زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

أعاد ترمب تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعُد المؤسسة العسكرية الأميركية هي ذاتها التي عرفها العالم لعقود. لم يكتفِ ترمب بتغيير القيادات، بل أحدث انقلاباً جذرياً في فلسفة القوة، مُحوّلاً البنتاغونمن حارس للنظام العالمي إلى أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية. وتحت شعارات «تفكيك البيروقراطية» وإعادة «عقيدة المحارب»، شهد عام 2025 تحوّلات بنيوية في الميزانية والتسليح والانتشار العسكري، أعادت رسم خريطة النفوذ الأميركي.

من «الدفاع» إلى «الحرب»

كانت الخطوة الأولى في أجندة ترمب هي إعادة تعريف هوية المؤسسة العسكرية. وبتعيينه بيت هيغسيث وزيراً للحرب، بدأت عملية «تطهير» آيديولوجي واسعة النطاق، حيث تم إلغاء جميع مكاتب «التنوع والإنصاف والشمول»، التي استُحدثت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وعُدّت «سموماً أضعفت الروح القتالية».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأحيا ترمب «عقيدة المحارب»، وهي رؤية عسكرية تركز حصراً على «الفتك» والانتصار في الميدان، بعيداً عن القضايا الاجتماعية. أدّى ذلك إلى تقاعد قسري لعشرات الجنرالات الذين وُصفوا بـ«المُسيّسين»، واستبدال قادة شباب يتبنّون رؤية ترمب القومية بهم. هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل كان إعلاناً عن عودة «وزارة الحرب» - بدل وزارة الدفاع - بمفهومها الهجومي الصريح، حيث الغاية هي التفوق الساحق، وليست «إدارة النزاعات».

خصخصة «التفوق العسكري»

رغم توجّهه نحو خفض الإنفاق الحكومي، استثنى ترمب المؤسّسة العسكرية، دافعاً بميزانية دفاعية لعام 2026 حطّمت الأرقام القياسية باقترابها من حاجز تريليون دولار.

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

واقترح سيد البيت الأبيض ميزانية لعام 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار؛ بهدف تشكيل «جيش الأحلام» عبر موارد مالية ضخمة مستمَدة من إيرادات الرسوم الجمركية المتنامية. هذه الميزانية لا تموِّل فقط العمليات التشغيلية، بل تغطي توسّعاً كبيراً في الصناعات الدفاعية، وأنظمة الأسلحة المتقدمة، والقدرات النووية، إضافة إلى الضغط على مقاولي الدفاع للاستثمار في الإنتاج وليس توزيع الأرباح على المساهمين. كما انتقلت الميزانية من تمويل «الوجود الدائم» في الخارج إلى تعزيز «التفوق التكنولوجي».

وحظي مشروع «القبة الذهبية» لبناء درع صاروخية متطورة وشاملة لحماية المدن الأميركية بحصة الأسد من الميزانية، في محاكاة لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس رونالد ريغان، ولكن بتقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصر. كما تم الاستغناء عن «الخردة المُكلفة»، حيث ألغى البنتاغون مشروعات لبناء حاملات طائرات عملاقة وتطوير مقاتلات جيل سادس مأهولة، عادّاً إياها «أهدافاً سهلة» في حروب المستقبل، مقابل الاستثمار في «أسراب المُسيّرات الانتحارية» التي يمكن إنتاجها بكميات هائلة داخل المصانع الأميركية المؤتمتة. وهو ما يراه البيت الأبيض «ديمقراطية القوة» التي تمنح واشنطن تفوقاً كاسحاً بتكلفة أقل. وقام بتعزيز «قوة الفضاء» لتُصبح الفرع الأكثر نمواً، مع التركيز على حماية الأقمار الاصطناعية التجارية والعسكرية من الهجمات السيبرانية والصينية.

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

غير أن التطور الأبرز كان الاندماج غير المسبوق بين البنتاغون وعمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي». فالعقود العسكرية الكبرى لم تعُد تذهب حصراً لشركات السلاح التقليدية مثل «بوينغ» أو «لوكهيد مارتن»، بل برزت شركات مثل «أندوريل» و«بالانتير» و«سبايس إكس» بوصفها أعمدة للأمن القومي. وتحت ما يُسمى برنامج «المنتقم الرقمي»، وقَّعت الإدارة عقوداً بمليارات الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات قتالية في أجزاء من الثانية. وهو ما يعكس رغبة ترمب في جيش «أصغر حجماً، وأكثر ذكاءً، وأقل تكلفة بشرية».

إحياء «عقيدة مونرو»

أحدث ترمب صدمةً جيوسياسيةً بإعلانه الرسمي إحياء «عقيدة مونرو» لعام 1823، ولكن بنسخة القرن الحادي والعشرين، أو ما أُطلق عليها «عقيدة دونرو» تيمّناً باسمه (دونالد).

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

تقوم هذه العقيدة على مبدأ «أميركا للأميركيين»؛ ما يعني عدّ أي تدخل أجنبي (صيني أو روسي) في نصف الكرة الغربي تهديداً مباشراً. وقد أدّى ذلك إلى إعادة توزيع القوات بشكل غير مسبوق؛ بهدف الانسحاب من «المستنقعات». وتمّ سحب آلاف الجنود من ألمانيا وأفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، وإعادتهم إلى القواعد داخل الولايات المتحدة أو نشرهم في «المحيط الحيوي» القريب.

وعلى الجبهة الجنوبية، تحوَّلت الحدود مع المكسيك «منطقة عسكرية»، واستخدم ترمب القوات النظامية لمواجهة كارتلات المخدرات، عادّاً إياها «قوات معادية غير نظامية». وشنَّ ضربات مميتة على «قوارب المخدرات» في الكاريبي، وفرض حصاراً على فنزويلا ممهداً للعملية العسكرية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة. هذا التغيير أعاد تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»، قبل أن يكون «ضامناً للأمن الإقليمي» في القارات البعيدة.

تكلفة الحماية

لم يعد الانتشار العسكري الأميركي يعتمد على المعاهدات القديمة بقدر ما يعتمد على «عقود الحماية». في العام الأول من ولايته الثانية، فرض ترمب على حلفاء «ناتو» واليابان وكوريا الجنوبية دفع كامل تكاليف الوجود العسكري الأميركي، مُهدّداً بالانسحاب التام.

جنديان أميركيان خارج قاعدة عسكرية في كركوك مارس 2020 (د.ب.أ)

وشهدت خريطة الانتشار العسكري الأميركي تحوّلاً نحو «نقاط الارتكاز الذكية» في آسيا والمحيط الهادئ، حيث ظلّ التركيز على تطويق الصين قائماً، لكن عبر تعزيز القواعد في غوام وأستراليا، مع تقليل الاعتماد على القواعد في الدول التي «تتردّد» في الانحياز الكامل لواشنطن. وفي الشرق الأوسط، تقلّص الوجود التقليدي لصالح «القوة عن بعد»، مع الاعتماد على التحالفات الإقليمية للقيام بمهام حفظ التوازن، بينما يكتفي الجيش الأميركي بحماية الممرات المائية الحيوية للتجارة.

تستند جميع هذه التغييرات إلى رؤية ترمب الفلسفية التي ترفض «العولمة العسكرية». إذ يعتقد ترمب أن قوة أميركا تكمن في «الغموض الاستراتيجي» و«الضربة القاضية»، وليس في الوجود الاستنزافي. وبدا أن إحياء «عقيدة المحارب» يهدف إلى فصل الجيش عن الجدل السياسي الداخلي، وتحويله قوة فاعلة تنفذ أوامر القائد الأعلى دون تردد.

في المقابل، فإن «عقيدة دونرو» تمنح واشنطن شرعيةً أخلاقيةً وقانونيةً - من وجهة نظر الإدارة - للتدخل في أميركا اللاتينية، ومنع الصين من بناء موانٍ أو قواعد عسكرية هناك؛ ما يغلق «الفناء الخلفي» لأميركا أمام المنافسين.

«ناتو»... الدفع أو الرحيل

عاش حلف شمال الأطلسي (ناتو) أصعب عام له منذ تأسيسه في عام 1949. فقد طبّق ترمب حرفياً مبدأ «الحماية مقابل الرسوم».

وبما يشبه نموذج «الاشتراك الأمني»، أبلغت واشنطن بروكسل رسمياً بأن القوات الأميركية لن تدافع عن أي دولة لا تخصِّص 3 في المائة على الأقل من ناتجها المحلي للدفاع. وهو ما أدّى إلى انقسام الحلف لطبقتين؛ دول «الدرجة الأولى» (مثل بولندا ودول البلطيق) التي سارعت لرفع ميزانياتها، ودول «الدرجة الثانية» التي بدأت تبحث عن بدائل دفاعية أوروبية مستقلة.

ترمب يتوسّط قادة أوروبيين وأمين عام «ناتو» في ختام مفاوضات لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية بالبيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

كما بدأ تنفيذ خطة لسحب 30 ألف جندي أميركي من ألمانيا وإعادة نشرهم في بولندا (القريبة من الجبهة الروسية والمستعدة للدفع)، أو إعادتهم إلى الأراضي الأميركية. هذا التحول أدّى إلى تراجع دور ألمانيا بوصفها قاعدة انطلاق رئيسية للعمليات الأميركية في العالم.

ومن خلال التهديد بوقف المساعدات العسكرية، يدفع ترمب نحو «اتفاقية سلام» تؤدّي إلى تجميد الحرب الأوكرانية - الروسية وفق خطوط التماس الحالية. وهو ما عدّه الأوروبيون طعنةً لمفهوم «وحدة الأراضي»، بينما عدّه ترمب «توفيراً لمليارات الدولارات الأميركية في حرب لا نهاية لها».

نظام إقليمي جديد

أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مناطق النزاع التقليدية إلى ولادة نظام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية». فقد شجّع ترمب على تشكيل «ناتو إقليمي» في الشرق الأوسط، يضمّ حلفاء واشنطن، يتولى مسؤولية التصدي للنفوذ الإيراني، مع تقديم واشنطن الدعم الاستخباري والتقني فقط، مقابل عقود شراء سلاح ضخمة تضمن بقاء المصانع الأميركية تعمل بكامل طاقتها.

صورة للقادة العسكريين في اجتماع شارك فيه جميع الجنرالات الأميركيين بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)

وفي شرق آسيا، تحوَّل التحالف مع اليابان «شراكة مُسلّحة»، حيث سُمح لطوكيو بتطوير قدرات هجومية بعيدة المدى لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لتكون هي «خطّ الدفاع الأول» ضدّ الصين، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأساطيل الأميركية.

بعد عام من ولاية ترمب الثانية، بدت الولايات المتحدة وكأنها دولة تتجه نحو الانعزالية وتعتمد على قوة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة، تعيد تعريف مفهوم «السلام من خلال القوة». ومع ذلك، يبقى هذا السلام هشاً في عالم متغير، حيث تراجع دور التدخل الأميركي المباشر وأصبح أمن البلاد مرتبطاً فقط بمصالحها الأساسية.

علاوة على ذلك، فإن «عسكرة الداخل» واستخدام الجيش في مهام إنفاذ القانون والحدود أثار مخاوف حقوقية ودستورية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، حيث يخشى البعض من تحول الجيش أداةً سياسية في يد السلطة التنفيذية.


مقالات ذات صلة

بلجيكا: أوروبا تحتاج لـ5 - 10 سنوات لتتمكن من الدفاع التقليدي وحدها

أوروبا وزير الدفاع البلجيكي ثيو فرانكن (أ.ف.ب) p-circle

بلجيكا: أوروبا تحتاج لـ5 - 10 سنوات لتتمكن من الدفاع التقليدي وحدها

قال وزير الدفاع البلجيكي ثيو فرانكن، الجمعة، إن أوروبا ستحتاج إلى 5 - 10 سنوات لتصبح قادرة على تحمل المسؤولية الكاملة عن الدفاع التقليدي للقارة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ هيغسيث يتحدث خلال اجتماع لوزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل يوم 18 يونيو (إ.ب.أ) p-circle

إدارة ترمب تلوّح مجدداً بخفض حضورها العسكري في أوروبا

تشمل التخفيضات الأميركية للعتاد العسكري في أوروبا ثُلث الطائرات المقاتلة من طراز «إف - 16» و«إف - 15».

هبة القدسي (واشنطن) «الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية جانب من اجتماع وزراء دفاع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل الخميس (وزارة الدفاع التركية)

تركيا تؤكد وجود قضايا مطروحة على قمة الناتو تتطلب حضور ترمب

أكدت تركيا أن قضايا مطروحة على قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي ستستضيفها في يوليو (تموز) المقبل لا يمكن اتخاذ قرارات بشأنها دون حضور الرئيس الأميركي ترمب

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ بيت هيغسيث يتابع الصورة الجماعية خلال اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مقر الحلف ببروكسل (رويترز) p-circle

هيغسيث ينتقد «ناتو»: واشنطن ستراجع انتشار قواتها بأوروبا خلال 6 أشهر

وجّه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث انتقادات إلى حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، معلناً عن مراجعة للقوات الأميركية في أوروبا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جنود أوكرانيون يسيرون بجوار منصة إطلاق منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير مُعلن في أوكرانيا يوم 4 أغسطس 2024 (رويترز)

إيطاليا ستنشر منظومة دفاع جوي في وسط تركيا

قالت وزارة الدفاع التركية، الثلاثاء، إن إيطاليا ستنشر منظومة للدفاع الجوي في وسط تركيا في إطار خطة دفاعية لحلف شمال الأطلسي (ناتو).

«الشرق الأوسط» (روما)

«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

أثارت مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران عاصفة سياسية في واشنطن، وولّدت موجة من ردود الفعل المتداخلة بين الديمقراطيين والجمهوريين. فبينما يأمل البعض من حزب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تمهّد هذه المذكرة الطريق لخفض الأسعار وتجنب مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، يُحذّر آخرون من تنازلات قد تمنح طهران مليارات الدولارات وتخفف عنها العقوبات.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، طبيعة الأصول الإيرانية التي تنوي واشنطن الإفراج عنها وحدود رفع العقوبات، بالإضافة إلى تفاصيل الانقسامات داخل فريق الرئيس حول هذا الملف.

تنازلات لصالح إيران؟

تعتبر مارا رودمان، النائبة السابقة للمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي، أن المذكرة تبدو أقرب إلى خدمة المصالح الإيرانية منها إلى تحقيق أهداف الولايات المتحدة. وتشير إلى أن الفقرة الأولى من المذكرة تتضمن إشارات متكررة إلى لبنان، معتبرة أن واشنطن تفاوضت عملياً على ملفات تمس مصالح إسرائيل ولبنان من دون وجودهما على طاولة المفاوضات، في وقت قد تستفيد فيه إيران من الاتفاق لتعزيز نفوذ حلفائها، وفي مقدمتهم «حزب الله». وتضيف رودمان أن ما يُثير القلق بشكل خاص هو أن إيران ستحصل، وفق نص المذكرة، على مكاسب اقتصادية كبيرة منذ بداية التنفيذ، عبر تسهيلات لصادرات النفط ورفع بعض العقوبات، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي خلال فترة التفاوض المحددة بستين يوماً.

من جهتها، تشير إليزابيث هاغدورن، مراسلة الشؤون الدبلوماسية في «المونيتور»، إلى أن الاتفاق يتعرّض لانتقادات من اليمين واليسار على حد سواء، وخاصة أن إدارة ترمب كانت قد برّرت انسحابها من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بأنه لم يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووكلاء طهران في المنطقة... إلا أن هذه القضايا غابت أيضاً عن مذكرة التفاهم الجديدة، كما أن التعهّد الإيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي لا يمثل تنازلاً جديداً من جانب طهران؛ إذ إن «إيران تعلن ذلك منذ عقود»، على حد تعبيرها.

أما كيفين بيشوب، وهو مدير الاتصالات السابق للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، فيتحدث عن تشكيك الجمهوريين الكبير في المذكرة؛ نظراً لعدم ثقتهم في النظام الإيراني. ويعزو سرعة التوصل للمذكرة إلى الوضع الاقتصادي، عادّاً أن «الرئيس ترمب كان واضحاً بأن القلق الأكبر هو الأثر الاقتصادي الداخلي هنا في الولايات المتحدة، وفي العالم»، خاصة في ظل موسم انتخابي سيحسم الأغلبية في الكونغرس.

دور الكونغرس

وتحتل الجوانب المالية موقعاً محورياً في الانتقادات الموجهة للاتفاق. فالتعويضات الاقتصادية المنصوص عليها في المذكرة تتجاوز ما حصلت عليه إيران بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. وإلى جانب استئناف صادرات النفط وتخفيف العقوبات، تلمّح المذكرة إلى الإفراج عن أصول وأموال إيرانية مجمّدة في الخارج تُقدّر بأكثر من 25 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات ضخمة مرتبطة بصندوق إعادة الإعمار تصل إلى 300 مليار دولار.

ويُحذّر عدد من الجمهوريين من أن أي موارد مالية إضافية قد تُمكّن إيران من إعادة بناء قدراتها العسكرية ودعم حلفائها الإقليميين. وتقول رودمان إن النظام الإيراني بكل تأكيد سوف يستخدم جزءاً من هذه الأموال ليعيد بناء ما تمّ هدمه خلال الحرب. كما تطرقت رودمان إلى ملف رفع العقوبات، مشيرة إلى أن إدارة ترمب لا يمكنها أن ترفع العقوبات أحادياً. لكنها استدركت: «لا تبدو الإدارة قلقة بشأن تطبيق القوانين. القانون يقول إنه لا يجب أن يكون هناك قدرة أحادية برفع العقوبات من دون العودة للكونغرس، ولكن ذلك لم يردع الرئيس ترمب في الماضي». وتطرح هاغدورن مسألة الجدل حول دور الكونغرس في التصويت على أي اتفاق مع إيران، وتتساءل: «نظراً للبيئة السياسية الحالية، هل يحشد الكونغرس أصواتاً كافية لعرقلة الاتفاق؟». ولفتت هاغدورن إلى صعوبة التوصل إلى الاتفاق، وذكّرت بأن «(خطة العمل المشتركة الشاملة) في عهد أوباما احتاجت إلى نحو عامين للتفاوض عليها. نحن نتحدث هنا عن مهلة شهرين فقط، ومن الصعب التوصل إلى اتفاق في هذه الفترة الزمنية القصيرة».

وعن رفع العقوبات، يشير بيشوب إلى أن بعضها فرضه الكونغرس على إيران، في حين فرض البيت الأبيض بعضها الآخر. ويُشكّك بيشوب في أن يُقدم الجمهوريون على تحدّي ترمب في موسم انتخابي يحتاجون خلاله إلى دعمه، مضيفاً: «قد يعارضه من خسر في الانتخابات التمهيدية في انتظار نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن من يريد الحفاظ على مقعده في الانتخابات النصفية سيصمت، ولن يبدي أي رأي معارض لاتفاق إيران بسبب الحسابات السياسية».


ترمب: ميلوني «طلبت مراراً وتكراراً» التقاط صورة معي

ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو في فلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)
ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو في فلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)
TT

ترمب: ميلوني «طلبت مراراً وتكراراً» التقاط صورة معي

ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو في فلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)
ترمب خلال استقباله ميلوني في منتجعه بمارالاغو في فلوريدا قبل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة (رويترز)

أصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، على أنّ رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني طلبت «مراراً وتكراراً» التقاط صورة معه خلال انعقاد قمة مجموعة السبع في فرنسا في وقت سابق من هذا الأسبوع؛ ما يؤجج خلافاً دبلوماسياً غير مسبوق بين البلدين الحليفين.

وتسبب السجال بشرخ شخصي غير مألوف بين ترمب وإحدى أبرز القيادات اليمينية في أوروبا، بعدما سعت ميلوني إلى تقديم نفسها جسراً بين واشنطن والقارة الأوروبية مع عودة ترمب إلى السلطة.

وكان ترمب قد قال في بادئ الأمر لقناة «لا7» الإيطالية إن ميلوني «توسّلت» إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع، هذا الأسبوع، في فرنسا، مضيفاً أنه وافق فقط لأنه «أشفق عليها».

ونفت ميلوني بغضب هذا الادعاء، واصفة إياه بأنه «مختلق»، لكن ترمب عاد وشدد على موقفه في منشور على منصته «تروث سوشال» السبت، قائلاً إن «ميلوني طلبت مراراً وتكراراً التقاط صورة معي خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا»، مضيفاً: «إنها لا تحظى بشعبية كبيرة في إيطاليا، ربما لأنّها نأت بنفسها عن الولايات المتحدة، الدولة التي تحب إيطاليا، وتحميها فعلاً».

كما اتهمها بمحاولة إصلاح العلاقات مع واشنطن لأسباب سياسية داخلية، بعد عدم تأييد إيطاليا التحرك الأميركي ضد إيران.

وكتب ترمب: «الآن، بعدما هزمت الولايات المتحدة إيران عسكرياً، تريد أن نعود أصدقاء من أجل رفع أرقامها. لا شكراً!!!».

وقال إن أداء ميلوني «سيئ في إيطاليا»، ملمحاً إلى أن ذلك مرتبط برفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام «مهابط أو مدارج» إيطالية خلال الحرب مع إيران.

وأعاد ترمب كذلك طرح شكواه المتكررة من أن الولايات المتحدة تنفق مبالغ طائلة لحماية حلفائها «المفترضين» في حلف شمال الأطلسي، قائلاً إن واشنطن تسهم بمئات مليارات الدولارات للدفاع عن إيطاليا وغيرها.

وكان وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني قد ألغى، الجمعة، زيارة للولايات المتحدة كانت مقررة بعد أيام، احتجاجاً على تصريحات ترمب التي عدَّها «مسيئة».

وتعليقاً على تصريح ترمب، نشرت رئيسة الوزراء الإيطالية، الجمعة، مقطع فيديو على «إكس»، قالت فيه إنها «مصدومة» من ذلك، واصفة ما زعمه بأنه «مختلق كلياً».

وأضافت: «لا أفهم لماذا يتصرف رئيس الولايات المتحدة بهذا الشكل تجاه حلفائه، علماً أنها ليست المرة الأولى».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في البيت الأبيض يوم 17 أبريل 2025 (رويترز)

وأعربت عن أسفها «لكونه لا يُظهر الحزم نفسه تجاه أعداء الغرب، تجاه أعداء الولايات المتحدة، تجاه قادة يتصرف معهم، على العكس، بقدر أكبر بكثير من التهاون».

وكانت ميلوني قد أمضت أشهراً في نسج علاقات وثيقة مع ترمب، بينما كانت تحاول طمأنة الحلفاء الأوروبيين القلقين من ولايته الثانية.

وفي ختام قمة مجموعة السبع في إيفيان، قالت إن الأجواء كانت «إيجابية جداً»، وإنه لم يكن هناك «أي احتكاك» بين ترمب والقادة الآخرين.

لكن العلاقات بين الاثنين كانت قد تدهورت أصلاً خلال حرب الشرق الأوسط.

وانقلب ترمب على ميلوني في أبريل (نيسان) بعدما دافعت عن البابا لاوون الرابع عشر في مواجهة انتقاداته لمواقف الحبر الأعظم المناهضة للحرب، متهماً الزعيمة الإيطالية بعدم مساعدة الولايات المتحدة عبر حلف شمال الأطلسي.

وقال وزير العدل كارلو نورديو إن تصريحات ترمب الأخيرة شكلت «ضربة قاسية» للعلاقات الإيطالية الأميركية، بينما قال وزير الدفاع غويدو كروزيتو إن مثل هذه «النكات لا تفيد أحداً».


ويتكوف يتوجه إلى سويسرا لإجراء محادثات مع إيران

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ويتكوف يتوجه إلى سويسرا لإجراء محادثات مع إيران

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

ذكر موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤول أميركي، (الجمعة)، أن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، سيتوجه إلى سويسرا لحضور الجولة الأولى من المحادثات مع إيران، بشأن اتفاق نووي محتمل، وذلك عقب اتفاق إسرائيل و«حزب الله» على وقف ​لإطلاق النار في لبنان، بعد أن هدد تصاعد القتال هناك فرص تحول اتفاق مؤقت لإنهاء الحرب في إيران إلى اتفاق دائم في الشرق الأوسط.

ويأتي هذا التطور بعد يوم من إلغاء نائب الرئيس جي دي فانس خططه لحضور المحادثات، التي تم إلغاؤها وسط تجدد القتال في لبنان. وأثار هذا التصعيد شكوكاً جديدة حول مصير المفاوضات الحاسمة لإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية العالمية.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشبكة «إن بي سي نيوز»، إنه تحدث مع إسرائيل وطلب منها الموافقة على وقف إطلاق النار.

ونقل صحافي من الشبكة عبر منصة «إكس» عن ترمب قوله: «عليك أحياناً أن تهدأ وتستخدم عقلك». وأضاف الصحافي أن الرئيس رفض توضيح ما إذا كان تحدث مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقال مسؤول أميركي كبير، إن وقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ بحلول الساعة الرابعة مساء بتوقيت لبنان (13:00 بتوقيت ‌غرينيتش)، بعد تبادل لإطلاق ‌النار. وأضاف أن مفاوضين من الولايات المتحدة وقطر توصلوا إلى الاتفاق بمساعدة من إيران.

وأكد مصدران من «حزب ​الله» ⁠ومسؤول إسرائيلي كبير ​وقف ⁠إطلاق النار لـ«رويترز». وقال مسؤول إسرائيلي: «ما لم يهاجمنا (حزب الله)، فبالنسبة لنا لن يكون ذلك وقت حرب»، مضيفاً أن إسرائيل ستُبقي قواتها في جنوب لبنان؛ حيث تحتل منطقة على طول الحدود الشمالية لإسرائيل.

وقال مصدران أمنيان لبنانيان، إن إسرائيل نفَّذت نحو 12 غارة جوية خلال الساعة الأولى من وقف إطلاق النار، ولكن لم تُسجل أي غارات بعد الساعة الخامسة مساء. وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن 47 شخصاً قُتلوا وأصيب 79 آخرون، في غارات جوية مكثفة على جنوب وشرق لبنان، منذ منتصف الليل.

وقال الجيش الإسرائيلي إن 4 من جنوده قُتلوا في واقعة بلبنان، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وقد يضر التصعيد في لبنان المفاوضات؛ نظراً لأن إنهاء القتال في لبنان أحد شروط الاتفاق الأميركي الإيراني الأشمل.