اكتشاف نظام نجمي بترتيب كواكب غير معتاد يوسّع فهم تشكّل العوالم

رصد 4 كواكب حول «LHS 1903» يكشف تنوعاً أكبر في بنية الأنظمة الكوكبية

نظام نجمي شكله غير متوقَّع علمياً (وكالة الفضاء الأوروبية)
نظام نجمي شكله غير متوقَّع علمياً (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

اكتشاف نظام نجمي بترتيب كواكب غير معتاد يوسّع فهم تشكّل العوالم

نظام نجمي شكله غير متوقَّع علمياً (وكالة الفضاء الأوروبية)
نظام نجمي شكله غير متوقَّع علمياً (وكالة الفضاء الأوروبية)

اكتشف العلماء نظاماً نجمياً غير مألوف يخالف النمط الشائع في ترتيب الكواكب، ويُعد مثالاً على التنوع الكبير في أشكال الأنظمة الكوكبية.

عند ترتيب جميع الكواكب في نظامنا الشمسي، نجد أن الكواكب الأربعة الأقرب إلى الشمس صخرية، بينما الأربعة الأبعد عمالقة غازية.

هذا النمط، الصخري ثم الغازي، يُمثل الصورة التقليدية لترتيب الكواكب في النماذج الكوكبية.

ومع ذلك، اكتشف فريق دولي من العلماء نظاماً نجمياً على بُعد 116.27 سنة ضوئية منا، بترتيب مداري غير معتاد.

يُعرف النظام باسم «LHS 1903»، وهو نجم تدور حوله ثلاثة كواكب معروفة سابقاً، أقربها صخري، ويليه كوكبان غازيان.

كما اكتشف الباحثون، بقيادة توماس ويلسون من جامعة وارويك، كوكباً رابعاً يدور حول «LHS 1903»، لكنه صخري وليس غازياً.

يقول ويلسون لصحيفة «مترو»: «هذا النظام يفتح آفاقاً جديدة في الشكل الذي يمكن أن يكون عليه النظام النجمي».

قبل هذه الدراسة، كانت نماذج مبسطة تفترض أن الكواكب الأصغر توجد في الجزء الداخلي من النظام، وأن الكواكب الأكبر تقع في المناطق الأبعد.

أما الآن، فيكسر نظام «LHS 1903» هذا التصور، ويكشف عن وجود مجموعة واسعة من الأنظمة الممكنة.

لماذا يُعد هذا النظام النجمي غير اعتيادي؟

تُطلق النجوم باستمرار إشعاعات يمكن أن تُسهم في تجريد الكواكب القريبة من أغلفتها الجوية، تاركةً إياها قاحلة، وخير مثال على ذلك كوكب عطارد.

أما في المناطق الأبعد، فيمكن للغلاف الجوي أن يستقر حول الكوكب، مكوِّناً عمالقة غازية مثل زحل أو أورانوس.

وعلى الرغم من أن «LHS 1903» قزم أحمر، وهي نجوم صغيرة تبعث ضوءاً مائلاً إلى الحمرة، فإنه لا يزال يُصدر إشعاعات قد تؤثر في الأغلفة الجوية للكواكب القريبة.

ويطرح ذلك سؤالاً حول سبب كون الكوكب الأبعد في هذا النظام صخرياً لا غازياً. وتشير ملاحظات ويلسون وفريقه، وفق دراسة علمية منشورة حديثاً، إلى أن الغلاف الجوي للكوكب الرابع ربما تمزق، أو لم يتشكَّل أصلاً.

ويشرح ويلسون: «نعتقد أن الكوكب الأقرب إلى النجم تكوَّن أولاً، ومن ثمَّ تشكَّل الكوكب الأبعد الثاني، ثم الثالث فالرابع»، في تسلسل تكوّن مختلف زمنياً بين الكواكب.

ويضيف: «هذا يعني أن هذه العوالم الغريبة وُلدت في أزمنة مختلفة، وضمن بيئات مختلفة. وهذا مهم للغاية، لأنه يدل على أن كواكب النظام الواحد قد تختلف كثيراً تبعاً لمكان وتوقيت تكوّنها».

كيف اكتشف العلماء هذا النظام؟

اكتشف الفريق هذا النظام الكوكبي غير المألوف باستخدام القمر الاصطناعي «Cheops» التابع لوكالة الفضاء الأوروبية.

وقد اكتُشفت آلاف الكواكب الخارجية، أي الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى، على مر السنين. ولا تتمثل مهمة «Cheops» في اكتشاف كواكب جديدة، بل في مساعدتنا على فهم الكواكب المعروفة بالفعل.

يقول ماكس غيوتنر، عالم مشروع في وكالة الفضاء الأوروبية، إن تحديد ما إذا كان الكوكب صخرياً أم غازياً أصعب مما يبدو.

وتعتمد القياسات على طريقة العبور الضوئي، حيث تُلتقط صور متتالية للسماء لرصد انخفاضات طفيفة في ضوء النجم عند مرور كوكب أمامه، وقد لا يتجاوز التغير في الضوء 1 في المائة.

وعندما يمر ضوء «LHS 1903» عبر الغلاف الجوي لكوكب عابر، تقوم بعض الغازات بترشيح جزء من الضوء، ما يتيح للفلكيين استنتاج دلائل عن التركيب الكيميائي للكوكب.

كما يمكنهم تقدير كتلة الكوكب عبر قياس التأثير الجاذبي الذي يُحدثه في نجمه أثناء دورانه حوله.

وباستخدام بيانات الكتلة والحجم والكثافة مجتمعة، يستطيع العلماء تحديد ما إذا كانت الكواكب صخرية مثل الأرض، أم منخفضة الكثافة أقرب إلى العوالم الغازية.

في العلم، يُعد تصحيح النماذج وتحديثها نتيجة طبيعية مع تحسن البيانات وتراكم الرصد.


مقالات ذات صلة

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

علوم تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم «ناسا» كانت على أهبة الاستعداد لإجراء اختبار تزويد الصاروخ التابع لمهمة «أرتيميس» (إ.ب.أ)

«ناسا» تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج «أرتيميس» بسبب البرودة

أجلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) رحلة رواد الفضاء المقبلة إلى القمر، بسبب توقعات بانخفاض درجات الحرارة إلى ما يقارب الصفر في موقع الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق عالم قريب فلكياً... بعيد إنسانياً (ناسا)

كوكب جديد داخل المنطقة الصالحة للحياة... لكن ببرودة قاتلة

اكتشف علماء الفلك الكوكب الجديد الذي يحتمل أن يكون قادراً على احتضان الحياة على مسافة تقارب 146 سنة ضوئية من الأرض

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم يأتي المؤتمر بدعم من المكتب الأممي لشؤون الفضاء الخارجي وشراكة مع الاتحاد الدولي للاتصالات (وكالة الفضاء السعودية)

مؤتمر دولي في الرياض يبحث استدامة المدارات الأرضية

انطلقت في الرياض أعمال النسخة الثانية من مؤتمر «حطام الفضاء 2026»، الذي تنظمه على مدى يومين «وكالة الفضاء» السعودية وسط مشاركة دولية رفيعة المستوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

نقلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) صاروخها العملاق «إس إل إس» الذي من المفترض أن يحمل روّاد فضاء إلى مدار القمر في أوّل مهمّة منذ أكثر من 50 سنة.

«الشرق الأوسط» (مركز كيندي الفضائي في فلوريدا )

«حروب الشاشات»... الإعلام الجديد وفن إدارة الصراعات حول العالم

كتاب حروب الشاشات يتناول قضايا عالمية (الشرق الأوسط)
كتاب حروب الشاشات يتناول قضايا عالمية (الشرق الأوسط)
TT

«حروب الشاشات»... الإعلام الجديد وفن إدارة الصراعات حول العالم

كتاب حروب الشاشات يتناول قضايا عالمية (الشرق الأوسط)
كتاب حروب الشاشات يتناول قضايا عالمية (الشرق الأوسط)

في مفارقة بلاغية ودلالية لعبارة النفري الشهيرة «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العِبارة»، يأتي كتاب «حروب الشاشات» للدكتور أسامة السعيد معلناً بلغة العصر التكنولوجي الذي نعيشه أنه «كلما ضاقت الشاشات زادت مساحة التأثير».

يعلن الكتاب منذ البداية الدور المهم والأساسي والمحوري الذي يقوم به الإعلام العالمي في التأثير على الشعوب وعلى الشخوص وعلى الأحداث، نتيجة ما وصلنا إليه من تقدم هائل ومخيف في وسائل الإعلام الرقمية والتقنيات التكنولوجية، لدرجة أن الشاشات يمكنها أن تصنع حروباً وتبني انتماءات وتهدمها بكل بساطة.

يطرح الكتاب الذي يحمل عنواناً فرعياً «استراتيجيات الإعلام الدولي في زمن الصراعات»، الصادر في القاهرة، أخيراً، عن «مجموعة بيت الحكمة للثقافة» العديد من المفارقات المرتبطة بالإعلام العالمي، إعلام الشاشات التي أصبحت داخل جيوبنا، فمن خلال شاشة الجوال يمكنك متابعة كل ما يحدث في العالم من أخبار وهواجس وحملات، دون معرفة يقينية حول مدى صحة أو كذب هذا الخبر أو ذاك.

يتناول الكاتب الدور المهم الذي يقوم به الإعلام من الترويج للمنتجات إلى الأفكار إلى تكوين صورتنا الذهنية عن أنفسنا وعن الأفكار والثقافات التي ربما لم نتعرف عليها إلا من خلال الشاشات.

ويلفت إلى الحضور الطاغي لهذه الشاشات في حياتنا اليومية فنحن على هذه الشاشات «نتعلم، نكتب، نقرأ، نتفاعل، نصرخ، نتعارك، نتصارع، نتحاب، نغضب، نمدح، نلعن...». ومن خلال الشاشات أيضاً ربما نأخذ موقفاً حاداً وقوياً من قضية معينة في منطقة ربما لا نعرف مكانها على الخريطة.

خلف هذه الشاشات تكمن صناعة بالمليارات، هذه الصناعة تستخدم كل الآليات المتاحة لها لخدمة أهداف موضوعة بعناية ومحتوى مصوغ باحترافية.

وعبر 12 فصلاً يتناول الكتاب العديد من الرؤى والأبحاث والقراءات في كيفية تأثير الإعلام العالمي عبر الشاشات الحديثة ووسائله المختلفة في الجمهور، لافتاً إلى أهمية الدراسات الإعلامية التي يتم طرحها في هذا الصدد، محاولاً سبر أغوار بعض الممارسات المضللة والكاذبة والمتلاعبة بعقول الجمهور.

فهو مثلاً يشير في أحد الفصول إلى الانحيازات الإعلامية التي تتبناها مؤسسات «تمتلك من الاحترافية والدهاء ما يجعلها تداري انحيازاتها بغطاء سميك من الاحترافية» ليستقبل الجمهور محتواها دون شكوك في صدق المحتوى، في حين أن الهدف هو وضع أفكار بعينها في رأس المتلقي دون أن يدري.

يستشهد الكاتب بمقولة سون تزو في كتابه «فن الحب» في فصل عن «صناعة العدو إعلامياً»، من خلال معرفة الذات ومعرفة العدو، أو الجهل بالاثنين معاً، والمعرفة والجهل هنا يحددان من يكسب المعارك. لافتاً إلى وجود أكثر من شكل للعدو من بينها «العدو القريب» و«الخصم العالمي» و«العدو المحجوب»، و«العدو التصوري» وصولاً إلى «العدو الإعلامي»، موضحاً في هذا الصدد كيفية بناء تصوراتنا على العدو من خلال وسائل الإعلام المختلفة وعبر الأحداث الكبرى أو القريبة منا والمؤثرة في مصيرنا.

في الفصول التالية يتناول الكاتب التغطيات الإعلامية للعديد من الحروب والأحداث الكبرى التي شهدها العالم والمنطقة العربية أو الشرق الأوسط، من بينها الحرب على غزة في الإعلام الغربي، متضمناً رؤية الغرب لهذه الحرب ورؤيتهم للمنطقة العربية عموماً والانحيازات الواضحة والمباشرة والسافرة في بعض الأحيان للرواية الإسرائيلية التي تبرر الحرب.

كما يتناول الكتاب قضية الإسلاموفوبيا، وكيف تمت تغذيتها في وسائل الإعلام الغربية بطرق مباشرة وغير مباشرة، تحت اسم «إعلام الكراهية»، كما يتناول في فصل «تحولات وتناقضات» تناول الإعلام الأميركي للحرب على أفغانستان، والتغطية الغربية لأزمة أوكرانيا بوصفها أداة للصراع مع روسيا، ويتناول أيضاً كيفية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في خدمة الإرهاب، وفي فصل آخر يشير إلى وسيلة جديدة لاختراق العقول عبر منصة جديدة للتواصل الاجتماعي كنموذج، وهي «كلوب هاوس»، وعن الفرص التقنية الواعدة في إطار الذكاء الاصطناعي والتحديات المهنية التي تواجه صناعة الإعلام يتناول الفصل الأخير مستقبل الإعلام في ظل تزايد نفوذ الذكاء الاصطناعي، ليضعنا أمام ما يسميه «مستقبل ملتبس».


السجن 60 عاماً لأميركي فرّ من محبسه ثم ناشد ترمب وكيم كارداشيان للعفو عنه

عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - د.ب.أ)
عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

السجن 60 عاماً لأميركي فرّ من محبسه ثم ناشد ترمب وكيم كارداشيان للعفو عنه

عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - د.ب.أ)
عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - د.ب.أ)

حُكم على رجل فر مع تسعة آخرين من سجن نيو أورليانز الأميركي، ثم ناشد علناً الرئيس دونالد ترمب، ومغني راب عفا عنه ترمب، ونجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان في أثناء فراره، بالسجن 60 عاماً بتهمة خطف واغتصاب صديقته السابقة.

وقالت صحيفة «غارديان» البريطانية إن أنطوان ماسي، البالغ من العمر 32 عاماً، تلقى عقوبته يوم الخميس في محكمة ولاية بنيو أورليانز، بعد أشهر من القبض عليه بتهمة التورط في عملية هروب من السجن وإدانته لاحقاً في محاكمة بتهم سابقة.

ويُعدّ حادث الهروب الذي وقع في 16 مايو (أيار) 2025 من سجن نيو أورليانز، والذي كان لماسي دور فيه، من أكبر عمليات الهروب في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.

وذكرت السلطات أن الرجال قاموا بفتح باب زنزانة معطل داخل الحجز، وتسللوا عبر فتحة خلف المرحاض، وتسلقوا سياجاً شائكاً، وفروا هاربين في الظلام، وهم يستهزئون بالمسؤولين برسائل مكتوبة بخط رديء، من بينها رسالة بها خطأ إملائي تقول: «الهروب سهل جداً».

وأُعيد القبض على ثمانية من الرجال الهاربين عندما قام ماسي بتصوير مقاطع فيديو نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، يناشد فيها ترمب وكاردشيان - وغيرهما - لتقديم المساعدة له.

عناصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية- أ.ب)

وقال ماسي في أحد مقاطع الفيديو، التي انتشرت على نطاق واسع على الإنترنت: «أرجوكم، أطلب المساعدة».

ومن بين الذين ذكرهم ماسي في طلبه مغنيا الراب ليل واين، وإن بي إيه يونغ بوي الذي اسمه الحقيقي كينتريل غولدين، وحُكم عليه بالسجن عامين بتهم تتعلق بالأسلحة، وهو من بين عدد من المشاهير الذين أصدر ترمب عفواً عنهم خلال فترة رئاسته الثانية.

وبحسب الصحيفة، فإن صلاحيات ترمب في العفو لا تشمل التهم الموجهة إليه على مستوى الولاية التي كان ماسي يواجهها آنذاك.

وألقت الشرطة القبض على ماسي في أواخر يونيو (حزيران) في منزل بنيو أورليانز، على بُعد نحو 3 كيلومترات من مكان عملية الهروب من السجن ومثل أمام هيئة محلفين بتهم سابقة تشمل الاغتصاب، والخطف، والاعتداء.

وتعود هذه التهم إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما ثبت أن ماسي اعتدى بالضرب والاغتصاب على صديقته.

وذكر المدعون أن الضحية تمكنت من الفرار واستعانت بشخص غريب لمساعدتها في الاتصال بالشرطة، ما أدى إلى احتجازه في المنشأة التي شهدت لاحقاً عملية الهروب وأصدرت هيئة المحلفين حكماً بإدانته.

ولا يتيح له الحكم الصادر بحقه يوم الخميس أي إمكانية للإفراج المشروط وقال القاضي آلان بلاك لماسي: «هذا... كان عنفاً وحشياً ومفرطاً».


فيلم «لائحة الزفاف» حبكة تبدد القلق وتنعش الروح

مشهد من «لائحة الزفاف» (رندة علم)
مشهد من «لائحة الزفاف» (رندة علم)
TT

فيلم «لائحة الزفاف» حبكة تبدد القلق وتنعش الروح

مشهد من «لائحة الزفاف» (رندة علم)
مشهد من «لائحة الزفاف» (رندة علم)

تمنحك مشاهدة فيلم «لائحة الزفاف» (Liste de mariage) هدنة من صخب الحياة بعيداً من همومها اليومية. جرعة كوميديا ممزوجة بالرومانسية تلامس القلب، تجعلك تغادر صالة السينما وابتسامة عريضة ترافقك، مردّداً كما غيرك من الروّاد: «حلو الفيلم».

هي حبكة تُبدّد القلق وتُنعش الروح. بقلم طارق سويد، وكاميرا رندة علم، نخوض تجربة سينمائية لبنانية بسيطة وممتعة في آن. أبطاله كارلوس عازار وريتا حايك وسمارة نهرا الذين يُضفون على العمل صدقاً عفوياً يُقرّب الشخصيات من المتفرّج، ويجعل تفاصيلها اليومية نابضة بالحياة. تنساب الأحداث بخفّة بعيداً من التكلّف. وتتكامل العناصر بين نصّ رشيق وإخراج هادئ وأداء متناغم، لتثمر تجربة دافئة تمنح المشاهد فسحة متعة وراحة.

ريتا حايك والتمثيل العفوي (رندة علم)

كان من المقرّر أن يكون «لائحة الزفاف» ميكرودراما تُعرض حلقاته القصيرة على منصة «سين» الإلكترونية. وهي أول منصة عربية متخصصة في الميكرودراما (مسلسلات على شكل حلقات قصيرة). إلا أن فريق العمل اجتمع مع المنتجة المنفّذة مي أبي رعد على ضرورة تحويله إلى فيلم سينمائي. وتشير مخرجته رندة علم إلى أنها تحمّست للاقتراح، لا سيما أن القصة تستحق مساحة عرض أوسع من المنصات الرقمية. وتوضح: «الحبكة بسيطة، وهذا أمر مقصود. لأن الميكرودراما ترتكز على نص خفيف. فالمشاهدة عبر الهاتف تتطلّب إيقاعاً سريعاً وبنية سردية رشيقة».

يلعب أسلوب طارق سويد دور البطولة الفعلية في الفيلم. فمنذ اللحظة الأولى يشعر المتابع بأن القصة تخاطبه بلغته مباشرة، وتشدّه حواراتها بواقعيتها المنسجمة مع فكرة العمل. وهو ما يميّز سويد في مؤلفاته الدرامية السلسة؛ إذ ينسج حبكة قريبة من الناس، تنبض بتفاصيلهم اليومية وتبتعد عن الافتعال. دراما تنمو من داخل الشخصيات لا من أحداث مصطنعة، فتترك أثرها بتراكمها الطبيعي لا بصدماتها المفاجئة. هنا تتجلّى بصمته بوضوح فهو يكتب بعين تعرف الشارع، وقلب يعكس نبضه، فيصوغ حكاية مألوفة مشغولة بحساسية عالية، تلامس المتلقّي المتعطّش لدراما تشبهه.

كارلوس عازار يحقق عبر الفيلم نجومية كوميدية (رندة علم)

يتناغم الثنائي كارلوس عازار وريتا حايك في أدائهما، إلا أنّ عازار يحقّق في دور «جيمي» قفزة نوعية تضعه في مصاف النجم الرومانسي الكوميدي بامتياز. يخلع عباءة الجدية وأدوار التشويق والإثارة، وينتقل إلى أداءٍ مختلف مشبع بخفّة ظلّ واضحة. في أكثر من مشهد، يضحك عازار مُشاهِده حتى القهقهة بعفوية تنبع من شخصيته المرحة، ويطلّ بمظهر خارجي يكسر صورته النمطية المعتادة.

تعلّق رندة علم: «سبق أن تعاونت مع كارلوس في مسلسل (حادث قلب)، وكنت واثقة من قدرته على تجسيد الدور ببراعة. لطالما لمست لديه طاقات تمثيلية كبيرة لم تُستثمر بالكامل». وتضيف: «حتى مظهره الخارجي رغبت في تبديله تماماً، وحرصت على أن ينسجم شكله مع خطوط الشخصية».

يتلوّن الفيلم بحضور سمارة نهرا المعروفة بحسّها الفكاهي وتجاربها الكوميدية المتراكمة، وفي مقدّمها مسلسل «بنات عماتي وبنتي وأنا». في هذا الشريط تعود إلى ملعبها الأساسي النابض بالضحكة والطرافة.

أما ريتا حايك، ابنة المسرح وصاحبة الخبرة المتراكمة، فتؤكد مرة جديدة قدرتها على تقمّص أدوارها ببراعة. نجحت في تجسيد شخصية «لانا» الفتاة الرومانسية بأداء تلقائي صادق، جمع بين الرهافة والقوة الداخلية. وعززت الشخصية بملامح إنسانية دافئة بعيداً من التصنّع والمبالغة.

مخرجة العمل رندة علم تصف الفيلم بالـ«قريب إلى القلب» (رندة علم)

وعن التحدّي الذي واجهها مع حايك خلال التصوير، تكشف رندة علم: «تفاجأت بأنها في شهرها الرابع من الحمل بعد أن تأخر تنفيذ الفيلم لأشهر. وكان عليّ إعادة بناء بعض المشاهد بما ينسجم مع متطلبات الشخصية. اضطررنا إلى تعديل خط الأزياء بالكامل، وحرصت على إخفاء الحمل حفاظاً على منطق السرد».

صُوّر الفيلم في أحياء بيروت وجونيه وبلدة المنصف في مدة خمسة أيام، مما أضفى على مشاهده قرباً إضافياً من الناس. غابت عنه لقطات القصور والبذخ، وحلّ مكانها دفء العلاقات الإنسانية في المدينة.

وتشير علم إلى أن هدفها الأول كان إدخال الضحكة إلى قلب اللبناني. «لقد تعب الناس من الحزن والمآسي. وكان لا بد من مساحة ترفيه حقيقية تُشعرهم بالخفة وتمنحهم لحظات استرخاء».

كاتب العمل طارق سويد مع بطلي الفيلم (رندة علم)

وعن مدة التحضير والتنفيذ، توضح لـ«الشرق الأوسط»: «استغرقت الكتابة الوقت الأكبر؛ إذ تطلّب تحويل الفكرة من حلقات قصيرة إلى فيلم مترابط تعديلات أساسية على البنية الدرامية». وتختم: «لم يكن هدفي مادياً، بل أردت كسر فكرة أن الفيلم السينمائي يحتاج دائماً إلى إنتاج ضخم. بميزانية بسيطة استطعنا تقديم عمل جيد يثبت أن الرهان الأول يبقى على النص والرؤية».

وكانت صالات السينما في لبنان قد بدأت عرض الفيلم منذ 12 فبراير (شباط) الحالي، وتتولّى توزيعه شركة «بيروتيس برودكشن».