إسرائيل «تصحّر» الجهة اللبنانية من الحدود

وزير الزراعة لـ«الشرق الأوسط»: رشّت مواد تقضي على الغطاء النباتي

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي في بلدة كفردونين بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي في بلدة كفردونين بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل «تصحّر» الجهة اللبنانية من الحدود

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي في بلدة كفردونين بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع استهداف إسرائيلي في بلدة كفردونين بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

أكدت الفحوص المخبرية أنّ المادة الكيميائية التي استخدمتها الطائرات الإسرائيلية في جنوب لبنان، هي مبيد عشبي من نوع «غليفوسات»، يؤدي رشها بكثافة إلى القضاء على الغطاء النباتي في المنطقة الحدودية مع إسرائيل، حسبما كشف عنه وزير الزراعة اللبناني نزار هاني لـ«الشرق الأوسط».

وأثار رش الطائرات الإسرائيلية لمواد كيميائية غير معروفة، تنديداً واسعاً؛ إذ أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون، «بأشد العبارات، قيام الطائرات الإسرائيلية برش مبيدات سامة على الأراضي والبساتين في عدد من القرى الجنوبية الحدودية»، عادَّاً أنّ هذا العمل العدواني «يشكّل انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية، وجريمة بيئية وصحية بحق المواطنين اللبنانيين وأرضهم، ويمثل استمراراً للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وشعبه».

وأكد عون أنّ «هذه الممارسات الخطيرة التي تستهدف الأراضي الزراعية ومصادر رزق المواطنين وتهدد صحتهم وبيئتهم، تفرض على المجتمع الدولي والمنظمات الأممية المعنية أن تتحمل مسؤولياتها لوقف هذه الاعتداءات وحماية السيادة اللبنانية». وكشف عن أنّه طلب من وزارة الخارجية «إعداد ملف موثق بالتعاون مع وزارات الزراعة والبيئة والصحة العامة؛ تمهيداً لاتخاذ كل الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة لمواجهة هذا العدوان، وتقديم الشكاوى إلى المحافل الدولية ذات الصلة».

«غليفوسات» بكثافة مرتفعة

وبدأت السلطات اللبنانية تقصي تلك المواد، وإخضاعها لاختبارات علمية. وقال وزير الزراعة اللبناني نزار هاني لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «نتائج الفحوص المخبرية أظهرت أنّ المادة التي جرى رشّها هي مبيد عشبي من نوع (غليفوسات)، وهو مبيد متداول في الأسواق ويُستخدم في عدد من الدول، إلا أنّ الكمية التي رُشّت جاءت بكثافة مرتفعة جداً، تفوق المعدلات الطبيعية بنحو 20 إلى 30 في المائة».

وأوضح أنّ «الغليفوسات، كغيره من المبيدات العشبية، يقضي على الغطاء النباتي بالكامل عند استخدامه بهذه الكثافة، ويؤدي إلى آثار مباشرة على التربة والمياه، كما ينعكس سلباً على صحة الإنسان»، لافتاً إلى أنّ «هذه المادة تُصنّف ضمن المواد ذات التأثيرات المسرطنة، وتأثيرها بالغ الخطورة، خصوصاً على الزراعة والبيئة النباتية». وأشار هاني إلى أنّ «ما جرى يتقاطع مع ممارسات معروفة على الحدود، حيث تُستخدم هذه المواد لإحداث مناطق خالية من الغطاء النباتي، بما يؤدي عملياً إلى تصحّر ممنهج».

إجراءات الدولة: تقارير وملف دولي

وعن الخطوات العملية، أكد وزير الزراعة أنّ «الوزارة باشرت فوراً اتخاذ الإجراءات المعتمدة، وجرى إعداد تقارير رسمية ستُرفع إلى وزارة الخارجية، التي تتولى بدورها تحديد المسار المناسب، سواء لناحية تقديم شكاوى أو رفع تقارير إلى الأمم المتحدة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل وزير الزراعة نزار هاني (الرئاسة اللبنانية)

وذكّر بأنّ «وزارة الزراعة سبق أن أعدّت تقريراً مفصلاً بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (فاو) حول الأضرار الزراعية الناتجة من الاعتداءات الإسرائيلية، وقد جرى تحديد حجم الخسائر بالأرقام، إضافة إلى خسائر غير مباشرة مرتبطة بالإنتاج والمواسم الزراعية، وجرى رفعها رسمياً إلى وزارة الخارجية لاتخاذ الإجراءات اللازمة».

انعكاسات صحية

ولا يخلو استخدام هذه المادة، من تداعيات صحية. وقال عضو لجنة الصحة النيابية النائب عبد الرحمن البزري لـ«الشرق الأوسط»: إنّ مادة «الغليفوسات»، وهي مبيد أعشاب كيميائي واسع الاستخدام عالمياً، «يُستعمل عادة للقضاء على الأعشاب الضارة وغير المرغوب فيها».

واستنكر رشّ هذه المادة في مناطق مدنية مأهولة، وفي أراضٍ تحتوي على محاصيل مثمرة وأساسية للغذاء، لافتاً إلى أنّ «الغليفوسات يعمل عبر تعطيل (إنزيم) أساسي تحتاج إليه النباتات للنمو؛ ما يؤدي إلى ذبولها وموتها خلال فترة قصيرة».

وأشار إلى أنّ «الاستخدام التقليدي لهذه المادة يقتصر على جوانب الطرق أو إزالة الغطاء النباتي غير المرغوب فيه»، عادَّاً أنّ «رشّها في هذه المناطق قد يندرج في إطار محاولة إزالة الغطاء النباتي لأهداف عسكرية وأمنية، إضافة إلى جعل الأراضي غير صالحة للاستخدام الزراعي في المدى القريب، بما يعيق عودة السكان إليها».

الجدل العلمي والرش الجوي

وتوقف البزري عند الجدل العلمي المرتبط بهذه المادة، موضحاً أنّ «الغليفوسات مُصنّف من قِبل الوكالة الدولية لأبحاث السرطان مادةً يُحتمل أن تكون مسرطِنة للإنسان»، فضلاً عن «تأثيراتها الصحية المباشرة وغير المباشرة، ولا سيما عند التعرّض المتكرر أو غير المنضبط لها».

وأضاف أنّ «أحد أخطر جوانب ما يجري يتمثّل في الرشّ الجوي، وهو أسلوب نادر الاستخدام مع هذه المواد بسبب مخاطره العالية؛ إذ يسمح بوصولها إلى المحاصيل الغذائية، ومصادر المياه، والمناطق السكنية»، مؤكداً أنّ «ما يحصل اليوم يبدو رشّاً مقصوداً لمناطق مأهولة ومحاصيل غذائية».

الأعراض والمخاطر الصحية

وفيما يتعلّق بالتأثيرات الصحية، شرح البزري بأنّ «الأعراض قصيرة الأمد تظهر سريعاً بعد التعرّض المباشر، وتشمل تهيّج الجلد والطفح والحكّة، وتهيج العينين مع حرقة وتشوش مؤقت في الرؤية، إضافة إلى تهيّج الجهاز التنفسي عند استنشاق الرذاذ؛ ما يسبّب السعال وضيق التنفس».

وأضاف أنّ الأعراض قد تشمل «الغثيان والتقيؤ والإسهال في حال الابتلاع العرضي، مع شعور عام بالصداع والتعب والوهن»، مشيراً إلى أنّ «هذه الأعراض تكون أكثر خطورة لدى الأطفال».

ولفت إلى أنّ «التعرّض المزمن للمادة ارتبط بارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الغدد اللمفاوية، واضطرابات الدم والخلايا الدموية، إضافة إلى اختلالات هرمونية تؤثر على الخصوبة والنمو والحمل والتوازن الهرموني العام»، فضلاً عن «تأثيرات محتملة على الجهاز العصبي، مثل الصداع المزمن وضعف التركيز والتعب العصبي، واحتمال ارتباطها ببعض الاضطرابات العصبية».

وأكد أنّه «رغم أنّ هذه المادة لا تُعدّ قاتلة بشكل فوري، فإنّها تشكّل خطراً صحياً وبيئياً حقيقياً عند التعرّض المتكرر وغير المنظّم؛ لما لها من انعكاسات سلبية على صحة الإنسان، والحيوان، والنبات، وعلى التوازن البيئي عموماً».

ملف علمي – قانوني بإشراف «الخارجية»

وباشرت وزارة الخارجية والمغتربين اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة برش مواد ومبيدات سامة على الأراضي الزراعية والبساتين في عدد من القرى اللبنانية.

وكشفت الوزارة في بيان عن أنها ستتواصل مع كل من وزارات الزراعة والبيئة والصحة العامة، بالإضافة إلى الجهات العلمية والبحثية المختصة؛ بهدف إعداد ملفٍ علمي وقانوني متكامل يوثّق هذه الانتهاكات الخطيرة.

وسيتضمن الملف تحديد طبيعة المواد المستخدمة والتحقق من مدى مخالفتها للقانون الدولي من خلال مطابقة هذه المواد مع قوائم المواد المحظورة دولياً بموجب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة، كما ستعمل وزارة الخارجية مع الجهات المعنية على توثيق المساحات المتضررة، وتقييم الأضرار والآثار الصحية والبيئية والزراعية المترتبة على استخدام هذه المواد، بما يشمل تأثيرها على الإنسان والتربة والغطاء النباتي والموارد المائية.

وفور استكمال هذا الملف، ستتقدم وزارة الخارجية بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي ضد إسرائيل.


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف عناصر يُشتبه بانتمائهم لـ«حزب الله» في جنوب لبنان

شؤون إقليمية منازل مدمرة في قرية صريفا بجنوب لبنان... 24 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف عناصر يُشتبه بانتمائهم لـ«حزب الله» في جنوب لبنان

قال الجيش الإسرائيلي إنه نفّذ غارة جوية استهدفت عناصر يُشتبه في انتمائهم إلى «حزب الله» بعد دخولهم إلى منطقة تحتلّها قواته في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
بروفايل متداولة لوسيم الأسد متباهياً بسطوته فترة النظام البائد

بروفايل من هو وسيم الأسد الذي استخدم نفوذه «التشبيحي» في تزعم تجارة الكبتاغون؟

نشطت مجموعاته في المرافئ والمعابر على الحدود مع لبنان بريف حمص لتسهيل تهريب الكبتاغون والوقود.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ) p-circle

كاتس: لا مطلب أميركياً بالانسحاب من لبنان

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، إنّ الولايات المتحدة لم تطلب سحب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جندي من الجيش اللبناني يتفقّد أضراراً خلّفتها غارة إسرائيلية في النبطية بلبنان 21 يونيو 2026 (رويترز)

الجيش اللبناني يفكك عبوات وقنابل حية من بقايا الحرب في الجنوب

عملت وحدات من الجيش اللبناني على تفكيك عبوات وقنابل طيران حية من مخلفات القصف الإسرائيلي على 6 بلدات في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سيدة تبحث بين أنقاض منزلها المدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في النبطية (أ.ب)

خروقات إسرائيلية متواصلة رغم اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

تواصلت الخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان، الأربعاء، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مخاوف من تعزيز السيطرة الإسرائيلية على صلاحيات إدارة «الأقصى»

صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
TT

مخاوف من تعزيز السيطرة الإسرائيلية على صلاحيات إدارة «الأقصى»

صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)

على الرغم من مزاعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكثر من مرة، بأنه لم يتم اتخاذ أي قرار يخص المسجد الأقصى في القدس، وأنه لا نية لتغيير «الوضع القائم» هناك، فإن كل شيء يدور حول المسجد يقول عكس ذلك.

وتسيطر إسرائيل على المسجد أمنياً بحكم الأمر الواقع، لكن منذ عقود طويلة ظلت إدارته منوطة بدائرة «الأوقاف الإسلامية» التابعة للمملكة الأردنية، التي حصلت على حق الإشراف عليه ضمن اتفاقات دولية وثنائية.

غير أن إسرائيل باتت تستهدف بشكل صامت هذه الإدارة وتحاول على الأرض تغيير الواقع. وقال المسؤول في محافظة القدس معروف الرفاعي، الثلاثاء، إن «إسرائيل تستهدف دائرة الأوقاف الإسلامية والعاملين فيها بشكل يهدد قدرتها على أداء دورها في المسجد وإدارته».

عامل ينظف منطقة في باحة المسجد الأقصى عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بالبلدة القديمة بالقدس (أ.ب)

وأكد الرفاعي، في بيان، أن سلطات الاحتلال تنتهج سياسة ممنهجة لتقليص عدد الحراس والموظفين داخل المسجد الأقصى، حيث لم يعد عدد الحراس يتجاوز 20 حارساً، من أصل 50 للمناوبة الواحدة، في واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه منظومة الحراسة منذ سنوات.

وأضاف: «هذا التراجع التاريخي والحاد وغير المسبوق يأتي نتيجة سلسلة من الإجراءات التعسفية، أبرزها إبعاد أكثر من 37 حارساً وموظفاً عن المسجد، وإلغاء تصاريح 30 موظفاً إدارياً من الضفة الغربية، ما أدى إلى شلل واضح في عمل مختلف أقسام دائرة الأوقاف، بما يشمل الجوانب الإدارية والفنية والخدماتية».

واعتبر الرفاعي أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى إضعاف دور دائرة الأوقاف الإسلامية، وتعطيل قدرتها على إدارة شؤون المسجد.

وحسبه، تواصل إسرائيل منع الأوقاف من تنفيذ أعمال الصيانة والترميم، وتعيق حتى الأعمال البسيطة والضرورية داخل المسجد، فيما صعدت الشرطة سياسة الاستيلاء التدريجي على مرافق ومعالم داخل المسجد الأقصى تحت ذرائع أمنية مثل قبة الإمام الغزالي، ودار الحديث الشريف، وقبة سليمان، وقبة موسى.

وأضاف: «هذا يعكس توجهاً خطيراً نحو فرض وقائع ميدانية جديدة داخل المسجد الأقصى».

وجاء كل ذلك مع خطوات أخرى تعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق بين شرطة الاحتلال وجماعات «الهيكل» المتطرفة، بعدما أعلنت شرطة الاحتلال في الثالث من يونيو (حزيران) حملة لاستقطاب متطوعين جدد إلى ما تسمى «وحدة جبل الهيكل»، لمرافقة المستوطنين وتأمين اقتحاماتهم للمسجد وتوفير الحماية لهم.

وأكد الرفاعي أن هذا التوجه يكشف بوضوح عن سعي الاحتلال إلى توسيع نفوذ الجماعات المتطرفة داخل الأقصى، بالتوازي مع تقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية وتعطيل عملها، بما يخدم مشروع فرض السيطرة الإسرائيلية على المسجد ومرافقه.

معركة السيادة على الأقصى

ومعركة السيادة على الأقصى قديمة جداً، بدأت قبل قرار تأسيس إسرائيل، وربما كانت إسرائيل حسمتها مبكراً لولا حساسية المسألة سياسياً وأمنياً وعلى جبهات متعددة.

وبدأت القصة عام 1924، حسب الخارجية الأردنية منذ أيام الشريف الحسين بن علي، حين انعقدت له البيعة والوصاية على الأقصى، ثم تواصل ذلك في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال الذي شكل عام 1954 لجنة إعمار الأقصى وقبّة الصخرة، وظل ذلك سارياً حتى بعد احتلال إسرائيل للقدس باعتبار دائرة الأوقاف التابعة للأردن آخر سلطة دينية إدارية كانت تشرف على الحرم الشريف هناك، وحين أُعلن قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في عام 1988، استثنى القرار مدينةَ القدس كي لا تقع في الفراغ أو يتسلّل لها الاحتلال.

واحتفظ الأردن بحقه في الإشراف على الشؤون الدينية بالقدس بموجب اتفاقية «وادي عربة» للسلام، التي وقّعها مع إسرائيل في 1994.

وفي مارس (آذار) 2013، وقّع العاهل الأردني الملك عبد الله، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، اتفاقية تؤكد أن للمملكة حق «الوصاية والدفاع عن القدس والمقدسات» في فلسطين.

المصلون قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى يؤدون صلاة الفجر بالقدس (أ.ف.ب)

وتقر السلطة الفلسطينية بدور الأردن في الإشراف على المقدسات، لكن ذلك لا يروق للإسرائيليين أبداً.

وخلال السنوات، شددت إسرائيل قبضتها على المسجد وحاربت دور الأوقاف، واستغلت كل حدث لإظهار سيطرتها الكاملة على المكان، فمنعت المسلمين من الوصول إليه في أوقات الحروب والأعياد الدينية، وقيدت وصولهم وحددت أعماراً وفئات يسمح لهم بالوصول في أوقات محددة.

ودعمت الحكومات الإسرائيلية اقتحامات للأقصى، وقاد وزراء هذه الاقتحامات، وقد اختبر الإسرائيليون والفلسطينيون معاً عدة مواجهات بسبب الموقع المقدس، منذ حرقه عام 1969، مروراً بانتفاضة الأقصى عام 2000، ثم مواجهات وانتفاضات صغيرة مثل «هبة الأقصى» وصولاً إلى معركة «البوابات»، ثم حرب كاملة مع «حماس» في غزة عام 2021، ثم حرب السابع من أكتوبر التي قالت «حماس» إن جزءاً كبيراً من أسبابها مرتبط بالأقصى وأطلقت عليها اسم «طوفان الأقصى».

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

وفيما يتمسك الفلسطينيون والأردنيون والمسلمون جميعاً باعتبار الأقصى ثالث أقدس مكان ويخص كل المسلمين، يقول المتطرفون اليهود إنهم سيبنون مكانه «الهيكل» في يوم من الأيام.

وقاد وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، في العامين الماضيين جولات من اقتحام المسجد، وصلى هناك وشجع آخرين على الصلاة في ذكرى ما يسمونه «خراب الهيكل» متعهداً «بالحكم والسيادة» في المسجد.

وعلى الرغم من أن نتنياهو يقول إن لا تغيير في وضع المسجد، فإن كثيرين في إسرائيل يقولون إن بن غفير والمستوطنين ينتهكون فعلياً هذا الوضع ويغيرونه.

ومع المفاوضات الكثيرة التي تدار بشأن القضية الفلسطينية، تسربت تقارير حول وجود خطة أميركية تقوم على إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى وحل مجلس الأوقاف الإسلامية، وإنشاء هيئة دولية تشارك فيها دولة الاحتلال للإشراف على المسجد بدلاً من دائرة الأوقاف الإسلامية. ونفت الولايات المتحدة علمها بذلك ولم تعقب إسرائيل.


ملادينوف يبحث في القاهرة دفع «اتفاق غزة»

فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ملادينوف يبحث في القاهرة دفع «اتفاق غزة»

فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تحاول ركوب دراجة نارية بالقرب من مبنى متضرر بشدة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

محادثات جديدة في القاهرة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بحضور ممثل مجلس السلام في قطاع غزة نيكولاي ملادينوف، وسط غموض بشأن إمكانية التوصل لتفاهمات وقبول إسرائيل بها.

تلك المحادثات التي تبدي «حماس» تحفظات علنية بشأن مضامين مطروحة خلالها يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، ضمن جهود القاهرة المتواصلة لدفع الاتفاق وإنهاء العقبات التي تقف أمامه، لا سيما المرتبطة بنزع السلاح، وانسحاب إسرائيل من القطاع.

محادثات متواصلة

وكشفت «الخارجية المصرية»، عن لقاء بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وملادينوف، مساء الأربعاء. وشدد عبد العاطي خلال اللقاء على ضرورة استكمال تنفيذ باقي استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي، بما في ذلك مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها من داخل القطاع في أقرب فرصة، ونشر قوة الاستقرار الدولية، ونفاذ المساعدات الإنسانية والطبية والإغاثية، بما يسهم في تثبيت التهدئة وتعزيز الأمن وتوفير البيئة الملائمة لبدء جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

ووفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، فإن عبد العاطي شدد خلال اللقاء على ضرورة استكمال تنفيذ باقي استحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي، بما في ذلك مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة مهامها من داخل القطاع في أقرب فرصة، ونشر قوة الاستقرار الدولية، ونفاذ المساعدات الإنسانية والطبية والإغاثية، بما يسهم في تثبيت التهدئة وتعزيز الأمن وتوفير البيئة الملائمة لبدء جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

فيما يجتمع «مجلس السلام» المعني بغزة، في قبرص، نهاية الشهر الجاري، بهدف تقييم الوضع بعد ستة أشهر من انطلاقه، بحسب ما ذكره موقعا «بوليتيكو»، و«تايمز أوف إسرائيل».

يأتي هذا اللقاء وسط تحفظات متتالية تعلنها «حماس»، وغداة حديث القيادي في الحركة، طاهر النونو، في مقابلة تلفزيونية، عن موقف الحركة، مشيراً إلى أن «الموقف الذي طرحته الحركة في المفاوضات، هو أنه قبل الانتقال للمرحلة الثانية نستكمل تطبيق المرحلة الأولى وعلى رأسها الانسحاب إلى الخط الأصفر، لكن الاحتلال تقدم 9 في المائة بعد الخط الأصفر، وسماه (الخط البرتقالي)، والوسطاء عرضوا على الفصائل الفلسطينية الربط بين تطبيق المرحلتين، لكن الاحتلال لم يلتزم بما عليه».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وذكر النونو أن حركة «حماس» تسلمت منذ أبريل (نيسان) الماضي 3 عروض مختلفة من «مجلس السلام» وممثله ملادينوف، موضحاً أن الورقة الأولى «أجرينا عليها بعض التعديلات بما يتناسب مع مواقفنا، ثم جاءت الورقة الثانية في شهر مايو (أيار) الماضي وأعددنا الرد عليها، وفي 12 يونيو (حزيران) تسلمنا من ملادينوف الورقة الثالثة، وكل الأوراق كانت مختلفة عن بعضها».

وأشار إلى أنه في الجولة الأخيرة، كنا نفاوض حول ورقة 19 أبريل ووصلنا إلى قمة التفاؤل، وكانت الأمور إيجابية مع الوسطاء، لكن ملادينوف سحب الورقة وقدم ورقة جديدة في 12 يونيو بصياغات جديدة ومفاجئة ومختلفة.

وأكد القيادي في حركة «حماس» أن «رد الاحتلال في كل الجولات، كان أنه لن يلتزم بالمرحلة الأولى من الاتفاق، ويريد أن يرحل بنودها إلى المرحلة الثانية، لكننا نصر على أن أي مرحلة يتم الانتقال إليها يجب أن يكون بعد تنفيذ المرحلة السابقة بشكل كامل».

وبيّن أن «الاحتلال يريد غزة بلا سلاح مقاومة، وحل فصائل المقاومة، وأن تطلب العفو من الاحتلال مقابل أن تبقى الميليشيات تحكم المواطنين، فضلاً عن أنه لا يوجد وضوح لدخول اللجنة الإدارية لغزة، وحتى الآن لم تقم بتسلم مهامها في القطاع».

فلسطينيات ينعين أقارب لهن قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية أثناء جنازتهم في مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال المتحدث باسم حركة «حماس» حازم قاسم، في تصريحات الاثنين، إن المقترح المعدل الذي قدمه ممثل مجلس السلام نيكولاي ملادينوف لا ينسجم مع ما تم الاتفاق عليه خلال مباحثات القاهرة، مشيراً إلى أن الفصائل توصلت مع الوسطاء إلى توافقات بشأن آليات تنفيذ خطة السلام في غزة.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن المحادثات في مصر ضمن محاولات دفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة للأمام على أرض الواقع مع تقريب وجهات النظر ومحاولة إيجاد تفاهمات، مشيراً إلى أن الموقف الإسرائيلي سيظل هو العائق الأكبر أمام الاتفاق، وعلى واشنطن أن تتدخل بجدية للجم تعنت تل أبيب.

ويعتقد المحلل الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع أن الخلاف بين ملادينوف و«حماس» عميق، لأنه يحمل رؤى مجلس السلام وإسرائيل بشكل كامل، وأهمها تفكيك السلاح الذي تعتبره «حماس» آخر ورقة لديها، ومن ثم تماطل للخروج بأي مكسب.

وأوضح أن هناك أمراً آخر قد يطيل أمد الأزمة وهو التوازنات داخل «حماس»، حيث إن الخط الإيراني داخل الحركة يترقب نتائج الاتفاق بين طهران وواشنطن خلال محادثات الـ60 يوماً.

وأيضاً هناك عقبات من إسرائيل التي تعيش فترة انتخابات، حيث قدم نتنياهو تنازلات لترمب في إيران ولبنان، ولن يتجاوب في غزة على الأقل حتى انتهاء الانتخابات، وفق مطاوع.

ترقب لمحادثات

وتوقعت مصادر فلسطينية في حديث قبل يومين لـ«الشرق الأوسط»، لجوء حركة «حماس» وفصائل في غزة، إلى «التعامل بإيجابية» مع تعديلات الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، وذلك رغم ظهور أصوات رافضة لمحتواها بين عناصر حركات القطاع.

ووسط هذا الغموض، يرى مطاوع أن جهود القاهرة مستمرة ونجحت بالفعل في فك معضلة رفض «حماس» تسليم سلاحها وخلق مقاربات عبر التوصل إلى خطة بشأنه أبدت «حماس» موافقة مبدئية عليها، لافتاً إلى أن مصر ستواصل جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار.

أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي - إسرائيلي بخان يونس في فبراير 2025 (رويترز)

وتوقع مطاوع سيناريوهين، أولهما أن تستمر حالة الجمود في غزة في ظل حالة الانشغال بملفي إيران ولبنان وهو الأقرب، والآخر، أن تتمكن القاهرة من الوصول لصيغة وسط وتسويقها لدى الإدارة الأميركية، ومن ثم تضغط واشنطن لتنفيذها، ومن ثم استكمال مراحل الاتفاق.

ويرجح الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن يتم الذهاب لحلحلة مؤقتة بضغط من واشنطن عبر محادثات القاهرة ويعلن عن ذلك في وقت قريب، متوقعاً أن تكون لقاءات القاهرة حاسمة في هذا الاتجاه.


تحذيرات من حرب مع مصر... هل يستند الإعلام الإسرائيلي إلى مؤشرات جادة؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

تحذيرات من حرب مع مصر... هل يستند الإعلام الإسرائيلي إلى مؤشرات جادة؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تعددت في الأيام الأخيرة تحذيرات وسائل الإعلام الإسرائيلية من قوة الجيش المصري، وذهبت بعض الأصوات إلى حد التلميح بإمكانية اندلاع حرب مع مصر، رغم السلام الممتد منذ عقود، ما يطرح تساؤلات حول وجود مؤشرات جدية يمكن أن تقود لاندلاع صراع عسكري، أم أن التصريحات الإسرائيلية تبقى في طور التسخين السياسي والإعلامي، جراء تباينات أخذت في التصاعد منذ حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة؟

وبحسب عسكريين سابقين وخبير في الشؤون الإسرائيلية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن توالي استخدام لهجة تصعيدية ضد مصر في الإعلام الإسرائيلي لا يعني اندلاع حرب بين البلدين على المدى القريب، غير أن طموحات «إسرائيل الكبرى» والخطط التوسعية التي تتبناها حكومة اليمين المتطرف، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، توضح أن هناك رغبة في تهيئة الأجواء السياسية لأي نزاع مستقبلي عبر قلب الحقائق، والتركيز على قوة الجيش المصري باعتبارها مهدداً لأمن إسرائيل.

حرب خلال 15 عاماً

تحدث رئيس مركز «هيروت الإسرائيلي» أمياد كوهين، خلال مؤتمر سنوي عُقد في القدس الاثنين لمناقشة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية والتحديات التي تواجهها، عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين إسرائيل ومصر خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة، وحذر مما وصفه بـ«تنامي القوة العسكرية للجيش المصري».

وبالتوازي مع ذلك نشرت منصة «نيوز1» الإسرائيلية تقريراً تناول تقديرات أمنية إسرائيلية بشأن القدرات العسكرية المصرية، وسلطت المنصة الضوء على التحركات المرتبطة بتعزيز الوجود العسكري في سيناء، وزعمت أن صناع القرار في إسرائيل يراقبون عن كثب عمليات التطوير والتحديث التي يشهدها الجيش المصري خلال السنوات الأخيرة.

حديث إسرائيلي عن حرب متوقعة ضد مصر يطرح تساؤلاً حول جديتها (رويترز)

ما نشرته المنصة الإسرائيلية يأتي ضمن تقارير عديدة تصدر بشكل شبه يومي، تتناول القدرات العسكرية المصرية والانتشار في شبه جزيرة سيناء، وتركز على وجود خطر يأتي من الجبهة الجنوبية لإسرائيل، وهو ما يراه رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري ومستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية»، أنه يندرج تحت محاولات لشحذ داخلي وتوجيه رسائل لليهود حول العالم بوجود خطر يأتي من جانب مصر، بما يساهم في تقديم مزيد من الدعم للحكومة الحالية.

وقال رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالجيش المصري في تصريح لـ«الشرق الأوسط» اللواء نصر سالم، إن التسخين المستمر ضد الجيش المصري، والتلويح باندلاع حرب لا ينفصلان عن خطط «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات»، وهو حلم لن تتنازل عنه إسرائيل عبر أجيال مختلفة، مبرزاً أن عرض نتنياهو خريطة مستقبلية لبلاده أمام الأمم المتحدة العام الماضي يبرهن على أن الخطط ماضية في التنفيذ، ومشيراً إلى أن الإعلام الإسرائيلي «يستبدل الحديث عن التوسع بوجود خطر يمنح مبررات لأي اعتداءات قد تقع في المستقبل، لكن من الصعب اندلاع حرب طالما بقيت مصر متماسكة وقوية».

وتربط مصر وإسرائيل اتفاقية السلام الموقعة منذ عام 1979، والتي أنهت حالة الحرب بين البلدين، وأرست ترتيبات أمنية خاصة في شبه جزيرة سيناء.

ونفذت مصر خلال العقد الأخير برنامجاً واسعاً لتحديث قواتها المسلحة، شمل تطوير منظومات التسليح والبنية التحتية الاستراتيجية، في إطار استراتيجية معلنة تهدف إلى حماية الأمن القومي المصري، وتأمين الحدود الممتدة على الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة، في ظل التحديات التي شهدتها المنطقة، سواء في ليبيا أو السودان أو البحر الأحمر وشرق المتوسط.

نزاع مستبعد على المدى القريب

يستبعد مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق ومستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية»، اللواء محمد الغباري، اندلاع حرب بين البلدين على المدى القريب، ويرى أن ما روج له الباحث الإسرائيلي لا يتماشى مع مستويات القوى الشاملة، التي تشير إلى أن إسرائيل تعاني في الوقت الحالي من تعدد الجبهات التي تقاتل فيها، ولم تحقق أهدافها الأمنية، في حين أن مصر، وبعد أن استعادت أرضها، باتت ترتكز على الحلول الدبلوماسية للأزمات، ولا تستخدم لغة تصعيدية ضد إسرائيل.

وأوضح الغباري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن توجيه العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو لبنان وسوريا يشي بأن لدى تل أبيب رغبة في الاتجاه نحو الفرات. لكنها تواجه عقبات عديدة بعد أن أخفقت في ضم الضفة الغربية، التي ما زال يقبع فيها نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، ولم تحقق خططها نحو تهجير أهالي غزة، وأمامها صعوبات في لبنان، وهو ما يُصعب فتح جبهة في سيناء.

ويعتقد الغباري أن السبب الرئيسي وراء حالة التسخين المستمرة ضد مصر هو تضييق الخناق على مساعي تطوير قدرات الجيش المصري، والإيعاز لأصدقاء إسرائيل في أوروبا بعدم إبرام اتفاقيات تعاقدية للجيش المصري، وهو ما تحسبت له مصر مبكراً، حيث نوعت مصادر سلاحها واتجهت نحو التصنيع المشترك والمحلي.

سياج أمني على الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويثير التنسيق العسكري والتدريبات المشتركة بين مصر وتركيا تحديداً قلقاً لدى دوائر أمنية إسرائيلية، ومؤخراً حذر الجنرال الإسرائيلي إسحاق بريك من تحالف عسكري بين مصر وتركيا قد يؤدي إلى ما وصفها بـ«حرب صعبة»، مشدداً على ضرورة أن تبني تل أبيب جيشاً قادراً على مواجهة تحديات المستقبل، وحماية الحدود، وتحقيق النصر في الحرب، بحسب ما جاء في مقال نشره بصحيفة «معاريف» العبرية.

علاقات متوترة

مؤخراً ظهر حديث رسمي مصري عن تضرر العلاقات مع تل أبيب، جراء سياساتها العدوانية بالمنطقة، وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية، في 20 مايو (أيار) الماضي، إن «علاقات البلدين تأثرت بالسياسات العدوانية الإسرائيلية، لا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، والهجمات على دول عربية أخرى»، لكنه شدد أيضاً على أن «القاهرة ملتزمة بتعهداتها مع إسرائيل بموجب معاهدة السلام، ما دام الجانب الإسرائيلي ملتزماً بتعهداته».

ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، أن علاقات البلدين تعاني مشكلات جمة منذ حرب السابع من أكتوبر، وأن الاتصالات تراجعت أو انقطعت مع تعارض أهداف البلدين، حيث إن القاهرة تدعم الاستقرار وتبريد الصراعات، والاتجاه نحو إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية يقود لإقامة الدولة الفلسطينية، في حين أن الحكومة الإسرائيلية لديها مشروعاتها التوسعية، ولديها تصوراتها الخاصة بها لمنطقة الشرق الأوسط.

لكنه أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الآراء التي تفترض اندلاع حرب قريبة مع مصر داخل إسرائيل تقابلها أصوات أخرى تستبعد ذلك، وترى ضرورة الحفاظ على معاهدة السلام، لأنه بإمكان مصر أيضاً أن تتحدث عن أخطار تأتيها من إسرائيل، مشيراً إلى أن الجانب الرسمي لدى البلدين يؤكدان الالتزام بالسلام.