اتساع إضرابات البازار واحتجاجات الليل تعمّق أزمة إيران

الحكومة تتوعد المحتكرين والقضاء يستهدف داعمي الحراك... بهلوي يدعو لتحركات جديدة... شلل في المدن الكردية

شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس (تلغرام)
شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس (تلغرام)
TT

اتساع إضرابات البازار واحتجاجات الليل تعمّق أزمة إيران

شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس (تلغرام)
شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس (تلغرام)

توسعت إضرابات الأسواق في أنحاء إيران، مع انضمام مدن جديدة إلى إغلاق المحال ووقف النشاط التجاري، في وقت قالت الحكومة إن التعامل مع الأزمة المعيشية يمر عبر تشديد الرقابة على الأسعار وملاحقة الاحتكار، في حين جددت السلطة القضائية تحذيرها من عدم التساهل مع ما تصفه بـ«الاضطرابات».

وعلى وقع اتساع نطاق الاحتجاجات، اكتسبت المظاهرات الليلية زخماً جديداً في طهران وعدد من كبريات المدن مساء أمس وفق مقاطع مصورة وشهادات متداولة. ففي طهران، سُجلت تجمعات وهتافات في أحياء نازي آباد، يوسف‌آباد، آرياشهر (صادقيه)، أوتوستراد كشاورز، شارع آزادي، تهرانسر، إضافة إلى حي نارمك شمال العاصمة.

وامتدت التحركات إلى مدن كبرى، بينها مشهد (حي وكيل‌آباد)، مدينة شاهين شهر قرب أصفهان، أراك، وتبريز والأحواز، إلى جانب مدن في الشمال، مثل بابل في مازندران، آستانه أشرفيه وتالش في محافظة غيلان، وبندركز في محافظة غلستان.

واتخذت الاحتجاجات الليلية في إيران منحى تصاعدياً واضحاً، لتتحول خلال الأيام الأخيرة إلى أحد أبرز ملامح المشهد الاحتجاجي، مع تمددها من بؤر محدودة إلى أحياء رئيسية في العاصمة طهران وعدد متزايد من المدن الكبرى والمتوسطة. ومع حلول الظلام، باتت التجمعات الليلية تشكل مساحة أكثر مرونة للمحتجين.

وحسب تقارير متداولة، اتسع، الخميس، إضراب التجار في عدد من المدن الإيرانية، مع إغلاق محال في مدن كبيرة وصغيرة، في سياق تحركات بدأت من الأسواق واتسعت إلى قطاعات مختلفة.

وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت من عدد من المدن ذات الغالبية الكردية في غرب البلاد إغلاقاً واسعاً للأسواق ومحال التجار. ووفقاً للمواد المتداولة، شمل الإضراب نحو 20 مدينة كبيرة وصغيرة في محافظات كردستان، إيلام وكرمانشاه وأذربيجان الغربية.

وجاء الإغلاق استجابة لدعوات أطلقتها أحزاب سياسية ومنظمات مدنية في كردستان إيران؛ تنديداً بما وصفته تلك الجهات بـ«جرائم النظام في كرمانشاه وإيلام ولرستان».

وفي المقابل، سعت وسائل إعلام رسمية إلى التقليل من حجم الإغلاق. ونشرت وكالة «مهر» الحكومية مقطع فيديو، قالت إنه من سوق «مولوي» في البازار الكبير، ويُظهر محال تواصل نشاطها بشكل اعتيادي، في محاولة لإبراز استمرار الحركة التجارية في بعض النقاط رغم اتساع الإضرابات في مناطق أخرى.

محتجون يشعلون نيران بدراجات تابعة للشرطة في حي نازي آباد جنوب طهران الخميس (تلغرام)

وفي خطوة جديدة، أصدرت نيابة طهران تحذيراً إلى «قلة» من العلامات التجارية والمتاجر والشخصيات المعروفة على وسائل التواصل الاجتماعي، قالت إنها تماهت بشكل مباشر أو غير مباشر مع دعوات «معادية لإيران وتهدف إلى إثارة الاضطرابات».

ووفق البيان، جرى فتح ملفات قضائية بحق عدد من العلامات التجارية والمتاجر، وبحق عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، مع تأكيد استمرار رصد الفضاء الإلكتروني واتباع إجراءات «رادعة» بحق أي دعم أو دعوات إلى الاحتجاجات والإضرابات.

مظاهرات حاشدة في أوتوستراد كاشاني وسط طهران مساء الخميس(تلغرام)

الاحتجاجات الليلية

وكانت عدة مدن إيرانية مسرحاً لاحتجاجات مساء الأربعاء، مع ورود إشارات إلى استخدام الغاز المسيل للدموع في بعض المواقع، وفقاً لمقاطع فيديو انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي. وتركزت أبرز التقارير الواردة من مشهد وغناباد وبجنورد ونيشابور في شمال شرقي البلاد، وبروجرد في الوسط، وكرمان وشيراز في الجنوب، وعبادان في الجنوب الغربي، إضافة إلى رشت وقزوين في الشمال، ولردغان في محافظة تشهارمحال وبختياري.

ولفتت «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى نشر مقطع فيديو قيل إنه من مدينة قائمية في محافظة فارس الجنوبية، يظهر محتجين يحطمون تمثال قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري»، ويسحبونه إلى الأسفل. وحظي المقطع بانتشار واسع، وعُدّ امتداداً لسلسلة من استهداف الرموز الحكومية في مدن مختلفة.

وفي مشهد آخر، أظهر مقطع فيديو نُشر الأربعاء محتجين في مدينة مشهد وهم ينزِلون عَلماً كبيراً للجمهورية الإسلامية قبل تمزيقه. كما نُشرت صور ومقاطع من مدينة كرمان، يظهر فيها محتجون يرددون شعار «الموت للديكتاتور»، بينما تحدثت تقارير عن مناوشات في قزوين بين محتجين وقوات مكافحة الشغب بعد حلول الظلام، مع سماع إطلاق نار.

شرطي يطلق النار على متظاهرين في عبادان جنوب غربي إيران الأربعاء (تلغرام)

وفي مدينة فرديس بمحافظة البرز، أظهرت صور محتجين يشعلون النار في وسط الشارع، بعد يوم من تداول صور عن احتراق مبنى مجلس بلدية المدينة. وفي آستارا بمحافظة غيلان، تخللت احتجاجات ليلية شعارات داعمة لرضا بهلوي، نجل الشاه السابق الذي يقيم في الولايات المتحدة، بينها «هذه المعركة الأخيرة، بهلوي سيعود» و«رضا، رضا بهلوي، هذا هو الشعار الوطني»، وفق ما ورد في المقاطع المتداولة.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي أيضاً مقطعاً قيل إنه يظهر محتجاً يضع ملصقاً لتغيير اسم شارع في طهران إلى «ترمب».

وأشاد حساب «أميركا بالفارسية» التابع لوزارة الخارجية الأميركية بهذه الخطوة، قائلاً إنه يقدر «فعل شخص مجهول» قام بتسمية شارع باسم الرئيس الأميركي، مؤكداً أن الولايات المتحدة «تحترم صوت الشعب الإيراني وتطلعاته»، وتقول إنها «ملتزمة بدعم جهودهم» من أجل مزيد من الحرية والرفاه والفرص.

في الأثناء، قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، إن الحملة الأمنية لإخماد الاحتجاجات للاحتجاجات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 38 شخصاً، في حين جرى توقيف أكثر من 2200 آخرين. وذكرت تقارير حقوقية أن الاحتجاجات وقعت في عشرات المدن وعبر معظم المحافظات الإيرانية.

وأعلنت وكالة أنباء «ميزان» التابعة للسلطة القضائية مقتل ضابط شرطة برتبة «عقيد ثان» يدعى شاهين دهقان خلال احتجاجات مدينة ملارد، وقالت إنه «لقي حتفه إثر طعنة بسكين» أثناء ما وصفته بـ«السيطرة على الاضطرابات».

وفي حادثة أخرى، ذكرت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن مسلحين قتلوا عنصرين من قوات الأمن وأصابوا 30 آخرين في إطلاق نار بمدينة لردغان في محافظة تشهارمحال وبختياري، مشيرة إلى أن الاحتجاجات هناك بدأت بإغلاق محال والتجمع وترديد شعارات، قبل أن تتطور إلى مواجهات مع الشرطة.

إصلاحات «عالية المخاطر»

في موازاة ذلك، توعد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بملاحقة المحتكرين والمغالين في الأسعار. وقال، خلال اجتماع فريق عمل لضمان الأمن الغذائي وتحسين معيشة المواطنين، إنه يتعين عدم السماح بتكدس البضائع في المواني، والعمل على شحنها مباشرة إلى وجهاتها النهائية، مشدداً على ضرورة توفير السلع وتوزيعها بشكل كافٍ بما يمنع أي شعور بالنقص، إلى جانب الرقابة الدقيقة والمستمرة على الأسعار المحددة، والتعامل الجاد والحازم مع المخالفات.

بزشكيان يترأس اجتماعاً لفريقه الاقتصادي بحضور محافظ البنك المركزي (الرئاسة الإيرانية)

ونقل موقع الرئاسة الإيرانية عن بزشكيان قوله إن «أي وحدة تخالف السعر المعتمد في توزيع أو بيع السلع ينبغي إبعادها فوراً ومن دون أي تساهل من شبكة التوزيع والبيع، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقها».

وفي سياق متصل، قال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إن سوق الصرف الأجنبي «بدأت تدخل مرحلة من الهدوء والاستقرار»، مشيراً إلى أن عرض العملات بلغ 275 مليون دولار من شركات بتروكيماويات وصلب وشركات غير نفطية أخرى، في رقم وصفه بأنه قياسي جديد يعكس بدء استقرار مسار السوق، على أن تنفذ تخصيصات أخرى تدريجياً في الفترة المقبلة.

وتزامنت هذه التصريحات مع تنفيذ الحكومة سياسة دعم جديدة تقوم على دفع نحو سبعة دولارات شهرياً لكل مواطن لشراء سلع أساسية من متاجر محددة، وفق ما نقلته تقارير وكالات، في إطار إصلاحات «عالية المخاطر» لمنظومة الدعم تستهدف إلغاء أسعار الصرف التفضيلية التي كانت تسمح للمستوردين بالحصول على عملات أجنبية بسعر أدنى من السعر المتاح للمواطنين.

وأشارت التقارير إلى أن أسعار بعض السلع، مثل زيت الطهي والبيض، ارتفعت بشكل ملحوظ منذ الإعلان عن هذه السياسة، في وقت ربطت فيه التقارير اتساع الاحتجاجات بتدهور القدرة الشرائية وانخفاض قيمة الريال.

«عزلة استراتيجية»

في المقابل، صعَّد الإعلام الرسمي والمحسوب على «الحرس الثوري» من رواياته حول التطورات. وقالت وكالة «فارس» إن «أعمال الشغب» ليست امتداداً طبيعياً للاحتجاجات المطلبية أو المهنية، بل تستهدف أعمال الناس ومصادر رزقهم، وتحدثت عن تهديد تجار وإغلاق قسري لمحال.

كما نشرت وكالة «تسنيم» رواية تزعم أن «جماعات انفصالية» متمركزة في شمال العراق انتقلت إلى «المرحلة الميدانية» من الاضطرابات بعد دعوات منظمة، وأن ثمة تنسيقاً متعدد المستويات يشمل نشاط حسابات مرتبطة بالموساد ومسؤولين إسرائيليين ومواقف «استفزازية» للرئيس الأميركي.

أما صحيفة «كيهان» الأصولية، فوصفت المحتجين في مواد عدة بأنهم «عوامل موساد وداعش»، وعدَّت المشاهد المتداولة جزءاً من «حرب هجينة» شاملة، وتوقعت «تعاملاً حازماً» من السلطات القضائية والأمنية. وفيما يتعلق بدعوات الاحتجاج، نشرت «كيهان» مقطعاً على الإنترنت يزعم أن قوات الأمن ستستخدم طائرات مسيَّرة للتعرف على المشاركين في تحركات مخطط لها.

وقالت آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، إن الاحتجاجات أظهرت أن «الحياة الطبيعية» في إيران باتت قضية أساسية مرتبطة بالأمن القومي والاستقرار السياسي والثقة العامة. وأدانت أي «مواجهة سلبية» مع المحتجين، وطالبت بالإفراج عن المعتقلين، عادَّة أن إيران أصبحت «أكثر من أي وقت مضى عالقة في عزلة استراتيجية».

قطع الإنترنت واستدعاء صحافيين

في الأثناء، أشارت تقارير واردة من إيران إلى اضطراب واسع وانخفاض كبير في سرعة الإنترنت في نقاط مختلفة من البلاد، مع اتساع نطاق الأعطال لتشمل خدمات شبكات «وي بي إن» أكثر من السابق.

وأفاد مرصد مراقبة الإنترنت «نت بلوكس»، عن انقطاع الإنترنت في إيران «على مستوى البلاد» الخميس.

وقال «نت بلوكس» في بيان نشره على شبكات التواصل الاجتماعي، إنّ «البيانات المباشرة تشير إلى أنّ إيران تشهد الآن انقطاعا تاما للإنترنت على مستوى البلاد»، مضيفا أنّ هذا الأمر «يأتي في أعقاب سلسلة إجراءات رقابة رقمية تستهدف المحتجين في جميع أنحاء البلاد، وتعرقل حق الناس في التواصل في لحظة حرجة».

وتزامناً، تحدثت تقارير عن تصاعد ضغوط الأجهزة الأمنية والاستخباراتية على الصحافيين لتقييد تغطية الاحتجاجات. وجرى استدعاء عدد من الصحافيين، وطُلب منهم تقديم تعهدات خطية بعدم دعم المحتجين، والامتناع عن نشر محتوى إخباري أو تحليلي حول الاحتجاجات في وسائل الإعلام أو على المنصات الرقمية.

وأفادت التقارير بأن بعض الصحافيين رفضوا التوقيع على هذه التعهدات، وتعرضوا لتهديدات بالاعتقال أو بالملاحقة القضائية، في حين أدانت لجنة حماية الصحافيين الدولية إجراءات الاستدعاء والتهديد، وطالبت بوقف الترهيب الذي يهدف إلى إسكات الصحافة المستقلة.

مناشدات دولية

بالتوازي، دعا نجل الشاه السابق رضا بهلوي الإيرانيين إلى الهتاف من النوافذ والأسطح مساء يومي الخميس والجمعة عند الساعة الثامنة مساءً بالتوقيت المحلي، قائلاً إن المشاركة ستحدد الدعوات التالية للتحرك.

وخارجياً، ندد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بما وصفه بالاستخدام المفرط للعنف ضد المتظاهرين، ودعا طهران إلى التقيد بالتزاماتها الدولية، مؤكداً أن التعبير السلمي عن الرأي حق للشعب الإيراني.

كما قالت هانا نويمان، عضو البرلمان الأوروبي، إنه يجب تسليط الضوء على ما يجري في إيران، عادَّة أن الصمت بات لدى كثيرين أخطر من الشجاعة.

وكتب ريتشارد برانسون، مؤسس مجموعة «فيرجن»، أن على العالم استغلال كل فرصة لتسليط الضوء على إيران وتعزيز «صوت المعارضة» وتوثيق «جرائم النظام»، واصفاً ما يحدث بأنه «نضال من أجل البقاء والكرامة»، ومؤكداً ثقته بأن جماهير الشوارع بقيادة جيل شاب ستنتصر في النهاية.

وفي رسالة، قدمت الناشطة الإصلاحية المعارضة زهرا رهنورد من الإقامة الجبرية تعازيها بمقتل محتجين، ودعت رهنورد وهي زوجة الزعيم الإصلاحي، ميرحسين موسوي إلى انتقال جماعي «من الاستبداد إلى الديمقراطية»، مؤكدة: «لا تخافوا... نحن جميعاً معاً».


مقالات ذات صلة

محمد مهدي شمس الدين للشيعة: اندمجوا في دولكم

خاص الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال إحدى المناسبات مع القيادي العسكري في حركة أمل عقل حمية (غيتي)

محمد مهدي شمس الدين للشيعة: اندمجوا في دولكم

تنشر «الشرق الأوسط» نص حوار بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، وأعضاء قريبين من بيئة «حزب الله»، عام 1997.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)

القوى الأوروبية تندد بـ«قتل متظاهرين» في إيران

ندد قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا بقتل متظاهرين في إيران، وحثوا السلطات الإيرانية ⁠على ضبط ‌النفس وعدم اللجوء إلى العنف.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى وزير خارجيته ماركو روبيو ويبدو دارن وودز الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل النفطية في اجتماع البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب: أبلغت الصين وروسيا بأننا لا نريدهما في فنزويلا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمعة إن إدارته ستُقرر أياً من شركات النفط ستعمل في فنزويلا بعد اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حشود من المحتجين الإيرانيين يجتمعون في ساحة طالقاني وسط كرج غرب طهران (تلغرام)

الموقف الأميركي من احتجاجات إيران بين التهديد والحذر

قد يكون من المبكر الجزم بأن النظام الحاكم في إيران بات على وشك السقوط، إلا أن ما تشهده البلاد منذ أسابيع يضع طهران أمام أخطر اختبار داخلي منذ سنوات طويلة.

إيلي يوسف ( واشنطن)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق (الرئاسة اللبنانية)

عراقجي في بيروت... وتشديد لبناني على «سيادة الدولة»

جدّد المسؤولون في لبنان التأكيد على مواقفهم لجهة إقامة علاقات متوازنة وسليمة مع إيران تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الاحتجاجات تشتد في إيران... وخامنئي يلوّح بالقوة

محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)
محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)
TT

الاحتجاجات تشتد في إيران... وخامنئي يلوّح بالقوة

محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)
محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)

عمّت الاحتجاجات أنحاء متفرقة من إيران، أمس الجمعة، مع استمرار خروج المحتجين إلى الشوارع، رغم تحذير صارم من السلطات وإقدامها على قطع الإنترنت والاتصالات الدولية، في مسعى لاحتواء موجة اضطرابات آخذة في الاتساع.

ووجه المرشد الإيراني علي خامنئي تحذيراً مباشراً إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متهماً المحتجين بالتحرك «لإرضاء رئيس دولة أخرى»، ومؤكداً أن «إيران لن تتسامح مع المرتزقة الذين يعملون لصالح الأجانب»، وأنها «لن تتراجع» في مواجهة ما وصفه بأعمال التخريب.

وأعلن المدعي العام في طهران علي صالحي أن من يخرّب الممتلكات العامة أو يشتبك مع قوات الأمن قد يواجه عقوبة الإعدام. وذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) أن عدد القتلى بلغ 62 شخصاً منذ بدء الحراك في 28 ديسمبر(كانون الأول)، بينهم 48 متظاهراً و14 من عناصر الأمن.

في الولايات المتحدة، أعاد ترمب نشر مقطع فيديو لتظاهرات في مشهد، وكرّر تحذيره من «ثمن باهظ» إذا قُتل متظاهرون، لكنه قال إنه غير متأكد من ملاءمة دعم رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، الذي دعا إلى مواصلة الاحتجاجات.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن احتمال التدخل العسكري الأجنبي «ضئيل للغاية»، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج الاضطرابات.

في المقابل، توسعت الردود الدولية، وأعرب قادة كل من فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا عن قلقهم لـ «قتل المحتجين»، داعين السلطات إلى «ضبط النفس».

بدورها، انتقدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس ما وصفته برد «غير متناسب» من قوات الأمن.


القوى الأوروبية تندد بـ«قتل متظاهرين» في إيران

محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)
محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)
TT

القوى الأوروبية تندد بـ«قتل متظاهرين» في إيران

محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)
محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)

ندد قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا بقتل متظاهرين في إيران، وحثوا السلطات الإيرانية ⁠على ضبط ‌النفس وعدم اللجوء إلى العنف.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، في بيان مشترك: «نشعر بقلق بالغ حيال التقارير عن عنف قوات الأمن الإيرانية، وندين بشدّة قتل المحتجين... نحضّ السلطات الإيرانية على ممارسة ضبط النفس».

وجاء في البيان: «تتحمل السلطات الإيرانية ​مسؤولية حماية شعبها، وعليها ضمان ⁠حرية التعبير والتجمع السلمي دون خوف من الانتقام».

وفي وقت سابق، قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن الشعب الإيراني «يناضل من أجل مستقبله»، معتبرةً أن تجاهل النظام لمطالبه المشروعة «يكشف عن حقيقته».

وأضافت في منشور على منصة «إكس» أن الصور الواردة من طهران تظهر «رداً غير متناسب ومفرط القسوة» من جانب قوات الأمن، مؤكدةً أن «أي عنف يمارس ضد المتظاهرين السلميين غير مقبول».

مسيرة احتجاجية في مشهد شمال شرقي إيران (رويترز)

وتابعت أن «قطع الإنترنت بالتزامن مع القمع العنيف للاحتجاجات يفضح نظاماً يخشى شعبه».

وفي موازاة اتساع ردود الفعل الدولية، دخل السجال بين طهران ومؤسسات الاتحاد الأوروبي مرحلة أكثر حدّة، عقب إعلان عدد كبير من أعضاء البرلمان الأوروبي دعمهم العلني للمحتجين.

وقالت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، إن «العالم يشهد مرة أخرى وقوف الشعب الإيراني الشجاع»، مؤكدةً أن «أوروبا تقف إلى جانبه».

في المقابل، ردت بعثة إيران لدى الاتحاد الأوروبي باتهامات مباشرة للبرلمان الأوروبي بازدواجية المعايير، والتدخل في الشؤون الداخلية.

وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، إن الإيرانيين «الشجعان ينهضون دفاعاً عن الحرية بعد سنوات من القمع والمعاناة الاقتصادية»، مؤكداً أنهم «يستحقون دعمنا الكامل»، ومشدداً على أن «محاولة إسكاتهم عبر العنف أمر غير مقبول».

وأعلنت السويد والنمسا استدعاء السفير الإيراني.

وقالت بياته ماينل رايزينغر، وزيرة الخارجية النمساوية، إنها «تدين بأشد العبارات العنف ضد المتظاهرين»، مؤكدة أن فيينا «ستستخلص عواقب واضحة»، وأن «المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان لن يجدوا ملاذاً في النمسا».

وفي ستوكهولم، أكد أولف كريسترسون دعم بلاده «لنضال الإيرانيين الشجاع من أجل الحرية» وإدانة أي قمع للاحتجاجات السلمية، فيما قالت وزيرة الخارجية، ماريا ستينيرغارد، إنها أبلغت السفير الإيراني وجوب احترام حرية التعبير والتجمع والتظاهر.


انتقادات في تركيا لـ«بطء» خطوات السلام مع الأكراد

لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)
لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)
TT

انتقادات في تركيا لـ«بطء» خطوات السلام مع الأكراد

لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)
لجنة البرلمان التركي المعنية بوضع الإطار القانوني لحلّ حزب «العمال الكردستاني» تواجه انتقادات (البرلمان التركي - إكس)

تواجه الحكومة والبرلمان في تركيا انتقادات بسبب التحرك البطيء في «عملية السلام» التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

وقال حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، إن «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، أو ما تسميها الحكومة التركية بـ«عملية تركيا خالية من الإرهاب»، لا تتقدم بالوتيرة المطلوبة، منتقداً تصريحات حادة من جانب حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم وحليفه حزب «الحركة القومية»، عدّها تهديداً للعملية.

وذكرت المتحدثة باسم الحزب، عائشة غل دوغان، أن هذه العملية تُعدّ «فرصة تاريخية»، و«مع ذلك، ثمة خلافات ونقاشات عديدة حول كيفية استغلال هذه الفرصة». وأضافت: «هذا أمر طبيعي تماماً، لقد قلنا إننا بحاجة إلى أدلة ملموسة، ومؤشرات واضحة، لكن لا يزال الكلام والخطابات لا تترجم إلى أفعال أو تطبيق، كل هذا، للأسف، يزيد من المخاوف والقلق بشأن قبولها اجتماعياً».

خطاب تهديدي

وصفت دوغان، في تصريحات، الجمعة، تصريحات أصدرها سياسيو حزبي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» بـ«الخطاب التهديدي» الذي «لا يعطي انطباعاً جيداً حول الرغبة في التقدم بخطوات جادة في عملية السلام».

المتحدثة باسم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» عائشة غل دوغان (حساب الحزب في إكس)

وقالت دوغان: «لقد كلف الخطاب الحاد تركيا ثمناً باهظاً حتى الآن. يجب أن تنعكس الحاجة إلى خطاب جديد في كلٍّ من نهجكم وأساليبكم؛ ينبغي تفضيل خطاب سياسي موحّد على الخطاب الحاد. بما أننا نتحدث عن التضامن الاجتماعي والاندماج الجديد، الذين نؤمن بهما إيماناً راسخاً ونناضل من أجلهما بعزيمة».

وأشارت إلى أن «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» بالبرلمان التركي لا تزال تواصل عملها، ولكن بوتيرة بطيئة، مؤكدة أن الوقت قد حان لاتخاذ الترتيبات القانونية اللازمة لحلّ حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته ودمج عناصره في المجتمع.

وكان رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، ونائبه فتي يلديز، والمتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية»، عمر تشيليك، إضافة إلى وزيري الخارجية، هاكان فيدان والدفاع، يشار غولر، لوحوا في رسائل وتصريحات في بداية العام الجديد، إلى أن على حزب «العمال الكردستاني» وجميع التنظيمات المرتبطة به «حلّ نفسها ونزع أسلحتها دون شروط».

وذكرت دوغان أن لدى زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين، عبد الله أوجلان، مقترحات بشأن تطورات مهمة في المنطقة، مطالبة بتمكينه من إجراءات الاتصالات اللازمة، ونقل مقترحاته مباشرة.

وأضافت: «لقد ذكرنا أن أوجلان يرغب في لقاء رئيس الحزب (الديمقراطي الكردستاني)، مسعود بارزاني، ورئيس إقليم كردستاني، نيجيرفان بارزاني، وقائد قوات (قسد) مظلوم عبدي».

موقف البرلمان

من جانبه، قال رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، إن «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» تواصل عملها بنضج ديمقراطي ومشاركة فعّالة، ودخلت المرحلة النهائية من عملها.

وأضاف كورتولموش، خلال لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام بالبرلمان، الخميس، أن الأحزاب السياسية أعدت تقاريرها الخاصة وأعلنت مواقفها السياسية، وهناك نقاط تتفق عليها الأحزاب وأخرى تختلف فيها. وتابع: «من الآن فصاعداً، سنعمل بدقة على زيادة نقاط الاتفاق، وسنسعى، إن أمكن، إلى التوصل إلى توافق في الآراء بشأن النقاط التي لا تزال محل خلاف، لإعداد التقرير النهائي. وآمل ألا يستغرق هذا وقتاً طويلاً».

جانب من اجتماع رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش مع ممثلي الأحزاب في اللجنة البرلمانية لوضع الإطار القانوني لحل حزب «العمال الكردستاني» الأربعاء (البرلمان التركي - إكس)

وأشار إلى أنه عقد اجتماعين مع ممثلي الأحزاب السياسية الممثلة في اللجنة، خلال الأيام القليلة الماضية، قائلاً: «أستطيع أن أؤكد بثقة أن جميع زملائنا الذين شاركوا في الاجتماعات يبذلون قصارى جهدهم لتحقيق التوافق، وآمل أن يتم في المستقبل القريب نشر نص قوي يحظى بموافقة الجميع ولا يتضمن أي آراء مخالفة».

وأضاف كورتولموش أنه بما أن عمل اللجنة استشاري بطبيعته، فسيتم تقديم المقترحات المتعلقة باللوائح القانونية، «التي ستصدر بعد تحديد نزع سلاح المنظمة الإرهابية (حزب العمال الكردستاني) إلى البرلمان. والأهم، والذي نتخذه أساساً لنا، هو أن يلقي حزب (العمال الكردستاني)، بكل عناصره، سلاحه، ولتحقيق ذلك، يجب تسريع العملية وتسهيلها أحياناً من أجل إتمامها».

خطوات مطلوبة

في السياق ذاته، عَدّ حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، أن العملية لن تتقدم بشكل سليم دون اتخاذ خطوات نحو الديمقراطية.

جانب من اجتماع المجلس التنفيذي لحزب «الشعب الجمهوري» في أنقرة الجمعة برئاسة أوزغور أوزيل (حساب الحزب في إكس)

وناقش الحزب مسار العملية الجارية، خلال اجتماع مجلسه التنفيذي، الجمعة، برئاسة رئيسه أوزغور أوزيل، «النقاط الغامضة» في عملية السلام، والتي تشمل عدد السجناء من أعضاء «العمال الكردستاني» الذين سيتم إطلاق سراحهم، وعدد الذين سيخضعون للإفراج المشروط. وأكد أنه «ما دام لم يتم الكشف عن هذه الأمور، فستبقى جميع اللوائح القانونية المقترحة معلقة».

كما لفت أعضاء المجلس إلى أن العملية الجارية في تركيا أصبحت مرهونة بالتطورات العابرة للحدود، مؤكدين أنه «ينبغي عدم ربط السلام الدائم داخل الحدود بالتطورات في سوريا، ويجب اتخاذ خطوات نحو الديمقراطية لكي تتقدم العملية بصدق».