كوريا الجنوبية في قلب «لعبة التوازن الصعب» بين الصين وأميركا

«معجزة النهضة الكورية» رفعت البلاد في 4 عقود إلى مرتبة القوة الاقتصادية الثامنة في العالم

Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)
Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)
TT

كوريا الجنوبية في قلب «لعبة التوازن الصعب» بين الصين وأميركا

Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)
Protesters attend a rally calling for impeached South Korean President Yoon Suk Yeol to step down near the Constitutional Court in Seoul, South Korea, Monday, March 17, 2025. The letters read "Arrest Yoon Suk Yeol " (AP Photo/Ahn Young-joon)

أعادت الاتفاقية الأمنية والتجارية، التي وقّعتها سيول وواشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كوريا الجنوبية إلى قلب لعبة التوازن الصعب بين التجاذبات الصينية والأميركية التي تشكّل الهاجس السياسي الرئيسي للكوريين الجنوبيين. تسلط «الشرق الأوسط» في هذا التقرير من سيول، الضوء على التجاذبات التي تشهدها كوريا الجنوبية منذ إعلان الرئيس السابق يون سوك يول الأحكام العرفية التي تسببت في إطاحته عام 2024. كما يسلط التقرير الضوء على الانقسامات بين معسكر يدفع باتجاه تعميق التحالف مع الإدارة الأميركية الجديدة، ورصّ الصفوف الإقليمية في مواجهة الصعود الصيني، ومعسكر يدعو إلى الإبحار في الاتجاه المعاكس خشية وقوع المنطقة مجدداً في براثن الصراع بين القوى الكبرى.

في أواسط القرن الثامن عشر، وبسبب سياسة الانغلاق التي كانت تنتهجها السلالات الملكية الحاكمة في شبه الجزيرة الكورية والتقشّف الذي كانت تفرضه على رعاياها، أُطلق على كوريا لقب «المملكة الناسكة» التي كانت، نظراً لأهمية موقعها الجغرافي، محطّ مطامع الإمبراطوريتين الآسيويتين الكبريين: الصينية واليابانية. وبعد الحرب الطاحنة التي أخضعت فيها اليابان، التي تُعرف بـ«بلاد الشمس الطالعة»، منافستها الصينية على الزعامة الإقليمية، ثم بعد انتصارها على روسيا، وقعت كوريا في قبضة الاستعمار الياباني الذي تميّز بممارسات تنكيلية وقسوة ما زالت تحفر في عمق الذاكرة الكورية إلى اليوم.

بعد هزيمة اليابان واستسلامها في نهاية الحرب العالمية الثانية، تقاسمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي شبه الجزيرة الكورية: الشمال تحت نفوذ موسكو، ورئاسة حليفها كيم إيل سونغ، المعروف بعدائه الشديد لليابان، والجنوب تحت سيطرة واشنطن التي وضعت على رأس السلطة في سيول السياسي اليميني سينغمان ري، الذي كان منفياً في الولايات المتحدة. لكن بعد أقل من 5 سنوات على ذلك التقسيم الاعتباطي، اندلعت «الحرب الكورية» الضارية عندما اجتاحت قوات الشمال، مدعومة من الاتحاد السوفياتي والصين، القسم الجنوبي من شبه الجزيرة، فتدخلت الولايات المتحدة بذريعة «وقف الاعتداء»، كما وصفه المندوب الأميركي يومذاك في مجلس الأمن، علماً أن بكين كانت ما زالت غائبة عنه قبل الاعتراف رسمياً بعضويتها في الأمم المتحدة عام 1971. وكان مندوب الاتحاد السوفياتي غائباً هو أيضاً عن جلسات مجلس الأمن في تلك الفترة، بعد أن كانت موسكو قد قررت مقاطعة الأمم المتحدة احتجاجاً على عدم قبول عضوية الصين.

كانت الحرب الكورية من أكثر الحروب دموية ودماراً في التاريخ، فاتحة «الحروب بالوكالة» التي شهدتها الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وألحقت دماراً هائلاً في البنى التحتية الضعيفة، متسببة في مرحلة مديدة من الفقر الشديد والمجاعة، فضلاً عن وقوع خسائر بشرية فادحة بين الطرفين: 700 ألف قتيل، نصفهم من المدنيين، في القسم الجنوبي، و750 ألفاً في القسم الشمالي، بينهم 400 ألف جندي صيني. وقد خسرت الولايات المتحدة في تلك الحرب ما يزيد على 55 ألف جندي، وأكثر من 100 ألف جريح، ودُمّرت 2700 من طائراتها، فيما وقع 3 آلاف قتيل في صفوف قوات الأمم المتحدة، التي شاركت فيها أكثر من 15 دولة. ويقدَّر عدد الضحايا الإجمالي، التي خلّفتها تلك الحرب، بنحو 5 ملايين، بينهم ما يزيد على 3 ملايين مدني.

عندما وضعت تلك الحرب أوزارها في صيف عام 1953 أعلن كل من الطرفين «انتصاره»، وتمّ التوقيع على وقف لإطلاق النار من غير إبرام أي معاهدة صلح أو سلام، وأعلنت الأمم المتحدة إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعرض 4 كيلومترات على طول الحدود الفاصلة بين الطرفين، وتشكلت لجنة للتحقيق في جرائم الحرب التي شملت اغتيالات جماعية للشيوعيين على أيدي قوات كوريا الجنوبية، وتعذيب وتجويع الأسرى على يد قوات الشمال.

يقول البروفسور جي بين، المحاضر في كلية العلوم السياسية بجامعة سيول المركزية، ومؤسس معهد الدراسات السياسية، إنه عندما توقفت الحرب كانت جميع المدن الكورية قد دُمّرت بكاملها تقريباً، وإن القصف الجوي والبري والبحري الذي تعرّضت له كوريا الشمالية، لا مثيل له في تاريخ البشرية. يضيف جي بين: «الذين شاهدوا ذلك الدمار، وأنا منهم عندما كنت في صباي الأول، شاهدوا شعباً بكامله مقهوراً فوق الركام، ومحبطاً في مصيره بعد حقب الاستعمار المديد والحروب المدمرة، ويائساً من قدرته على النهوض والعيش بسلام».

يعتبر جي بين في مؤلفه «معجزة النهضة الكورية»، وهي النهضة الاقتصادية التي شهدتها كوريا الجنوبية منذ نهاية الحرب حتى عام 1996، أن هذه النهضة لا نظير لها في التاريخ، وأنها تتجاوز النهضة التي عرفتها كل من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية. فقد شهدت كوريا الجنوبية، خلال تلك الفترة، وخاصة عاصمتها سيول، حيث يعيش نصف سكان البلاد، تطوراً صناعياً وتكنولوجياً وتعليمياً سريعاً، وارتفاعاً في مستوى الحياة وجودة الخدمات الأساسية، رفعها في 4 عقود إلى مرتبة القوة الاقتصادية الثامنة في العالم. وتزامنت تلك النهضة مع مرحلة «النضوج» في نظام الحكم، تعاقبت عليها في بداياتها حكومات عسكرية مستبدة إلى أن أجريت أول انتخابات حرة وعادلة في عام 1987، وراح النظام الديمقراطي يترسّخ فيها حتى أصبحت قدوة في محيطها الإقليمي من حيث نزاهة انتخاباتها ومحاسبة كبار المسؤولين عن الشطط والفساد في الحكم. وكان لتلك النهضة الاقتصادية، والارتقاء في النظام الديمقراطي، كبير الأثر في الشعور بالاعتزاز الذي يتميّز به الكوريون اليوم، والذي أصيب بصدمة كبيرة أواخر عام 2024 عندما أعلن الرئيس يون سوك يول الأحكام العرفية، متهماً الحزب الديمقراطي المعارض بالتواطؤ مع نظام كوريا الشمالية للانقلاب على الحكم، وأصدر أوامره بمنع الأنشطة السياسية والبرلمانية، وألغى حرية الصحافة.

تلك كانت أول مرة تُعلن فيها الأحكام العرفية في كوريا الجنوبية منذ عام 1980 عقب اغتيال الديكتاتور بترك شونغ هي. لكن كان قد سبقها 17 إعلاناً للأحكام العرفية منذ تشكيل الحكومة الأولى بعد الحرب العالمية عام 1948.

بعد ساعات قليلة على صدور قرار الأحكام العرفية، سارعت جميع الأحزاب السياسية، بما فيها الحزب الحاكم، إلى إعلان معارضتها للقرار، فيما اعتبر الحزب الديمقراطي، وهو حزب المعارضة الرئيسي الذي يسيطر على الأغلبية في البرلمان، أن يون لم يعد رئيساً للبلاد، ودعا المواطنين للنزول إلى الشوارع والتوجه نحو البرلمان، ودخلت كوريا الجنوبية في أزمة سياسية أعادت إلى الأذهان مرحلة الانقلابات العسكرية المتتالية التي كان الكوريون الجنوبيون ظنّوا أنها أصبحت من الماضي. وبعد جلسة صاخبة في البرلمان، صوّت النواب بأغلبية ساحقة، كان ضمنها عدد من أعضاء الحزب الحاكم، لرفع الأحكام العرفية، ما اضطر يون إلى عقد اجتماع طارئ لحكومته، تقرر فيه الإذعان لقرار البرلمان وإلغاء الأحكام العرفية.

استمرت التجاذبات بين يون والبرلمان عدة أسابيع، غرقت فيها كوريا الجنوبية في حال من الفوضى السياسية، فيما كانت دول عديدة تطلب من رعاياها عدم السفر إلى سيول، والحلف الأطلسي يحذّر كوريا الشمالية من استغلال الوضع للقيام بأي عمل عسكري ضد الجارة الجنوبية. وفي 15 يناير (كانون الثاني) من عام 2025، صدر أمر باعتقال يون ليصبح أول رئيس في تاريخ كوريا يلقى القبض عليه، ثم صدر قرار عن المحكمة الدستورية في 4 أبريل (نيسان)، يؤكد القرار الذي كان صدر عن البرلمان بعزله نهائياً من الرئاسة.

في 3 يونيو (حزيران) الفائت ذهب الكوريون الجنوبيون مجدداً إلى صناديق الاقتراع لانتخاب خلف ليون، ففاز في الانتخابات زعيم المعارضة لي ​جيه-ميونغ، الذي كان خسر في الانتخابات السابقة أمام يون. بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 79 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ عودة الديمقراطية.

لكن رغم عودة مياه المسار الديمقراطي إلى مجاريها، لا تزال كوريا الجنوبية تعاني من شرخ سياسي واجتماعي عميق، وخيبة واسعة نشأت عن صدمة محاولة الانقلاب على النظام الديمقراطي التي قام بها الرئيس السابق. وقد ازداد هذا الانقسام السياسي حدة وتعقيداً في ضوء التداعيات الإقليمية للتحولات الجيو-استراتيجية العالمية، والسياسة التي تنتهجها الإدارة الأميركية في المنطقة، خاصة بعد الزيارة التي قام بها الرئيس دونالد ترمب إلى سيول في أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، والاتفاقية الأمنية والتجارية التي وقّعها الطرفان، والتي أعادت كوريا الجنوبية إلى قلب لعبة التوازن الصعب بين التجاذبات الصينية والأميركية، التي تشكّل الهاجس السياسي الرئيسي للكوريين الجنوبيين.

تنصّ الاتفاقية التي وقّعتها كوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة خلال زيارة ترمب، على تعهد سيول باستثمار 350 مليار دولار في السوق الأميركية خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو مبلغ يكاد يعادل 5 إجمالي الناتج القومي لكوريا الجنوبية في عام 2024. وكانت واشنطن أبلغت سيول، خلال زيارة وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى العاصمة الكورية، بأنه في حال وقوع صدام مباشر بين الولايات المتحدة والصين حول مراكز اقتصادية حساسة، مثل جزيرة تايوان أو طرق الملاحة في بحر الصين، لن يكون مسموحاً لكوريا الجنوبية بأن تقف على الحياد أو تنأى عن التدخل. والمعروف أن القوات المسلحة الكورية الجنوبية ما زالت إلى اليوم، بموجب المعاهدة التي وقّعتها سيول مع واشنطن في نهاية الحرب الكورية، تخضع لقيادة القوات الأميركية في حال نشوب حرب أو المشاركة في صراعات عسكرية خارجية. ويعلّق الكوريون الجنوبيون أهمية كبيرة على التخلص من هذه التبعية التي كانت واشنطن وعدت برفعها العام الماضي، لكن الإدارة الأميركية عادت وغيّرت رأيها واقترحت تأجيل القرار إلى عام 2027 من غير إعطاء ضمانات بذلك.

وقبل أيام حذّرت حكومة كوريا الشمالية من أن البرنامج النووي المشترك بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، الذي نصّت عليه الاتفاقية المذكورة الموقعة بين واشنطن وسيول، ويتضمّن تكليف هذه الأخيرة بناء غواصات نووية، دليل على عدوانية واشنطن وحليفتها الكورية، وأن الهدف المعلن لنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية يقتصر فحسب على نزع سلاح كوريا الشمالية. ورغم أن غالبية الكوريين الجنوبيين رحّبوا بهذا البرنامج من باب الاعتزاز بالقدرات التكنولوجية الوطنية في الميدان النووي، حيث كوريا الجنوبية هي إحدى الدول الأربع في العالم، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، القادرة على بناء محطات نووية في الخارج، لكن كثيرين يحذرون من عواقب هذا الاتجاه الذي من شأنه أن يطلق سباقاً إقليمياً للتسلح النووي.

ويكرر مسؤولون كوريون جنوبيون أن المشكلة الرئيسية، والمتفاقمة منذ سنوات، في العلاقات مع الولايات المتحدة، هي أن واشنطن تواصل مطالبة حلفائها بالمزيد، في الوقت الذي تعدهم بتغطية أمنية أقل وتخضعهم للابتزاز التجاري. وهذا ما يدفع الحكومات الآسيوية، كما يبدو، إلى التساؤل اليوم حول كيفية تأمين الحماية الأمنية في هذه المرحلة المضطربة مع صعود قوة الصين وظهور طموحاتها الإقليمية. وكان الرئيس الأميركي ترمب قد أوفد مبعوثين مؤخراً إلى المنطقة الآسيوية ليطلب من الحكومات الحليفة أن تتحمل المزيد من المسؤوليات الأمنية والعسكرية «لأن القوات والطائرات والسفن الحربية الأميركية لن تبقى في المنطقة إلى الأبد لحمايتكم»، بحسب ما قال في إحدى تغريداته على منصة «تروث سوشال». لكنه حذّر في نفس الوقت من تعميق الروابط التجارية مع الصين، وهدّد بعواقب اقتصادية لمن يرفض التجاوب بجعل الولايات المتحدة الشريك التكنولوجي والتجاري المفضّل، ويدعم ذلك باستثمارات مليارية في السوق الأميركية.

في غضون ذلك، يتجه المشهد السياسي في كوريا الجنوبية إلى مزيد من الانقسام بين معسكر يدفع باتجاه تعميق التحالف مع الإدارة الأميركية الجديدة، ورصّ الصفوف الإقليمية في مواجهة الصعود الصيني، ومعسكر يدعو إلى الإبحار في الاتجاه المعاكس خشية وقوع المنطقة مجدداً في براثن الصراع بين القوى الكبرى، فيما يلتقي المعسكران حول شعور يتنامى بالاعتزاز القومي بعد الإعلان عن الغواصة النووية الأولى التي ستخرج من أحواض السفن الكورية الجنوبية، وستكون لسلاح بحرية اليابان، القوة الاستعمارية التي أذلّت الكوريين الجنوبيين على مدى عقود.


مقالات ذات صلة

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

حصاد الأسبوع إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات

محمد أمين ياسين (نيروبي (كينيا))
حصاد الأسبوع جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع رام إيمانويل (أ.ب)

أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

إلى جانب جاي بي بريتزكر، تتداول الأوساط الديمقراطية مجموعة أسماء مرشحة لـ«البيت الأبيض» تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل الحزب، ما يعكس حيوية مشوبة بالارتباك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أحد الطائرات الحربية تجسد مقاربة واشنطن الجديدة (آ ب)

واشنطن تفرض أولوياتها الاستراتيجية في أميركا اللاتينية

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ اليوم الأول بعد عودته إلى البيت الأبيض، مطالع العام الماضي، «اهتمام» الولايات المتحدة بجوارها الأميركي اللاتيني بشكل غير

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع جيمس مونرو (غيتي)

«عقيدة مونرو»... وفق معايير «الحقبة الترمبية»

> يطلق مصطلح «شرعة مونرو» على السياسة الخارجية الأميركية التي تعارض تدخل الدول الأوروبية في شؤون بلدان النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي الولايات المتحدة،


إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»
TT

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات إلى أن إسرائيل تخبئ أهدافاً خفيّة من هذه الخطوة، تتمثل في التموضع استراتيجياً وأمنياً في سواحل أرض الصومال والقرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، مما يتيح لها مواجهة تهديدات جماعة «الحوثي» الموالية لإيران في اليمن داخل أراضيها، ويحقق لها البعد الحيوي الجيوبولتيكي للصومال أطماعاً قديمة تضع الإقليم على أعتاب مرحلة جديدة من صراع القوة والنفوذ.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشكل مفاجئ، اعتراف إسرائيل رسمياً بـ«أرض الصومال» -الكيان الانفصالي غير المعترف به دولياً- دولة مستقلة. وعلى الفور سارعت السلطات الصومالية في العاصمة مقديشو، ومعها كل من المملكة العربية السعودية ومصر والاتحاد الأفريقي والكثير الدول العربية والأفريقية إلى إدانة هذا الاعتراف.

مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذكر، حينذاك، أن توقيع الاتفاق مع «أرض الصومال» جاء للاعتراف المتبادل. وأردف أن تل أبيب تعتزم توسيع علاقاتها فوراً، من خلال تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة بما يتضمّن فتح سفارات وتعيين سفراء.

وبعد نحو 10 أيام من هذا الاعتراف، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر «أرض الصومال». وكما هو متوقع، ندّدت جمهورية الصومال بهذه الزيارة، ودعت دول الجوار الأفريقي إلى احترام سيادة الصومال ووحدة أرضيها. وكذلك إلى إعلان وقوفها خلف الدولة والشرعية ودعم «الصومال الموحد» في مواجهة مشروع التقسيم، وما قد يترتب عليه من فوضى تمزّق هذا البلد الأفريقي العربي، وتتعداه لتهدد الأمن والاستقرار في كل دول المنطقة.

حضور إسرائيلي قديم

جدير بالذكر أنه على الرغم من أن لإسرائيل حضوراً قديماً في منطقة «القرن الأفريقي»، وتربطها علاقات دبلوماسية مع كل من دول كينيا وإثيوبيا ومصر وأوغندا وجنوب السودان، ينظر خبراء ومتخصصون في شؤون السياسة الأفريقية والعربية، إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من إسرائيل لتوسيع نطاق نفوذها في «أرض الصومال». وتعد أوساط إقليمية معنية هذا التطوّر أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي محتمل، لا سيما أنه قد يغدو قريباً ورقة ضغط وابتزاز فعالة وخطيرة في مواجهة عديد من الدول العربية والأفريقية في «القرن الأفريقي» ومنطقة الشرق الأوسط.

أهمية استراتيجية لإسرائيل

يشدد الصحافي والباحث السياسي عبد المنعم أبو إدريس، على القول إن هذا الاعتراف يعزّز وجود إسرائيل الدبلوماسي في أفريقيا، وعلى وجه الخصوص في «القرن الأفريقي». ويضيف: «تبرز هنا أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأرض الصومال، فهي تقع في واجهة ممرّين مهمّين، هما المحيط الهندي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر عند مدخل مضيق باب المندب».

ويقول إدريس، وهو مؤلف كتاب بعنوان «مدخل إلى القرن الأفريقي... القبيلة والسياسة»، إن لدى إسرائيل اهتماماً قديماً بالمنطقة ومضيق باب المندب تحديداً. ولقد سعت منذ وقت مبكر لاستئجار جزيرة دهلك الإريترية، وتتردّد أيضاً أحاديث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في الجزيرة.

ويتابع أبو إدريس سرده قائلاً: «الوجود الإسرائيلي راهناً في منطقة أرض الصومال -التي كانت تُعرف في الماضي الاستعماري بـ«الصومال البريطاني»- يقرّبها من اليمن، وتهديدات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران التي تشن هجمات متكرّرة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر».

ثم يوضح أنه إبّان الحرب على قطاع غزة، أطلقت جماعة الحوثي المدعومة من إيران عشرات الصواريخ والمسّيرات، باتجاه إسرائيل، دعماً لحركة «حماس»، وأعلنت مسؤوليتها عن عدد من الهجمات. ووفقاً لتقديرات أبو إدريس، فإن إسرائيل من خلال حضورها في هذا الموقع الجغرافي المهم، ستستطيع أن تلعب أدواراً مهمة في مساندة أطراف في الإقليم لديها معها علاقات وطيدة، بما يرجّح كفتها.

كل شيء متصل

من جهته، يقول الدكتور عمر حمد الحاوي، أستاذ العلوم السياسية المقيم في فرنسا، إنه «لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولةً مستقلةً، بمعزل عن الحرب التي دارت في قطاع غزة وإيران، وسعيها بقوة للقضاء على حلفاء إيران، خصوصاً ذراعها (حزب الله) وجماعة الحوثيين في اليمن. إذ إنها -أي إسرائيل- ترى فيها بؤراً مهدِّدة لأمنها القومي». وللعلم، لأكثر من ثلاثة عقود امتنع المجتمع الدولي عن الاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً عن مقديشو، لكن تربطها علاقة قوية مع إثيوبيا التي خرجت منها «الحركة الوطنية الصومالية» بقيادة عبد الرحمن طور، أيام نظام الرئيس السابق منغستو هيلا مريام، وهي أول دولة تفتح بعد سنوات قليلة قنصلية هناك.

في لقاء مع «الشرق الأوسط» اتفق الدكتور الحاوي، مع ما ذهب إليه أبو إدريس، بأن الخطوة الإسرائيلية ترتبط باستراتيجية قديمة، كانت تخطط لها بحكم وجودها في منطقة «القرن الأفريقي» منذ بدايات الستينات، وأكد إن إسرائيل «درجت على استغلال الصراعات الداخلية، لتعظيم نفوذها أكثر في دول أفريقيا. ثم أردف: «لقد ظلت أرض الصومال تصارع لفترة طويلة للحصول على الاعتراف بها كياناً مستقلاً. وبالتالي، فإن أي اعتراف مهما كان حجم تأثيره يُعد مكسباً لها، ومقابل ذلك تعاني إسرائيل نفسها من عزلة في المنطقة».

ويستطرد الحاوي: «لذلك سعت للاعتراف باستقلال أرض الصومال، التي يمكِّنها موقعها من الوصول إلى مضايق مائية ذات أهمية استراتيجية، ومدخلاً إلى دول في منطقة الشرق الأوسط بعضها معادٍ لها». وهنا يشير خبراء آخرون إلى أن من أبرز دوافع إسرائيل وراء تقوية علاقتها بدول في القرن الأفريقي، زعمها الشعور «بالخطر والتهديد الأمني المستمر لوجودها»، ولذلك تبحث عن دول تطبّع معها العلاقات.

في هذا الصدد، يوضح الحاوي «هذا البعد الحيوي جداً، والحقيقة أنه يحقّق موقع الصومال الجيوسياسي لإسرائيل أطماعها في إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، ويدنيها من خريطة الصراع في اليمن وإيران». ثم يقول: «إن أهم نيَّات إسرائيل هي تأسيس قواعد عسكرية في سواحل أرض الصومال... وهي عبر وجودها العسكري والأمني هناك ترى أنها ستستطيع حماية مصالحها في المنطقة، والقضاء على الجبهات المتحالفة أو المدعومة من إيران في لبنان وسوريا وغزة، وتدعم المقاومة في فلسطين». وحقاً، يُجمع المحللون على أن الوجود العسكري الإسرائيلي في «القرن الأفريقي» ومدخل البحر الأحمر، يُشكل خطورة متعاظمة، من استخدام القواعد البحرية في المهام العسكرية المختلفة، ويرون أن الخطر الأكبر يبرز، بالذات، في استغلالها محطّات متطوّرة تقنياً لأغراض استخباراتية تجسّسية على دول المنطقة.

خيارات صفرية

من ناحية ثانية، لا يرى الدكتور الحاوي أن وجود إسرائيل في «أرض الصومال» والبحر الأحمر، مجرد تهديد عسكري وأمني، بل يرى أنه يمتد إلى الاقتصاد وأمن الملاحة والتجارة في أهم المضايق العالمية... ويوضح: «هذا الوجود يبعث بمخاوف من أن يمتد ذلك لخنق وحصار المنطقة».

في السياق عينه، يستبعد الحاوي وجود القدرة عند دول المنطقة على وقف التوسّع الإسرائيلي واحتوائه. وبناءً عليه، يقترح أن «الخيار المتاح أمامها -أي دول المنطقة العربية- هو الاعتراف بـ(أرض الصومال)، وتبادل السفارات معها كدولة مستقلة، كأقوى ورقة ضغط يمكن أن تدفعها للحد من نفوذ إسرائيل على أراضيها». غير أن الحاوي يستدرك ليقول إن هذا الخيار «قد يفتح، في المقابل، أبواباً واسعة أمام طموحات بعض الأقاليم التي ترغب في الانفصال عن دولها الأم».

«مشروع تآمري»... في حرب المياه

بالتوازي، يعتقد البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، أن «دخول إسرائيل يزيد الوضع الإقليمي تعقيداً، وقد يقطع الطريق أمام أي ترتيبات لعودة أرض الصومال، سواءً كان ذلك في إطار نظام كونفدرالي للوحدة مع جمهورية الصومال، مسنودةً بالتعاون الوثيق بين إسرائيل وإثيوبيا».

ومن ثم، يلفت مكي في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «أرض الصومال» لم تكن تحت سيادة الصومال -الصومال الإيطالي سابقاً- قبل عام 1961، بل كانت تحت الاستعمار البريطاني، ونالت استقلالها قبل فترة وجيزة من الصومال الذي كان تحت الحكم الإيطالي. ثم ذكّر بأن «إثيوبيا فتحت لها قنصلية في هرجيسة، عاصمة أرض الصومال وكبرى مدنها. وكان هذا أول تمثيل دبلوماسي أجنبي في (أرض الصومال)، وهدفه بالنسبة إلى أثيوبيا -المعزولة عن البحار- الاستفادة من ميناء بربرة ذي الأهمية الاستراتيجية على المحيط والبحر الأحمر».

مكي أشار، من جانب آخر، إلى أن «اعتراف إسرائيل بـ(أرض الصومال) يهدف أيضاً إلى تقليص الوجود المصري الكبير، وإمكانية انتزاع اعتراف من الدول الأفريقية بـ(أرض الصومال) دولةً مستقلة، تمهيداً لحرب المياه المقبلة... بالتزامن مع عزم إثيوبيا على بناء مزيد من السدود والخزانات على الأنهار والخيران التي تغذّي نهر النيل، والقادمة من الهضبة الإثيوبية».

وألمح البروفسور مكّي، وهو خبير متخصص، إلى وجود «مشروع تآمري» جارٍ التخطيط له، وهو يهدف إلى حصار المنطقة وتطويقها، وأن بعض أطرافه أفريقية وعربية. إذا قال: «هذا المشروع يبدأ من (أرض الصومال) لشغل الجيش المصري بحرب المياه». وأردف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاعتراف الإسرائيلي ستكون له تأثيرات على صراع المواني والجيوسياسة، على البحر الأحمر... وبالتالي، لا بد من القول: دعونا ننتظر منذ الآن لمعرفة هوية الدولة (العربية) الثانية التي ستعترف علناً بـ(أرض الصومال)».

«أرض الصومال»... في سطور

الجدير بالإشارة أنه يرأس «أرض الصومال» اليوم، عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «عرو»، وكان قد انتُخب للمنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مرشحاً عن حزب «وطني». وفي موضوع المطلب الاستقلالي، في 2001 أجرى في «أرض الصومال» استفتاءً على مشروع دستور للانفصال عن الصومال، صوّت فيه 97.1 في المائة لصالح الاستقلال. أما بشأن الانتخابات النيابية، فتجرى انتخابات تعدّدية بانتظام في البلاد منذ عام 2003.

«عرو» هو سادس رئيس لـ«أرض الصومال» منذ انفصال الإقليم عن جمهورية الصومال في مايو (أيار) 1991، ومن أبرز التحديات التي طرحها خلال الحملة الانتخابية: البحث عن الاعتراف الدولي لتحديد شكل العلاقة مع الصومال. والنظر في مذكرة التفاهم التي أبرمها النظام السابق مع إثيوبيا... التي أثارت الكثير من الجدل في منطقة القرن الأفريقي. ومعالجة بعض التوترات في مناطق محدودة بإقليم «سول». هذا بالإضافة إلى تعهده بانضمام «أرض الصومال» إلى كلٍّ من الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ومنظمة الكومنولث، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد).

هذا، وفي مطلع 2024، كان موسى بيحي عبدي، الرئيس السابق لـ«أرض الصومال»، قد وقّع مذكّرة تفاهم مع إثيوبيا، حصلت بموجبه الأخيرة على مَنفذ بحري يتضمّن ميناء تجارياً وقاعدة عسكرية في بربرة، لمدة 50 سنة.

جغرافياً تقع «أرض الصومال» في الجزء الشمالي من الصومال، تحديداً في البر الرئيسي لشمال شرقي أفريقيا (المعروف بـ«القرن الأفريقي») على شاطئ خليج عدن. وتحدّها إثيوبيا من الغرب، وجيبوتي (الصومال الفرنسي، ثم أرض العفر والعيسى سابقاً) من الشمال الغربي، وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن. وعقب سقوط العاصمة مقديشو في عام 1991، أعلن الجزء الشمالي المُسمى حالياً «أرض الصومال» (صومالي لاند)، استقلاله عن البلاد.

يبلغ عدد سكان «أرض الصومال» اليوم نحو 6 ملايين نسمة، وكبرى مدنها العاصمة هرجيسة، تليها بورعو وبربرة، التي هي الميناء الرئيسي على خليج عدن. أوساط إقليمية تعد علاقات إسرائيل و«أرض الصومال» أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي


جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
TT

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة الأميركية على إيقاع شعار «أميركا أولاً»، والثانية ضد ارتباكه الداخلي المزمن في الإجابة عن سؤال الناخب البسيط: ما الذي ستفعله لنا غداً؟ في هذا الفراغ بين القلق الانتخابي وأزمة الرسالة، يتقدم اسم حاكم ولاية إلينوي، جاي بي بريتزكر، بوصفه واحداً من أكثر «البدائل التنفيذية» جاهزية، أو على الأقل أكثرها اختباراً. وهذا، ليس لأنه الأكثر شعبوية أو الأكثر جاذبية أمام الكاميرا، بل لأنه يمثل نموذجاً نادراً داخل الحزب: رجل ثريّ لم يأتِ ليعتذر عن ثروته، وحاكمٌ يحاول أن يحول «ولاية صعبة» إلى منصّة وطنية، وسياسيٌّ يتقن المواجهة مع دونالد ترمب من دون أن يصبح نسخةً منه.

يُختصر جاي روبرت (جي بي) بريتزكر غالباً في كلمة واحدة: «ملياردير». إلا أنه، في سرديته الشخصية، أقرب إلى ابن سلالة أميركية تقليدية صعدت من الهجرة إلى القمة الاقتصادية ثم إلى العمل العام.

وُلد بريتزكر يوم 19 يناير (كانون الثاني) 1965 في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، ونشأ في أثيرتون، داخل عائلة بريتزكر ذات الجذور اليهودية الأوكرانية التي ارتبط اسمها تاريخياً بشيكاغو والأعمال والفنادق والعمل الخيري.

تاريخ العائلة اليهودية الثرية نفسه جزء من «الحلم الأميركي»: هجرة من كييف أواخر القرن التاسع عشر إلى شيكاغو. ثم بناء ثروة عبر المحاماة والاستثمار والعقار، وصولاً إلى تأسيس سلسلة فنادق «حياة» (هايات) التي بدأت عام 1957 عندما اشترى عمه جاي بريتزكر فندقاً قرب مطار لوس أنجليس، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أشهر العلامات في الضيافة العالمية. وفي بيت كهذا، يصبح الاسم رأس مالٍ قبل أن تكون الثروة مالاً.

إلا أن نشأة جاي بي حملت أيضاً وجهاً أكثر قسوة مما توحي به الأرقام. فوالده دونالد بريتزكر (كان رئيس «حياة») توفي بنوبة قلبية، وهو في التاسعة والثلاثين عام 1972، ثم توفيت والدته في حادث عام 1982، وهو ما دفعه – وفق سيرته – إلى الانتقال للعيش مع عمته، سيندي بريتزكر، في سن الثانية عشرة.

هذه التفاصيل لا تُذكر عادة في السياسة الأميركية إلا بوصفها مادةً عاطفية، لكنها تساعد على فهم جانب من شخصية الرجل التي تقوم على انضباط شخصي وحذر إعلامي، وميل إلى تحويل السيرة الخاصة إلى «خلفية»، لا إلى «قصة بطولة».

تعليم قانوني وتكوين سياسي مبكر

درس بريتزكر المحاماة، لكنه قبل المسيرة الجامعية، أكمل دراسته المتوسطة والثانوية في أكاديمية ميلتون، إحدى أعرق وأرقى المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، ومن ثم تخرّج في اثنتين من أرقى الجامعات الأميركية وأغناها، إذ حصل على البكالوريوس من جامعة ديوك، ثم إجازة الحقوق من جامعة نورثويسترن.

هذا التكوين القانوني في بلدٍ تحكمه النصوص والمؤسسات بقدر ما تحكمه المشاعر، سيظهر لاحقاً في طريقة إدارته الصدام مع السلطة الفيدرالية، وفي لغته حين يتحدث عن صلاحيات الولايات وحدود البيت الأبيض.

قبل ترشّح بريتزكر وفوزه في انتخابات حاكم ولاية إلينوي، تحرّك طويلاً داخل عالم السياسة من الصفوف الخلفية... دعمٌ مالي للحزب الديمقراطي، وعملٌ تنظيمي، ومحاولات مبكرة للترشّح (منها محاولة لسباق الكونغرس أواخر التسعينات). ثم لعب أدواراً في مؤسسات ولاية إلينوي.

في الوقت نفسه، صنع لنفسه هوية رجل أعمال «يُؤَسِّس» و«يموِّل» و«يدير»، لا يكتفي بأنه مجرد وريثٍ يتنقل بين مجالس الإدارة.

وبالفعل، انخرط في الاستثمار ورأس المال المخاطر، وأسهم في مبادرات مرتبطة بريادة الأعمال في شيكاغو. وساهم في تأسيس العديد من شركات رأس المال الاستثماري، بما في ذلك مجموعة «بريتزكر كابيتال» الخاصة، حيث يشغل منصب الشريك الإداري.

كذلك شارك في تأسيس شركة «شيكاغو فينتشرز»، وموّل شركتي «تيك ستارز شيكاغو» و«بيلت إن شيكاغو» الناشئتين. ووفقاً لمجلة «فوربس»، بلغ صافي ثروته التقديرية 3.9 مليار دولار أميركي اعتباراً من أغسطس (آب) 2025، في حين صنفت العائلة من بين أغنى العائلات في أميركا. وبصفته اليوم حاكم ولاية، فإنه يمتلك ثروة أكبر من ثروة أي حاكم آخر على مدار التاريخ الأميركي. ويُعد ثاني أغنى سياسي يشغل منصباً في الولايات المتحدة، بعد عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ.

الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه

«أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

«الولاية المختبر»...وصعوبة الحكم

حين فاز جاي بي بريتزكر بحاكمية إلينوي (2018)، ثم تولّى منصبه عام 2019، كان يعرف أن الولاية ليست «منصة جاهزة» للنجومية الوطنية. فإلينوي خليط متناقض: مدينة شيكاغو الكبرى بمشاكل العنف والسلاح، والضواحي الليبرالية، والأرياف المحافظة التي تُحسن قراءة خطاب الجمهوريين.

في مثل هذا المكان، يصبح النجاح التنفيذي أكثر قيمة من الخطابة.

على مستوى السياسات، سعى بريتزكر إلى تقديم نفسه كديمقراطي «عملي». وحقاً رفع الحد الأدنى للأجور عبر قانون قاد إلى 15 دولاراً بحلول 2025، وطرح نفسه حليفاً للنقابات عبر تشريعات تعزز حقوق التفاوض الجماعي. وهذه العناوين لخّصت «مدرسته» السياسو – اقتصادية... أي «اقتصادٌ يميل إلى حماية العمال، ولكن من دون قطعٍ كامل مع منطق السوق».

ومن ناحية ثانية، بريتزكر لا يدير ولاية في فراغ.

ولايته كغيرها، كانت مسرحاً لاختبار جائحة «كوفيد-19»، ثم اختبار الانقسام الثقافي الأميركي، ثم اختبار «عودة ترمب» إلى البيت الأبيض، وما تبعها من شدٍّ في علاقة واشنطن بالولايات الديمقراطية. وهنا بالذات، بدأ الرجل يتحوّل من حاكم محلي إلى لاعب مؤثر في مشهد وطني.

حضور وطني

بلغ حضور بريتزكر الوطني ذروته في صيف 2025، حين تصاعدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بإرسال «الحرس الوطني» إلى شيكاغو بذريعة مكافحة الجريمة، في ما اعتبره الديمقراطيون محاولة لاستعراض القوة وتسييس الأمن.

يوم 25 أغسطس (آب) 2025، أعلن بريتزكر صراحة أنه سيحاول منع أي نشر للقوات، واصفاً الخطوة بأنها تعدٍّ غير دستوري على صلاحيات الولاية. وبعد أيام، صعّد ترمب لهجته معلناً «نحن داخلون» إلى شيكاغو، في واحدة من أكثر لحظات التوتر بين البيت الأبيض وولاية ديمقراطية منذ سنوات.

المثير للاهتمام أن بريتزكر لم يواجه ترمب بلغة اليسار الثقافية، بل بلغة القانون والسيادة... متسائلاً: مَن يملك سلطة استدعاء الحرس؟ ومتى تتحوّل «مكافحة الجريمة» إلى ذريعة لتطويع خصوم سياسيين؟

موقفه هذا حصل على غطاء حزبي أوسع عبر بيانات «رابطة حكّام الحزب الديمقراطي» التي رأت في نشر القوات من دون طلب الحاكم «إساءة استخدام للسلطة» واعتداءً على سيادة الولايات.

بل إن المعركة أخذت بُعداً قضائياً عندما أشارت تقارير إلى قرار قضائي في خريف 2025 يقيّد (يوقف مؤقتاً) نشر قوات في محيط شيكاغو، في إشارة إلى حساسية التوازن بين الأمن والفيدرالية.

في الوقت نفسه، حرص بريتزكر على ضرب السردية الجمهورية من داخلها، قائلاً نعم، هناك جريمة، لكن شيكاغو ليست «مدينة خارجة عن السيطرة». وبالفعل، بيّن تقرير لـ«أسوشييتد برس» انخفاض العنف هناك في النصف الأول من 2025 مقارنة بالعام السابق، مع بقاء تحدياتٍ قائمة في بعض المناطق.

كانت هذه النقطة مهمة سياسياً: فبريتزكر أراد نقل النقاش من «قوات ودبابات» إلى «قدرة الدولة المحلية على الإصلاح».

أزمة الديمقراطيين

مع هذا النجاح، لا يراهن الديمقراطيون على الأشخاص وحدهم. فالأزمة أعمق من سؤال «مَن يترشح؟». فالحزب يواجه 3 تحديات متداخلة:

- تآكل الثقة لدى شرائح من الطبقة العاملة والناخبين غير الجامعيين، حيث يرى كثيرون أن الديمقراطيين يتحدثون عن قيمٍ كبرى أكثر مما يقدمون حلولاً يومية قابلة للمس. وثمة تقارير وتحليلات عدة بعد انتخابات 2024 ركّزت على فجوة الثقة في «القدرة على الإنجاز» حتى لدى ناخبين يوافقون على سياسات الحزب من حيث المبدأ.

- الاستقطاب الثقافي الذي نجح الجمهوريون في جرّ الديمقراطيين إليه: التعليم، الكتب، الهوية، الشرطة... وهي ملفات تُدار غالباً بلغة «مع أو ضد»، وتُضعف قدرة الحزب على بناء رسالة اقتصادية جامعة.

- معضلة الأمن والهجرة التي أعادها ترمب إلى صدارة النقاش عبر تكثيف سياسات إنفاذ الهجرة، ما خلق ملفاً مزدوج الحدّ: فرصة للديمقراطيين لمهاجمة «التشدد» إذا أدى إلى تجاوزات، وخطرٌ عليهم إذا بدا الحزب متساهلاً أو منقسماً بين «الإصلاح» و«الإلغاء».

في خلفية ذلك، تقدّم قراءات تاريخية للانتخابات النصفية – مثل قراءة «بروكينغز» لمسار 2026 – أن الحزب الحاكم غالباً ما يواجه رياحاً معاكسة في منتصف الولاية، ما يرفع سقف الرهان لدى الديمقراطيين على أن 2026 قد تكون بوابة العودة السياسية إذا أحسنوا صياغة المعركة.

هنا يظهر بريتزكر باعتباره «ترجمة سياسية» لفكرة الخروج من الحرب الثقافية عبر العودة إلى الاقتصاد والحوكمة.

الرجل لا يتخلى عن ملفات تقدمية (الحقوق الفردية، حماية الأقليات...)، لكنه يحاول ألا يجعلها محور الرسالة الانتخابية. وبدلاً من ذلك، يكرر ثلاثية أقرب إلى «قاموس الطبقة الوسطى»، كالقدرة على العيش وتكلفة المعيشة، والتعليم بوصفه مصعداً اجتماعياً، والأمن كوظيفة دولة، لا كمسرح استعراض.

المفارقة أن ثروته، التي قد تكون عبئاً داخل حزب يرفع خطاب العدالة الاجتماعية، يمكن أن تكون أيضاً سلاح دفاعه. فبريتزكر لا يحتاج إلى مموّلين، بل يستطيع تمويل حملة وطنية، ويتقن لغة الأعمال التي يخاطب بها الأميركيين في زمن القلق الاقتصادي.

«أميركا أولاً» والبحث عن رد غير نخبوي

في مطلق الأحوال، الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه «أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

حتى الآن، يبدو بريتزكر أقرب إلى تقديم ردٍّ يقوم على إعادة تعريف «الأولوية» بأن أميركا القوية لا تغلق الباب وتلوّح بالقوة داخل المدن، بل التي تستثمر في العمال، وتحمي المؤسسات، وتخفف قلق العائلات من الصحة والتعليم والتكلفة.

نجاح هذا الردّ ليس مضموناً، لأن ترمب لا يطرح شعاراً فقط، بل يطرح هوية سياسية كاملة: غضب، وعدو واضح، ووعد سريع.

بريتزكر لم يعلن بعد نية الترشح، ويحرص على إظهار نفسه «حاكماً أولاً». لكن منطق السياسة الأميركية يقول إن «التحضير» يبدأ قبل الإعلان بسنوات... عبر شبكة علاقات، وحضور وطني، وتموضع داخل معارك الحزب الكبرى. ومع كل مواجهة جديدة مع ترمب حول شيكاغو أو صلاحيات الولايات، تتسع مساحة الرجل داخل النقاش الديمقراطي.

في المحصلة، بريتزكر ليس جواباً نهائياً على أزمة الديمقراطيين، لكنه نموذجٌ لجوابٍ محتمل عنوانه: إدارة صارمة، ولغة قانونية في مواجهة «القوة الفيدرالية»، وبرنامجٌ يحاول أن يُقنع الناخب المتردد بأن البديل ليس «خطاباً أجمل»، بل «دولة تعمل». وفي زمنٍ انقسام شعبي عميق، قد يكون حاكم إلينوي أحد المرشحين القلائل القادرين على تحويل تجربة الولاية إلى سردية وطنية...


أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)
TT

أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)

إلى جانب جاي بي بريتزكر، تتداول الأوساط الديمقراطية مجموعة أسماء مرشحة لـ«البيت الأبيض» تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل الحزب، ما يعكس حيوية مشوبة بالارتباك.

وبينما يتحسس الحزب الديمقراطي طريقه نحو المستقبل، تبرز شخصيات يعدها البعض «فرقة النخبة» المؤهلة لخوض سباق 2028، محملة بخبرات تنفيذية من ولايات محورية:

غافن نيوسوم (حاكم كاليفورنيا): يظل المنافس الأبرز والوجه الإعلامي الأكثر حضوراً. إنه يتمتع بقدرة فائقة على السجال التلفزيوني وتمثيل كاليفورنيا كنموذج مضاد للسياسات المحافظة. ولكن بجانب انتقادات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة في ولايته، قد تكون قوته في ولايته أيضاً نقطة ضعفه أمام ناخبين مترددين تجاه «النموذج الكاليفورني».

بيت بوتيجيج - بو دجاج (أ.ب)

رام إيمانويل: رئيس بلدية شيكاغو السابق، ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، والسفير الأميركي السابق لدى اليابان (انتهت مهمته في يناير (كانون الثاني) 2025). يرشحه البعض ليس فقط لأنه اسم «ثقيل» داخل المؤسسة الديمقراطية، بل أيضاً لأن هناك مؤشرات إعلامية حديثة تتحدث عن أنه يختبر فعلياً فكرة حملة 2028 عبر جولات وخطاب يركز على «إصلاح التعليم» في محاولة للاقتراب من الناخبين المتأرجحين الذين يحمّلون الحزب جزءاً من مسؤولية الفوضى السياسية والارتباك البرامجي، وتقديم نفسه كصوت «تجديدي» داخل الحزب في مواجهة ما يصفه بعض الديمقراطيين بجناح «المقاومة» الذي يطغى عليه الصدام الرمزي مع ترمب.

جوش شابيرو (حاكم بنسلفانيا): يمثل الجناح المعتدل والذكي سياسياً. قدرته على الفوز في ولاية متأرجحة وحاسمة تجعله مرشحاً مثالياً لاستعادة أصوات الطبقة العاملة في «حزام الصدأ»، وهو يتبع نهجاً يركز على «الإنجازات الملموسة» بعيداً عن الصراعات الآيديولوجية الحادة.

كمالا هاريس (أ.ب)

غريتشن ويتمر (حاكمة ميشيغان): «قائدة حازمة» صقلتها الأزمات، وتحظى بشعبية هائلة في ولاية حاسمة. تجيد مخاطبة الناخبات في الضواحي، وهي كتلة تصويتية يرى الديمقراطيون أنها مفتاح العودة للبيت الأبيض.

ويس مور (حاكم ماريلاند): النجم الصاعد وأول حاكم أسود للولاية. بخلفيته العسكرية وقدراته الخطابية، يُنظر إليه بوصفه «أوباما القادم»، حيث يقدم خطاباً يمزج بين الأمل والوطنية والعدالة الاجتماعية، ما قد يساعد في استنهاض القاعدة التصويتية للشباب والأقليات.

بيت بوتيجيج - بو دجاج - (وزير النقل السابق): بذكائه الحاد وقدرته على اختراق وسائل الإعلام المحافظة، يظل بوتيجيج خياراً قوياً للجناح المثقف في الحزب، رغم التحديات التي تواجهه في كسب تأييد أوسع بين الناخبين الملوّنين.

كمالا هاريس: نائبة الرئيس السابقة، والمرشحة التي خسرت السباق الرئاسي أمام ترمب العام الماضي. تمتلك خبرة وطنية ودولية، غير أن إرث الإدارة السابقة يفرض عليها تحدياً في إعادة تقديم نفسها.

غريتشن ويتمر (أ.ب)

تتفق هذه الشخصيات على ضرورة «تحديث» الخطاب الديمقراطي، لكنها تتباين في الأسلوب، ما يمهد لانتخابات تمهيدية قد تكون الأشرس في تاريخ الحزب. ومع أن اللائحة تبقى مفتوحة على مفاجآت، لكن القاسم المشترك بين معظم الأسماء هو إدراكهم أن سباق 2028 لن يُحسم بالشخصية وحدها.