المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الحرب السودانية، لم تعد السماء مسرحاً قتالياً ثانوياً يشرف على محاور القتال الأرضي، بل تحوّل القتال الجوي إلى محور قائم بذاته، تُدار فيه معارك تعتمد على المعلومات والقتال بلا طيارين.

وخلال العام الماضي وبداية العام الحالي، ظلّت المسيّرات تلعب دوراً متزايداً في رسم إيقاع القتال، ليس فقط عبر ضرب أهداف محددة هنا أو هناك، بل من خلال إرباك خطوط الإمداد، وكشف التحركات، وفرض «تهديد دائم» يشتّت القوات ويُغيّر التكتيكات القتالية.

ولم يعد التطور الأبرز مقصوراً على مَن يمتلك المسيّرات، بل على مَن يمتلك أيضاً ما يعطلها، مثل قدرات الدفاع الجوي وإمكانات الاعتراض، وأدوات التشويش، وهذا ما جعل من مسرح العمليات في إقليمي دارفور وكردفان بيئة مثالية لقتال المسيّرات.

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

دارفور وكردفان

للإجابة عن سؤال جوهري: «أيّ الطرفين يستطيع توظيف القتال الجوي المسيَّر لتحقيق مكاسب حاسمة على الأرض تُغير موازين القوى؟ أم أن الطرفين سيتجهان معاً إلى حرب استنزاف تقنية متبادلة؟».

وتُشير تقارير وتحقيقات المصادر المفتوحة إلى أن «قوات الدعم السريع» طوّرت قدراتها في القتال الجوي وتهديد خصمها جوّاً. فمن جهة، وثقت صور أقمار اصطناعية وتحليلات خبراء وجود نشاط للمسيّرات، وإنشاءات وحظائر مرتبطة بها في محيط مدينة نيالا، مع بروز مؤشرات على حصول «الدعم السريع» على طائرات مسيّرة طويلة المدى ومتطورة، ومنصات لإطلاقها قرب المدينة.

ويرى اللواء المتقاعد المعتصم عبد القادر، أن المسيّرات باتت سلاحاً حاسماً، لما تتميز به من دقة وتكلفة أقل مقارنة بالطيران الحربي، فضلاً عن عدم ترتب خسائر بشرية كبيرة على استخدامها. وأشار إلى ما سماه نمط القتال الحديث الذي يتجه نحو «حروب مسيّرات وصواريخ».

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط»، إن تشغيل المسيّرات الاستراتيجية، الكبيرة منها على وجه الخصوص، «يتطلب معرفة تقنية عالية» لا تتوفر لدى «قوات الدعم السريع»، ما يضطرها أحياناً إلى الاستعانة بمشغلين أجانب.

وأوضح أن الجيش ضيق بمسيّراته الخناق على «قوات الدعم السريع» في كردفان ودارفور، ما دفعها إلى استهداف المرافق المدنية أكثر من تحقيق أثر عسكري مباشر.

وأضاف عبد القادر: «لكن تحسن تسليح الجيش، وتبدل مواقف البيئة الإقليمية، يدفعان نحو ترجيح كفته، وتوقع دور أكبر للمسيّرات والمدفعية في المرحلة المقبلة».

عمال يزيلون ركاماً في مساعٍ لاستعادة البنية التحتية بالعاصمة السودانية الخرطوم في 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرب استنزاف تقنية

ويرى محللون محليون أن معارك دارفور وكردفان تُمثل نموذجاً مثالياً لفهم معادلة «حروب السماء»، إذ إن السماء «قد تمنح أحد الطرفين دفعة كبيرة، لكنها قد تحوّل الحرب أيضاً إلى حرب استنزاف تقنية طويلة الأمد».

وتشير مصادر صحافية إلى امتلاك «قوات الدعم السريع» قدرات دفاع جوي وأنظمة تشويش متطورة قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش. وتتمثل هذه القدرات في منظومات محمولة وخفيفة، تحدثت عنها تقارير محلية، من بينها صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، مثل «سام 7»، جرى التعرّف عليها ضمن عتاد تركته «الدعم السريع» في مناطق كانت تسيطر عليها.

ولا يحتاج هذا النوع من المنظومات إلى بنية رادارية معقدة، لكنه يُشكل في الوقت نفسه خطراً حقيقياً على الطائرات والمسيّرات، إذ يضطرها إلى التحليق على ارتفاعات أعلى، أو ضمن مسارات غير متوقعة، أو يعرضها للإسقاط.

كما تمتلك «قوات الدعم السريع» منظومات دفاع قصيرة المدى أكثر تعقيداً وتطوراً. ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، فإن «الدعم السريع» باتت تمتلك أنظمة قادرة على تهديد الطيران.

وذكرت هذه التحقيقات منظومات صينية، مثل «FK-2000»، ضمن تدفّق أسلحة متقدمة إلى ساحات القتال في السودان، من دون أن تربط أي عملية إسقاط لمسيّرة بهذا الطراز تحديداً، الذي يُعد قفزة في قدرات الدفاع الجوي لدى «قوات الدعم السريع»، إلى جانب الحديث عن منصّات التشويش ومقاومتها.

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر طائرات مسيّرة «انتحارية» بعيدة المدى ومعدات إطلاقها شمال مطار نيالا بالسودان 6 مايو 2025 (رويترز)

اعتراض مسيّرات

وتتفق مصادر متعددة على أن الجيش استخدم بدوره مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مدن خاضعة لسيطرته، كما حدث في مدينة بورتسودان في مايو (أيار) 2025. ونقلت وكالة «رويترز» حينها أن الجيش أعلن أنه اعترض مسيّرات، وأن شهوداً سمعوا إطلاق صواريخ مضادة للطائرات، من دون الكشف عن أنواع المنظومات المستخدمة.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، نقلت صحيفة «سودان تربيون» عن مصادر عسكرية، أن الجيش بدأ نشر مسيّرات محلية مطوّرة مقاومة للتشويش خلال معارك كردفان ودارفور. وعلى وجه التحديد، تحدثت مصادر محلية وتقارير حديثة عن أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة، شوهدت أثناء هجمات بمسيّرات على مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما أوحى بأن الاعتراض لم يعد حدثاً نادراً، بل بات جزءاً من روتين القتال.

ويثير إسقاط طرازات كبيرة ومتطورة، مثل «بيرقدار أكينجي»، جدلاً واسعاً؛ إذ أعلنت «قوات الدعم السريع» مراراً إسقاط مسيّرات من هذا الطراز، ونقلت ذلك عنها مصادر مستقلة، من بينها «سودان تربيون»، بما في ذلك إسقاط مسيّرة فوق سماء مدينة نيالا في يناير (كانون الثاني) الحالي، من دون تحديد المنظومة التي استُخدمت في إسقاطها، مع ترجيحات بأنها «أنظمة صينية قصيرة المدى».

وتكشف حرب المسيّرات في السودان عن وجود أنظمة دفاع جوي يتردد أنها خليط من طرازات «MANPADS» وأنظمة أقوى، ما يرفع تكلفة الطيران المسيّر ويجبره على تغيير الارتفاعات والمسارات وأنماط الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، يتضح أن التشويش ومقاومته باتا سلاحاً موازياً، فقد نُقل أخيراً عن الجيش أنه امتلك مسيّرات «مضادة للتشويش»، ما طوّر المعركة إلى صراع بين منظومات اتصال وتحكّم وتشويش، وليس فقط بين مسيّرات وصواريخ.

مركبات مدمرة خارج مبنى وزارة المالية بعد مرور نحو 3 سنوات على اشتعال الحرب في السودان (أ.ف.ب)

«بيانات النزاعات المسلحة»

ويشير تقرير «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED) إلى تصاعد كبير في ضربات المسيّرات، وإلى أثرها المباشر على المدنيين، مؤكداً أنها باتت عنصراً مركزياً في الحرب، من دون أن تكون قادرة وحدها على حسمها، قبل أن تتمكن من إحداث شلل لوجيستي يصيب العدو، ويؤدي إلى انهيار قدرته على المناورة على الأرض.

ويرى المهندس المهتم بالشؤون العسكرية أسعد التاي، أن المسيّرات لعبت دوراً كبيراً في تغيير ميزان القوى على الأرض في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها ساعدت الجيش على الانتقال من مرحلة التراجع إلى المبادرة، ولا سيما في مدينة أم درمان.

ويوضح التاي أن «قوات الدعم السريع» بدورها طوّرت استخدامها للمسيّرات بعد انتقالها إلى دارفور، مضيفاً: «الحسم بالمسيّرات ممكن إذا رافقه تقدم بري، وإلا فإن سباق المسيّرات والدفاعات المضادة قد يحوّل الحرب إلى استنزاف متبادل بلا حسم».

ولمّح نائب القائد العام للجيش وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي إلى هذا التحوّل، قائلاً في تصريحات، يوم السبت، إن ما تحقق في مدينة الدلنج بجنوب كردفان وفك حصارها يُمثّل «تقدماً كبيراً للقوات المسلحة».

وأكد الرجل الثاني في الجيش أن المرحلة التالية من العمليات تتمثل في التوجه نحو كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان. ووفقاً لحديثه، فإن فك الحصار يُعد تحولاً في مسار العمليات، وإشارة غير مباشرة إلى الدور المحوري للمسيّرات في إسناد القوات، وتسهيل تقدمها على الأرض.

غير أن ما يُحذّر منه مراقبون هو أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متنوعة ومنظومات إسقاط واعتراض، في بيئة تسمح بعمليات التعطيل والتشويش، قد يحوّل «حرب السماء» إلى حرب تقنية متبادلة تطيل أمد القتال، وتلحق خسائر فادحة بالمدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.


مقالات ذات صلة

أزمة المحروقات

شمال افريقيا بانتظار قليل من الوقود في إحدى المحطات بالعاصمة السودانية الخرطوم (الشرق الأوسط)

أزمة المحروقات

تعيش العاصمة السودانية، الخرطوم، أزمة وقود متصاعدة، مع ظهور طوابير طويلة من السيارات المكتظة أمام محطات الخدمة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

المسيّرات تحصد أرواح السودانيين وتمتد إلى البنى التحتية

واصلت المسيّرات القتالية التابعة لطرفي الحرب حصد أرواح السودانيين دون هوادة في أنحاء البلاد كافة وقتلت وجرحت العشرات 

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا قائد «لواء البراء بن مالك» المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

ترحيب بين قوى سودانية بتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية

لقي تصنيف الإدارة الأميركية جماعة «الإخوان» في السودان «كياناً إرهابياً عالمياً» ترحيباً بين قوى سياسية ومدنية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري السودانيون يخشون تهميش أزمتهم بعد اشتعال حرب إيران

بينما تتجه أنظار العالم إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية، يتراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بحروب ضروس أخرى منها تلك الدائرة في السودان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانيون يصلّون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

تصعيد بالمسيرات في دارفور وكردفان يوقع عشرات القتلى

شهدت مناطق في إقليمي دارفور وكردفان تصعيداً عسكرياً لافتاً خلال الأيام الماضية مع تزايد هجمات الطائرات المسيّرة ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الرئيس الموريتاني يتعهد تحسين ظروف الجيش وقوات الأمن

الرئيس ولد الغزواني يتوسط مجموعة من الضباط والجنود (الرئاسة)
الرئيس ولد الغزواني يتوسط مجموعة من الضباط والجنود (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يتعهد تحسين ظروف الجيش وقوات الأمن

الرئيس ولد الغزواني يتوسط مجموعة من الضباط والجنود (الرئاسة)
الرئيس ولد الغزواني يتوسط مجموعة من الضباط والجنود (الرئاسة)

تعهد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الخميس، تحسين ظروف الجيش وتوفير العتاد والسلاح للقيام بالمهام الموكلة إليه، بصفته «العين الساهرة» على أمن الوطن، مشيراً إلى الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة والعالم.

وكان ولد الغزواني يتحدث خلال حفل إفطار في حامية عسكرية بمدينة أطار، شمال موريتانيا، مع مجموعة من الضباط والجنود، ومزيج من تشكيلات القوات المسلحة التي قال إنها «جاهزة لأداء الواجب»، مثل الدرك الوطني، والحرس الوطني، والإدارة العامة للأمن الوطني، وكذا مؤسسة حماية الأمن المدني.

الرئيس ولد الغزواني يتحدث خلال حفل إفطار في حامية عسكرية بمدينة أطار مع مجموعة من الضباط والجنود (الرئاسة)

وأشاد ولد الغزواني بأفراد القوات المسلحة وقوات الأمن، ووصفهم بأنهم «العين الساهرة التي تؤدي واجبها بمسؤولية وصمت، لكن بقدر كبير من الفعالية والشجاعة والولاء»، وأضاف مخاطباً الضباط والجنود أن «كل واحد منهم وهب حياته لخدمة الوطن، والاستعداد للدفاع عنه من خلال التحلي بالكفاءة والانضباط».

وتابع ولد الغزواني قائلاً: «جئناكم لنقول إنكم العين الساهرة لحماية الوطن، وهو ما تقومون به بطريقة لا يمكن وصفها، حيث تؤدون واجبكم بمسؤولية وصمت، وبفاعلية تامة وشجاعة كبيرة، وهذا ما يحتاج إليه الوطن من ولاء وإحساس بالمسؤولية، وهو ما يقوم عليه أمن واستقرار بلدنا».

وشدد ولد الغزواني مخاطباً الضباط والجنود: «أنتم تبتعدون عن أسركم وتنقطع أخباركم لفترات طويلة، وتسهرون الكثير من الليالي، وتلاقون الكثير من التعب، لكنكم تتحملون كل ذلك بشجاعة.. لذا تستحقون تقدير الشعب وامتنانه».

وأوضح الرئيس الموريتاني أن «كل مهمة تقومون بها، وكل حراسة تؤدونها، وكل تضحية تقدمونها، تستحقون عليها أن يقف الوطن إلى جانبكم، ونحن هنا للتعبير عن هذا الامتنان والتقدير للعمل الذين تقومون به».

وأكد أن «الجندية ليست مجرد ارتداء زي عسكري، بل هي إحساس بالمسؤولية، والاستعداد الدائم للدفاع عن الوطن».

الرئيس الموريتاني تعهد تحسين ظروف الجيش وقوات الأمن (الرئاسة)

وخلص في كلمته إلى تهنئة أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن، وقال: «إننا هنا لنهنئكم، ونقول لكم إننا فخورون بكم، وبشجاعتكم والتزامكم، وفخورون بكل ما تقدمون للوطن، وسنعمل على تحسين الظروف التي تعملون فيها، وتوفير كل ما تحتاجون إليه للقيام بالمهام الموكلة إليكم، ولا تخفى عليكم الظروف الصعبة التي تمر بها منطقتنا ويمر بها العالم اليوم».

منذ وصوله إلى السلطة عام 2019، يحرص ولد الغزواني سنوياً على الإفطار مع القوات المسلحة وقوات الأمن، في إحدى الحاميات العسكرية على الحدود، وخاصة في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد، حيث يكثف الجيش الموريتاني انتشاره لمواجهة شبكات التهريب ولمنع تسلل إلى مجموعات إرهابية قادمة من شمال مالي.

ولد الغزواني جنرال متقاعد في الجيش الوطني، سبق أن تولى قيادة الأركان العامة للجيش الموريتاني، ولكنه تقاعد قبل عشر سنوات، وتم تعيينه وزيراً للدفاع وهو المنصب الذي شغله لقرابة عامين، قبل أن يترشح للانتخابات الرئاسيات عام 2019، وأعيد انتخابه لولاية رئاسية ثانية عام 2024.


حمّاد يتهم «الوحدة» الليبية بـ«تزوير» بيانات لـ«تضليل الرأي العام»

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)
TT

حمّاد يتهم «الوحدة» الليبية بـ«تزوير» بيانات لـ«تضليل الرأي العام»

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)

انفتح المشهد السياسي الليبي على تصعيد جديد، إثر اتهام أسامة حماد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بترويج بيانات «مزورة» بقصد «تضليل الرأي العام».

وعقب الإعلان عن التشكيل الجديد لحكومة الدبيبة المعدلة، انتشر بيان منسوب إلى حماد، عبر «الميديا» الليبية مساء الخميس، يزعم تنحيه عن السلطة، كما تداول البعض أنباء عن إقالته لوزير الداخلية اللواء عصام أبو زريبة من منصبه، الأمر الذي شغل قطاعات واسعة من المواطنين لبعض الوقت، قبل أن يبادر حماد لنفي الأمر، ويحمّل ما يجري للفريق الإعلامي لحكومة «الوحدة».

الدبيبة يتوسط المصلين لأداء صلاة المغرب قبيل مأدبة إفطار نظمها «حرس الحدود والأهداف الحيوية واللواء 111 مجحفل» (الوحدة)

وحذر حماد، في بيان مساء الخميس، من تداول وثائق ومراسلات، قال إنها «مزورة ومنسوبة زوراً» إلى حكومته بقصد «تضليل الرأي العام»، وبينما اتهم «الفريق الإعلامي لرئيس الحكومة منتهية الولاية» بالضلوع في ذلك، شدد على أن ما يجري تداوله من مستندات أو مراسلات منسوبة إلى الحكومة أو رئيسها «عارٍ تماماً عن الصحة ولا يمت للحقيقة بصلة».

وانتهز حماد الفرصة ليجدد «نصيحته السابقة» للدبيبة بالتخلي عن السلطة «معاً»، وإتاحة المجال أمام تشكيل «حكومة توافقية موحدة» تعمل على توحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف المناسبة للاستقرار وإجراء الاستحقاقات الوطنية، وانتهى إلى أن ما وصفه بـ«التعنت» سيؤدي إلى تعميق الانقسام التنفيذي في البلاد.

وسبق لحماد توجيه دعوة للدبيبة في 18 فبراير (شباط) الماضي للحوار المباشر لحل الأزمة المالية، وقال: «أوجه دعوة صادقة وأخوية إلى نفسي وإلى الدبيبة بتغليب المصلحة العامة ومغادرة المشهد، بدلاً من تبادل الاتهامات حول المتسبب فيما وصلت إليه الأمور، ونعطي الفرصة لغيرنا لتوحيد مؤسسات الدولة».

الدبيبة قبيل إفطار رمضاني نظمه «حرس الحدود والأهداف الحيوية واللواء 111 مجحفل» (الوحدة)

وفي الخامس من مارس (آذار) الحالي، دعا حماد الأطراف السياسية إلى «حوار وطني شامل وجاد وشفاف»، يفضي إلى تشكيل «حكومة موحدة توافقية». ولم تشمل دعوة حماد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، لكنه خاطب في بيانه مجلس النواب والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، قائلاً إن «استمرار حالة الانقسام، وتعثر المسارات الدستورية والتنفيذية لم يعودا يحتملان التأجيل، بل أصبحا خطراً دائماً يهدد وحدة الوطن، ويقوض فرص النهوض والاستقرار».

وكان حماد قد وجه مزيداً من الانتقادات إلى حكومة «الوحدة»، واتهمها بأنها «أهدرت المال العام، ورسخت ارتكاب جرائم الفساد المالي والإداري»، عاداً أن «الاستمرار في اغتصاب السلطة يعمق الانقسام والتشظي بين المؤسسات العامة، وقد استفحل هذا الانقسام أيضاً ليطول أبناء الشعب الليبي الواحد».

وبشأن الأنباء المتعلقة بإقالة أبو زريبة، نفى محمد أبو لموشة، مسؤول الإعلام الأمني بوزارة الداخلية بحكومة حماد، صحة ما تردد بشأن اعتزام الأخير إقالة أبو زريبة من منصبه، وقال إن هذه الأنباء «عارية تماماً عن الصحة».

وقال أبو لموشة، في بيان رسمي نشره عبر صفحته على «فيسبوك»: «نؤكد بشكل قاطع أن ما يتم نشره خبر مضلل، جرى تداوله دون تحرٍّ أو تدقيق، في مخالفة لأبسط قواعد العمل الصحافي، التي تقوم على الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية قبل النشر»، مؤكداً أن «المسألة لا تتعلق بالبقاء في منصب أو مغادرته، فالمناصب زائلة بينما تبقى المواقف والمبادئ».

وذهب أبو لموشة مدافعاً عن الوزير، قائلاً: «مَن يعرف اللواء عصام أبو زريبة يدرك أن مواقفه تقوم على الصدق والثبات، واحترام مؤسسات الدولة والعمل على ترسيخ الأمن وخدمة الوطن، بعيداً عن الأخبار المفبركة والتأويلات غير الدقيقة»، وأهاب بوسائل الإعلام والوكالات والصحف كافة تحمل مسؤولياتها المهنية، وتحري الدقة والمصداقية، قبل نشر أي أخبار تمس مؤسسات الدولة أو القائمين عليها، احتراماً للرأي العام وللقواعد المهنية الصحافية.

وانتهى أبو لموشة مؤكداً «ضرورة عدم الانجرار وراء الصفحات الوهمية، أو المصادر غير الموثوقة، التي تسعى لبث الشائعات وإثارة البلبلة، فالمصدر الصحيح لأي معلومات تتعلق بمؤسسات الدولة هو القنوات والصفحات الرسمية المعتمدة فقط».

وجاءت شائعة إقالة حماد لوزير داخليته على خلفية ما قيل عن «تعاون شقيقيه» مع الدبيبة، في إشارة إلى عضو مجلس النواب علي أبو زريبة ورئيس «جهاز دعم الاستقرار» حسن أبو زريبة. غير أن علي يوصف بأنه من معارضي حكومة الدبيبة.

الدبيبة قبيل إفطار رمضاني نظمه «حرس الحدود والأهداف الحيوية واللواء 111 مجحفل» (الوحدة)

ولم يعلق الدبيبة أو حكومته على اتهامات حماد، لكنه واصل توجيه الدعوات لعديد الأطراف بغرب ليبيا لموائد الإفطار. كما شارك الدبيبة، الخميس، مأدبة الإفطار الرمضانية التي نظمها «ركن حرس الحدود والأهداف الحيوية» و«اللواء 111 مجحفل»، احتفاء بالمتنافسين في مسابقة «البنيان الدولية» الثانية لحفظ القرآن الكريم للعسكريين.

وبجانب الدبيبة، حضر الإفطار وزير المواصلات محمد الشهوبي، ووكيل وزارة الدفاع اللواء عبد السلام الزوبي، وشدد الدبيبة على «أهمية الاحتفاء بأهل القرآن وتعزيز قيم الانضباط والإيمان لدى العسكريين»، مؤكداً أن هذه الفعاليات تجسد معاني الوحدة والعمل الوطني.


مصر تجدد التمسك بـ«قوة عربية مشتركة»... وتحذّر من «فوضى شاملة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد التمسك بـ«قوة عربية مشتركة»... وتحذّر من «فوضى شاملة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)

شدَّدت مصر مجدداً على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. وحذَّرت من «مخاطر اتساع رقعة الصراع في المنطقة واحتمالات الانزلاق نحو فوضى شاملة». وأكدت تضامنها مع دول الخليج ورفضها فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم.

التأكيدات المصرية جاءت خلال مشارَكة وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري المشترك الرابع لمصر ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، الذي عُقد افتراضياً مساء الخميس، وتحت رئاسة وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف بن راشد الزياني، رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري لمجلس التعاون، وبحضور الأمين العام للمجلس، جاسم محمد البديوي.

ووفق إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف، الجمعة، فإن الوزير عبد العاطي أكد خلال الاجتماع «موقف مصر الراسخ والداعم بقوة لدول الخليج الشقيقة، والمتضامن معها في مواجهة الاعتداءات غير المقبولة وغير المُبرَّرة التي تعرَّضت لها من إيران خلال الأيام الماضية».

وشدَّد على «الرفض القاطع لأي ذرائع تستهدف المساس بسيادة أو مقدرات دول الخليج والأردن والعراق، الشقيقة»، مؤكداً أن «أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي، ومصر تقف إلى جانب أشقائها في هذا الظرف الإقليمي الدقيق».

كما شدَّد عبد العاطي على «الأهمية القصوى لخفض التصعيد، وتحقيق التهدئة، وتغليب المسار الدبلوماسي والحوار»، مؤكداً «أهمية ضمان حرية الملاحة البحرية الدولية»، معرباً عن «الرفض الكامل لأي محاولات لعرقلتها لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمن واستقرار المنطقة وحركة التجارة العالمية».

وزير الخارجية المصري خلال مشاركته افتراضياً في الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)

وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية، فقد «جدَّد عبد العاطي الدعوة إلى تفعيل أطر الأمن القومي العربي والتعاون المشترك»، مشدداً على «أهمية الإسراع في اتخاذ خطوات عملية، واستحداث آليات جديدة لضمان أمن وسيادة الدول العربية، ومن بينها أمن وسيادة دول الخليج الشقيقة، بما في ذلك العمل على سرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950، وتشكيل قوة عربية مشتركة».

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن «بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي»، وفق ما أوردت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية.

وثمّن وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماعهم، مساء الخميس، «المواقف المبدئية القوية والداعمة لهم من جانب القيادة المصرية، خصوصاً إدانة القاهرة القاطعة للاعتداءات التي استهدفت دول الخليج، وإعلان مصر تضامنها التام ووقوفها إلى جانب دول الخليج في هذا الموقف الدقيق، وفي مواجهة تلك التهديدات. كما ثمّنوا مواقف مصر المستمرة إزاء دعم القضية الفلسطينية، مشيدين بالدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم قضايا الأمة العربية، وتفعيل العمل العربي المشترك، وصون أمن واستقرار المنطقة في ظلِّ التحديات الراهنة».

وأضاف المتحدث باسم وزارة الخارجية، أن الوزراء تناولوا خلال الاجتماع مسار العلاقات المؤسسية بين مصر ومجلس التعاون الخليجي، «وثمنوا الطفرة النوعية التي تشهدها منذ توقيع مذكرة التفاهم للتشاور السياسي، واعتماد خطة العمل المشترك لسنوات 2024 - 2028 واستكمالاً للزخم الذي حقَّقه (منتدى التجارة والاستثمار المصري - الخليجي) الذي استضافته القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتتويجاً لجهود التكامل الاقتصادي، والعمل على الارتقاء بتلك العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تنعكس إيجابياً على التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، بما يحقق المنفعة المشتركة لشعوب المنطقة».