المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الحرب السودانية، لم تعد السماء مسرحاً قتالياً ثانوياً يشرف على محاور القتال الأرضي، بل تحوّل القتال الجوي إلى محور قائم بذاته، تُدار فيه معارك تعتمد على المعلومات والقتال بلا طيارين.

وخلال العام الماضي وبداية العام الحالي، ظلّت المسيّرات تلعب دوراً متزايداً في رسم إيقاع القتال، ليس فقط عبر ضرب أهداف محددة هنا أو هناك، بل من خلال إرباك خطوط الإمداد، وكشف التحركات، وفرض «تهديد دائم» يشتّت القوات ويُغيّر التكتيكات القتالية.

ولم يعد التطور الأبرز مقصوراً على مَن يمتلك المسيّرات، بل على مَن يمتلك أيضاً ما يعطلها، مثل قدرات الدفاع الجوي وإمكانات الاعتراض، وأدوات التشويش، وهذا ما جعل من مسرح العمليات في إقليمي دارفور وكردفان بيئة مثالية لقتال المسيّرات.

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

دارفور وكردفان

للإجابة عن سؤال جوهري: «أيّ الطرفين يستطيع توظيف القتال الجوي المسيَّر لتحقيق مكاسب حاسمة على الأرض تُغير موازين القوى؟ أم أن الطرفين سيتجهان معاً إلى حرب استنزاف تقنية متبادلة؟».

وتُشير تقارير وتحقيقات المصادر المفتوحة إلى أن «قوات الدعم السريع» طوّرت قدراتها في القتال الجوي وتهديد خصمها جوّاً. فمن جهة، وثقت صور أقمار اصطناعية وتحليلات خبراء وجود نشاط للمسيّرات، وإنشاءات وحظائر مرتبطة بها في محيط مدينة نيالا، مع بروز مؤشرات على حصول «الدعم السريع» على طائرات مسيّرة طويلة المدى ومتطورة، ومنصات لإطلاقها قرب المدينة.

ويرى اللواء المتقاعد المعتصم عبد القادر، أن المسيّرات باتت سلاحاً حاسماً، لما تتميز به من دقة وتكلفة أقل مقارنة بالطيران الحربي، فضلاً عن عدم ترتب خسائر بشرية كبيرة على استخدامها. وأشار إلى ما سماه نمط القتال الحديث الذي يتجه نحو «حروب مسيّرات وصواريخ».

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط»، إن تشغيل المسيّرات الاستراتيجية، الكبيرة منها على وجه الخصوص، «يتطلب معرفة تقنية عالية» لا تتوفر لدى «قوات الدعم السريع»، ما يضطرها أحياناً إلى الاستعانة بمشغلين أجانب.

وأوضح أن الجيش ضيق بمسيّراته الخناق على «قوات الدعم السريع» في كردفان ودارفور، ما دفعها إلى استهداف المرافق المدنية أكثر من تحقيق أثر عسكري مباشر.

وأضاف عبد القادر: «لكن تحسن تسليح الجيش، وتبدل مواقف البيئة الإقليمية، يدفعان نحو ترجيح كفته، وتوقع دور أكبر للمسيّرات والمدفعية في المرحلة المقبلة».

عمال يزيلون ركاماً في مساعٍ لاستعادة البنية التحتية بالعاصمة السودانية الخرطوم في 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرب استنزاف تقنية

ويرى محللون محليون أن معارك دارفور وكردفان تُمثل نموذجاً مثالياً لفهم معادلة «حروب السماء»، إذ إن السماء «قد تمنح أحد الطرفين دفعة كبيرة، لكنها قد تحوّل الحرب أيضاً إلى حرب استنزاف تقنية طويلة الأمد».

وتشير مصادر صحافية إلى امتلاك «قوات الدعم السريع» قدرات دفاع جوي وأنظمة تشويش متطورة قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش. وتتمثل هذه القدرات في منظومات محمولة وخفيفة، تحدثت عنها تقارير محلية، من بينها صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، مثل «سام 7»، جرى التعرّف عليها ضمن عتاد تركته «الدعم السريع» في مناطق كانت تسيطر عليها.

ولا يحتاج هذا النوع من المنظومات إلى بنية رادارية معقدة، لكنه يُشكل في الوقت نفسه خطراً حقيقياً على الطائرات والمسيّرات، إذ يضطرها إلى التحليق على ارتفاعات أعلى، أو ضمن مسارات غير متوقعة، أو يعرضها للإسقاط.

كما تمتلك «قوات الدعم السريع» منظومات دفاع قصيرة المدى أكثر تعقيداً وتطوراً. ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، فإن «الدعم السريع» باتت تمتلك أنظمة قادرة على تهديد الطيران.

وذكرت هذه التحقيقات منظومات صينية، مثل «FK-2000»، ضمن تدفّق أسلحة متقدمة إلى ساحات القتال في السودان، من دون أن تربط أي عملية إسقاط لمسيّرة بهذا الطراز تحديداً، الذي يُعد قفزة في قدرات الدفاع الجوي لدى «قوات الدعم السريع»، إلى جانب الحديث عن منصّات التشويش ومقاومتها.

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر طائرات مسيّرة «انتحارية» بعيدة المدى ومعدات إطلاقها شمال مطار نيالا بالسودان 6 مايو 2025 (رويترز)

اعتراض مسيّرات

وتتفق مصادر متعددة على أن الجيش استخدم بدوره مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مدن خاضعة لسيطرته، كما حدث في مدينة بورتسودان في مايو (أيار) 2025. ونقلت وكالة «رويترز» حينها أن الجيش أعلن أنه اعترض مسيّرات، وأن شهوداً سمعوا إطلاق صواريخ مضادة للطائرات، من دون الكشف عن أنواع المنظومات المستخدمة.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، نقلت صحيفة «سودان تربيون» عن مصادر عسكرية، أن الجيش بدأ نشر مسيّرات محلية مطوّرة مقاومة للتشويش خلال معارك كردفان ودارفور. وعلى وجه التحديد، تحدثت مصادر محلية وتقارير حديثة عن أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة، شوهدت أثناء هجمات بمسيّرات على مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما أوحى بأن الاعتراض لم يعد حدثاً نادراً، بل بات جزءاً من روتين القتال.

ويثير إسقاط طرازات كبيرة ومتطورة، مثل «بيرقدار أكينجي»، جدلاً واسعاً؛ إذ أعلنت «قوات الدعم السريع» مراراً إسقاط مسيّرات من هذا الطراز، ونقلت ذلك عنها مصادر مستقلة، من بينها «سودان تربيون»، بما في ذلك إسقاط مسيّرة فوق سماء مدينة نيالا في يناير (كانون الثاني) الحالي، من دون تحديد المنظومة التي استُخدمت في إسقاطها، مع ترجيحات بأنها «أنظمة صينية قصيرة المدى».

وتكشف حرب المسيّرات في السودان عن وجود أنظمة دفاع جوي يتردد أنها خليط من طرازات «MANPADS» وأنظمة أقوى، ما يرفع تكلفة الطيران المسيّر ويجبره على تغيير الارتفاعات والمسارات وأنماط الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، يتضح أن التشويش ومقاومته باتا سلاحاً موازياً، فقد نُقل أخيراً عن الجيش أنه امتلك مسيّرات «مضادة للتشويش»، ما طوّر المعركة إلى صراع بين منظومات اتصال وتحكّم وتشويش، وليس فقط بين مسيّرات وصواريخ.

مركبات مدمرة خارج مبنى وزارة المالية بعد مرور نحو 3 سنوات على اشتعال الحرب في السودان (أ.ف.ب)

«بيانات النزاعات المسلحة»

ويشير تقرير «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED) إلى تصاعد كبير في ضربات المسيّرات، وإلى أثرها المباشر على المدنيين، مؤكداً أنها باتت عنصراً مركزياً في الحرب، من دون أن تكون قادرة وحدها على حسمها، قبل أن تتمكن من إحداث شلل لوجيستي يصيب العدو، ويؤدي إلى انهيار قدرته على المناورة على الأرض.

ويرى المهندس المهتم بالشؤون العسكرية أسعد التاي، أن المسيّرات لعبت دوراً كبيراً في تغيير ميزان القوى على الأرض في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها ساعدت الجيش على الانتقال من مرحلة التراجع إلى المبادرة، ولا سيما في مدينة أم درمان.

ويوضح التاي أن «قوات الدعم السريع» بدورها طوّرت استخدامها للمسيّرات بعد انتقالها إلى دارفور، مضيفاً: «الحسم بالمسيّرات ممكن إذا رافقه تقدم بري، وإلا فإن سباق المسيّرات والدفاعات المضادة قد يحوّل الحرب إلى استنزاف متبادل بلا حسم».

ولمّح نائب القائد العام للجيش وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي إلى هذا التحوّل، قائلاً في تصريحات، يوم السبت، إن ما تحقق في مدينة الدلنج بجنوب كردفان وفك حصارها يُمثّل «تقدماً كبيراً للقوات المسلحة».

وأكد الرجل الثاني في الجيش أن المرحلة التالية من العمليات تتمثل في التوجه نحو كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان. ووفقاً لحديثه، فإن فك الحصار يُعد تحولاً في مسار العمليات، وإشارة غير مباشرة إلى الدور المحوري للمسيّرات في إسناد القوات، وتسهيل تقدمها على الأرض.

غير أن ما يُحذّر منه مراقبون هو أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متنوعة ومنظومات إسقاط واعتراض، في بيئة تسمح بعمليات التعطيل والتشويش، قد يحوّل «حرب السماء» إلى حرب تقنية متبادلة تطيل أمد القتال، وتلحق خسائر فادحة بالمدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

تجددت المعارك البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في النيل الأزرق وكردفان، وأعلن تحالف «تأسيس» سيطرته على قاعدة «سالي» الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».