حوار الرئيس اللبناني مع «حزب الله» معلّق... ويصطدم بخطين لا يلتقيان

مصدر في «الثنائي الشيعي» يستبعد إسناد قاسم لإيران أسوة بغزة

كتلة «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد بالقصر الجمهوري بعد لقائها الرئيس جوزيف عون في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)
كتلة «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد بالقصر الجمهوري بعد لقائها الرئيس جوزيف عون في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)
TT

حوار الرئيس اللبناني مع «حزب الله» معلّق... ويصطدم بخطين لا يلتقيان

كتلة «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد بالقصر الجمهوري بعد لقائها الرئيس جوزيف عون في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)
كتلة «حزب الله» برئاسة النائب محمد رعد بالقصر الجمهوري بعد لقائها الرئيس جوزيف عون في وقت سابق (رئاسة الجمهورية)

تُجمع القوى السياسية على أن الحوار بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد يصطدم بخطين لا يلتقيان، ومعلق على خط التوتر العالي بين إيران والولايات المتحدة الأميركية التي رفعت من منسوب تهديداتها بتوجيه ضربة عسكرية، ما يدعو اللبنانيين للبقاء في حال ترقب لما ستؤول إليه الأمور.

فأنظار اللبنانيين مشدودة إلى ما ستقرره واشنطن حرباً أو تفاوضاً، ولا يدرجون تهديد أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، بالتدخل أو عدمه، على لائحة الانزلاق ببلدهم إلى مواجهة غير محسوبة في حال استهدفت المرشد الإيراني علي خامنئي، وهذا ما أكده مصدر سياسي بارز لـ«الشرق الأوسط»، يواكب عن كثب الأجواء السائدة داخل «الثنائي الشيعي»، بذريعة أنه ليس بوسعه أن يقول غير ما قاله في اللقاء التضامني الذي أقامه الحزب. واستبعد المصدر أن يكون لتهديد قاسم تبعات ميدانية. وقال إنه أبقى على تهديده مفتوحاً من دون تحديده موعداً لترجمته لأفعال تبقى، على ما يعتقد المصدر، تحت سقف التضامن، ولن تتجاوزه للتدخل عسكرياً.

نعيم قاسم متحدثاً في تجمع دعا له «حزب الله» في الضاحية الجنوبية مساء الاثنين دعماً لإيران (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن ردود الفعل على تهديد قاسم جاءت في سياق الاحتقان السياسي والطائفي المسيطر على البلد، والانقسام حول حصرية السلاح، وتحميل «حزب الله» مسؤولية وضع العقبات أمام تطبيقها، امتداداً إلى ما أطلقه من تهديدات في إطلالاته المتلفزة، مع أنه لم يكن مضطراً للإكثار منها ما دام أنها ليست أبعد من تكرار مواقفه بالاحتفاظ بسلاحه ورفضه الالتزام بحصريته بيد الدولة، وربط تسليمه بالتوصل إلى استراتيجية أمن وطني.

وأكد المصدر أنه ليس في وسع قاسم إلا أن يقول ما قاله؛ لأن من ساند غزة ليس في وسعه الوقوف على الحياد حيال التهديدات لإيران؛ لئلا يُحرَج أمام بيئته، مع أن تهديده سيبقى تحت سقف التضامن، ولن يترتب عليه تداعيات أميركية أو إسرائيلية على لبنان. وقال: «لا أرى مشكلة في أن يقتصر إسناده لطهران على موقف تضامني بخلاف إسناده لغزة الذي أقحم لبنان في مواجهة غير محسوبة لرد فعل إسرائيل، ولا يجوز أن نحمّله أكثر مما يحتمل؛ لأن تهديده نابع من خلفية فقهية وشرعية لارتباط الحزب بولاية الفقيه التي من دونها يفتقد الغطاء الشرعي وتقليده لخامنئي، وبالتالي فمن غير الجائز الذهاب بعيداً بالتعاطي مع تهديده وكأنه يعد العدّة للتدخل العسكري».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» في التجمع الداعم لإيران (أ.ف.ب)

أما في حال أصر ترمب، كما يقول المصدر، على تعديل بنك أهدافه لضرب إيران وصولاً لإسقاط النظام، بخلاف الحرب التي شنها ومعه إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استمرت 12 يوماً وأراد منها ضرب «الحرس الثوري» ومنشآته النووية باعتباره الرديف للجيش الإيراني، فمن شأنه أن يقلق الحزب، ليس لأنه يستمد شرعيته وقوته من النظام فحسب، وإنما لأن إسقاطه سيؤدي لإضعافه في المعادلة السياسية، بخلاف النفوذ الذي كان يتمتع به قبل الضربات التي أصابت محور الممانعة بقيادة إيران في العمق، وأدت لتقليص نفوذ أذرعها في المنطقة، وهذا ما يدعو طهران لاستنفار وسطاء للتدخل لدى ترمب لإقناعه باستبدال بالمواجهة العسكرية معاودة المفاوضات على قاعدة انفتاح القيادة الإيرانية على الشروط الأميركية لاستئنافها، وإن كانت تبالغ في رفع منسوب استعداداتها للرد، اعتقاداً منها بأنها تسهم في تحصين الجبهة الداخلية بعد التفسُّخ الذي أصابها من جراء تصدي «الحرس الثوري» لموجات الاحتجاج الشعبي على الوضع المعيشي، والتي تعتبر الأوسع منذ سقوط نظام الشاه.

ومما يدعو المصدر نفسه لتأكيده على أن رد الحزب سيبقى تضامنياً، أن شريكته؛ أي حركة «أمل»، ليست في وارد الانزلاق للتدخل طرفاً إلى جانبه في مواجهة عسكرية، تعرف قيادتها أين تبدأ، لكنها لا تتكهن أين ستنتهي، وخصوصاً أنها لم تكن في عداد المؤيدين لإسناد الحزب لغزة الذي ترتب عليه نتائج كارثية على مختلف المستويات.

رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس كتلة «حزب الله» النيابية محمد رعد (رئاسة البرلمان)

فحركة «أمل» بقيادة رئيسها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، كانت وما زالت على تمايزها عن حليفها في «الثنائي»، ليس بتأييد برّي لخطاب القسم والبيان الوزاري، وإنما لرفضه استخدام الشارع بما يهدد الاستقرار، وامتناعه عن تأييده إسناد غزة، ما يعني أن القيادة تفضّل تنظيم الاختلاف من موقع الحرص على التحالف وعدم الدخول في نزاع سياسي ينعكس سلباً على الشارع الشيعي الذي يخضع لنفوذ الطرفين.

وكما أن برّي يحرص على تمتين علاقته بعون وتأكيده أنها أكثر من ممتازة، فهو من نصح الحزب بوجوب الحوار معه والانفتاح عليه، ومهد الطريق أمام لقاء رعد به، لكن سرعان ما توقف التواصل بينهما باتهام الحزب الحكومة بارتكاب خطيئة بموافقتها على حصرية السلاح التي أجمع عليها مجلس الوزراء، أو بعدم تدخله لوقف الحملات التي استهدفت رئيس الجمهورية من قبل محازبيه على مواقع التواصل الاجتماعي، مع أن قاسم في إطلالته قبل الأخيرة استخدم تعابير خارجة عن المألوف السياسي لم يوفّر فيها عون ولو غمزاً.

لذلك فإن قاسم يحاذر من الإقدام على خطوة استثنائية بتهديده واشنطن، ويكتفي بمواقف إعلامية، ليس لأنه لا يملك الأدوات التي تسمح له بالتدخل عسكرياً، وإنما لأنه ليس مضطراً لأن يغرّد وحيداً، ما يزيد من الحصار المفروض عليه داخلياً وعربياً ودولياً. وهو يعرف أن الممر الوحيد للخروج منه يكمن في تسهيل تطبيق حصرية السلاح لبسط سلطة الدولة على كافة أراضيها تنفيذاً للقرار «1701»، وإعادة إعمار البلدات المدمّرة.

أما بالنسبة لحوار عون - رعد، فإنه لا يزال مدرجاً على لائحة الانتظار لاستمرار الخلاف حول حصرية السلاح، واتهام «حزب الله» بخروجه عن التزامه بالبيان الوزاري الذي نص على حصريته، وشارك على أساسه بوزيرين في الحكومة، برغم أنه أضيف إليه بند استجد أخيراً بتهديد قاسم بالتدخل، مع أن الاتصالات أدت إلى استيعابه؛ كونه لن يخرج عن طابعه التضامني.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية مواكبة، بأن تهديد قاسم كان موضع بحث وتقييم لأبعاده وحدوده في الاجتماع الذي عُقد بين المستشار الرئاسي العميد أندريه رحال، وأحمد مهنا بالإنابة عن رعد، وانتهى لاستيعابه. لكن حوار عون - رعد، يبقى معلقاً على خط التوتر الإيراني - الأميركي وموقف الحزب من استعداده لإعادة النظر في موافقته على تطبيق المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح التي تمتد من شمال نهر الليطاني حتى الأولي، مع أن ظروف إعادة تحريك الحوار ليست متوافرة، في ضوء مطالبة النائب في «حزب الله»، علي فياض، في مناقشته مشروع الموازنة للعام الحالي، بتعليق البحث فيها إلى ما بعد إلزام إسرائيل بتطبيق وقف الأعمال العدائية بكل مندرجاتها.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».