطالبات مصرية ببدء مسار التعافي المبكر والإعمار في القطاع تزداد وتيرتها مع النقص الكبير في الغذاء والدواء بقطاع غزة مع استمرار العدوان الإسرائيلي.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

زيارة نتنياهو السريعة إلى نيويورك تعكس توتر العلاقات بين إسرائيل وأميركا

يَظهر ‌جلياً اختلافٌ واضحٌ هذا العام بين الزيارة القصيرة على غير المعتاد التي سيجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، وزيارة العام الماضي...

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي طفلان فلسطينيان يقفان وسط أنقاض منزل هدمته القوات الإسرائيلية في قرية «جنبا» بالضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

زخم أممي لقضية فلسطين... والسُلطة تراه «صفعة» لمحاولات التغييب

قدمت كلمات المسؤولين الدوليين أمام الدورة 81 للجمعية العامة للأم المتحدة في نيويورك زخماً متواصلاً للقضية الفلسطينية، استقبلته السلطة الوطنية بالاحتفاء.

«الشرق الأوسط» (الرياض - نيويورك)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

الشرع: سوريا باشرت «رحلة التعافي والنهوض» إيذاناً بنهاية 47 عاماً من العزلة

قال الشرع إنه «في رحلة الصراع السورية بين الخير والشر، وضعت الحرب أوزارها وتوقف نزيف الدم، وتوقف الهدم والدمار، وبدأت سوريا رحلة التعافي والنهوض».

علي بردى (نيويورك)

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
TT

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)

عقد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اجتماعاً مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان، في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وشدد سلام على أن لبنان دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره واقتصاده، وأنه لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل، وفق ما نقلته رئاسة الوزراء اللبنانية.

وأوضح أن العلاقة بين لبنان وإيران تاريخية بين البلدين والشعبين، وأن لبنان يتطلع إلى فتح صفحة جديدة فيها وبناء علاقة سليمة من دولة إلى دولة، تقوم على احترام سيادة كل منهما واستقلاله، وعدم التدخل في شؤون الآخر، وعلى المصالح المشتركة.

وقال سلام: «نتمنى لإيران وشعبها كل الخير والأمن والاستقرار والازدهار والنمو». كما دعا إيران إلى ترشيح سفير جديد لها في لبنان.

وأكد أن الأولوية هي لانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، وللمضي في بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها.


آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
TT

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

لا تزال القرارات الأمنية والتهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم نظام بشار الأسد، تطارد الكثير من الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية ومذكرات بحث جنائية لا تزال سارية بحقهم، رغم تعدد القرارات والإجراءات الحكومية لمعالجة هذا الملف الشائك، وإلغائها الملاحقات الأمنية بحق المعارضين.

وبينما يتصدر مجلس الشعب السوري مسار العدالة الانتقالية، بوصفه المقر التشريعي الذي أنهى القوانين الاستثنائية، ومن بينها إلغاء محكمة الإرهاب، يبقى ملف المحكومين والملاحقين بقضايا جنائية إبان سنوات الأزمة السورية معلقاً دون حلول جذرية، ليفشل في طي صفحة هذه المعاناة المستمرة وتسوية هذا الملف الشائك، والتي تواجه العديد من العائدين إلى البلاد عبر المنافذ البرية أو الجوية.

ورغم سلسلة القرارات والمراسيم الحكومية التي صدرت تباعاً بهدف معالجة هذه المعضلة وتفكيك إرث الحقبة الماضية، فإن الآلاف من السوريين ما زالوا يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة، حيث يرى حقوقيون أن الإجراءات التنفيذية ما زالت عاجزة عن مواكبة التوجهات التشريعية الجديدة، مما يبقي مصير العديد من الملاحقين قضائياً معلقاً بين وعود العدالة وبيروقراطية المؤسسات.

المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق يوم 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

في شهر مارس (آذار) لعام 2025، أصدرت وزارة الداخلية قراراً بإلغاء جميع بلاغات منع السفر المتضمنة طلبات التوقيف والإعلام والمراجعة والتخلف عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية الصادرة بحق المواطنين، مؤكدة وجود أكثر من ثمانية ملايين شخص، أي ما يقارب نحو ثلث الشعب السوري، كانوا مطلوبين لأجهزة المخابرات والأمن التابعة للنظام البائد.

تبعها إعلان وزير العدل مظهر الويس، في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، إلغاء المحاكم والأحكام الاستثنائية، تماشياً مع قرار إلغاء القانون رقم 22 لعام 2012 الخاص بإنشاء «محكمة قضايا الإرهاب» الاستثنائية، وعزل القضاة الذين أداروا هذه المحكمة.

شمل الإلغاء جميع القضايا السياسية وقضايا الرأي والتهم الكيدية، بينما استُثنيت الجنايات الخطيرة التي تتعلق بالحقوق الشخصية (مثل التسبب بموت إنسان) أو الجرائم المنظمة مثل اتجار المخدرات، التي أُحيلت للقضاء العسكري العام للنظر فيها وفق الأصول القانونية العادلة، الأمر الذي حافظ على استمرارية الملاحقات المتعلقة بالقضايا الجنائية.

إلغاء لا يسقط التهم

يؤكد عضو مجلس الشعب السوري، عقيل حسين، أهمية تشريع المجلس قرار إلغاء محاكم الإرهاب والمحاكم العسكرية والقرارات والمراسيم الأمنية «الاستثنائية» التي أصدرها النظام البائد خلال فترة الثورة بحق السوريين، «وهي تشمل إلغاء جميع القرارات والأحكام المترتبة والصادرة عنها».

القرار «غير مرتبط بملف الأحكام الجنائية التي يرجع حلها للمؤسسات المختصة، إلا أنه يسهم في تعجيل إنهاء هذا الملف ومعاناة المتضررين»، بحسب حسين، الذي أشار إلى وجود عمل مشترك بين مختلف الجهات «لوضع آلية قادرة على تسريع المعالجة والاستجابة المباشرة».

بدورها، تقر مصادر أمنية في حديثها لـ«الشرق الأوسط» باتباع النظام البائد كل الوسائل للتضيق على السوريين، ومنها التهم الجنائية، وتركيزه على تهم قضايا الإرهاب لحساسيتها الدولية. إلا أنها لم تفوت الفرصة للحديث عن «حسم جزء كبير من هذه الادعاءات، بينما تحمل التهم الجنائية والقضايا الشخصية وضعاً خاصاً، بسبب التعقيدات التقنية وارتباط العديد من الجهات في هذا الملف».

واعترفت المصادر الأمنية بوجود حالة من «البطء في المعالجة بسبب الحجم الضخم، وارتباطه بالقضايا المدنية وتشعبها، ومواجهة البعض لمشاكل في حال كانت تهمهم متعلقة بادعاء شخصي أو ما شابه ذلك».

إلا أنها أشارت أيضاً إلى قدرة المتضررين على مراجعة مراكز الاختصاص في دمشق لتسوية أي مشكلة استثنائية، من قبيل استمرار الملاحقات رغم إغلاق ملف البلاغ، أو ضياع إضبارته الخاصة وغيرها من الأمور».

استمرار إرث النظام البائد

ومع ذلك، لا يزال كثير من المطلوبين يواجهون مساراً بيروقراطياً طويلاً أمام تسوية وضعهم القانوني، ما أدى إلى تقييد حريتهم وحقوقهم المدنية، فقد تحدث البعض عن وجود ادعاءات جنائية شخصية موجهة ضدهم.

وبالعودة إلى أساس الدعوى، تبين تقديمها خلال فترة وجودهم خارج البلاد، ومنهم من أشار إلى غياب الجهة المدعية أساساً، بينما أكد آخرون عادوا إلى سوريا وجود أمر إلقاء القبض لقضايا جنائية، وخلال مراجعتهم المؤسسات والمراكز العدلية، تبين ضياع مستندات الدعوى وتلفها، فيما ظلت الملاحقة القضائية مستمرة.

وأشار بعض من واجه هذه المشكلة إلى وجود «حالة من ضعف الربط التقني وقلة خبرة الموظفين الجدد»، حيث اضطر العديد من الأشخاص لمراجعة المراكز العدلية والأفرع الجنائية في دمشق، ليتبين شطب سجلاتهم، بينما لا تزال مذكرات التوقيف المرسلة للمنافذ الحدودية سارية المفعول».

وتكمن الأزمة، وفقاً لمصادر حقوقية متقاطعة، في وجود فجوة تنظيمية واسعة بين القرارات السياسية والأمنية ومفرداتها، وسجلات النيابة العامة والمحاكم المختصة، وتحول هذه البيروقراطية دون شطب القيود الجنائية تلقائياً؛ إذ يتطلب إلغاء مذكرة البحث أو إسقاط الحكم الغيابي إجراءات قانونية معقدة وطويلة، تبدأ بالتماس «كف بحث» ومراجعة الجهة القضائية الصادرة عنها.

الحلول موجودة

أول رحلة مباشرة ومنتظمة للخطوط الجوية السورية تحمل مغتربين سوريين قادمة من فيينا في النمسا (هيئة الطيران المدني)

رغم أن السلطات الجديدة اتخذت خطوات مهمة في هذا الاتجاه، «فإنها لا تزال غير كافية، واستمرار معاناة المتضررين يؤكد عدم حل المشكلة»، بحسب القانوني والناشط الحقوقي ميشيل شماس.

ويوضح شماس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» وجود فروقات بين صدور قرار عام ووصول أثر هذا القرار إلى كل قاعدة بيانات وكل جهة وكل ملف، فالنظام السابق هو الذي أنشأ هذه الملفات، والدولة الجديدة هي التي ورثت مؤسساته وسجلاته، ويجب أن تتحمل مسؤولية مراجعتها وتصحيحها.

ويرى شماس أن مشروع إلغاء محكمة الإرهاب أو إنهاء العمل بالقوانين الاستثنائية التي استخدمها النظام ضد المعارضين «خطوة ضرورية، إلا أنها لا تحل المشكلة، لا سيما أن إلغاء المحكمة لا يمحو تلقائياً آثار آلاف الأحكام والمذكرات والإشارات التي صدرت عنها أو عن أجهزة أخرى».

ويرى أن الحل السريع موجود، ويتمثل «بتشكيل لجنة قضائية مستقلة وقاعدة بيانات موحدة، لتصنيف الملفات إلى جنائية حقيقية وسياسية وأمنية، وإلغاء جماعي للقيود السياسية، وتوفير خدمة رسمية يستطيع المواطن من خلالها معرفة وضعه القانوني دون وسيط».


«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
TT

«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

كشفت 4 مصادر من «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط» عن أن جولة الإعادة لانتخاب رئيس المكتب السياسي للحركة بالقطاع، قد تم إيقافها، بعد فشل الحسم في الجولة الأولى التي جرت قبل 3 أسابيع.

وتطابقت تصريحات المصادر حول أن الجولة الأولى «لم تحسم بسبب استخدام من يحق لهم الانتخاب أوراقاً بيضاء، وذلك في تكرار للظاهرة التي كانت قد حدثت خلال انتخابات تحديد الرئيس العام للمكتب السياسي في مايو (أيار) الماضي، وأعيدت بجولة ثانية حسمها لصالحه خليل الحية، على حساب خالد مشعل».

كما أشارت 3 مصادر من قطاع غزة والخارج إلى أن إيقاف جولة الإعادة على قيادة مكتب «حماس» في غزة جاء على خلفية تقديم نزار عوض الله (المقيم في الخارج)، الذي ينافس علي العامودي (المقيم في الداخل)، وكلاهما من أعضاء المكتب السياسي، طعناً في بعض الإجراءات التي اتُبعت في جولة الإعادة.

لقطة من فيديو نشره الإعلام العسكري لحركة «حماس» تُظهِر مقاتلاً من «كتائب القسام» خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وقال المصدر الرابع الموجود خارج غزة إن «هناك خلافات أخرى دفعت باتجاه تجميد الانتخابات مؤقتاً على أن تستكمل قريباً بعد إجراء بعض الترتيبات» التي لم يوضحها. ورأى أن «هذه خلافات طبيعية، في إطار القوانين والأنظمة التي تحكم أي عملية انتخابية داخل الحركة».

وربطت بعض المصادر جانباً من إرجاء الحسم إلى «الوضع الأمني وما يمر به القطاع، وظروف التعامل مع واقع الانتخابات بعد حرب غزة»، كما أشار مصدر آخر إلى أن الانتخابات «تجري في ظل تتبع إسرائيل للكثير من المعلومات الاستخباراتية التي تهدف لمحاولة الوصول لأي من المشاركين في الانتخابات أو غيرها، وهذه جميعها أسباب دفعت لبروز ثغرات قانونية أدت للواقع الحالي».

لماذا عادت الأوراق البيضاء؟

وبشأن استخدام الأوراق البيضاء مجدداً، قال مصدران من داخل القطاع، إنها طبيعية تعود لخلاف الفكر حول الشخصيات المتنافسة ونهجها الذي قد تتبعه ويراه البعض غير مناسباً للمرحلة الحالية، كما جرى في الانتخابات العامة.

ولم تحدد أي من المصادر، فيما إذا كان رئيس المكتب السياسي للحركة، خليل الحية، يدعم أي من المتنافسين: علي العامودي، أو نزار عوض الله.

وتمر «حماس» بمرحلة شديدة التعقيد لم تمر بها منذ تأسيسها عام 1987، عقب هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي بدأته بمهاجمة المواقع والبلدات الإسرائيلية المحاذية للقطاع، والذي دفع إسرائيل لشن حرب طويلة ومتواصلة.

ماذا نعرف عن علي العامودي؟

وكانت مصادر قد كشفت لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن أن العامودي، وهو أسير محرر وعضو مكتب سياسي، وكان مسؤولاً عن الدائرة الإعلامية للحركة قبل الحرب، أصبح مسيراً لأعمال مكتبها السياسي في قطاع غزة، بعدما تم تكليفه وعدد من المقربين من قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار، بإدارة الحركة في القطاع، وغالبيتهم ممن يقطنون في خان يونس جنوب القطاع.

والعامودي، وهو محرر أفرج عنه خلال صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011، أصبح منذ نحو عام الشخصية المركزية والمحورية في إدارة القطاع، وكان من الأشخاص المقربين جداً من السنوار، خلال فترة اعتقالهما في السجون الإسرائيلية، وعند تحررهما، ورافقه كثيراً في كثير من الاجتماعات والمناسبات، وغيرها، وجرت عملية تكليف له بالتزكية والتشاور لإدارة القطاع، فيما رأت بعض المصادر حينها أن ما جرى تم بطريقة التفافية على القوانين الداخلية، وهذا ما قد يفسر إجراء الانتخابات الداخلية بغزة.

وخلال الفترة الماضية، أثير الكثير من الجدل حول قرارات العامودي بغزة، وما أجراه من تغييرات وإعفاء مسؤولين من مناصبهم، ما تسبب بحالة غضب في أوساط قيادات محلية بالقطاع، ما دفع بعض أعضاء المكتب السياسي في الخارج، حينها للتدخل ومحاولة حل أي أزمات.

ماذا نعرف عن نزار عوض الله؟

يعد نزار عوض الله من الجيل التاريخي في حركة «حماس»، الذي قاد سراً إدارة المكتب السياسي للحركة في الفترة الممتدة ما بين نهاية 2004 وحتى بدايات 2007، كما كان له دور بارز في عديد من المحطات المهمة في تاريخ الحركة المعاصر، ومنها قيادته لملف مفاوضات صفقة شاليط، وكذلك مشاركته الفاعلة والمهمة في مفاوضات الحرب الأخيرة، إلى جانب لعبه دوراً مهماً في جولات المصالحة الفلسطينية التي كانت تجري بين عدة عواصم بعد سيطرة حركته على القطاع عام 2007.

وكان عوض الله مقرباً للغاية من الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس»، وكذلك مع عبد العزيز الرنتيسي، وغيرهما من القيادات التاريخية والأولى للحركة، والذي كان هو واحداً منهم.

ولمع نجم عوض الله، وهو مهندس معماري يبلغ من العمر (68 عاماً)، ويقطن في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وقصف منزله عدة مرات في حروب سابقة.

وخلال الانتخابات الداخلية الأخيرة التي جرت عام 2021، نافس يحيى السنوار على قيادة المكتب السياسي في قطاع غزة، والتي خسرها حينها لصالح السنوار بعدما جرت جولة إعادة ثانية للانتخابات آنذاك.