معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

تارا الخازن ترفض التلخيص السريع وتراهن على الزمن البطيء

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف (الشرق الأوسط)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.


مقالات ذات صلة

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

يوميات الشرق نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربةً تأمّليةً أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)

الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

تضمّ هذه النسخة من السلسلة أعمال الفنانَيْن سعد المسعري والدكتور فؤاد مغربل، اللذين أسهما بشكل بارز في تطوير الفنون البصرية في السعودية...

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق تصاميم هندسية من الأماكن المدمرة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

في فينيسيا، ينفرد عمل عورتاني على كامل مساحة الجناح السعودي مثل سجادة من الفسيفساء المصنوعة من قوالب الطوب الملونة، وينقسم العمل لثيمات بصرية مختلفة.

عبير مشخص (الرياض - لندن)
لمسات الموضة الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)

«ميت غالا 2026» يُشعل جدل علاقة المال بالفن

مساء الاثنين الماضي، كانت الموضة فناً قائماً بذاته. هذا هو عنوان حفل الميتروبوليتان 2026، الحدث السنوي الذي يقيمه متحف ميتروبوليتان في نيويورك.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق حوش النخيل على ضفاف النيل من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«تقاسيم»... معرض قاهري على إيقاع الأبيض والأسود

تطل أبراج الحمام فوق البيوت الريفية وفي الخلفية تعلو قامة النخيل الذي يحرس الأرض ويظللها من لهيب الشمس، فيما تسير المراكب أو ترسو بحنوٍّ على صفحة المياه.

محمد الكفراوي (القاهرة )

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها والعودة لجمهورها بـ«تباعاً تباعاً»

شيرين في أحدث ظهور لها بعدسة المصور اللبناني محمد سيف (الشرق الأوسط)
شيرين في أحدث ظهور لها بعدسة المصور اللبناني محمد سيف (الشرق الأوسط)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها والعودة لجمهورها بـ«تباعاً تباعاً»

شيرين في أحدث ظهور لها بعدسة المصور اللبناني محمد سيف (الشرق الأوسط)
شيرين في أحدث ظهور لها بعدسة المصور اللبناني محمد سيف (الشرق الأوسط)

شهدت الساعات الماضية أحدث ظهور علني للفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب، عبر «جلسة تصوير» أطلّت خلالها بـ«لوك جديد»، كنوع من الدعاية لأحدث أغنياتها «تباعاً تباعاً»، والمنتظر طرحها، مساء الجمعة، على منصات إلكترونية، وفق صُناعها، بعد طرحها أغنية «الحضن شوك»، قبل أسبوعين.

وتشهد أعمال شيرين عبد الوهاب الفنية الجديدة على عودتها للساحة الغنائية وتجاوز أزماتها والانتظام في طرح أعمالها، بعد أن ابتعدت خلال السنوات الأخيرة من مشوارها الفني، والتي شهدت تأجيلات وإخفاقات وتسليط الضوء على مشكلاتها وخلافاتها الشخصية والعائلية بعيداً عن فنها، وفق نقاد ومتابعين.

وفور نشر الصور التي ارتدت خلالها شيرين «فستاناً باللون الأحمر»، وأطلّت بابتسامتها المعهودة، نالت إعجاب الناس، وحققت انتشاراً واسعاً على المنصات «السوشيالية» التي نشرتها، وغيرها، وتصدَّر اسم شيرين مؤشرات البحث على موقع «غوغل»، الجمعة، بعد فترة غياب فني وإعلامي.

شيرين عبد الوهاب بعدسة المصور اللبناني محمد سيف (الشرق الأوسط)

«جلسة التصوير» التي تداولتها مواقع عدة، جرت في القاهرة بعدسة المصور الفوتوغرافي اللبناني محمد سيف الذي أكد أن كواليسها كانت رائعة وخفيفة جداً، موضحاً «أن ما شاهده الناس وشعروا به عند رؤية شيرين يعكس حالتها النفسية والمعنوية وشغفها الفني، ورغبتها في الوجود مع جمهورها دوماً».

وكشف محمد سيف، لـ«الشرق الأوسط»، أن «شيرين وقت الجلسة كانت تتمتع بطاقة إيجابية كاملة، وترقص وسعيدة جداً، وهو الشعور الذي وصل للناس بقوة»، لافتاً إلى أن «الفستان» الذي أطلّت به كان من اختيارها، كما أنها رفضت ارتداء أي إكسسوارات، أو مبالغة في «اللوك»، كي تظهر بشخصيتها فقط.

في السياق نفسه، لفتت شيرين عبد الوهاب الأنظار في مصر، بعدما ظهرت برفقة ابنتها هنا، أول أيام عيد الفطر الماضي، وهي تُغني لها أغنية «أكتر وأكتر»، خصوصاً أن ظهورها حينها كان بعد فترة من الغياب، وشائعات عن تدهور حالتها الصحية.

وتعليقاً على عودة شيرين الفنية أخيراً، أكد الكاتب والناقد الفني المصري أمجد مصطفى أن «عودة شيرين مهمة جداً لساحة الغناء العربي كافة، خصوصاً أن الأصوات النسائية المصرية على الساحة قليلة، وابتعاد أي اسم منها يخلق أزمة، بالتأكيد، فما بالنا بشيرين التي تتمتع بصوت جذاب وجماهيرية عالية».

وقال، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تنوع شيرين في فنها أخيراً بين طرح أغنيات جديدة، وإعلانها إحياء حفل في بورتو جولف العلمين في أغسطس (آب) المقبل، إلى جانب أحدث جلسة تصوير، يعكس حالة الاشتياق لجمهورها، وأيضاً لتعويض غيابها».

وأشاد أمجد مصطفى بخط شيرين الفني وتميزها فيه، بعد إصدارها أخيراً أغنية «الحضن شوك»، موضحاً أن صوتها يليق بما تقدم، كما أن الأغنية الأخيرة كانت ناجحة وتتناسب مع حالتها الشخصية، لافتاً إلى أن «الأغنيات الحزينة التي تحمل معاني مختلفة تنتشر أكثر، كما أن الحالة النفسية للفنان تطغى على اختياراته».

وخلال مارس «آذار» الماضي، أصدرت «الدائرة الثالثة» بمحكمة تجاري كلي حلوان، حكمها في الدعوى رقم 159 لسنة 2025، والمُقامة من شيرين على شقيقها، وإلزامه بسداد مبلغ 120 ألف دولار، وقبل ذلك صدر حكمٌ ضده في القضية رقم 1548 لسنة 2026 جنح قسم المقطم، بالحبس 6 أشهر، وإلزامه بدفع كفالة مالية، على خلفية اتهامه بالتعدي عليها.


مصر: سقوط تشكيل عصابي باع أراضي بزعم احتوائها على مقابر أثرية

جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)
جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: سقوط تشكيل عصابي باع أراضي بزعم احتوائها على مقابر أثرية

جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)
جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)

أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن ضبط تشكيل عصابي بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) تخصص نشاطه الإجرامي في النصب والاحتيال على المواطنين، والاستيلاء على أموالهم من خلال إيهامهم بتمكنهم من العثور على مقابر أثرية أسفل قطع أراضٍ، والحصول منهم على مبالغ مالية كمقدمات لشراء تلك الأراضي.

ووفق بيان لـ«الداخلية المصرية»، فقد تم ضبط 33 عنصراً، بينهم 5 سيدات و14 منهم لديهم معلومات جنائية، في إطار مكافحة جرائم النصب والاحتيال على المواطنين، والاستيلاء على أموالهم؛ إذ قاموا بالنصب على ضحاياهم بعرض بعض القطع الأثرية «المقلدة» عليهم، والتأكيد على أنها مستخرجة من إحدى قطع الأراضي المشار إليها، وتعريفهم ببعض المتهمين بزعم كونهم خبراء آثار؛ إذ يؤكدون لهم أن «القطع التي عُثر عليها» أثرية.

واستهدفت قوات الأمن عناصر التشكيل في أماكن وجودهم بعدد 3 فيلات مستأجرة بدائرة قسم شرطة أول أكتوبر بالجيزة اتخذوها مسرحاً لمزاولة نشاطهم الإجرامي، وأمكن ضبطهم، وضُبط بحوزتهم «11 سيارة ملاكي، وبندقيتان خرطوش، و34 قطعة أثرية (مقلدة)، وملابس أميرية، وأجهزة لا سلكية، وكمية من المشغولات الذهبية، ومبالغ مالية محلية وأجنبية (من متحصلات نشاطهم الإجرامي)، ودفاتر إيصالات أمانة (مزيلة بتوقيعات وبصمات مختلفة لعدد من الضحايا)، ومبالغ مالية (مزورة)»، وأثناء الضبط تبين وجود 9 من المجني عليهم حال سدادهم مبالغ مالية لعناصر التشكيل، وبمواجهة المتهمين اعترفوا بنشاطهم الإجرامي، واتهمهم المجني عليهم بالنصب والاحتيال.

التشكيل العصابي الذي ضبطته «الداخلية» (وزارة الداخلية المصرية)

و«يعد التنقيب عن الآثار في مصر عملاً مجرّماً قانوناً إذا تم من دون ترخيص رسمي من الجهات المختصة (المجلس الأعلى للآثار)، وقد غلّظ المشرّع المصري العقوبات في هذا الشأن لحماية التراث القومي»، وفق تصريحات للدكتور محمد جلال عبد الرحمن، الخبير القانوني.

ويُعاقب القانون كل من قام بالتنقيب عن الآثار، سواء كانت المنطقة مسجلة منطقة أثرية أو أرضاً خاصة، ما دام الحفر تم بقصد البحث عن الآثار، وتصل العقوبة إلى السجن المؤبد، وغرامة لا تقل عن مليون جنيه، ولا تزيد على 5 ملايين جنيه، خاصة عند الاتجار أو التنقيب غير المشروع.

ويضيف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن «المادة (42) من قانون حماية الآثار رقم (117) لسنة 1983تعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 7 سنوات، وغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه، ولا تزيد على مليون جنيه، لمن أتلف أو هدم أثراً عمداً أو أجرى تنقيباً. وكذلك تتم مصادرة الآلات والأدوات والمعدات المستخدمة في التنقيب»، كما يشير عبد الرحمن إلى عقوبة جرائم النصب والاحتيال المتهم فيها التشكيل العصابي، والتي تتراوح وفقاً للمعاملات والأموال والوقائع التي ارتكبوها، وأبرزها مرتبطة بجريمة النصب التي تحدد عقوبتها المادة «336» من قانون العقوبات المصري، فضلاً عن جرائم «التهديد» و«التزوير» و«انتحال الصفة».

في حين يصف الخبير الآثاري المصري، أحمد عامر، فكرة «النصب والاحتيال المرتبطة بالاتجار في الآثار، بأنها أصبحت بوابة لمن يريدون الثراء السريع من دون النظر إلى العواقب»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الجرائم تتكرر بشكل مستمر، حتى إن العصابات لا تنتبه أو تكترث للتجارب السابقة، والقبض على الكثير منهم بمعرفة رجال الشرطة، بسبب بحثهم عن الثراء السريع، ومن يقع في فخاخ النصب هذه يعتقد أنه من خلال الآثار سوف يعيش رفاهية مادية طوال حياته».

وأشار عامر إلى أن المغامرة التي يقوم بها الكثيرون ترجع وفقاً لاعتقادهم إلى أن العائد المادي يستحق ذلك من وجهة نظرهم؛ فعلى الرغم من أن بعض المغامرين ينجحون في الوصول إلى هذه الآثار، نجد أن هناك من يلاقي الحظ السيئ، أو النهاية المأساوية.


هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
TT

هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)

أعادت الانتقادات التي صاحبت جنازة وعزاء هاني شاكر (1952-2026) الحديث حول ما إذا كان المطرب المصري الملقب بـ«أمير الغناء العربي» قد حصل على «وداع لائق» يناسب مكانته الفنية من عدمه.

وأقيمت مراسم الجنازة والعزاء في مسجد «أبو شقة» داخل أحد التجمعات السكنية في ضاحية السادس من أكتوبر، وهو مسجد بعيد نسبياً عن حركة المواطنين ويصعب الوصول إليه من دون سيارة خاصة.

ورغم حضور المئات من محبي الفنان الراحل لصلاة الجنازة والعزاء يومي الأربعاء والخميس، فإن انتقادات وجهت لاختيار المسجد باعتبار أن موقعه واختياره تسببا في غياب الكثير من جمهور الفنان الراحل الذي كان يرغب في توديعه والمشاركة في مراسم الجنازة والعزاء.

ومن بين المنتقدين لاختيار المسجد، المخرج السينمائي خالد يوسف الذي كتب تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» تحت عنوان «لماذا حرموك من مشهد مهيب في وداعك يا هاني؟» عادّاً اختيار المسجد حرم الراحل من مشهد «وداع مزدحم بجماهيره»، مؤكداً أن الفنانين الكبار الباقين في ذاكرتنا تهافتت الجماهير على المشاركة في تشييعهم.

واعتبر أن ما حدث باسم «التنظيم» و«الرغبة في تجنب المتطفلين» أو «الزحام المحتمل» ليست أسباباً كافية وأن أسرته كان عليها تحمل التعب والإرهاق لخروج الجنازة بصورة تليق به.

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهدت جنازة وعزاء هاني شاكر إجراءات «منضبطة» مع تخصيص أماكن للصحافيين والمصورين، بجهود مشتركة بين نقابة الصحافيين والشركة المسؤولة عن تنظيم العزاء من نقابة الموسيقيين، وهو ما حدّ بشكل كبير من التجاوزات التي كانت تُرصد في جنازات وعزاءات المشاهير خلال الفترة الماضية.

وأكد الناقد المصري أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بالرغم من كون الدخول والخروج من المسجد أمراً سمح به دون مشكلات، فإن اختيار موقعه تسبب في الحد بشكل كبير من الحضور الجماهيري المتوقع لنجم مثل هاني شاكر»، مشيراً إلى أن «ما حدث حوّل العزاء والجنازة لتكون نخبوية بحضور الشخصيات العامة وزملائه».

واتشحت مواقع التواصل الاجتماعي بحالة من الحزن مع استذكار مقاطع فيديو للقاءات سابقة أجراها هاني شاكر بها أحاديث عن حياته وحبه لزوجته واللحظات الصعبة في حياته، ومن بينها رحيل ابنته دينا بعد صراع مع مرض السرطان في شبابها، بالإضافة لصدمته في الوفاة المفاجئة لوالدته في يوم عيد الأم نفسه.

وقالت الناقدة الفنية مها متبولي إن «الراحل كان يستحق جنازة شعبية حقيقية نظراً لتاريخه الفني الطويل ومسيرته التي لم تشهد خلافات، وأعماله الفنية التي ستظل خالدة في الوجدان العربي وليس المصري فقط»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر تمثل في حضور عدد كبير من الفنانين للعزاء والجنازة».

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهد العزاء الذي أقيم مساء الخميس، حضور عدد كبير من الفنانين، منهم أنغام، ويسرا، ومصطفى قمر، وحمادة هلال، ولبلبة، ونادية الجندي، وإلهام شاهين، وسلاف فواخرجي، ووائل جسار، ومحمد الحلو، وماجد المصري، وكارول سماحة، فيما تلقى نجله شريف العزاء برفقة والدته التي استقبلت السيدات المعزيات.

وكان لافتاً عبر مواقع التواصل الاهتمام بغياب حضور الفنان عمرو دياب للجنازة والعزاء، وكذلك أحمد سعد الذي تعاون مع هاني شاكر في مشاريع فنية أخيراً، لكن سعد كان لديه حفل غنائي في توقيت العزاء نفسه، مما عرضه لانتقادات «سوشيالية».

وتؤكد مها متبولي أن «الحضور الكبير في العزاء من نجوم مصريين وعرب عبّر بشكل واضح عن مكانة هاني شاكر الذي يُعد من أهم نجوم الغناء»، لافتة إلى أن كل شخص يكون لديه ظروف خاصة أو ارتباطات قد تحول بينه وبين حضور العزاء.

وهنا يشير أحمد سعد الدين إلى أن «مكانة هاني شاكر لدى جمهوره وزملائه كبيرة والتعبير عنها إن تعذر بحضور الجنازة أو العزاء بشكل مباشر نظراً لمكان إقامتهما فإن التدوينات التي كتبت عبر مواقع التواصل، سواء لذكريات مع أغانيه أو ذكريات وتأثير لها لا يزال مستمراً، أكبر دليل على مكانته التي كان تحتم وداعاً له بشكل أفضل».