تحديات الوحدة في مواجهة التهديدات الأميركية والروسية

أوروبا وأوكرانيا بين تصعيد ترمب وحسابات الأمن الغربي

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
TT

تحديات الوحدة في مواجهة التهديدات الأميركية والروسية

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)
صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وجدت أوروبا وأوكرانيا نفسيهما أمام معادلة شديدة الحساسية: رئيس أميركي لا يتردد في استخدام القوة أو التهديد بها، مقابل قارة تحتاج إلى الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى لضمان أمن أوكرانيا ومنع تكرار أي عدوان روسي مستقبلي.

هذه المفارقة تفسر الحذر الأوروبي الواضح في التعامل مع سلسلة خطوات وتصريحات مثيرة للقلق، من التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، إلى التلويح بالضغط على غرينلاند، وصولاً إلى خطاب يعيد إلى الأذهان منطق «مناطق النفوذ» أكثر مما يستحضر قواعد النظام الدولي الليبرالي.

الرئيسان ماكرون وزيلينسكي يصلان معاً إلى قاعة الاجتماع وتظهر في الصورة أعلام الدول المشاركة فيه في قصر الإليزيه (رويترز)

في هذا السياق، لم تكن اجتماعات باريس الأخيرة محطة تفاوضية عادية، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الأوروبيين على الحفاظ على وحدة الموقف الغربي، وفي الوقت نفسه إبقاء الإدارة الأميركية منخرطة بجدية في ملف أوكرانيا، رغم الانشغالات الأميركية المتزايدة في مناطق أخرى من العالم.

حذر أوروبي في العلن وقلق في الكواليس

في المشهد العلني، بدا القادة الأوروبيون حريصين على ضبط اللغة والنبرة. فعقب قمة باريس، وعندما سُئل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تصريحات ترمب المتعلقة بغرينلاند وفنزويلا، اكتفى بالقول: «هذه الملفات ليست مرتبطة مباشرة بما نناقشه اليوم»، قبل أن يضيف في مقابلة تلفزيونية: «لا أستطيع أن أتخيل سيناريو تنتهك فيه الولايات المتحدة سيادة الدنمارك». هذا الموقف لم يكن تعبيراً عن اطمئنان بقدر ما كان انعكاساً لرغبة واضحة في تجنب أي صدام سياسي مع واشنطن.

لكن خلف هذا الخطاب المتزن، يعترف مسؤولون وخبراء أوروبيون بوجود قلق عميق.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً المستشار الألماني فريدريتش ميرتس في الإليزيه (د.ب.أ)

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مارك ليونارد، قوله إن «هناك فجوة هائلة بين ردود الفعل العلنية والخاصة للقادة الأوروبيين»، موضحاً أن «الكثيرين يشعرون بالذعر مما قد يحدث لاحقاً، خصوصاً فيما يتعلق بغرينلاند، لكنهم في العلن يتجنبون أي انتقاد لترمب». وأضاف ليونارد: «الأوروبيون يدركون أن هذه لحظة خطرة للغاية بالنسبة لأوكرانيا، ولذلك فهم يفضلون الصمت على المجازفة بإغضاب واشنطن. كل ما لديهم من نفوذ يريدون استخدامه لصالح كييف».

الاستثناء الأوضح كان رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي تحدثت بلهجة غير مسبوقة، محذّرة من أن أي تحرك أميركي ضد غرينلاند «سيكون بمثابة نهاية لحلف شمال الأطلسي». وقالت: «إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة عضو في الناتو، فسينهار النظام الأمني الذي وفر الاستقرار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية».

هذا التردد يعكس هشاشة الموقف الأوروبي. فعلى الرغم من كل الحديث عن «الاستقلالية الاستراتيجية»، لا تزال أوروبا تعتمد على المظلة الأميركية، عسكرياً واستخباراتياً، في مواجهة روسيا. وأي إشارة إلى تباعد أو صدام مع واشنطن قد تُقرأ في موسكو على أنها فرصة لتعزيز الضغوط العسكرية والسياسية على كييف.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

أوكرانيا بلا أوهام واستعداد للأسوأ

في قلب هذا المشهد، تقف أوكرانيا التي تحاول تحقيق توازن بالغ الدقة بين الانخراط في المفاوضات وعدم الوقوع في فخ التفاؤل المفرط. الرئيس فولوديمير زيلينسكي أكد أن فريق التفاوض الأوكراني يناقش «أكثر القضايا تعقيداً»، وعلى رأسها مسألة الأراضي ومحطة زابوريجيا النووية. وقال في منشور على منصة «إكس»: «وجهت الفريق إلى بحث الصيغ المحتملة لعقد اجتماعات على مستوى القادة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية».

غير أن نبرة زيلينسكي باتت أكثر تشككاً في الأيام الأخيرة؛ ففي تصريح للصحافيين في كييف، قال: «نحن نتحدث ونسعى إلى السلام، لكننا في الوقت نفسه نستعد لاحتمال أن ترفض روسيا إنهاء الحرب». وأضاف: «لا أريد ولن أنتظر ستة أشهر أخرى على أمل أن ينجح المسار الدبلوماسي. هناك مساران: إنهاء الحرب، أو الاستعداد لخطوات روسية سلبية».

زيلينسكي شدد على أن أوكرانيا «لن تكون عائقاً أمام السلام»، لكنه ربط أي اتفاق بضرورة أن يكون «سلاماً مشرّفاً»، معتبراً أن «الأمر يعتمد على الشركاء، وعلى ما إذا كانوا قادرين على ضمان استعداد روسي حقيقي لإنهاء الحرب».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلقي كلمة في مؤتمر صحافي عقب توقيع إعلان نشر القوات في أوكرانيا (إ.ب.أ)

الضمانات الأمنية

تركزت المفاوضات الجارية في باريس، بمشاركة أميركية وأوروبية، على الضمانات الأمنية لما بعد وقف إطلاق النار. هذه الضمانات تشمل، وفق المسودات المتداولة، التزامات طويلة الأمد بدعم الجيش الأوكراني، ونشر قوة متعددة الجنسيات بقيادة فرنسية - بريطانية، على أن تضطلع الولايات المتحدة بدور «الضامن الخلفي»، سواء عبر المراقبة أو الدعم اللوجيستي والتقني، وربما العسكري إذا تجدد القتال.

من الجانب الأميركي، حاول المبعوث الخاص ستيف ويتكوف تقديم صورة إيجابية عن مخرجات اجتماعات باريس. وقال: «نعتقد أننا أنجزنا إلى حد كبير البروتوكولات الأمنية، وهي مهمة لكي يعلم الشعب الأوكراني أن هذه الحرب ستنتهي إلى الأبد»، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن «خيارات الأراضي ستكون القضية الأكثر حساسية»، معرباً عن أمله في «التوصل إلى تسويات».

من اليسار: المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف ورجل الأعمال الأميركي جاريد كوشنر في مؤتمر صحافي بعد قمة تحالف الراغبين (إ.ب.أ)

ويتكوف شدد على أن «الرئيس ترمب يقف بقوة خلف البروتوكولات الأمنية»، مضيفاً: «هذه الضمانات مصممة للردع والدفاع معاً. الرئيس لا يتراجع عن التزاماته».

في المقابل، يربط مسؤولون أميركيون بوضوح أي دور «ضامن» لواشنطن بمدى استعداد الأوروبيين لتحمل مسؤوليات أكبر. الرئيس الفرنسي ماكرون أقر بذلك حين قال: «الدعم الأميركي بالغ الأهمية، لكن هذا الدعم يفترض التزامات واضحة من الشركاء الأوروبيين».

ترمب وعودة منطق الإمبراطوريات

ما يثير القلق الأوروبي الأعمق هو الشعور بأن السياسة الخارجية الأميركية باتت تحكمها رؤية «إمبراطورية» واضحة. ونقلت صحيفة «الغارديان» عن مديرة معهد الشؤون الدولية في إيطاليا، ناتالي توتشي، قولها إن «السياسة الخارجية الأميركية اليوم إمبراطورية وبشكل متسق»، معتبرة أن هذا النهج «لا يعترف فقط بإمبراطورية أميركية، بل يقبل أيضاً بوجود إمبراطوريات روسية وصينية».

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)

وتكتسب إشارات تاريخية مثل العرض الروسي السابق، الذي تحدث عنه تقرير لـ«نيويورك تايمز» عن مقايضة النفوذ في فنزويلا بحرية حركة في أوكرانيا، دلالة خاصة، فالتدخل الأميركي الأخير في كاراكاس أعاد إلى الأذهان فكرة الصفقات الجيوسياسية الكبرى، حيث يمكن تجاهل القانون الدولي إذا كان ذلك يخدم توازنات القوى.

في المحصلة، تكشف إدارة الأوروبيين وأوكرانيا لعلاقتهم مع ترمب عن براغماتية قاسية: كبح الانتقادات، وتقديم الأولوية للأمن، والرهان على أن الحاجة المتبادلة ستمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة داخل المعسكر الغربي. لكن هذا الرهان يبقى محفوفاً بالمخاطر، في عالم تتآكل فيه القواعد القديمة، وتتصاعد فيه نزعات القوة، فيما لا تزال أوروبا تبحث عن موقعها بين حليف لا يمكن الاستغناء عنه، وخصم روسي لا يبدو مستعداً للتراجع.


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في البيت الأبيض يوم 27 مارس (أ.ب)

إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

في الوقت الذي تتحدّث فيه الإدارة الأميركية عن استمرار حرب إيران بضعة أسابيع أخرى، برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس كأحد اللاعبين الأساسيين في المسار الدبلوماسي.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر ميامي بالطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)

ترمب: كوبا هي التالية

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنّ «كوبا هي التالية»، رافضاً فكرة أنّ العمليات العسكرية التي نفذتها واشنطن أخيراً تكلّفه قاعدة مؤيديه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ متظاهر يحمل لافتة كُتب عليها «لا للملوك» مع رسم تاج مشطوب خلال احتجاج ضد سياسات ترمب أمام مبنى بلدية لوس أنجليس في 18 أكتوبر (رويترز)

رفضاً لـ«نزعته السلطوية»... ترقب لاحتجاجات أميركية واسعة ضد ترمب اليوم

يتوقع أن تشهد الولايات المتحدة اليوم (السبت) احتجاجات واسعة النطاق ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ثالث تحرك من نوعه في أنحاء مختلفة من البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية يعمل رجال الإطفاء الإيرانيون على إخماد حريق في مبنى سكني متضرر جنوب طهران (إ.ب.أ)

باكستان تستضيف اجتماعاً رباعياً الأحد لبحث جهود التهدئة في المنطقة

أعلنت باكستان عن عقد اجتماع رباعي يضم وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر في إسلام آباد غداً الأحد، في إطار الجهود الدبلوماسية لتهدئة التوتر في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (اسلام آباد)

إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)
TT

إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتحدّث فيه الإدارة الأميركية عن استمرار حرب إيران بضعة أسابيع أخرى، برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس أحد اللاعبين الأساسيين في المسار الدبلوماسي التي تقول واشنطن إنها بدأت فيه ولقي استجابة من طهران.
ورسمت التصريحات الأميركية خلال الأيام الماضية مشهداً متبايناً، يوحي بتقسيم واضح في الأدوار والرسائل. فالرئيس دونالد ترمب تحدث عن هزيمة إيران وكرر تهديداته، بينما أكّد وزير خارجيته ماركو روبيو استمرار الحملة العسكرية أسابيع إضافية. أما المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف، فتحدّث عن مفاوضات متوقّعة هذا الأسبوع، فيما برز فانس بوصفه اسماً أكثر قبولاً لدى بعض الدوائر باعتباره أقل اندفاعاً نحو الحروب المفتوحة.
اللافت أن البيت الأبيض أبلغ حلفاءه سراً بأن أي اتفاق مع طهران سيستغرق وقتاً، حسب «سي بي إس نيوز»، وهو ما يعني عملياً أن واشنطن لا تتحرك على قاعدة وقف نار وشيك، بل على أساس مواصلة الحرب مع إبقاء باب التفاوض موارباً.

دور فانس

صعود جي دي فانس، الذي عُرف بتحفظه على الانخراط الأميركي في نزاعات الشرق الأوسط، لا يعني بالضرورة أن كفة «الحمائم» رجحت داخل الإدارة، بقدر ما يعكس محاولة من ترمب لإعادة توزيع الأدوار.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في البيت الأبيض يوم 27 مارس (أ.ب)

فانس يبدو بالنسبة إلى بعض المسؤولين الأميركيين أكثر قابلية للتسويق لدى الإيرانيين من المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، اللذين ارتبط اسماهما بجولات مفاوضات باءت بالفشل. لهذا، لم يكن مفاجئاً أن يقدمه ترمب خلال اجتماع الحكومة يوم الخميس الماضي بوصفه منخرطاً في المسار التفاوضي، أو أن تتحدث تسريبات أميركية عن أنه قد يكون كبير المفاوضين في أي لقاء محتمل بوساطة باكستانية.
غير أن أهمية فانس لا تكمن فقط في شخصه، بل في الرسالة التي يحملها. فالإدارة، وفق مراقبين، تريد تقديم مُحاورٍ جدي، لكنها في الوقت نفسه تتمسّك بالشروط التي طرحتها على إيران. بمعنى آخر، يبدو أن ما يجري هو تبديل «الواجهة» من دون تعديل جوهري في مضمون العرض الأميركي. وهذا ما يفسر المفارقة الحالية: فانس قد يكون محاوراً أكثر قبولاً بالنسبة للإيرانيين، لكنه سيدخل إلى التفاوض وهو يحمل عملياً الرزمة ذاتها من الشروط التي سبق لطهران أن رفضتها. لذا، فإن الرهان على فانس قد يكون في جوهره رهاناً على تغيير أسلوب التفاوض، لا على تغيير هدفه النهائي.

تعدّد مهام روبيو

إذا كان فانس يمثل في هذه اللحظة ما قد يُنظر إليه على أنه وجه «الفرصة الأخيرة» للتفاوض، فإن ماركو روبيو يجسد معسكراً آخر داخل الإدارة. صحيفة «بوليتيكو» أشارت إلى أنه من جهة يُعدّ من أكثر الشخصيات تشدّداً تجاه إيران، ومن جهة أخرى نجا نسبياً من موجة الغضب الموجهة إلى بعض أركان إدارة ترمب، لأن كثيرين في واشنطن ما زالوا يرونه «الأكثر عقلانية» مقارنة بغيره.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً للصحافيين عقب مشاركته في اجتماع مجموعة السبعة في فرنسا يوم 27 مارس (رويترز)

لكن هذه الصورة لا تلغي أن موقعه المزدوج، كوزير للخارجية ومستشار للأمن القومي في آن واحد، كشف مشكلة أكبر تتعلق بآلية صنع القرار نفسها. وبدلاً من أن يقود روبيو عملية تنسيق واسعة بين مؤسسات الدولة، بدا أن القرارات الكبرى تُطبخ داخل دائرة ضيقة في البيت الأبيض، بينما تُترك الأجهزة والوزارات لتلحق بها لاحقاً.
هذه النقطة ليست تفصيلاً إدارياً، وفق تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن نقص في التخطيط المسبق، وضعف في التنسيق بين الرسائل السياسية والاستعدادات العملية، وحتى عن محدودية إشراك الخبراء الفنيين في الملفات النووية الحساسة. وهذا ما يجعل التباين بين روبيو وفانس وويتكوف وكوشنر ليس مجرد تنافس شخصي، بل ما يراه بعض المراقبين مؤشراً على تعدّد استراتيجيات إدارة تحاول، وفق هذه التقديرات، أن تفاوض وتقصف وتردع وتنتزع نصراً في الوقت نفسه.

تسوية ليست وشيكة

حتى الآن، الأرجح أن الحديث عن التفاوض لا يعني أن التسوية باتت وشيكة، بل إن واشنطن تحاول تحضير مسار سياسي موازٍ لحملة عسكرية مستمرة، وربما متصاعدة. فالتقديرات التي تتحدث عن أسابيع إضافية من القتال، والحديث عن خيارات «الضربة النهائية»، واستمرار النقاش حول استهداف بنى استراتيجية أو جزر ومواقع مرتبطة بمضيق هرمز، كلها مؤشرات إلى أن الإدارة لا تتصرف بوصفها على أبواب اختراق دبلوماسي، بل بوصفها تريد تحسين شروط التفاوض بالقوة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي بولاية فلوريدا يوم 27 مارس (أ.ف.ب)

لهذا، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت المفاوضات «ممكنة»، بل ما إذا كان الطرفان يعتقدان أن الوقت مناسب لها. من جهة ترمب، ما دام يعتقد أن مزيداً من الضغط قد ينتج اتفاقاً أفضل أو يتيح له إعلان نصر أوضح، فلن يتعجل تقديم المقترحات اللازمة لتثبيت وقف النار. ومن جهة إيران، ما دامت ترى أن القبول بالشروط الأميركية الحالية سيُفسر داخلياً كهزيمة مذلة، فإنها ستفضل على الأرجح كسب الوقت والتمسك بشروط مضادة - وإن كان في العلن فقط، حتى لو أبقت نافذة الوساطات مفتوحة.

بهذا المعنى، قد يكون فانس بالفعل الشخصية الأنسب داخل إدارة ترمب لقيادة أي تفاوض محتمل، لأنه يجمع بين قربه من الرئيس وحساسيته تجاه أخطار الحروب الطويلة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ترمب: كوبا هي التالية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر ميامي بالطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر ميامي بالطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)
TT

ترمب: كوبا هي التالية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر ميامي بالطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر ميامي بالطائرة الرئاسية (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنّ «كوبا هي التالية»، رافضاً فكرة أنّ العمليات العسكرية التي نفذتها واشنطن أخيراً تكلّفه قاعدة مؤيديه.

وصعّد ترمب أخيراً الضغط على كوبا، مع فرض حصار نفطي عليها منذ يناير (كانون الثاني)، ما أدى إلى خنق إمدادات الوقود واقتصادها الذي كان يعاني بسبب سنوات من الحظر التجاري الأميركي.

وفي كلمة أمام منتدى الاستثمار «إف آي آي برايوريتي» في ميامي بولاية فلوريدا، قال ترمب، الجمعة، إنّ قاعدة مؤيديه تريد «القوة» و«النصر»؛ مشيراً إلى العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأميركية في يناير، والتي ألقت خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وأضاف: «بنيت هذا الجيش العظيم. قلت: لن تضطروا أبداً إلى استخدامه، ولكن أحياناً لا نملك خياراً. وكوبا هي التالية بالمناسبة. ولكن تظاهروا كأنني لم أقل شيئاً».

مدنيون كوبيون يتابعون تدريبات عسكرية في هافانا (أ.ب)

وبينما لم يحدد ترمب ما ينوي القيام به بشأنها، قال لوسائل الإعلام: «تجاهلوا هذا التصريح»، قبل أن يكرّر: «كوبا هي التالية»، الأمر الذي أثار ضحك الحاضرين.

وفي الكلمة نفسها، أطلق الرئيس الأميركي تصريحاً مثيراً للجدل، وصف فيه مضيق هرمز بـ«مضيق ترمب».

وكان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل قد أكد الأسبوع الماضي، أنّ أي معتدٍ خارجي سيواجه «مقاومة لا تُقهر».

وتعاني الجزيرة الشيوعية من حصار تجاري أميركي منذ عام 1962، وهي غارقة منذ سنوات في أزمة اقتصادية حادة تتسم بانقطاعات مطولة للتيار الكهربائي، ونقص في الوقود والأدوية والغذاء.

وقال مسؤول كوبي أخيراً إنّ هافانا مستعدّة لمواصلة الحوار مع واشنطن، مؤكداً في الوقت ذاته أنّ تغيير نظامها السياسي أمر غير قابل للنقاش، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».


حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» تصل إلى كرواتيا للصيانة إثر حريق

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» في جزيرة كريت اليونانية قبل أيام (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» في جزيرة كريت اليونانية قبل أيام (رويترز)
TT

حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» تصل إلى كرواتيا للصيانة إثر حريق

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» في جزيرة كريت اليونانية قبل أيام (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد آر فورد» في جزيرة كريت اليونانية قبل أيام (رويترز)

وصلت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد»، وهي الأكبر في العالم، الى كرواتيا لإجراء أعمال صيانة على متنها، بعدما شاركت في الحرب بالشرق الأوسط، حسبما أفادت سفارة واشنطن في بيان اليوم (السبت).

وشاهد صحافيون في «وكالة الصحافة الفرنسية» الحاملة في أثناء وصولها إلى ميناء سبليت صباحاً، في محطة أكد بيان السفارة أنها «مجدولة وللصيانة».

وكانت الحاملة التي نُشرت في البحر الأبيض المتوسط قبيل بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، قد عادت إلى قاعدة بحرية في جزيرة كريت هذا الأسبوع، إثر اندلاع حريق على متنها في 12 مارس (آذار).

وأفاد الجيش الأميركي بأن الحريق أحدث أضراراً جسيمة بنحو 100 سرير. كما أفيد بأنها عانت مشكلات كبيرة في نظام المراحيض خلال وجودها في البحر، مع تقارير صحافية عن انسداد وتكوُّن طوابير طويلة أمام دورات المياه.

وقالت السفارة في بيانها: «خلال زيارتها، ستستضيف حاملة الطائرات الأميركية (جيرالد آر فورد) مسؤولين... لإظهار التحالف القوي والدائم بين الولايات المتحدة وكرواتيا».

وأرسلت الولايات المتحدة الحاملتين «جيرالد فورد» و«أبراهام لينكولن» إلى المنطقة قبيل بدء الهجوم على إيران. وأدت السفينتان دوراً في الضربات.

وأمضت «فورد» نحو 9 أشهر في البحر شاركت خلالها في العمليات الأميركية بمنطقة البحر الكاريبي؛ حيث تم تنفيذ ضربات على قوارب مشتبه بقيامها بتهريب مخدرات، واعترضت ناقلات نفط خاضعة لعقوبات، كما شاركت في العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، التي أُلقي خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.