لم تعد فكرة «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان مدخلاً محتملاً لإنهاء المواجهة العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله»، وتثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي كامل، بل تحولت إلى كابوسٍ سياسي وأمني، تحسباً لرسم معادلة جديدة تفرض شروطاً تتجاوز القرار اللبناني وتعيد إنتاج نماذج سبق أن اختبرها الجنوب خلال حقبة الاحتلال والشريط الحدودي.
وتستعد واشنطن لاستضافة الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في وقت تتصدر فيه قضية «المناطق التجريبية» جدول الأعمال. ويقوم الاقتراح على إنشاء مناطق نموذجية منزوعة السلاح ينسحب منها طرفا النزاع (إسرائيل و«حزب الله») تدريجياً، على أن يتولّى الجيش اللبناني إدارة الوضع الأمني فيها تمهيداً لتوسيع التجربة إلى مناطق أخرى.
رفض «حزب الله»
غير أن هذا الطرح لا يزال يواجه اعتراضات جوهرية، فـ«حزب الله» يرفضه بشكل قاطع باعتباره مقدمة لفرض شروط تتعلق بسلاحه وانتشاره في الجنوب، فيما يتخوف كثيرون من أن تخضع عودة المدنيين إلى قراهم وآلية إدارة المناطق المحررة لضوابط أو موافقات إسرائيلية مسبقة، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان ترتيبات أمنية شهدها الجنوب قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

كانت الجولة السابقة من المفاوضات في واشنطن، شهدت طرح الفكرة للمرة الأولى، إلا أن المشروع لم يتقدم بسبب غياب تصور عملي واضح لكيفية تنفيذه والجدول الزمني المرتبط به.
ويرى مصدر عسكري لبناني أن موقف الجيش «لا يرقى إلى مستوى الرفض المطلق لهذه الفكرة، بل يتمحور حول جملة هواجس تتعلق بآلية التنفيذ والضمانات المطلوبة»، ويؤكد المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأولوية بالنسبة للجيش اللبناني تبقى وقف الاعتداءات الإسرائيلية بشكل كامل، وتثبيت وقف إطلاق النار على امتداد الأراضي اللبنانية، لا حصر المعالجة بمناطق محددة قد تتحول إلى استثناء بدل أن تكون قاعدة»، مشيراً إلى أن الجيش «ينتظر توضيحات أميركية حول مفهوم هذه المناطق وحدودها الجغرافية والقانونية وآلية إدارتها، وهي مسائل سيثيرها الوفد العسكري اللبناني الذي سيشارك بالمفاوضات المقبلة».
شراكة غير مباشرة بالوضع الأمني
تكمن أبرز الإشكالات في احتمال تطبيق هذه الآلية قبل التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، ما قد يضع الجيش اللبناني في مواجهة تحديات ميدانية كبيرة ويعرّض عناصره لمخاطر أمنية أثناء الانتشار بين مناطق لا تزال تشهد عمليات عسكرية أو قصفاً متقطعاً. يعبّر المصدر العسكري عن خشيته من أن «تسعى إسرائيل إلى فرض نوع من الشراكة غير المباشرة في القرار الأمني جنوباً بعد الانسحاب، وهو أمر تعتبره المؤسسة العسكرية مساساً مباشراً بالسيادة اللبنانية». ويشدد على أن الجيش «يرفض بصورة قاطعة أي صيغة تتيح للجانب الإسرائيلي التأثير في تحركاته أو مهامه داخل الأراضي اللبنانية، ويتمسك حصراً بالآليات المعتمدة عبر لجنة المراقبة والميكانيزم القائم لتنسيق تطبيق وقف إطلاق النار، بعيداً عن أي تواصل أمني مباشر مع إسرائيل».

مخرج تقبل به إسرائيل
وتنظر واشنطن إلى المناطق التجريبية باعتبارها المخرج الوحيد القادر على التوفيق بين مطلب إسرائيل بالحصول على ضمانات أمنية، وسعي الدولة اللبنانية إلى استعادة سيطرتها الكاملة على الجنوب. إلا أن نجاح هذا الخيار يبقى رهناً بتقديم ضمانات واضحة حول الانسحاب الإسرائيلي الكامل وجدوله الزمني، وهي عناصر لا تزال غائبة حتى الآن.
ويقول مصدر وزاري لبناني إن الجانب الأميركي «يصرّ على اعتماد المناطق التجريبية بوصفها المخرج الوحيد الذي يمكن أن يقبل به الجانب الإسرائيلي». ويرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «غموضاً يكتنف طبيعة الوضع فيها، وعدم وضوح الجدول الزمني الذي يمكن أن تُنفذ من خلاله هذه الآلية، فضلاً عن غياب الضمانات التي تكفل اعتماد هذه الطريقة وانسحاب إسرائيل من المناطق التي لا تزال تحتلها، والمدى الزمني للانسحاب الإسرائيلي الكامل».
ورغم أن «المناطق التجريبية» تبقى الوسيلة المتاحة أمام غياب أي طرحٍ آخر، يعتبر المصدر الوزاري أن «القضية تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها تنطوي في جوهرها على أبعاد سياسية، وترتبط بمضمونها بالموقف الإيراني الرافض لهذا الطرح»، ويضيف: «لو ارتبط الأمر بالمسار الأميركي - الإيراني، لكانت هذه المهمة أكثر سهولةً، ولكان لبنان حصل على توضيحات بشأنها، لكن ما دام الإيراني يرفض هذا المسار، فإنه بالتأكيد يواجه تعقيدات كبيرة».













