ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

تغييرات كبرى تعيد صياغة تكنولوجيا المعلومات المؤسسية

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟
TT

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

ماهي أبرز توقعات الذكاء الاصطناعي لعام 2026؟

خلال السنوات القليلة الماضية، أثبت الذكاء الاصطناعي جدواه. لذا يتوقع كثير من المؤسسات أن يثبت الذكاء الاصطناعي جدارته بالثقة في عام 2026. وبعد سنوات من التجارب والمشروعات التجريبية، ينتقل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة الاضطلاع بأدوار دائمة في أقسام تكنولوجيا المعلومات داخل المؤسسات.

كما تتحول بؤرة التركيز من العروض التوضيحية المبهرة اليوم إلى الاضطلاع بمهام العمل اليومي على نحو موثوق به. وبالفعل، بدأت الأنظمة الوكيلة في التعامل مع مهام حقيقية، في الوقت الذي تنتقل إدارة الذكاء الاصطناعي من أقسام تكنولوجيا المعلومات إلى دوائر المناقشات داخل مجالس الإدارة. ومع ذلك، تجابه الشركات قيوداً تتعلق بالقدرة على التوسع، بما في ذلك تكاليف الطاقة والظروف الجيوسياسية.

ومع وضع ذلك في الاعتبار، طرحت مجلة «إي ويك» الإلكترونية أهم توقعاتها بشأن الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 على لسان كيزيا جونغكو الخبيرة في تقنية المعلومات.

الذكاء الاصطناعي الوكيل والحوكمة

• الذكاء الاصطناعي الوكيل يحل محل أدوات المساعدة الذكية الحالية. اليوم، يحل الذكاء الاصطناعي الوكيل محل الأدوات الذكية الأولى. وبذلك، تُفسح تلك الأدوات التي تجيب عن الأسئلة أو تُنشئ المحتوى، المجال أمام أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل القادرة على بدء المهام وإدارة سير العمل.

وقد حددت شركة «مايكروسوفت» التوجّه العام لها في هذا الإطار بإعلانها عام 2025 بداية التعاون بين الإنسان والآلة الوكيلة، وأطلقت بالفعل أدوات مساعدة قادرة على البحث عن المعلومات، وإنجاز مهام مثل الجدولة والتدريب. ويشير هذا إلى الوجهة التي سيتخذها مجال الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات خلال الفترة المقبلة.

وبحسب «مؤشر اتجاهات العمل لعام 2025»، الصادر عن «مايكروسوفت»، يتوقع 81 في المائة من قادة الأعمال دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل بشكل كامل في خططهم الاستراتيجية على مدار الـ12 إلى الـ18 شهراً المقبلة. كما أشارت «مايكروسوفت» في تقرير توقعاتها لعام 2026 إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سينتشرون على نطاق واسع، وسيضطلعون بدور أكبر في العمل اليومي، ليصبحوا بذلك أقرب إلى أعضاء الفريق منهم إلى مجرد أدوات تجري الاستعانة بها.

ومن المتوقع أن تستعين المؤسسات بوكلاء الذكاء الاصطناعي بقوة أكبر في عام 2026، خاصة في المجالات التي يمكن أن تُسهم فيها الأتمتة في خفض تكاليف التشغيل. وعلى عكس أدوات المساعدة التقليدية التي تنتظر التوجيهات، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل جدولة العمل، وتوجيه طلبات الخدمة، والتنسيق بين مختلف المنصات، مع تدخل بشري محدود.

وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي إلى زميل عمل رقمي، بدلاً من كونه مجرد أداة إنتاجية، الأمر الذي يثير تساؤلات جديدة حول الصلاحيات والمساءلة وآليات التصعيد، عندما تعمل الأنظمة بشكل مستقل.

• حوكمة الذكاء الاصطناعي المنظم تتحول لمطلب أساسي داخل المؤسسات. مع تحول حوكمة الذكاء الاصطناعي المنظمة إلى مطلب أساسي للمؤسسات، ومع تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على تفاعلات العملاء وقرارات التوظيف والنتائج التشغيلية، لم يعد الإشراف غير الرسمي كافياً.

في هذا الإطار، كشف استطلاع أجرته شركة «غريدينت فلو» عام 2025 أن 75 في المائة من المؤسسات لديها بالفعل سياسات رسمية للذكاء الاصطناعي، تُحدد الاستخدامات المقبولة والمحظورة - رقم أكده 74 في المائة من القادة بالمجال التكنولوجي. والملاحظ تفاوت نسبة تبني هذه السياسات حسب حجم الشركة، مع إقرار 81 في المائة من الشركات المتوسطة و77 في المائة من الشركات الكبيرة بوجود سياسات للذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ55 في المائة من الشركات الصغيرة.

مع ذلك، فإن وجود السياسات لا تجري ترجمته دوماً إلى تطبيق متسق. ففي الكثير من المؤسسات، تُستخدم إرشادات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وثيقة مرجعية، أكثر من كونها ضوابط تشغيلية. ومع توسع نطاق الذكاء الاصطناعي الوكيل واتخاذ القرارات على نحو آلي، تتعرض المؤسسات لضغوط متزايدة لترجمة السياسات إلى إجراءات عمل قابلة للتنفيذ، وضوابط تكنولوجية، واستراتيجية مساءلة واضحة.

ويدفع الضغط التنظيمي المؤسسات نحو الانتقال من السياسات المكتوبة إلى الضوابط القابلة للتنفيذ. على سبيل المثال، سيدخل قانون الذكاء الاصطناعي التاريخي للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ الكامل في أغسطس (آب) 2026، ما يمثل علامة فارقة بمجال حوكمة الذكاء الاصطناعي. وسيفرض هذا القانون التزامات على الأنظمة عالية المخاطر عام 2026، في حين أن ضوابط التصدير والقواعد المرتبطة بقطاعات بعينها تصيغ بالفعل شكل تصميم الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

الإنفاق وتعزيز السيادة الرقمية

• تزايد الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتسارع مع توسع نطاق عمليات الاستعانة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل. الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي يقود مرحلة جديدة من نمو الحوسبة السحابية، لكن النمو يرتبط هذه المرة، بأحمال العمل الإنتاجية، بدلاً من التجارب.

وتتوقع مؤسسة «غارتنر» أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025، في الوقت الذي تقود الخدمات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي هذا الطلب. ومع انتقال المؤسسات إلى استخدام النماذج في عملياتها اليومية، يُبلغ مزودو خدمات الحوسبة السحابية عن تزايد الطلب على منصات تدريب الذكاء الاصطناعي والاستدلال والبيانات.

ومع تسارع الإنفاق على الحوسبة السحابية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تواجه المؤسسات ضغوطاً متزايدة لتحقيق التوازن بين الأداء والتكلفة والاعتماد على الموردين. وينبغي أن تكون قرارات البنية التحتية المتخذة خلال هذه المرحلة استراتيجية، بحيث تُحدد تكاليف التشغيل على المدى الطويل، وتُمكّن المؤسسة من المنافسة بفاعلية مع ازدياد أهمية الذكاء الاصطناعي في عملياتها التجارية.

• السيادة الرقمية تعيد صياغة بيئة تشغيل الذكاء الاصطناعي. بوجه عام، تعيد السيادة الرقمية تشكيل بيئة تشغيل الذكاء الاصطناعي والجهات المتحكمة بها. وتُؤثر الجغرافيا السياسية بشكل متزايد على استراتيجيات تكنولوجيا المعلومات لدى المؤسسات. ومع اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات وقوة الحوسبة، تُشدد الحكومات سيطرتها على أماكن تخزين البيانات، وكيفية تدريب النماذج، ومزودي الخدمات المُعتمدين.

من ناحيته، يُقيّد نظام حماية البيانات العامة (GDPR) التابع للاتحاد الأوروبي بالفعل عمليات نقل البيانات عبر الحدود، ويُضيف قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي التزامات جديدة. ويُركز هذا القانون على الشفافية، وتخفيف المخاطر، والحوكمة الرشيدة، وتوثيق أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتظهر متطلبات مماثلة للتوطين والأمن في مناطق مثل الهند والصين والشرق الأوسط، الأمر الذي قد يُعقّد عمليات نشر الذكاء الاصطناعي على الصعيد العالمي.

واللافت أن سلوك المؤسسات بدأ يعكس هذه الضغوط. وتعتبر المؤسسات مسألة توطين البيانات واللوائح الوطنية من العوامل الأساسية في عمليات اختيار الذكاء الاصطناعي واعتماده. كما تستثمر الحكومات بشكل مباشر في البنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مبادرات الحوسبة السحابية السيادية، وبرامج الحوسبة المدعومة من الدولة، والمصممة للحفاظ على أحمال العمل الحساسة داخل حدودها الوطنية.

وعليه، تتبنى المؤسسات عمليات نشر هجينة وعبر مناطق متعددة، تسمح ببقاء البيانات وأحمال العمل الحساسة ضمن نطاق ولايات قضائية محددة. بالإضافة إلى ذلك، ستواصل نماذج المصادر المفتوحة اكتساب زخم، باعتبارها وسيلة للحفاظ على سيطرة أكبر على التدريب والنشر دون الاعتماد كلياً على مزودي خدمات أجانب.

نشر الروبوتات

• توسع نطاق الذكاء الاصطناعي المتجسد والروبوتات. في الوقت ذاته، يتوسع نطاق الذكاء الاصطناعي المجسد والروبوتات في إطار الخدمات اللوجيستية والعمليات.

يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي نطاق البرمجيات ليشمل البيئات المادية. ويتوسع نطاق الذكاء الاصطناعي المجسد والروبوتات ليشمل المستودعات والمصانع وشبكات الخدمات اللوجيستية؛ حيث يتولى مهام الفحص والفرز والنقل بقدر أكبر من الاستقلالية. أما حجم التأثير المحتمل، فضخم. فقد قدرت مؤسسة «ماكينزي» مثلاً أنه يمكن أتمتة أكثر من نصف القوى العاملة في الولايات المتحدة باستخدام التكنولوجيا الحالية. وبحسب التقرير، فإن التكنولوجيا المتاحة في الوقت الحاضر يمكنها نظرياً أن تؤدي إلى أتمتة الأنشطة التي تمثل نحو 57 في المائة من ساعات العمل في الولايات المتحدة، وتتضمن أدوار التصنيع والنقل والخدمات اللوجيستية.

مع ذلك، أكدت الشركة أن الاحتمال الأكبر أن تعيد الأتمتة تشكيل الوظائف، بدلاً من إلغائها، مُحوّلة العمل البشري نحو الإشراف والتنسيق.

وفيما يخص المؤسسات، يتسم هذا التمييز بأهمية بالغة؛ فمع انتقال أنظمة الذكاء الاصطناعي المادية إلى مرحلة الإنتاج، يحتاج قادة تكنولوجيا المعلومات إلى اتخاذ قرارات تتجاوز تطوير البرمجيات. على سبيل المثال، يتطلب تبني الروبوتات الآن تنسيقاً بين أقسام تكنولوجيا المعلومات والعمليات والسلامة وتخطيط القوى العاملة، إلى جانب سياسات حوكمة واضحة للأنظمة المستقلة.

إذن وفي عام 2026، من المتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي المُجسّد أحد أبرز المؤشرات على انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى العمليات اليومية.

استعدادات عام 2026

والآن، ما الذي يجب على المؤسسات الاستعداد له خلال عام 2026؟ الواضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في المشروعات التجريبية أو الأدوات المستقلة. ويجري نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر تطبيقات الأعمال الأساسية والبنية التحتية السحابية والعمليات المادية.

ومن المتوقع أن يضطلع الذكاء الاصطناعي الوكيل بمهام عبر منصات متعددة، وستعمل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في بيئات الإنتاج السحابية، وستعمل الأنظمة الآلية جنباً إلى جنب مع القوى العاملة البشرية في الخدمات اللوجيستية والتصنيع.

وسيتولى الذكاء الاصطناعي الوكيل تنفيذ المهام عبر منصات متعددة، وستعمل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في بيئات الإنتاج السحابية، وستعمل الأنظمة الآلية جنباً إلى جنب مع القوى العاملة البشرية في الخدمات اللوجيستية والتصنيع. ولدعم هذا التحول، ستحتاج المؤسسات إلى حوكمة قابلة للتنفيذ لمجال الذكاء الاصطناعي، وبنية تحتية إنتاجية، وملكية واضحة، وضوابط يمكن أن تتماشى مع ظروف العالم الحقيقي.


مقالات ذات صلة

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

خاص الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط) p-circle 01:03

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً لرؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص.

زينب علي (الرياض)
خاص الفجوة الحقيقية في تطبيق الشمولية تكمن في نقص التدريب والمعرفة لا في غياب النية (غيتي)

خاص «التصميم الشامل» في عصر الذكاء الاصطناعي... من «قائمة التحقق» إلى ثقافة مؤسسية

تقول شركة «لينوفو» إن «التصميم الشامل» يتقدم، لكنه يحتاج تدريباً، وثقافة مؤسسية، وحوكمة ذكاء اصطناعي لضمان شمولية حقيقية.

تكنولوجيا لوسيا كامينوس أول بطلة رئيسة في "غراند ثيفت أوتو 6"

ما ملامح ألعاب الفيديو في 2026؟

ثمة لعبة واحدة ستحدد، على ما يبدو، ملامح العام الجديد. وقد ثارت حولها ضجة كبرى بالفعل لدرجة تعزز احتمالات أن تطغى على أي شيء آخر.

«الشرق الأوسط» (سان خوسيه - ولاية كاليفورنيا)
إعلام "تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

قالت المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط إن استراتيجية المنصة في المنطقة ترتكز على دعم بناء «اقتصاد إبداعي مستدام».

مساعد الزياني (الرياض)
علوم «الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.