تقرير: «قتل يومي»... كيف تجتاح الجريمة العنيفة المجتمع العربي في إسرائيل

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)
مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)
TT

تقرير: «قتل يومي»... كيف تجتاح الجريمة العنيفة المجتمع العربي في إسرائيل

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)
مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل الخميس الماضي (رويترز)

لم تعد الجرائم المروعة بين الفلسطينيين في إسرائيل استثناء، بل أصبحت جائحة عنيفة؛ فمن أُم تُقتل بالرصاص أمام محل بقالة إلى رجل يُقتل بعد خروجه من المسجد، أو طبيب يُطلق عليه النار أثناء علاجه للمرضى. الضحايا جميعهم فلسطينيون في إسرائيل.

ارتفعت جرائم القتل في مجتمع الفلسطينيين داخل إسرائيل بشكل كبير لدرجة أن شخصاً واحداً يُقتل في المتوسط كل يوم هذا العام.

يشكّل المواطنون الفلسطينيون 20 في المائة من سكان إسرائيل، ويقول الكثيرون إن الحكومة الإسرائيلية لم تفشل فقط في كبح موجة الجريمة، بل إن تقاعسها ساعد في تحفيز دائرة من العنف ترتكبها إلى حد كبير عصابات الجريمة المنظمة العربية، وفقاً لموقع «سي إن إن».

تظهر البيانات تفاوتاً صارخاً؛ شرطة إسرائيل لم تحل سوى 15 في المائة من جرائم القتل في المجتمعات العربية في إسرائيل مقابل 65 في المائة بين الإسرائيليين اليهود، وفقاً لبيانات من الكنيست، ومركز «إيلاف - لتعزيز الأمان في المجتمع العربي».

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس الماضي (رويترز)

المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل هم أحفاد الفلسطينيين ممن لم يُطردوا أو يُجبروا على الفرار من منازلهم عند قيام إسرائيل عام 1948. مُنحوا الجنسية لكنهم عاشوا تحت الحكم العسكري حتى عام 1966، ويقول كثيرون إنهم ما زالوا يواجهون التمييز في المجتمع الإسرائيلي.

كان العام الماضي الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة للمجتمع العربي في إسرائيل، حيث قُتل 252 شخصاً، الغالبية العظمى منهم بالرصاص، وفقاً لتقرير نشرته «مبادرات إبراهيم»، وهي مجموعة تعمل على تعزيز الإدماج الاجتماعي والمساواة في الحقوق للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وبدأ عام 2026 بداية دامية، حيث قُتل 46 شخصاً حتى الآن، وفقاً للمجموعة.

ودق الواقع المميت أجراس الإنذار، حيث خرج عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إلى الشوارع في الأسابيع الأخيرة، وانضم إليهم بعض الإسرائيليين اليهود، للمطالبة باتخاذ إجراءات حكومية.

هتف المتظاهرون باللغة العربية «لا للقتل، لا للموت، نريد أن نعيش في عدالة»، في احتجاج في يناير (كانون الثاني) في بلدة سخنين، وهي مدينة ذات أغلبية فلسطينية في شمال إسرائيل، استقطبت عشرات الآلاف من الأشخاص.

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس الماضي (رويترز)

وأخبر الحضور شبكة «سي إن إن» أنها كانت أكبر مظاهرة شهدها المجتمع العربي منذ سنوات، وبلغت ذروتها بإضراب عام استمر عدة أيام لأصحاب المتاجر.

ما بدأ هناك نما منذ ذلك الحين ليصبح حركة احتجاجية واسعة، حيث تُنفذ إضرابات ومظاهرات يومياً تقريباً في جميع أنحاء إسرائيل. امتلأت شوارع إسرائيل ببحر من الأعلام السوداء، وصُبغت نوافير المياه باللون الأحمر، وأعلن المواطنون «يوماً للاحتجاج».

بعد أسبوع من إضراب سخنين، أجرى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ زيارة نادرة إلى المدينة، حيث التقى بالسلطات العربية المحلية ومنظمي الاحتجاج.

وقال إن الحرب على الجريمة والعنف في المجتمع العربي «يجب أن تكون على رأس الأولويات، وأن يتم التعامل معها بأقصى درجات العزم»، واصفاً إياها بأنها «واجب أخلاقي».

عناصر من الشرطة الإسرائيلية (رويترز - أرشيفية)

ويوم الخميس، أعلن المفوّض العام للشرطة الإسرائيلية داني ليفي أن الجريمة في المجتمع العربي تشكل «حالة طوارئ» و«وضعاً لا يطاق ويجب أن يتوقف».

ودعا وكالات حكومية أخرى إلى الانضمام للشرطة في المساعدة على معالجة القضية.

«دعوهم يقتل بعضهم بعضاً»

بالنسبة للعديد من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، تبدو هذه التصريحات جوفاء. قاسم عوض انتظر أكثر من عام حتى يقدم قاتل ابنه إلى العدالة.

كان ابنه، عبد الله، طبيباً من المزرعة في الجليل الغربي، يعالج أماً وطفليها بعيادة في فبراير (شباط) من العام الماضي عندما دخل مسلح ملثم وأطلق النار عليه من مسافة قريبة مما أدى إلى مقتله. كان عمره 30 عاماً آنذاك. كان عبد الله قد حل محل طبيب آخر في ذلك اليوم. يعتقد والده أنه جرى الخلط بينه وبين شخص آخر.

قال قاسم: «إذا نظرت إلى المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، فكم عدد الذين يُقتلون يومياً ومن دون سبب؟ هؤلاء الناس لا علاقة لهم بعالم الجريمة. إنهم أضرار جانبية، وابني واحد منهم».

الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

في الأيام التي تلت وفاة عبد الله، يقول والداه إن شرطة إسرائيل زارتهم وأكدت لهم أنها ستحقق في وفاته وتتعرف على الجاني. بعد أكثر من عام، لا يزال التعهد غير محقق، وتقول العائلة إنها لم تتلقَّ أي أخبار من سلطات إنفاذ القانون.

يعتقد عوض أنه لو كان ابنه يهودياً، لكان القاتل قد ألقي القبض عليه «خلال ساعة».

مثل كثيرين آخرين في المجتمع العربي في إسرائيل، يعتقد عوض أن الحكومة الإسرائيلية تهمل عمداً الجريمة المرتكبة ضد المواطنين الفلسطينيين. وقال: «إنها جزء من سياسة فرِّق تسد. (دعوهم يقتل بعضهم بعضاً بينما نجلس نحن ونسترخي)».

يشير عوض إلى السرعة التي يُقدم بها الجناة الفلسطينيون إلى العدالة في الجرائم المرتكبة ضد الإسرائيليين، وتابع: «الأدوات التكنولوجية والخبرة متاحة لهم للقبض على القتلة. ولكن عندما يتعلق الأمر بالتركيبة السكانية العربية، فجأة لم تعد لديهم الأدوات أو الخبرة؟».

وفقاً لتقرير «إيلاف»، يواجه المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل «تنفيذاً انتقائياً» للقانون.

وقال التقرير: «من ناحية، نهج متشدد تجاه النشاط السياسي وحرية التعبير، ومن ناحية أخرى، نهج متساهل تجاه المجرمين والجريمة».

ورداً على استفسار من شبكة «سي إن إن»، قالت شرطة إسرائيل، في بيان، إنه «تم إطلاق تحقيق شامل ومعقد» بعد مقتل الدكتور عوض، حيث استجوبت السلطات «عشرات الأطراف المعنية، بهدف تحديد مكان المشتبه بهم وكشف الحقيقة».

معدلات القتل تتضاعف في وجود بن غفير

تظهر البيانات التي جمعتها «مبادرات إبراهيم» أن حالات القتل بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل تضاعفت بأكثر من الضعف في عام 2023.

كان ذلك أول عام كامل لوزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير الذي يشرف على الشرطة.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (رويترز)

بن غفير، الذي أدين بتهمة دعم الإرهاب والتحريض على العنصرية ضد العرب، رفض تحمل المسؤولية، ملقياً باللوم بدلاً من ذلك على القادة العرب المحليين لإغلاقهم «أعينهم» عن النشاط الإجرامي. في الشهر الماضي، قال إنه «خصص موارد هائلة لمحاربة الجريمة والمنظمات الإجرامية».

ويقول المنتقدون إن أفعاله أبلغ من أقواله. ففي غضون أشهر من توليه المنصب، قطع بن غفير التمويل الرئيسي لمبادرة لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي تسمى «وقف النزيف»، كانت قد أطلقتها الحكومة السابقة. وفي العام التالي، أقال المسؤول في الشرطة الذي كان يتولى مكافحة الجريمة في المجتمع العربي، ووضع مسؤولاً أقل رتبة مكانه.

ويوم الأحد، دافع بن غفير عن الأداء الذي قدمه، قائلاً لإذاعة «كان ريشيت بيت» إنه قد تحققت «نجاحات كبيرة» خلال فترة ولايته. وقال: «أنا لا أعمل لصالح العرب، وليس فقط لصالح العرب، أنا أعمل من أجل الجميع».

وأضاف: «هناك انخفاض بنسبة 20 في المائة في جرائم القتل بين اليهود، دعونا نطرح هذا على الطاولة... وانخفاض بنسبة 60 في المائة في جرائم قتل النساء اليهوديات، وانخفاض بنسبة 20 في المائة في سرقات السيارات». وقال بن غفير إن الجريمة في القطاع العربي هي «ظاهرة خطيرة» ويعتزم «مكافحتها». لكنه ألقى باللوم على النائب العام، الذي لديه خلاف مستمر معه، و«40 عاماً من الإهمال» من قبل السلطات في هذا الارتفاع، على الرغم من تسجيل جرائم قتل قياسية خلال فترة ولايته.

وفقاً لتقرير «إيلاف»، فإن 3 من كل 4 جرائم قتل وقعت في العام الماضي حدثت في الأماكن العامة، مما يشير إلى «تطبيع خطير للجريمة المكشوفة... دون أي خوف حقيقي من تدخل فوري أو رادع فعال».

وقالت راوية حندقلو، رئيسة مركز «إيلاف»: «في ظل ضعف الحوكمة، ومحدودية التواجد الشرطي، وتآكل الثقة في المؤسسات، وجدت الجريمة المنظمة في البلدات العربية أرضاً خصبة للتوسع، وبنت نفوذها الاقتصادي والاجتماعي تدريجياً من خلال استغلال الفراغ الذي خلفته الدولة».

وتقول راوية إن العنف يعكس «تهميش وإقصاء» المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، بحجة أن الدولة كثيراً ما أرجعت الجريمة والعنف إلى كونهما مجرد نتاج للمجتمع العربي، وهو ما «يجعل المجتمع مسؤولاً عن واقع فُرض عليه».

عايدة توما سليمان العضو العربي في الكنيست الإسرائيلي (صفحتها عبر فيسبوك)

وتثير عايدة توما سليمان، عضوة الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) الفلسطينية، قضية الجريمة بنشاط في البرلمان، وتعتقد أن الخطوة الأولى للقضاء على الجريمة في المجتمع العربي هي إسقاط الحكومة اليمينية، التي تصفها بأنها «عنصرية وفاشية وإجرامية».

وقالت لشبكة «سي إن إن» خلال احتجاج سخنين: «عندما لا تتصرف الحكومة... ولا تحمّل المجرمين المسؤولية ولا تحاكمهم، فكأنها ترعاهم. نريد منهم أن يقوموا بالعمل الذي يُفترض بهم القيام به، ونريد أن نمنح شبابنا الأمن للتطور والشعور بأنهم يعيشون».

في ديسمبر (كانون الأول)، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن خطط لإعادة توجيه 70 مليون دولار من برنامج مصمم لتعزيز التنمية الاقتصادية العربية إلى الشرطة لمعالجة «الجريمة القومية الخطيرة» في المجتمع العربي.

وصف مركز «مساواة»، وهي مجموعة تدافع عن الحقوق المتساوية للمواطنين الفلسطينيين، بأنه «خطوة سياسية خطيرة» لن تفعل شيئاً لمكافحة الجريمة.

وجاء في بيان للمركز: «بينما تفشل الوزارة في استخدام الميزانيات الموجودة تحت تصرفها بالفعل، فهي تدفع لخفض الميزانيات المخصصة لمجالات أخرى مثل التعليم والإسكان وتحويلها إلى خزائنها الخاصة. لا يمكن تفسير هذا إلا على أنه سياسة متعمدة لإفقار المجتمع العربي بشكل أكبر وإغراقه في أزمات أعمق، بما في ذلك آفة الجريمة».

ولا يزال قاسم عوض ينتظر العدالة لمقتل ابنه، ولا يجد عزاء إلا في صور ابنه الراحل في منزله بالمزرعة.

وعندما سُئل عما إذا كان لديه أي أمل في أن تكون هناك عدالة لمقتله، تنهد وأشار إلى السماء، وقال: «العدالة موجودة فقط في الأعلى، عند الله».


مقالات ذات صلة

شؤون إقليمية يوآف غالانت يتحدث إلى الصحافة بعد أن أقاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب 5 نوفمبر 2024 (رويترز)

اتهام رجل إسرائيلي بالتجسس على غالانت لصالح إيران

قدّم الادعاء العام في إسرائيل لائحة اتهام ضد رجل بتهمة جمع معلومات استخباراتية عن وزير الدفاع السابق يوآف غالانت لحساب عميل إيراني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

السعودية: لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة

أعربت السعودية، اليوم الاثنين، عن إدانتها لقرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتحويل أراضي الضفة الغربية إلى ما تسميه «أملاك دولة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي مزارعان فلسطينيان من قرية برقة في الضفة الغربية يستقلان جرارا بمحاذاة سياج نصبه مستوطنون أمس (أ.ف.ب)

قرار إسرائيلي غير مسبوق بالاستيلاء على الضفة

في إجراء غير مسبوق منذ عام 1967، قررت الحكومة الإسرائيلية، أمس (الأحد)، فتح عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، الأمر الذي يعمق عمليات ضمها.

هبة القدسي (واشنطن) كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقفون حراساً خلال حفل افتتاح مستوطنة ياتسيف اليهودية قرب بيت ساحور في الضفة الغربية يوم الاثنين (أسوشييتد برس)

مصر تدين قرار إسرائيل استئناف تسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة

أدانت مصر القرار الصادر عن الحكومة الإسرائيلية باستئناف إجراءات تسجيل وتسوية ملكية الأراضي في أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

غوتيريش يطالب إسرائيل بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها في الضفة الغربية

مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش يطالب إسرائيل بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها في الضفة الغربية

مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
مبانٍ شُيّدت حديثاً في مستوطنة غيفعات زئيف الإسرائيلية قرب مدينة رام الله الفلسطينية بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إسرائيل، بـ«التراجع فوراً» عن إجراءاتها الجديدة المتعلقة بتسجيل أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة، حسبما ذكر المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك في بيان الاثنين.

واعتبر غوتيريش في البيان أن «إجراءات مماثلة، بما فيها استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا تُزعزع الاستقرار فحسب، بل هي أيضاً، كما أكدت محكمة العدل الدولية، غير قانونية»، مضيفاً أن «المسار الحالي على الأرض يُقوّض فرص حل الدولتين».


الشرع في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي»: خطوة مهمة لترسيخ الاعتدال

الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)
الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)
TT

الشرع في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي»: خطوة مهمة لترسيخ الاعتدال

الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)
الرئيس السوري في مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بدمشق الاثنين (حساب الرئاسة)

بمشاركة أكثر من مائة وخمسين عالم دين وداعية في سوريا، عقدت وزارة الأوقاف مؤتمرها الأول «وحدة الخطاب الإسلامي» على مدى يومي الأحد والاثنين. وشارك الرئيس أحمد الشرع، اليوم، في المؤتمر الذي عقد في قصر المؤتمرات بدمشق.

وقال المتحدث باسم الوزارة، أحمد الحلاق، إن المؤتمر يهدف إلى توحيد الخطاب الديني وتعزيز حضوره الوطني الجامع، بما يسهم في ترسيخ قيم التعايش والتكامل مع مختلف مكونات المجتمع السوري، ونشر مفاهيم الوحدة الوطنية، وتعزيز استقرار المجتمع في هذه المرحلة الحساسة؛ وذلك من خلال ميثاق جامع «يشكّل منطلقاً حقيقياً لتوحيد الكلمة، وأحد أهم المرتكزات التي تسهم في بناء سوريا الجديدة».

وشارك نحو 150 عالم دين وداعية بمناقشة سبل تطوير الخطاب الديني ودور العلماء في ترسيخ خطاب جامع ينسجم مع متطلبات المرحلة.

افتتاح مؤتمر الأوقاف الأول في سوريا الأحد (سانا)

وقال الحلاق إن المؤتمر جاء «ثمرة لسلسلة من الورشات العلمية التي أُقيمت في مختلف المحافظات السورية، وشارك فيها أكثر من 500 عالم وداعية، بحثت خلالها محاور الخطاب الديني وسبل تطويره بما ينسجم مع متطلبات المرحلة، ويعزز روح المسؤولية الوطنية، ويؤكد دور العلماء في ترسيخ خطاب جامع يعبّر عن أصالة الدين وحكمة الاعتدال».

ولفت إلى أن المؤتمر وضع اللمسات النهائية بناءً على آراء ومقترحات العلماء المشاركين، لصياغة ميثاق جامع يشكل «منطلقاً حقيقياً لتوحيد الكلمة، وأحد أهم المرتكزات التي تسهم في بناء سوريا الجديدة على أسس الوحدة والتكامل والوعي المسؤول».

رفض الخطاب التحريضي

وخلال المؤتمر، عقد الرئيس السوري أحمد الشرع جلسة حوارية، اعتبر فيها أن «ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي» يمثل خطوة مهمة لتعزيز وحدة الكلمة وترسيخ الاعتدال وتحقيق التوازن في الخطاب الديني، والابتعاد عن أي خطاب تحريضي أو إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية بما يعزز الانسجام المجتمعي ويحافظ على وحدة النسيج الوطني، مع ما يتميز به المجتمع السوري من تنوع.

الشرع تحدث أيضاً عن الأوضاع في سوريا خلال الجلسة الحوارية، فأشار إلى «تراكم من الفساد الإداري والتنظيمي لأكثر من 60 عاماً» الذي ورثه الحكم الجديد، واستعرض أكثر من عام من تسلم الحكومة الحالية لإدارة الأمور في البلاد، وتحدث عن عدد المنازل المهدمة التي تعيق عودة بعض النازحين، وعن إصلاحات في القضاء والاقتصاد، وإنجاز توقيع عقود استثمار.

مقاتلون من الأويغور كانوا في مقدمة عملية «ردع العدوان» التي أسقطت نظام الأسد ديسمبر الماضي (د.ب.أ)

تجدر الإشارة إلى أنه منذ اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد، ظهر على الساحة السورية عدد من الجماعات الإسلامية بين فصائل مسلحة معارضة (سلفية، وجهادية، وإخوانية) وجماعات دعوية - صوفية تقليدية.

ومع وصول جماعات إسلامية مسلحة إلى السلطة في سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد، توحدت تحت قيادة «هيئة تحرير الشام»، فيما برزت قضية توحيد الخطاب الديني بوصفها أحد أهم التحديات التي تواجه بناء «الدولة الجديدة» وضمان حقوق كل مكونات المجتمع السوري، في ظل تحديات سياسية معقدة إقليمية ودولية.

ليس إلغاء للتنوع

من جهته، دعا وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري في افتتاح المؤتمر إلى «صياغة ميثاق جامع يلم شمل أطياف الهوية الدينية الإسلامية، ويضبط مسار العمل الديني في مواجهة التحديات الراهنة»، مؤكداً على أن «وحدة الخطاب لا تعني إلغاء التنوع أو الخصوصيات العلمية، بل تعني إدارة هذا التنوع تحت سقف المرجعية الجامعة وبوعي عميق بأن ما يجمع الأمة أكبر مما يفرقها».

وحذر رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، الشيخ أنس الموسى، من أن «غياب أدوات فهم النص ومنهجيات التعامل معه يفتح الباب لاجتهادات غير منضبطة، وهذا لا يعالج بالشعارات بل بإحياء أدوات الفهم». وأوضح أن وحدة الخطاب الإسلامي المنشودة تعني «بناء أرضية مشتركة في المنهج، وضبط الاختلاف بآداب العلم، واستعادة التوازن بين الموقف المعرفي والسلوك الأخلاقي».

جلسة حوارية في مؤتمر وزارة الأوقاف الأول (حساب الرئاسة)

ومن جانبه، رأى عضو مجلس الإفتاء الأعلى محمد نعيم عرقسوسي، أن سوريا أحوج ما تكون إلى وحدة الكلمة لمواجهة الأعداء وإفشال المؤامرات التي تستهدف تفكيك الصف الإسلامي. كما اعتبر مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الدينية، عبد الرحيم عطون، أن مسؤولية وحدة الخطاب الإسلامي هي «مسؤولية جماعية، تشترك فيها الدولة والمؤسسات والجماعات الدينية»، ما يتطلب «صدق النية والتجرد العلمي والإرادة الصادقة والشراكة الحقيقية التي تقدم المصلحة العامة على المصالح والانتماءات الضيقة» مؤكداً على أن «الاستقلال العلمي ضمانة، والانتظام في مشروع الدولة ضمانة للوحدة».


التركيز على سلاح «حماس» مقابل خفوت الانسحاب الإسرائيلي يعقد «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة  (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

التركيز على سلاح «حماس» مقابل خفوت الانسحاب الإسرائيلي يعقد «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة  (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني صغير ينظر إلى دفن 53 جثة مجهولة الهوية في مقبرة في دير البلح بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

عاد ملف نزع سلاح حركة «حماس» إلى الصدارة بعد تصريحات أميركية حاسمة ومغايرة لما تردد إعلامياً، حيث شدد الرئيس دونالد ترمب على ضرورة «التخلي الكامل والفوري» عن السلاح، متجاوزاً الإفادات التي تحدثت عن «نزع تدريجي» في الكواليس.

حديث ترمب الذي لم يشمل في المقابل بند الانسحاب الإسرائيلي جاء قبل أول اجتماع لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي، وهو ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنه قد يكون سبباً في تعقيد تنفيذ اتفاق غزة وصولاً لتجميد بعض البنود، لافتين إلى أن التدرج حل واقعي يجب على «حماس» قبوله لإجبار إسرائيل على الانسحاب، وإحراج واشنطن لدفعها لذلك، وإلا فإن «شبح عودة الحرب سيكون أقرب».

ويسري في القطاع الفلسطيني بداية من 10 أكتوبر (تشرين الأول)، اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، استند إلى مقترح تقدم به الرئيس الأميركي، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية، التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

ممرضة فلسطينية تقوم برعاية مريض يعاني من حالة خطيرة جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

مطلب أميركي

وكتب ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشال»، الأحد: «ببالغ الأهمية، ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري»، وذلك قبل أيام من الاجتماع الأول لمجلس السلام المقرر في واشنطن في 19 فبراير.

وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إن اللافت في تصريحات ترمب أنه لا يذكر انسحاب إسرائيل، وهذا بالتأكيد ينعكس على اتفاق غزة، ويشي بأن هناك اتفاقاً تم بينهما خلال زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لواشنطن، الأسبوع الماضي، مستدركاً: «لكن أحاديث الرئيس الأميركي عادة ما تكون ضبابية، وتحمل أكثر من رسالة».

ويرى هريدي أن اجتماع «مجلس السلام» سيكون حاسماً في نظر هذين البندين؛ نزع السلاح والانسحاب، لأن دولاً عديدة وبينها مصر تريد انسحاب إسرائيل لضمان نجاح الاتفاق، وستطرح ذلك في الكواليس وعلى الطاولة.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن نزع السلاح سيكون عقبة المرحلة المقبلة في ظل تمسُّك واشنطن به وتكراره أكثر من مرة على لسان ترمب، خصوصاً أنه أيضاً مطلب إسرائيلي رئيسي، مشيراً إلى أنه لن يحدث انسحاب إسرائيلي دون بداية لنزع حقيقي للسلاح، وإلا فسنرى الحرب مجدداً.

ويأتي هذا الطلب بعد أن أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، قبل أيام بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيقدم هذا المقترح خلال أسابيع.

ويرى هريدي أن الحديث عن التراجع في المقترح المطروح، يجب أن يسبقه تساؤل مهم حول طبيعة ما تمتلكه «حماس» من أسلحة، مرجحاً أن «الحرب أنهت على أغلب تسليح الحركة، وتكرر الحديث عن النزع دون معرفته تفاصيل ما لديه هو محاولة لوضع العربة أمام الحصان، وتعطيل للاتفاق».

ويعتقد مطاوع، أن فكرة التدرج ستكون الأقرب للتطبيق وللقبول من جانب «حماس» حال ضغط عليها الوسطاء، لا سيما أنه ليس أمامها بديل.

ولم تعلق «حماس» على هذا الطرح، لكنها تشدد مراراً على رفضها نزع السلاح في ظل «الاحتلال الإسرائيلي».

مراسم التوقيع على منحة يابانية لدعم المستشفيات المصرية في الاستجابة للأزمة الإنسانية بقطاع غزة (مجلس الوزراء المصري)

وقبل يومين من تسريب الصحيفة الأميركية رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال؛ لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير الحالي، ورغم هذا التعثر في مشهد نزع السلاح، يتواصل دخول المرضى والمصابين الفلسطينيين، وشهدت سمر الأهدل نائب وزير الخارجية المصري، الاثنين، التوقيع على منحة مشروع يابانية لتوفير الدعم الطبي الطارئ للمستشفيات المصرية المتأثرة من الأوضاع في قطاع غزة وأزمة النازحين بقيمة 3.38 مليون دولار، وفق بيان لـ«الخارجية».

ويرى مطاوع، أهمية أن توافق «حماس» على مبدأ نزع السلاح والذهاب لصيغة تحقق ذلك مع الوسطاء ليتم الانتقال سريعاً في بند الإغاثة والإعمار وعدم استخدام إسرائيل ذلك ذريعة، وإلا فسيعطي ترمب الضوء الأخضر لإسرائيل للعودة للحرب مجدداً.

ويتوقع أنه كلما اقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية المحتمل في يونيو (حزيران) تَشَدَّدَ نتنياهو أكثر، ووجدنا عراقيل حتمية في الانسحاب، وكذلك في نزع السلاح، وهو ما قد يجمد تلك البنود، وتبقى الأولوية للإغاثة فقط.